سوسيولوجيا التنافر المعرفي

سوسيولوجيا التنافر المعرفي

الاثنين - 18 محرم 1444 هـ - 15 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [ 15966]
زوار أمام تركيب فني في معرض للعلوم بملبورن تحت عنوان «مساحة تكشف عن جوهر السلوك البشري وتتساءل عما يدفعنا إلى أن نكون اجتماعيين» (إ.ب.أ)

يشكل المعتقد أساساً فكرياً يأخذ بيد الإنسان إلى نقطة التصالح مع الذات من خلال بنائه لموقفه من العالم على أساس ذلك المعتقد، الذي يشكل أيضاً أساس منظومة القيم التي يؤمن بها. هذه المنظومة تبدو متسقة ومتماسكة في نظر أتباعها، ويشكل ضرب اتساقها نقطة ضعف وتشكيك في الأساس الإيماني مما يؤدي لما يعرف بالتنافر المعرفي (cognitive dissonance).

يحدث التنافر المعرفي عندما يكشف المرء أن اثنين - أو أكثر - من المعتقدات التي يؤمن بها متناقضة مع بعضها البعض. كذلك عندما يجد أن السلوك العملي له - ولجماعته - يتعارض مع القيم المعلنة للجماعة، أو ربما يكتشف معلومات جديدة تؤدي به إلى إعادة النظر في منظومته القيمية والتشكيك في مصداقيتها. من أبرز الباحثين في هذا المجال ليون فيستنجر عالم النفس الاجتماعي، المهتم بمسألة «معرفة الذات» المتولدة من المقارنة الاجتماعية، حيث يلجأ الإنسان لمقارنة نفسه بالآخرين من أجل تأكيد أو نفي تشابهه معهم ومدى «جودة» موقعه بين الآخرين بشكل تصاعدي أو متحدر. يشمل ذلك الميل لتوكيد توجه المجموعة حتى لو كان يعتقد خلاف توجههم. غير أن عدم تطابق ما يعتقده الإنسان داخله مع توجهه المعلن يُدخل الفرد في حالة التنافر المعرفي من خلال نموذج «الامتثال المستحث»، الذي شرحه فيستنجر عن طريق تجربة طلب فيها من مجموعة من الأفراد ممارسة ألعاب مملة لفترة طويلة، ثم أعطى قسماً منهم 20 دولاراً، بينما أعطى القسم الآخر دولاراً واحداً. وعندما تم سؤال الأفراد عن تقييمهم للعبة، فإن أعضاء فئة الـ20 دولاراً وصفوها بالمملة، وأنهم قد صبروا عليها بهدف الحصول على المبلغ. أما أولئك الذين تقاضوا دولاراً واحداً، فقد راحوا يختلقون المبررات حول عمق الفكرة، وكيف أنها ممتعة لمن يتأمل فيها. إن هذا التبرير طبيعي، كونهم لا يملكون مبرراً آخر لتضييع وقتهم في عمل ممل.

في عام 1956، أصدر فيستنجر - بالاشتراك مع هنري ريكن وستانلي شاكتر - كتاباً بعنوان «عندما تفشل النبوءة» (When Prophecy Fails) يتناول الكتاب دراسة ميدانية إثنوغرافية قام فيها الباحثون بالانضمام لمجموعة تقودها سيدة تدعى ماريان كيش (اسمها الحقيقي دوروثي مارتن) ادعت أنها تلقت رسائل من كائنات فضائية من كوكب «كلاريون»، وأطلقت عليهم لقب «حراس الأرض». وقالت إن هذه الكائنات الفضائية حذَرت من فيضان كارثي سيحل بكوكب الأرض كله قبل فجر الـ21 من ديسمبر (كانون الأول) 1954، وإن الخلاص سيأتي عن طريق صحون طائرة ستنقذ القلَة المختارة التي استجابت إلى رسالة الكائنات الفضائية، وفق ما نقلته تلك السيدة. وبناءً على تلك الدعوى، قام أفراد ممن آمنوا بنبوءة تلك السيدة بالتخلي عن ممتلكاتهم والاستقالة من وظائفهم، أو الانسحاب من مقاعد الدراسة بهدف التوجه إلى المكان المتفق عليه استعداداً للمغادرة على طبق طائر ينجيهم من الكارثة التي ستحل بكوكب الأرض.

مر الوقت دون أن يحدث الفيضان، أو تنزل الأطباق الطائرة، وخلال فترة الانزعاج التي حدثت بين أفراد المجموعة أعلنت السيدة عن تلقيها لرسالة من حراس الأرض، تفيد بأن نهاية الكون قد تأجلت بفعل هؤلاء المؤمنين وطاقتهم الإيمانية. وقد تفاعل أفراد المجموعة بشكل إيجابي وازداد تمسكهم بأفكار دوروثي مارتن، رغم التنافر الواضح بين نبوءة نهاية الكون وما حصل على أرض الواقع.

يرى فيستنجر وزملاؤه أن هذه الحالة تتفق مع الحالات المشابهة، التي يطور فيها المؤمنون بمعتقد ما استراتيجية لمقاومة التنافر المعرفي، بهدف التخلص منه أو على الأقل التهوين من شأنه. وتشمل هذه الاستراتيجية خمسة اشتراطات لتأمين مقاومة التنافر المعرفي:

1 - قوة الاعتقاد وارتباطه المباشر بالسلوك.

2 - الالتزام بالاعتقاد عن طريق القيام ببعض الخطوات والأفعال المهمة التي يصعب التراجع عنها. وكلما كانت هذه الخطوات أكثر أهمية، كان من الصعب التراجع عنها، مما يدلل على قوة الالتزام. مثال: أن يضحي الشخص بأمواله أو علاقاته مع أناس مقربين منه.

3 - التحديد الإجرائي للاعتقاد وارتباطه بالعالم الحقيقي، بحيث تكون «النبوءة» قابلة للاختبار خلال مجريات الحياة بشكل لا لبس فيه. مثال: الشخص الذي يُقتل في المعركة تفوح منه رائحة المسك، هذه نبوءة يمكن تأكيد صحتها من عدمها بشكل إجرائي عن طريق الحواس.

4 - دحض النبوءة بشكل لا يحتمل الالتباس، كأن يتأكد المؤمن بنفسه أن «الشهيد» لا تفوح منه رائحة المسك.

5 - الدعم الاجتماعي لتبرير التنافر المعرفي. فالفرد لا يستطيع تحمل هذا التنافر بعد ثبوت عدم حدوث النبوءة، ولكن الالتفاف حول مجموعة من الأشخاص المقتنعين الذين يمكنهم أن يدعموا بعضهم بعضاً، كفيلٌ بالحفاظ على المعتقد، بل والتبشير أو إقناع غير الأعضاء بأن الاعتقاد صحيح، ولكن المشكلة في فهم تفاصيل ما جرى. مثال: أن يُشاع بأن هذا «الشهيد» كان يدعو الله أن يبعده عن الرياء، ولا يجعله فتنة يتبرك به المؤمنون، وعليه استجاب الله دعاءه ولم يجعل المسك يفوح من جثته.

تلك هي الاستراتيجية التي تنتهجها الجماعات لحماية معتقداتها من «التنافر المعرفي». وبنظرة سريعة للشروط الخمسة، فإن الشرطين الأوَلين يوفران جداراً حامياً للعقيدة من خلال تأكيد القناعة العميقة والالتزام الذاتي الذي يساعد المؤمن على مقاومة فكرة التنافر من أساسها. أما الشرطان 3 و4 فهما متعلقان بالضغوط القوية التي قد يواجهها المؤمن في التشكيك في صحة معتقده، وبالتالي تساعده على تجاهل الضغوط في مواجهة التأكيد القاطع لفكرة التنافر. أما الأخير، فيوفر الدعم الاجتماعي لتعزيز حفاظ المؤمن على معتقداته بحماسة جديدة.

هذه الاستراتيجية هي السيناريو الذي يعتقد فيستنجر وزملاؤه أن أتباع الجماعات الذين يتعرضون لضغط فكرة التنافر المعرفي في معتقداتهم سيتعرضون لها، وهي الآلية التي ستمثل خط الدفاع الأول للمعتقد. لكن تبقى إشكالية التنافر أمراً ليس بالسهل التخلص منه، وبالتالي فإن فيستنجر وزملاءه يخلصون إلى ثلاثة خيارات يستطيع المؤمن تبني أحدها ليدافع عن موقفه:

1 - المراجعة الجزئية: القيام بتعديل أو تحوير جزء من المعتقد أو السلوكيات التي تبدو متنافرة.

2 - تحمل المسؤولية بشكل فردي: أن يعزو الشخص ذلك التنافر إلى عدم الإلمام الكافي بالمعلومات اللازمة التي تعزز اتساق المعتقد وتنفي التنافر.

3 - التجاهل: التقليل من أهمية ومصداقية فكرة التنافر من الأساس.

رغم أن الاستقراء الذي قام به فيستنجر وزملاؤه محدود للغاية، ورغم أن المجموعة التي تمت دراستها صغيرة ولا تمثل اتجاهاً سائداً في الولايات المتحدة، فإن أهمية تلك الدراسة تكمن في تأكيدها لفكرة حماية الجماعة لمعتقدها بدلاً من تركه بعد تأكد خطئه. فرغم وجود وعد إجرائي (نبوءة) يتضمن تاريخاً محدداً لنهاية العالم، ويأمر أتباع المعتقد بأن يضحوا بكل ممتلكاتهم من أجل أن يرحلوا بالأطباق الطائرة؛ فإن عدم تحقق ذلك الوعد/ النبوءة لم يستجلب نقمة أتباع هذه الجماعة على المعتقد رغم الخسارات المادية والمعنوية الكبرى التي تعرضوا لها.

إن الإنسان بشكل عام يرفض أن يوصف بالغباء، ويرفض فكرة أن يصنف خاسراً أو ضحية لعملية احتيال. وعليه، فإن انتماءه لجماعة تشاركه الظروف نفسها يوفر له قدراً كبيراً من الارتياح، وتقبل فكرة أنه لم يخسر. إن «الحيلة النفسية» قابلة للتعميم على الجماعة لتشكل سداً منيعاً ضد الآخر المختلف الذي يكشف لنا نقاط ضعفنا الواضحة. إن الامتثال للفكرة السائدة داخل الجماعة يوفر راحة نفسية لمن لا يريد أن يجهد فكره أو يعيد النظر في معتقداته، وهذا ما يفسر دعم التطرف الفكري من أفراد الجماعات التي لا تكلف نفسها عناء التفكير وتكتفي بالمبررات التي يسوقها قادتها.


* أستاذ علم الاجتماع الديني

في جامعة غراند فالي، الولايات المتحدة.


اختيارات المحرر

فيديو