زيجات الإعلاميين اللبنانيين... نجومية من نوع آخر

جمعهم «القفص الذهبي» ضمن مهنة واحدة

فراس حاطوم وناسي السبع وابنتهما
فراس حاطوم وناسي السبع وابنتهما
TT

زيجات الإعلاميين اللبنانيين... نجومية من نوع آخر

فراس حاطوم وناسي السبع وابنتهما
فراس حاطوم وناسي السبع وابنتهما

«الارتباط بشريك يعمل في المهنة نفسها حمّال أوجه؛ لكن أهم ما فيه هو مساحة الاهتمام المشترك بين الزوجين، وهذا الأمر يجعل مجال الحوار مفتوحاً بشكل دائم ومفيداً للطرفين؛ خصوصاً إذا كان بينهما نوع من الصداقة المثمرة إلى جانب مشاعر الحب والاحترام. ولعل الأفضل للزوجين اللذين يتشاركان المهنة نفسها ألا يعملا في المؤسسة نفسها، وهذا هو حالي ورابعة. نعمل في المجال نفسه؛ لكن لكل منا مؤسسته وعالمه وطبيعة برامجه المختلفة عن الآخر. نتشارك هموم المهنة وشؤونها وشجونها؛ لكن لكل منا خصوصيته وخصوصية المؤسسة التي يعمل فيها أو معها. العمل في مهنة مشتركة جميل وإيجابي، أما العمل في مؤسسة مشتركة فقد يكون مربكاً للطرفين؛ بحيث إن أي أمر يحدث داخل المؤسسة مع أحدهما ينعكس على الآخر». هكذا يختصر الإعلامي اللبناني زاهي وهبي في حديث لـ«الشرق الأوسط» تجربته مع الزواج من زميلته الإعلامية رابعة الزيات.


جورج ودوللي غانم

فظاهرة الشراكة ودخول «القفص الذهبي» بين نجوم الإعلام في لبنان رائجة منذ زمن طويل. وإذا ما حاولنا تعداد «ثنائياتها» المشهورة فلا بد أن نتذكر مذيعة الأخبار في «تلفزيون لبنان» شارلوت وازن الخوري، وزوجها الراحل إبراهيم الخوري الذي شغل إدارة إذاعة «صوت لبنان» و«تلفزيون لبنان» لفترات طويلة. كذلك يذكر كثيرون زيجات كميل منسى ومي (عبد الساتر) منسى، اللذين شكلا ثنائياً بارزاً قبل وقوع الطلاق بينهما. ومن الأسماء التي حُفرت في ذهن اللبنانيين أيضاً كثنائي إعلامي متزوج، سعاد قاروط وأحمد العشي اللذان عاشا زمالة طويلة في «تلفزيون لبنان» تحوّلت إلى قصة حب انتهت بالزواج. ولعل من الأشهر أيضاً كريستيان أوسي ونعمت عازوري، وجورج ودوللي (صبّاغ) غانم، مذيعا الأخبار في تلفزيون «إل بي سي» سابقاً. وتطول لائحة الشركاء الحديثين في هذا المضمار، أمثال يمنى وسعيد الغريب، ورابعة الزيات وزاهي وهبي، ونانسي السبع وفراس حاطوم، ورياض قبيسي وجوزفين ديب، وأيمن القيسوني ونسرين زريق، وغيرهم كثر.
وكل هؤلاء نماذج معروفة في المؤسسة الزوجية، جمعتهم المهنة في مؤسسات إعلامية واحدة. فكان اللقاء ومن ثم النظرة فالسلام والكلام، ومن بعدها الزواج.

نجومية من نوع آخر
عادة ما تشغل أخبار المشاهير الناس على مختلف أطيافهم. والأمر يتضاعف عندما يصلهم خبر ارتباط نجم بآخر. فيذيع الخبر وتبقى أصداؤه حاضرة لفترة في أحاديث الصالونات والجلسات الضيقة والواسعة. ولعل اهتمام هؤلاء المشاهير بنشر هذا الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعلى صفحات «إنستغرام» و«فيسبوك» مع تفاصيل حفل العرس بالصوت والصورة، يدفع بالناس أكثر فأكثر إلى ملاحقتهم وتتبع أخبارهم.
ويعلق الإعلامي فراس حاطوم المرتبط بزميلته المذيعة التلفزيونية نانسي السبع: «قد نكون عشنا هذه النجومية، نانسي وأنا في البداية؛ لكننا في الواقع لا نهتم كثيراً بهذا الموضوع. ولا نحاول استثماره لزيادة شهرتنا، إلا أن طبيعة عملنا تحت الضوء تسهم من دون شك في هذا الأمر».


رابعة الزيات وزاهي وهبي

بين البيت والعمل
يلفت الحوار مع الإعلاميين المرتبطين بزملاء المهنة إلى «التفاهم» الذي يسود علاقتهم الزوجية. وهنا يقول زاهي وهبي: «برأيي، أهم ما في المهنة المشتركة بين الزوجين هو ما يتبادلانه من خبرات وحوارات وتجارب، فضلاً عن كونهما يفهم بعضهما بعضاً أكثر، انطلاقاً من فهمهما للمهنة ومستلزماتها ومتطلباتها، بحيث لا يقف أحدهما عقبة في وجه الآخر وتطوره المهني؛ بل يغدو داعماً ومشجعاً على التقدم والنجاح». ويتابع: «أنا شخصياً أشهد على الجهد الذي تبذله رابعة مهنياً، وعلى الوقت الذي تمضيه في سبيل مهنتها وبرامجها وسعيها الدائم للتقدم والنجاح، وهذا أمر يسعدني ويحفّزني بطبيعة الحال».
الإعلاميان دوللي وجورج غانم، المتزوجان منذ عام 1987، تسود علاقتهما الزوجية «السلاسة والتفاهم» كما تقول دوللي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط». ثم تضيف: «عندما يعمل زوجان في المهنة نفسها، فإنهما يكونان على علم مسبق بطبيعة المشكلات والمصاعب التي يمكن أن تواجههما. لذلك يكون همهما واحداً حتى خلال البحث عن حل له. جورج وأنا عرفنا كيف نفصل علاقتنا الزوجية عن علاقتنا العملية. فهو كان مديري في (المؤسسة اللبنانية للإرسال)؛ لكننه لم يفرّق يوماً بطريقته في التعاطي بيني وبين زملائي. وأنا كنت أتفهَّم هذا الأمر؛ لأن المصداقية في العمل من أساس مبادئنا». وتتابع دوللي غانم: «كنا ولا نزال شركاء في العمل وفي المنزل، أساعده ويساعدني، أتقبل ملاحظاته، والعكس صحيح. حتى عندما حصل الخلاف مع (المؤسسة اللبنانية للإرسال)؛ حيث كنا نعمل معاً، غادرتها أنا قبله، وهو لم يتدخل، حتى أنه لم يتخذ موقفاً سلبياً تجاه المؤسسة. فكل واحد منا كان يتخذ قراره بحرية ومن دون ممارسة أي ضغط من طرف على الآخر».

الإيجابيات تفوق السلبيات
عادة ما يظن البعض أن وجود الزوجين بشكل دائم في المكان نفسه هو أمر يبعث على القلق أو الملل، وخصوصاً أن الروتين بمرور الوقت يقتل الحب. هذا هو رأي الإعلاميين أيضاً؛ غير أنهم يجدون في الشراكة هذه إيجابيات كثيرة تفوق السلبيات التي قد تشوب زيجات أشخاص آخرين. وهنا يعلق حاطوم الذي يعمل في مجال الصحافة التوثيقية والاستقصائية، بينما تعمل زوجته في تقديم البرامج الحوارية السياسية، فيقول: «مرات كثيرة أتحمس للوصول إلى المنزل والالتقاء بنانسي، كي أخبرها عن قرار أو مشكلة عليَّ البت فيهما. هذه الشراكة بيننا تقوينا، وخصوصاً أنها الوحيدة التي تستطيع أن تتفهم المشكلة وتفرعاتها تماماً مثلي... لكوننا نعيش في بيئة مهنية واحدة. ثم إن هناك مسافات دائمة تفصل بيننا في العمل؛ لأننا نعمل في مجالين مختلفين، رغم وجودنا في المؤسسة ذاتها».
وما يقوله فراس يطبَّق أيضاً على الصحافية فاتن قبيسي، زوجة الإعلامي عماد مرمل التي تقول لـ«الشرق الأوسط» في هذا الصدد: «الإيجابيات كثيرة في زواج من هذا النوع. وهو ما يوثق علاقة الشريكين ويجعلها متلاحمة بشكل أفضل». وتتابع: «هذه الشراكة تحضر دائماً وأبداً بيننا... عندما نكتب يستشير بعضنا بعضاً. وكذلك الأمر عندما ننوي عنونة مقالة ما».

تنافس المهنة
التنافس في أي مهنة حق مشروع وطبيعي، ولكن بين زوجين يعملان في المهنة ذاتها -وفي الإعلام بالتحديد– أيٌّ من الزوجين يحظى بالنجومية أكثر؟ ومَن يتنازل عنها لصالح الآخر؟ ولماذا؟
رابعة الزيات، زوجة زاهي وهبي، واحدة من المعجبات بعمله وبقصائده الشعرية حتى قبل ارتباطها به، وخلال حديثها لـ«الشرق الأوسط» قالت: «أنا أعتبر نفسي متزوجة من شاعر؛ لأن نمط الحياة الذي يتبعه يسوده الهدوء بعيداً عن الصخب المرافق لمن تدور مهنته تحت الضوء». وأردفت: «لم يقف زاهي يوماً حجر عثرة في طريقي أو حاول عرقلتي، فأنا شخص طموح جداً، نشيطة كالنحلة، وزاهي تركني ألحق بأحلامي ودعمني لتحقيقها. في المقابل لا بد من أن نخسر فرصاً كثيرة مرات، من باب التنازل والتضحية، ولاستدراك موقف قد يؤذي الآخر... لكن في علاقتنا لا قمع ولا غيرة ولا عدم ثقة؛ بل نسبة احترام مرتفعة، وهي التي توقد الحب وتغذيه برأيي».
ومن جهتها، تؤكد دوللي غانم أن إغراءات المهنة كثيرة، وأن من مصاعب حياة زوجين إعلاميين هي المسؤوليات، وما ينتج عنها من تضحيات. وتوضح: «مهنتنا فيها مخاطر وإغراءات وتضحيات كثيرة، ومن هذا المنطلق يحاول الرجل الإعلامي إبعاد زوجته الإعلامية عنها كي يحميها. وبالنسبة لجورج زوجي فإن العائلة عنده فوق كل اعتبار، وأنا أوافقه الرأي. ولذلك كان عليَّ مرَّات أن أضحي بموقع أهم أشغله أو يُسهم في تقدّمي كإعلامية من باب قناعتي هذه. هذا الأمر انعكس إيجاباً على جورج، فكنا متفاهمين عليه منذ البداية... ولقد كان عندنا الوعي الكافي للتعامل مع موضوع النجومية منذ بداية ارتباطنا. وبالتالي، كنا محصنين سلفاً ضد وهجها وضد التكبر والشعور بالغيرة من نجاح الآخر».

عن خيبات أمل
أخيراً، لا تخلو زيجات الإعلاميين من خيبات الأمل التي يمكن أن يعيشوها كغيرهم. فأحياناً تحملها لهم الحياة من دون سابق إنذار. ومرات يتوقعونها بفضل عملهما في المؤسسة نفسها. فما طبيعة خيبات الأمل في حياة الزوجين الإعلاميين؟ تردُّ رابعة: «لا شك في أن هناك خيبات عشناها بسبب المهنة، ولا سيما في أيامنا الحالية. وهي تتعلق بالمستوى الاجتماعي والاقتصادي والتلفزيوني الذي وصلنا له اليوم. فهذا الأخير بات في تراجع مستمر بفضل زمن وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات وغيرها. وهناك خيبات نعيشها ونتشارك فيها مع زملاء آخرين خاصة بالمهنة وبالمستوى الذي وصلته اليوم؛ لكننا نحاول تجاوز هذه الخيبات». أما دوللي فتقول: «الخيبات كثيرة، ومرات أحدّث نفسي فأقول: كان من الأجدى بنا ألا نعمل في المؤسسة نفسها. فنشعر جورج وأنا وكأننا لم نحمِ أنفسنا على المستوى المطلوب من غدرات الحياة. ولكن –إجمالاً- تجربتنا سلسة، لا صعوبات تُذكر فيها». وتدلي نانسي بدلوها قائلة: «لا يمكنني تسميتها خيبات أمل بقدر ما هي صعوبات نجتازها متكاتفين. حياتنا فيها كثير من الإثارة؛ لأننا على تماس مباشر مع ما يحصل على الأرض. وبالتالي فإننا نسجِّل غياباً ملحوظاً عن منزلنا وعن ابنتي سما... وهمنا الأوحد هو تنظيم هذا الغياب عنها كي لا تتأثر به سلباً».


مقالات ذات صلة

الإعلانات القديمة تحكي قصة تصاعد ثقافة الاستهلاك في مصر

يوميات الشرق معرض أزياء لفصل الشتاء في ثلاثينات القرن الماضي (الكتاب)

الإعلانات القديمة تحكي قصة تصاعد ثقافة الاستهلاك في مصر

يتخطى دور الإعلان الترويج لسلعة أو منتج أو مشروع، حيث يمكن أن يصبح الإعلان مؤشراً ودالاً على نمط الحياة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم البابا ليو الرابع عشر خلال اجتماعه مع الرئيس الفرنسي بقصر الإليزيه في باريس يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

البابا ليو عن حظر «سي إن إن»: أرحّب بكل الصحافيين لتغطية أخباري

أكد البابا ليو، بابا الفاتيكان، مجدداً على دعمه لحرية الصحافة، في ردِّه على سؤال حول قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، منع وسائل إعلام بدخول البيت الأبيض.

الولايات المتحدة​ غرفة جيمس إس. برادي للإحاطة الصحافية في البيت الأبيض في العاصمة واشنطن 21 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«العدل الأميركية» تجيز منع ترمب وسائل إعلام من دخول البيت الأبيض

خلصت وزارة العدل الأميركية إلى جواز منع البيت الأبيض شبكات «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من التغطية الإعلامية في المقر الرئاسي بناءً على طلب ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا سانتياغو سيري مبتكر منصة «إل بريمير فيكا» El Primer Feca الإخبارية المنتَجة بالكامل بالذكاء الاصطناعي يعرضها خلال مقابلة في بوينس آيرس (أ.ف.ب)

برنامج أخبار بالذكاء الاصطناعي يثير غضب الأوساط الإعلامية في الأرجنتين

أثار برنامج إخباري أُعدّ بالكامل بالذكاء الاصطناعي، من محتواه إلى الصور الرمزية للصحافيين، استياء الأوساط الإعلامية الأرجنتينية التي حذّرت من تهديد للمهنة.

«الشرق الأوسط» (بوينس آيرس)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشارك في مراسم قص الشريط لافتتاح مهبط المروحيات الجديد بالبيت الأبيض (د.ب.أ) p-circle

ترمب يفتتح مهبط مروحيات في البيت الأبيض... ووسائل الإعلام تُقاطع

استعرض الرئيس الأميركي مهبط المروحيات الجديد بالبيت الأبيض، الاثنين، مع إبعاد شبكات التلفزيون الكبرى كاميراتها بسبب عدم السماح لشبكة «سي إن إن» بتغطية الحدث.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
TT

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)

لم تعد قضية استخدام المراهقين شبكات التواصل الاجتماعي شأناً تربوياً أو عائلياً فحسب، بل تحولت ملفاً سياسياً وقانونياً وتقنياً مفتوحاً على احتمالات واسعة. إذ أقرّ البرلمان الفرنسي، يوم 21 يوليو (تموز) الماضي، قانوناً يمنع القاصرين مِمَن هم دون سن الخامسة عشرة من الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن يلغي المجلس الدستوري المادة الأساسية منه في 14 أغسطس (آب)، عادَّاً أن الصيغة المعتمدة تفرض قيوداً واسعة وغير متناسبة مع حرية التعبير.

إجماع على المخاطر واختلاف حول العلاج

استندت المبادرة الفرنسية إلى قلق متزايد بشأن التأثيرات النفسية والاجتماعية لاستخدام الشبكات في سن مبكرة. فلقد أشار تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي إلى مخاطر عدة، من بينها اضطراب النوم، والقلق، والتنمر الإلكتروني، والتعرّض للمحتويات العنيفة أو الإباحية، واضطرابات صورة الجسد، والتواصل مع أشخاص مجهولي الهوية قد يشكّلون خطراً على القاصرين.

كذلك، لفت التقرير إلى دور خوارزميات التوصية والإشعارات المتكرّرة في دفع المستخدمين إلى البقاء أطول وقت ممكن داخل المنصات. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نشرت الوكالة الوطنية الفرنسية للأمن الصحي والغذائي والبيئي والمهني (أناس) دراسة خلصت إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المكثف أو الإشكالي لشبكات التواصل وبين عدد من الاضطرابات النفسية لدى المراهقين، ولا سيما القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وصورة الجسد. غير أن التقرير لم يُعدّ الشبكات سبباً وحيداً لهذه المشكلات؛ إذ يمكن للمراهق الذي يعاني أصلاً اضطراباً نفسياً أن يلجأ إلى الشبكات بكثافة، قبل أن تزيد هذه الاستخدامات وضعه سوءاً.

إحدى أهم نقاط الجدل

الدراسات العلمية لا تثبت أن كل استخدام لشبكات التواصل مضرّ بجميع المراهقين. إذ تظهر مراجعات حديثة أن التأثير يختلف باختلاف طبيعة الاستخدام، ودرجة التعلق بالمنصة، ونوعية المحتويات، ومدى استخدام الهاتف ليلاً. وتبدو الصلة أكثر وضوحاً في حالات الاستخدام القهري، والمقارنة الاجتماعية المستمرة، والتعرض لمحتويات تروّج للنحافة المرضية أو إيذاء النفس، فضلاً عن التنمر الإلكتروني.

معضلة التحقق من العمر

إذا كان المبدأ السياسي يبدو بسيطاً، فإن تطبيقه يطرح مشكلة تقنية وقانونية معقدة: فكيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الخامسة عشرة من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة الجماعية؟

والواقع أن السلطات الفرنسية كانت قد درست استخدام آليات للتحقق من السن، من بينها نظام «إثبات العمر» ووسائل تقوم على ما يسمى «إخفاء الهوية المزدوج». وبموجب هذه الآليات، يمكن لجهة مستقلة أن تتحقق من سن المستخدم من دون أن تعرف المنصة هويته الكاملة. غير أن هذه الحلول لا تزال تثير أسئلة بشأن حماية البيانات، واحتمال تسريبها، والجهة التي ستحتفظ بها، والمدة التي ستبقى خلالها محفوظة.

ولقد رأى المجلس الدستوري أن القانون لم يقدّم ضمانات دقيقة بما يكفي فيما يتعلق بجمع بيانات المستخدمين وتخزينها واستعمالها. وأشار إلى أن التحقق من العمر قد يطول جميع المستخدمين، وليس القاصرين فقط؛ الأمر الذي يجعل المسألة مرتبطة بحقوق الخصوصية والحريات العامة.

شعار "غوغل" (رويترز)

التجربة الأسترالية

لعل أستراليا تُعدّ التجربة الدولية الأبرز في هذا المجال. فمنذ ديسمبر (كانون الأول) 2025، مُنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات على عدد من شبكات التواصل الكبرى. وأعلنت السلطات الأسترالية حذف ملايين الحسابات، وقدّمت الخطوة بوصفها محاولة لإجبار المنصات على تحمل مسؤوليات أكبر تجاه القاصرين.

لكن النتائج الأولى تبدو أقل حسماً مما توحي به الأرقام الرسمية. فقد أشارت دراسة أسترالية، نقلتها صحيفة «لوموند» الفرنسية، إلى أن نسبة كبيرة من المراهقين واصلت استخدام الشبكات رغم الحظر، وأن تطبيق القانون ظل جزئياً بسبب التحايل على أنظمة التحقق من العمر.

السبب أن القاصر يستطيع، في بعض الحالات، تقديم تاريخ ميلاد زائف أو استخدام حساب أحد أفراد الأسرة أو إنشاء حساب جديد بعد إغلاق الحساب السابق، أو حتى اللجوء إلى أدوات تقنية لتجاوز القيود. كذلك بيَّنت دراسة أخرى أن الحظر لم يؤد، خلال الفترة الأولى، إلى تراجع كبير ومستدام في استخدام المراهقين لهذه المنصات. طبعاً، لا تعني هذه النتائج أن التنظيم الحكومي غير مفيد، لكنها تشير إلى أن الحظر الشامل، من دون وسائل تقنية موثوقة وبرامج توعية ومساندة أسرية، قد ينتج امتثالاً شكلياً أكثر منه تغييراً حقيقياً في السلوك.

الآباء بين الارتياح والقلق

رحَّب كثيرون من الآباء بالمبادرة الفرنسية؛ لأنهم يرون فيها وسيلة لإعادة التوازن إلى علاقة الأسرة بالمنصات الرقمية.

فالأهل يجدون أنفسهم غالباً في مواجهة شركات تملك أدوات تقنية ونفسية هائلة لجذب المستخدمين، في حين لا تتوافر لهم دائماً المعرفة أو الوقت لمراقبة كل ما يتعرّض له أبناؤهم. لكن هناك من يخشى أن تمنح الدولة الأهل شعوراً زائفاً بالأمان. ثم إن الحظر قد يدفع بعض المراهقين إلى استخدام حسابات سرّية أو منصّات أقل رقابة، وقد يحرمهم أيضاً من بعض أشكال التواصل الاجتماعي والمعلومات والدعم النفسي التي توفرها الشبكات لبعض الفئات، خصوصاً المراهقين الذين يعيشون العزلة أو يواجهون التمييز.

أما الخبراء، فينقسمون بين من يرى في سن الخامسة عشرة خطاً وقائياً ضرورياً، ومن يعتقد أن التركيز ينبغي أن ينصبّ على خصائص المنصات لا على عمر المستخدم وحده. فالمشكلة، وفق هذا الاتجاه، لا تكمن في وجود حساب لمراهق يبلغ الرابعة عشرة بقدر ما تكمن في خوارزمية تدفعه إلى محتوى مؤذٍ، أو في إشعارات تمنعه من النوم، أو في منصة لا تتدخل سريعاً أمام التنمر.

من الحظر العام إلى التنظيم الدقيق

بعد إلغاء المادة الأساسية، تعتزم الحكومة الفرنسية إعداد صيغة جديدة. ومن المرجح أن يتجه النقاش نحو حظر أكثر تحديداً، يستهدف الخصائص الأكثر خطراً: أنظمة التوصية، والإعلانات الموجهة، والإشعارات الليلية، والتواصل مع البالغين المجهولين، والمحتويات المتعلقة بإيذاء النفس واضطرابات الأكل. وتشير توصيات «أناس» إلى أن حماية المراهقين لا يمكن أن تقوم على الحظر وحده، بل تحتاج أيضاً إلى التربية الرقمية، ودعم الوالدين، وتعزيز دور المدرسة، وتحسين آليات التبليغ والمراقبة.

لذلك؛ فإن المعركة الفرنسية لم تنتهِ بقرار المجلس الدستوري. بل هي انتقلت من سؤال بسيط، هو: «هل نمنع مَن هم دون الخامسة عشرة؟»، إلى سؤال أكثر تعقيداً: «كيف نحمي القاصرين من أخطار المنصات من دون أن نحوّل كل عملية دخول إلى الإنترنت عمليةَ تفتيشٍ ومراقبة؟

كيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الـ 15 من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة؟


الغرامة على «غوغل» تجدد الجدل بشأن «الخصوصية»

شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)
شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)
TT

الغرامة على «غوغل» تجدد الجدل بشأن «الخصوصية»

شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)
شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)

جدَّدت غرامة فرضها الاتحاد الأوروبي على «غوغل» الجدل بشأن قواعد الخصوصية، ما عدَّه خبراء خطوةً قد تمتد إلى شركات أخرى وتسهم في إعادة النظر في قواعد الخصوصية.

«لجنة الاتحاد الأوروبي» المعنية بحماية البيانات، فرضت الأسبوع الماضي غرامة على «غوغل» تقدر بنحو 403 ملايين يورو (463 مليون دولار) بحجة «خرق قواعد الخصوصية الصارمة الخاصة بالاتحاد، وسوء تعاملها مع بيانات المستخدمين».

ووفق تحقيقات «مفوضية حماية البيانات في آيرلندا» التي بدأت في فبراير (شباط) 2020، فإن «غوغل انتهكت النظام الأوروبي فيما يتعلق بمشروعية وعدالة معالجتها بيانات المواقع الجغرافية ضمن نشاط الويب والتطبيقات وسجل المواقع... ولم تعالج بشكل قانوني أو نزيه البيانات الشخصية للمستخدمين».

للعلم، تعد آيرلندا المفاوِض الرئيسي لـ«غوغل» في الاتحاد الأوروبي، في ظلِّ وجود المقر الرئيسي للمنصة في العاصمة الآيرلندية دبلن. وهذه رابع أكبر غرامة أوروبية بسبب الخصوصية تصدرها «مفوضية حماية البيانات» الآيرلندية التي فرضت سابقاً غرامة على شركة «ميتا» بقيمة 1.2 مليار يورو.

محمود غزيل، الصحافي اللبناني، والمدرّب في مجال التحقق من المعلومات، يرى أن «الغرامات التي قد تؤدي إلى تغيير جذري بقواعد الخصوصية؛ لا بد أن تكون مؤذية للشركات التقنية من أجل أن تستدرك مسارها وتراجع خطواتها قبل اتخاذ أي قرار». وأردف غزيل خلال حوار مع «الشرق الأوسط»: «إن الغرامة التي فُرضت أخيراً على (غوغل)، وعلى الرغم من أنها تعدّ من أكبر الغرامات التي فرضتها آيرلندا، فإنها تمثل نسبة ضئيلة جداً من الأرباح الصافية لشركة (ألفابت) مالكة منصة (غوغل)، ولا تتجاوز 0.5 في المائة»، عادّاً هذا النوع من الغرامات «بمثابة حافز اقتصادي وقانوني، وتراه بعض الشركات بمثابة أضرار جانبية من تكلفة ممارسة الأعمال». لكنه، من جهة ثانية، قال: «هذا لا يعني أن الشركة لن تتخذ تغييرات لحلحلة سبب القضية المرفوعة ضدها... بل إن التغييرات غالباً ستكون تدريجية قبل أن تصبح أعمق وتتوسع على كامل المستخدمين حول العالم».

وأوضح الخبير اللبناني: «أي قضية يصدر حكم بها للمرة الأولى تصبح بمثابة سابقة تنظيمية، فتعمد الهيئات التشريعية لاستخدامها أو التلويح بها بوصفها إشارةً تحذيريةً للشركات التي تعمل بالنموذج نفسه، ثم إن المفوضية الأوروبية، بشكل عام، تؤكد أن الحوار التنظيمي وليس الغرامات فقط، هو مَن يدفع الشركات إلى تعديلات استباقية لتجنب عقوبات أكبر أو غرامات يومية». ولفت إلى أن «التجارب السابقة تشير إلى أن المنصات خارج الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لا تغير في قوانينها؛ إلا حسب حجم السوق، وفي دول أخرى تتبنى قوانين مستوحاة من القانون الأوروبي للخصوصية والأمن».

وبحسب غزيل فإن «النظام التعاضدي والارتباط القانوني والحقوقي في أوروبا أكثر صرامة وتماسكاً من اتحادات أخرى حول العالم، ما يُشكِّل سوقاً مشتركة قوية للمنصات والشركات الكبرى، كما أن قانون الخصوصية الأوروبي يُعدُّ الأقوى عالمياً مع غرامات قد تؤذي بعض الشركات.

.. وهنا لا يمكن غض النظر عن نظرة الأوروبيين إلى الخصوصية بوصفها حقاً أساسياً، يرفعون شعاراتها ويعملون على تطبيقها على الدوام، ما يجعلهم أكثر حساسية للانتهاكات مقارنة بالولايات المتحدة التي تركز أكثر على الابتكار والمنافسة الحرة».جدير بالإشارة، أن الاتحاد الأوروبي يؤكد دائماً اهتمامه بقواعد الخصوصية، وكان قد «أمر (غوغل) بجعل معالجة البيانات متوافقة مع قواعد الخصوصية في غضون 6 أشهر»، بحسب تصريحات صحافية لنائب مفوض الهيئة، غراهام دويل.

بالتوازي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أبدى محمد فتحي، الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، اعتقاده بأن الغرامات «ستجبر شركات التكنولوجيا على تغيير قواعدها إلى حد ما». وأضاف أن «التغيير لن يكون بسبب قيمة الغرامة وحدها؛ فالغرامة بالنسبة لشركة بحجم (غوغل) قد تكون تكلفة مالية يمكن استيعابها، لكن الخطر الحقيقي هو أن تتحوّل الغرامة إلى تغيير إلزامي في المنتج، أو طريقة جمع البيانات أو استخدامها».

ثم تابع: «الاتحاد الأوروبي لا يكتفي بفرض الأموال، بل يطلب تغييرات في طريقة عمل المنصات؛ وفي حالة (غوغل) مثلاً، أدت ضغوط قواعد المنافسة الرقمية إلى تعديلات فعلية في نتائج البحث وسياسات أخرى داخل السوق الأوروبية».


تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
TT

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

تستضيف تونس، بين اليوم 21 سبتمبر (أيلول) الجاري و 24 منه، ملتقىً عربياً ودولياً ضخماً للإعلام والثقافة والصناعات السمعية البصرية. ويأتي هذا الحدث بمناسبة انعقاد الدورة السادسة والعشرين لـ«المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون»، بمشاركة نحو 500 إعلامي وفنان ومثقف وخبير ومهني من الدول العربية ومن أوروبا وآسيا وأفريقيا.

بهذه المناسبة، اعلن المهندس عبد الرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية، خلال مؤتمر صحافي عُقد في تونس لتقديم الدورة، أن المهرجان، الذي ينعقد تحت شعار «نبض الصورة وصدى المستقبل»، يشهد هذا العام حضوراً عربياً ودولياً واسعاً، وبرنامجاً يجمع المسابقات الإذاعية والتلفزيونية وندوات الحوار وورش العمل ومعرض التكنولوجيا وسوق الإنتاج والفعاليات الثقافية والفنية.

وشارك سليمان في تقديم تفاصيل البرنامج مع عدد من مسؤولي المؤسّسات التونسية الشريكة، بينهم الرئيس المدير العام للتلفزة التونسية شكري بن نصير، والرئيسة المديرة العامة للإذاعة التونسية هندة بن علية الغريبي، ومدير عام مسرح أوبرا تونس العاصمة في «مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» سيف الله الطرشوني ممثلاً عن وزارة الشؤون الثقافية.

هذا، ويعكس تنوّع المشاركين طبيعة التحوّل الذي عرفه المهرجان على امتداد أكثر من أربعة عقود؛ فمن موعد ارتبط أساساً بالتنافس بين الإنتاجات الإذاعية والتلفزيونية العربية، اتّسعت التظاهرة لتصبح فضاءً مهنياً وفكرياً يلتقي فيه الإعلام مع الثقافة والتكنولوجيا والاتصال.

إعلان ندوة "البودكاست" في الملتقى (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

023 عملاً في المنافسة

حسب الأرقام التي قدّمها عبد الرحيم سليمان والقائمون على المهرجان، تتنافس في الدورة 320 مادة إعلامية، بينها 161 عملاً إذاعياً و149 عملاً تلفزيونياً، إضافةً إلى 10 أعمال ضمن مسابقة الإعلام الجديد المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتحافظ المسابقات، بذلك، على موقعها التقليدي في المهرجان بوصفها مناسبة لمعاينة جانب من اتجاهات الإنتاج العربي في الدراما والبرامج والأعمال الإذاعية والتلفزيونية. إلا أن إضافة الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي تكشف في الوقت نفسه عن محاولة لمواكبة بيئة إعلامية تتغير أدواتها بوتيرة سريعة.

ذلك أن المؤسسات الإذاعية والتلفزيونية لم تعد تعمل داخل الحدود التقليدية للبث. فالتلفزيون أصبح موجوداً على الهاتف والمنصّات الرقمية، والإذاعة وجدت امتداداً جديداً في «البودكاست» والخدمات الصوتية، بينما دخلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي غُرف الأخبار والاستوديوهات ومراحل الإنتاج وما بعد الإنتاج.

وهذا التحوّل يضع أمام الإعلاميين أسئلة تتجاوز التكنولوجيا ذاتها إلى المصداقية، وحقوق الملكية الفكرية، والتحقّق من المواد المنتجة آلياً، فضلاً عن المسؤولية التحريرية ومستقبل بعض المهن المرتبطة بإنتاج الصورة والصوت.

المحتوى في قلب النقاش

من ناحية ثانية، يخصّص البرنامج الفكري للمهرجان مساحة بارزة لمناقشة هذه التحوّلات، من خلال ندوات ولقاءات وورش عمل يشارك فيها خبراء وإعلاميون وأكاديميون ومهنيون عرب ودوليون. ولقد أوضح مسؤولو الدورة أن البرنامج يتضمن ثلاث ندوات حوارية رئيسية بمشاركة خبراء من قطاع الثقافة والإعلام عربيا ودولياً:

تتناول الأولى «البودكاست: اتجاهات المحتوى وقوة التأثير»، في وقت يشهد المحتوى الصوتي الرقمي توسّعاً ملحوظاً، سواء داخل المؤسسات الإذاعية التقليدية أو لدى المنتجين المستقلين. وحقاً، لا يمثل «البودكاست» مجرد صيغة تقنية جديدة للإذاعة، بل أعاد تشكيل العلاقة مع الصوت عبر الاستماع عند الطلب، ومنح المنتجين مساحة أكبر للتخصّص والسرد المطوّل والوصول إلى جماهير موزّعة جغرافياً خارج نطاق البث التقليدي.

أما الندوة الثانية فتناقش موضوع «الجمهور وصناعة المحتوى: من التلقّي إلى الشراكة». وهذا عنوان يلخص جانباً أساسياً من التحول الاتصالي الراهن، فالجمهور الذي كان يوجد في نهاية عملية الاتصال أصبح اليوم جزءاً منها؛ يختار ويعلّق ويشارك ويعيد توزيع المحتوى، وقد يتحوّل بنفسه إلى مصدر للمعلومة أو منتج للصورة والفيديو. ثم إن هذه العلاقة الجديدة تفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة التفكير في مفهوم الجمهور ذاته، وفي طرق قياس التأثير وبناء الثقة، خصوصاً مع انتقال جانب متزايد من استهلاك الأخبار والمحتوى إلى شبكات التواصل والمنصات الرقمية.

وأما الندوة الثالثة، فعنوانها «الإعلام السياحي: من ناقل للحدث إلى صانع للوجهة». وهي تفتح النقاش على وظيفة اتصالية أخرى للإعلام تتصل بصناعة صورة البلدان والمدن والثقافات. إذ إن المحتوى السياحي لم يعد مجرّد تقرير عن موقع أثري أو فندق أو مهرجان، وإنما أصبح جزءاً من منظومة اتصال متكاملة تتداخل فيها الصورة والسرد والتسويق الثقافي والمنصّات الاجتماعية.

المهندس عبد الرحيم سليمان (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

من الإعلام إلى المعرفة

إضافةً إلى ما سبق، يبرز في هذه الدورة أيضاً البعد المعرفي للمهرجان، إذ لا تقتصر اللقاءات المهنية على عرض التجارب، وإنما تتيح تبادل الخبرات بين هيئات البث العربية والخبراء والشركات وصناع المحتوى. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في قطاع تتغير فيه المهارات المطلوبة باستمرار. فالصحافي والمذيع والمخرج والمنتج باتوا يعملون في بيئة تحتاج، إلى جانب المهارات المهنية التقليدية، إلى فهم البيانات والمنصات والخوارزميات وأدوات الإنتاج الرقمي وسلوك الجمهور.

كذلك يتضمن البرنامج أنشطة مرتبطة بالتعاون في الصناعة السمعية البصرية بين الصين والدول العربية، ونقاشات حول الإبداع والتعاون العربي - الصيني في هذا المجال، بما يفتح نافذة على تجارب إنتاجية وتكنولوجية من خارج الفضاء الإعلامي العربي التقليدي. ويضيف هذا الحضور بعداً دولياً إلى المهرجان، إذ يغدو تبادل المعرفة مرتبطاً أيضاً بالتعرف إلى نماذج مختلفة في الإنتاج والتوزيع والتكنولوجيا، وليس فقط بتبادل البرامج بين المؤسسات العربية.

58 عارضاً من القارات الخمس

على صعيد موازٍ، يمثل معرض «الأسبو» للتكنولوجيا والتجهيزات الجانب الصناعي والتجاري للمهرجان. ووفق ما أعلنه سليمان، يشارك فيه 85 عارضاً من القارات الخمس موزعين على 110 أجنحة، إلى جانب سوق للإنتاج البرامجي ولقاءات مهنية. وتضع هذه المشاركة التكنولوجيا في قلب الحدث. فالصناعة السمعية البصرية أصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من الشركات المتخصصة في الكاميرات والاستوديوهات وأنظمة البث والأرشفة والمنصات والحوسبة والحلول الرقمية.

وتتيح مثل هذه المعارض للمؤسسات العربية الاطلاع على تطور أدوات الإنتاج والبث، لكنها توفر أيضاً مجالاً للقاء المباشر بين أصحاب التكنولوجيا وصناع المحتوى ومتخذي القرار داخل المؤسسات الإعلامية.

الثقافة والفنون جزء من المشهد

ولا ينفصل الجانب المهني عن البعد الثقافي والفني للمهرجان. فقد أعلن سليمان أن برنامج حفل الافتتاح، في المسرح الأثري بقرطاج، يشهد تكريم 12 شخصية فنية وإعلامية من تسعة بلدان عربية. وتضم قائمة المكرّمين شخصيات فنية من تجارب وأجيال مختلفة.

وفي المقابل، يحتضن مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة في 24 سبتمبر حفل الاختتام وإعلان نتائج المسابقات، إلى جانب عرض «سافر إليك وغنِّ» للمؤلف الموسيقي التونسي كريم الثليبي. وتتوزع فعاليات الدورة بين المسرح الأثري بقرطاج، والمدينة المتوسطية في ياسمين الحمامات، و«مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» في العاصمة، بما يربط المهرجان بعدد من أبرز الفضاءات الثقافية والسياحية التونسية.

الإعلام يناقش مستقبله

وبعد مسيرة تتجاوز أربعة عقود، لم تعد المنافسة محصورة بين المحطات الإذاعية والتلفزيونية، وإنما أصبحت مع منصات عالمية وشبكات اجتماعية ومؤثرين ومنتجين مستقلين، بينما منحت تقنيات الذكاء الاصطناعي الأفراد إمكانات لإنتاج النص والصورة والصوت كانت تحتاج قبل سنوات قليلة إلى مؤسسات وتجهيزات كبيرة.

وبوجود نحو 500 مشارك من العالم العربي وأوروبا وآسيا وأفريقيا، و320 عملاً متنافساً، وعشرات الشركات والعارضين، تتحوّل تونس لمدة أربعة أيام إلى مساحة للقاء بين الإعلام والثقافة والتكنولوجيا؛ وبين خبرة صنعت تاريخ الإذاعة والتلفزيون العربي، وجيل جديد يعيد تعريف معنى الصورة والصوت والجمهور في العصر الرقمي.