ميليشيات الحوثي وصالح تمنع دخول سفن الإغاثة إلى عدن والضالع

المجاعة تفتك بعائلة كاملة وتزايد الوفيات بحمى الضنك.. وأطباء بلا حدود تستقبل 100 جريح في 24 ساعة

يمنيون من محافظة إب يحملون غالونات فارغة على أمل ملئها بالماء بعد تفاقم الأزمة السياسية والانسانية في اليمن نتيجة الحصار الحوثي ومنعهم لشحنات الإغاثة (غيتي)
يمنيون من محافظة إب يحملون غالونات فارغة على أمل ملئها بالماء بعد تفاقم الأزمة السياسية والانسانية في اليمن نتيجة الحصار الحوثي ومنعهم لشحنات الإغاثة (غيتي)
TT

ميليشيات الحوثي وصالح تمنع دخول سفن الإغاثة إلى عدن والضالع

يمنيون من محافظة إب يحملون غالونات فارغة على أمل ملئها بالماء بعد تفاقم الأزمة السياسية والانسانية في اليمن نتيجة الحصار الحوثي ومنعهم لشحنات الإغاثة (غيتي)
يمنيون من محافظة إب يحملون غالونات فارغة على أمل ملئها بالماء بعد تفاقم الأزمة السياسية والانسانية في اليمن نتيجة الحصار الحوثي ومنعهم لشحنات الإغاثة (غيتي)

تتفاقم الأزمة الإنسانية في عدن والضالع وأبين ولحج بشكل مستمر، فعلى الرغم من الجهود الإغاثية المعلنة فإن الميليشيات الحوثية وقوات صالح تحول دون وصول هذه المساعدات الإنسانية إلى السكان المحليين الذين يعانون من وطأة الحرب والحصار معا، فهذه عدن العاصمة الاقتصادية والتجارية للبلاد لم تصلها غير 4 سفن إغاثية، وتلك الضالع المخنوقة برا لم تسمح هذه الميليشيات فيها بعبور 12 شاحنة إغاثة إنسانية تحمل على متنها 6000 سلة غذائية فقط، ومع ضآلتها توقفت عند حدودها الشمالية وتحديدا في مدينتي دمت وقعطبة، وبدعوى أنها ذاهبة إلى الدواعش والتكفيريين في جبهة أقل ما يقال عنها إنها خالية من التنظيم الإرهابي.
هذه الميليشيات والقوات الانقلابية ما فتئت مطالبة بهدنة إنسانية، كما تمارس أبشع صور الحصار، تجاه مدينة عدن والمدن الجنوبية المحيطة بها، فالخضراوات والمواد التموينية ممنوعة من الدخول لعدن، فضلا عن قطع المياه عن مناطق الشيخ ودار سعد والمنصورة بسبب منع وصول الديزل لمضخات بئر ناصر. كما أن رواتب آلاف العائلات لم تصرف منذ ثلاثة أشهر.
وقال الفريق الإنساني لاتحاد المجموعات الجنوبية إن معاناة المجتمع في محافظات الجنوب تزداد تفاقما بمضي الأيام واستمرار حالة الحرب والحصار. وأضاف الفريق في بيان حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه أن «أعداد ضحايا الحرب والحصار في ارتفاع مستمر، في مناطق الجنوب خاصة، فالحرب تسببت في حدوث حالات جوع ومرض بين النساء والأطفال والشيوخ وكبار السن». ولفت الفريق إلى أن «الوضع الإنساني في مناطق الجنوب صعب للغاية، وفي تدهور دائم، في ظل استمرار الاقتتال في عدد من المدن وفي أوساط الأحياء وانعدام المواد الغذائية، وبالتزامن مع أزمة خانقة في المشتقات النفطية، وانقطاع متواصل للتيار الكهربائي».
وأشار الفريق الإنساني إلى أن «ما يقدمه بعض من هم محسوبون على الشرعية من أعذار واهية لمنع توصيل المساعدات الإنسانية إلى مناطق الجنوب ما هو إلا عذر أقبح من ذنب، وأن هناك تعاونا مشتركا وواضحا وشفافا مع بعض وسائل الإعلام، حيث نرى أن هناك تضليلا إعلاميا مفتعلا وتقليلا من حجم الكارثة التي تعيشها محافظات الجنوب».
وقال الفريق الإنساني «إن ما دفعنا للتحدث والخروج عن صمتنا هو الكيل بمكيالين الذي يمارس من قبل بعض من يتغنى باهتمامه بالوطن والمواطن، وبالأصح من الذين انعدمت لديهم الإنسانية، بل وتبين لنا مصرع ضمائرهم، ففي الوقت الذي تعيش فيه عدة مناطق جنوبية كارثة إنسانية، وتتزايد معاناة أبناء المناطق المنكوبة وتتفاقم أوضاعهم، وتتعمق مأساتهم نتيجة الإهمال المتعمد، تتضافر جهود الكثير من المحسوبين على الشرعية للقضاء على أي أمل لوصول الإغاثة إلى النازحين في الجنوب ولهدف في نفس يعقوب، إذ أشارت التقارير إلى أن كل سفن المساعدات الإنسانية التي وصلت ذهبت إلى ميناء الحديدة، والتي قدر عددها حسب التقارير الواصلة إلينا بأكثر من مائة سفينة، مقابل 4 سفن فقط وصلت إلى مناطق النزاع في الجنوب واستقبلها ميناء عدن».
وفي ختام تصريحه، ناشد الفريق الإنساني لاتحاد المجموعات الجنوبية إنزال المساعدات الإنسانية إلى عدن ولحج عن طريق الجو لضمان وصولها والتنسيق مع الجمعيات الجنوبية التي تعمل على إغاثة الشعب بإمكانيات شحيحة.
إلى ذلك، فجعت مدينة الشيخ عثمان في محافظة عدن، الاثنين الماضي، بموت عائلة بكاملها جوعا. وقال سكان محليون لـ«الشرق الأوسط» إن العائلة المكونة من أم وأربعة أبنائها وشقيقتها (ثلاث فتيات لا يتجاوز عمر أكبرهن 12 سنة، وولد في العاشرة من عمره، إلى جانب خالة الأطفال ذات الثلاثين عاما) قضت نحبها جراء المجاعة. وأضاف السكان في أحاديثهم أنه ونتيجة للحصار المفروض على عدن من الميليشيات وأتباع الرئيس المخلوع وما ترتب عليه من انعدام للغاز والكهرباء والماء، لقيت الأسرة حتفها. وأشار هؤلاء إلى أن الحادثة الواقعة في حي الشهيد عمر قد أصابتهم بصدمة كبيرة، كما أصابت سكان مدينة الشيخ عثمان عامة بالذهول والحسرة، إذ إنها لم تكتشف سوى بعد أن طفحت رائحة الموتى إلى خارج المسكن، وهو ما استدعى من عاقل الحي فتح الباب ليتم العثور على المأساة المروعة التي هزت المدينة. ولفت السكان إلى أنه وبعد العثور على أفراد الأسرة وقد تعفنت جثثهم كانت المفاجأة الأكبر أن الأهالي تفقدوا المنزل ولم يجدوا فيه وجبة غذاء، وهو ما اعتبروه سببا لوفاة أفراد العائلة تحت وطأة المجاعة.
وفي غضون ذلك، كان ائتلاف الإغاثة الشعبية قد أصدر بيانا وصف فيه الحالة الإنسانية في عدن بالحرجة للغاية. وقال البيان الذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه إن الوضع الإنساني في عدن لا يزال في مستوى حرج للغاية، نظرا لازدياد كبير في أعداد النازحين الذين يعانون نقصا حادا في متطلبان إيوائهم، فضلا عن شحة كبيرة في المواد الغذائية، وكذا حاجة السكان الملحة والكبيرة إلى توفير بعض أنواع الأدوية، ومحاليل مكافحة الأوبئة، وأجهزة تشخيص حمى الضنك، وبعض الأمراض المعدية. وأورد بيان الائتلاف ملخصا عن الوضع الإنساني والإغاثي في عدن، أوضح فيه أن الهدنة الإنسانية لم تستفد منها عدن كثيرا، فقد ظلت وتيرة الأعمال الإغاثية في عدن متدنية، وظلّت موانئ عدن الرئيسية مغلقة أمام البواخر الكبيرة. وتساءل البيان عن السبب الذي حال دون وصول البواخر الإغاثية إلى موانئ عدن أسوةً بميناء الحديدة، كذلك خلال أيام الهدنة ظل مطار عدن الدولي مغلقا أمام أي حمولات إغاثية، وخلال فترة الهدنة تم منع عبور القاطرات المحملة بالمواد الغذائية من مخازن المعلا إلى المناطق المكتظة بالنازحين في مديريات عدن، علما بأنه تم السماح بعبور عدد كبير من القاطرات المحملة بالمواد الغذائية من مخازن المعلا إلى المحافظات الأخرى، كذلك تم منع عبور القاطرات المحملة بالمواد الغذائية إلى عدن القادمة من المحافظات الأخرى. وأكد أن كل هذا حدث في وقت لم يتوقف فيه النزوح داخل عدن وخارجها.
وحول المتطلبات الإنسانية والإغاثية قال الائتلاف بضرورة توفير المواد الغذائية ..«فعلى الرغم من الجهود المبذولة في توفير الغذاء من عدد من المؤسسات الإغاثية المحلية والإقليمية فإن الحاجة كبيرة جدا لتوفير الغذاء لعدد 200 ألف أسرة شهريا، ومع ازدياد عدد النازحين من مناطق التماس إلى المناطق الآمنة هناك حاجة ملحة لإيواء نحو 600 ألف نازح وتوفير ما يلزمهم من الفرش والأغطية ووسائل الطبخ والأواني، وهناك حاجة ماسة لكميات كبيرة من الأدوية، وكذا لإجلاء مئات الجرحى الذين تقتضي حالتهم سفرهم إلى خارج البلاد، وكفالة نقلهم وعلاجهم، ومع ظهور أعراض إصابات لحمى الضنك ووفاة 112 حالة من إجمالي 1084 حالة، هناك حاجة ماسة للأدوية والأمصال، وإلى مكافحة هذا الوباء، كذلك هناك حاجة لأجهزة تشخيصية لهذه الأمراض السارية، وهناك حاجة ماسة لمستشفى عائم يستطيع نقل الجرحى إلى جيبوتي بحرًا من ثم سفرهم جوًا.
وكانت أسعار المواد والسلع الأساسية قد شهدت ارتفاعا غير مسبوق، حيث ارتفعت الأسعار إلى أربعة أضعاف بسبب الحصار المفروض من قبل الميليشيات وقوات صالح، وترتب على ذلك فقدان تام أحيانا للمشتقات النفطية.
وفي سياق ذي صلة، أعلنت منظمة أطباء بلا حدود في عدن أول من أمس عن استقبالها أكثر من 100 جريح بينهم نساء وأطفال نتيجةً للقصف العنيف على حي البساتين السكني في المدينة. ومنذ 19 مارس (آذار)، استقبلت المنظمة أكثر من 2.500 جريح في اليمن، بينهم أكثر من 1.800 في عدن وحدها. وفيما يتدهور الوضع في المدينة الواقعة جنوب البلاد، لا تستطيع فرق المنظمة التحرك ضمن المدينة لتوفير الرعاية الصحية للجرحى، في حين أن كثيرا من المرضى غير قادرين على الوصول إلى المستشفى.
وفي هذا الصدد، قال تيري غوفو، منسق مشروع أطباء بلا حدود في عدن: «استقبلنا في غضون الساعات الـ36 الماضية أكثر من 130 جريحا معظمهم من البساتين، عقب تعرض هذا الحي السكني للقصف الذي طال أيضا جنازة كانت تقام هناك. المستشفيات في عدن ملأى، وبعضها تضع الفرش خارج أبوابها لإيواء المرضى. ونحن قلقون بشأن المرضى الذين لا يسعهم الحصول على الرعاية، في حين أن المرضى الموجودين في المستشفيات خائفون من مغادرتها».
وتدير منظمة أطباء بلا حدود بشكل مستقل مستشفى لجراحة الطوارئ يقع ضمن مجمع مستشفى الصداقة في مديرية الشيخ عثمان في عدن. كما تدعم المنظمة مجمع كريتر الطبي، وتدير عيادات جراحية متنقلة للمرضى الذين لا يتمكنون من الوصول إلى مستشفى أطباء بلا حدود، إلا أن الذهاب إلى أجزاء أخرى من المدينة محفوف بمخاطر هائلة. وأضاف غوفو: «مُنعت فرقنا عدة مرات من التحرك ضمن المدينة واستقبال شحنات المساعدات الطبية من الميناء. وإننا بحاجةً إلى منحنا حرية الوصول كي نتمكن من توفير الرعاية الطبية لمن هم في حاجةٍ إليها».
ولا يعاني المدنيون في عدن من جراء القتال فحسب، إنما يعانون أيضا نتيجة عزلتهم وحصارهم وسط جبهات القتال.
وقال حسن بوسنين، رئيس بعثة منظمة أطباء بلا حدود في اليمن: «هناك نقص في الغذاء وغاز الطبخ والوقود والأدوية، كما أن النظام الصحي ينهار، والمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة لا يتمكنون من الحصول على أدويتهم، في حين أن الجثث في الشوارع، والمدينة أضحت مكبا مفتوحا حيث تملأ النفايات الطرق». وأضاف بوسنين: «من المهم للغاية أن يتم رفع الحصار على الغذاء والأدوية وإنشاء قنوات تسمح بالوصول جوًا وبحرًا وبرًا دون معوقات، من أجل تأمين ما يحتاجه السكان للبقاء على قيد الحياة».
وكانت مجموعة من المنظمات الإنسانية الدولية دعت قادة العالم لإيجاد حل دائم للأزمة الراهنة في البلاد لحماية الملايين من المدنيين قبيل بدء محادثات السلام حول اليمن الأحد المقبل في جنيف. ومن جهته، قال هانيبال أبي وورقو، مدير مكتب المجلس النرويجي للاجئين في اليمن: «إن هذا الصراع يعرض الملايين لخطر الموت والجوع وتفشي الأمراض»، كما أضاف: «من غير المقبول أن يظل العالم جالسا وهو يشاهد كارثة إنسانية بهذا الحجم تنتشر في اليمن».



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.