سوسيولوجيا التنافر المعرفي

زوار أمام تركيب فني في معرض للعلوم بملبورن تحت عنوان «مساحة تكشف عن جوهر السلوك البشري وتتساءل عما يدفعنا إلى أن نكون اجتماعيين» (إ.ب.أ)
زوار أمام تركيب فني في معرض للعلوم بملبورن تحت عنوان «مساحة تكشف عن جوهر السلوك البشري وتتساءل عما يدفعنا إلى أن نكون اجتماعيين» (إ.ب.أ)
TT

سوسيولوجيا التنافر المعرفي

زوار أمام تركيب فني في معرض للعلوم بملبورن تحت عنوان «مساحة تكشف عن جوهر السلوك البشري وتتساءل عما يدفعنا إلى أن نكون اجتماعيين» (إ.ب.أ)
زوار أمام تركيب فني في معرض للعلوم بملبورن تحت عنوان «مساحة تكشف عن جوهر السلوك البشري وتتساءل عما يدفعنا إلى أن نكون اجتماعيين» (إ.ب.أ)

يشكل المعتقد أساساً فكرياً يأخذ بيد الإنسان إلى نقطة التصالح مع الذات من خلال بنائه لموقفه من العالم على أساس ذلك المعتقد، الذي يشكل أيضاً أساس منظومة القيم التي يؤمن بها. هذه المنظومة تبدو متسقة ومتماسكة في نظر أتباعها، ويشكل ضرب اتساقها نقطة ضعف وتشكيك في الأساس الإيماني مما يؤدي لما يعرف بالتنافر المعرفي (cognitive dissonance).
يحدث التنافر المعرفي عندما يكشف المرء أن اثنين - أو أكثر - من المعتقدات التي يؤمن بها متناقضة مع بعضها البعض. كذلك عندما يجد أن السلوك العملي له - ولجماعته - يتعارض مع القيم المعلنة للجماعة، أو ربما يكتشف معلومات جديدة تؤدي به إلى إعادة النظر في منظومته القيمية والتشكيك في مصداقيتها. من أبرز الباحثين في هذا المجال ليون فيستنجر عالم النفس الاجتماعي، المهتم بمسألة «معرفة الذات» المتولدة من المقارنة الاجتماعية، حيث يلجأ الإنسان لمقارنة نفسه بالآخرين من أجل تأكيد أو نفي تشابهه معهم ومدى «جودة» موقعه بين الآخرين بشكل تصاعدي أو متحدر. يشمل ذلك الميل لتوكيد توجه المجموعة حتى لو كان يعتقد خلاف توجههم. غير أن عدم تطابق ما يعتقده الإنسان داخله مع توجهه المعلن يُدخل الفرد في حالة التنافر المعرفي من خلال نموذج «الامتثال المستحث»، الذي شرحه فيستنجر عن طريق تجربة طلب فيها من مجموعة من الأفراد ممارسة ألعاب مملة لفترة طويلة، ثم أعطى قسماً منهم 20 دولاراً، بينما أعطى القسم الآخر دولاراً واحداً. وعندما تم سؤال الأفراد عن تقييمهم للعبة، فإن أعضاء فئة الـ20 دولاراً وصفوها بالمملة، وأنهم قد صبروا عليها بهدف الحصول على المبلغ. أما أولئك الذين تقاضوا دولاراً واحداً، فقد راحوا يختلقون المبررات حول عمق الفكرة، وكيف أنها ممتعة لمن يتأمل فيها. إن هذا التبرير طبيعي، كونهم لا يملكون مبرراً آخر لتضييع وقتهم في عمل ممل.
في عام 1956، أصدر فيستنجر - بالاشتراك مع هنري ريكن وستانلي شاكتر - كتاباً بعنوان «عندما تفشل النبوءة» (When Prophecy Fails) يتناول الكتاب دراسة ميدانية إثنوغرافية قام فيها الباحثون بالانضمام لمجموعة تقودها سيدة تدعى ماريان كيش (اسمها الحقيقي دوروثي مارتن) ادعت أنها تلقت رسائل من كائنات فضائية من كوكب «كلاريون»، وأطلقت عليهم لقب «حراس الأرض». وقالت إن هذه الكائنات الفضائية حذَرت من فيضان كارثي سيحل بكوكب الأرض كله قبل فجر الـ21 من ديسمبر (كانون الأول) 1954، وإن الخلاص سيأتي عن طريق صحون طائرة ستنقذ القلَة المختارة التي استجابت إلى رسالة الكائنات الفضائية، وفق ما نقلته تلك السيدة. وبناءً على تلك الدعوى، قام أفراد ممن آمنوا بنبوءة تلك السيدة بالتخلي عن ممتلكاتهم والاستقالة من وظائفهم، أو الانسحاب من مقاعد الدراسة بهدف التوجه إلى المكان المتفق عليه استعداداً للمغادرة على طبق طائر ينجيهم من الكارثة التي ستحل بكوكب الأرض.
مر الوقت دون أن يحدث الفيضان، أو تنزل الأطباق الطائرة، وخلال فترة الانزعاج التي حدثت بين أفراد المجموعة أعلنت السيدة عن تلقيها لرسالة من حراس الأرض، تفيد بأن نهاية الكون قد تأجلت بفعل هؤلاء المؤمنين وطاقتهم الإيمانية. وقد تفاعل أفراد المجموعة بشكل إيجابي وازداد تمسكهم بأفكار دوروثي مارتن، رغم التنافر الواضح بين نبوءة نهاية الكون وما حصل على أرض الواقع.
يرى فيستنجر وزملاؤه أن هذه الحالة تتفق مع الحالات المشابهة، التي يطور فيها المؤمنون بمعتقد ما استراتيجية لمقاومة التنافر المعرفي، بهدف التخلص منه أو على الأقل التهوين من شأنه. وتشمل هذه الاستراتيجية خمسة اشتراطات لتأمين مقاومة التنافر المعرفي:
1 - قوة الاعتقاد وارتباطه المباشر بالسلوك.
2 - الالتزام بالاعتقاد عن طريق القيام ببعض الخطوات والأفعال المهمة التي يصعب التراجع عنها. وكلما كانت هذه الخطوات أكثر أهمية، كان من الصعب التراجع عنها، مما يدلل على قوة الالتزام. مثال: أن يضحي الشخص بأمواله أو علاقاته مع أناس مقربين منه.
3 - التحديد الإجرائي للاعتقاد وارتباطه بالعالم الحقيقي، بحيث تكون «النبوءة» قابلة للاختبار خلال مجريات الحياة بشكل لا لبس فيه. مثال: الشخص الذي يُقتل في المعركة تفوح منه رائحة المسك، هذه نبوءة يمكن تأكيد صحتها من عدمها بشكل إجرائي عن طريق الحواس.
4 - دحض النبوءة بشكل لا يحتمل الالتباس، كأن يتأكد المؤمن بنفسه أن «الشهيد» لا تفوح منه رائحة المسك.
5 - الدعم الاجتماعي لتبرير التنافر المعرفي. فالفرد لا يستطيع تحمل هذا التنافر بعد ثبوت عدم حدوث النبوءة، ولكن الالتفاف حول مجموعة من الأشخاص المقتنعين الذين يمكنهم أن يدعموا بعضهم بعضاً، كفيلٌ بالحفاظ على المعتقد، بل والتبشير أو إقناع غير الأعضاء بأن الاعتقاد صحيح، ولكن المشكلة في فهم تفاصيل ما جرى. مثال: أن يُشاع بأن هذا «الشهيد» كان يدعو الله أن يبعده عن الرياء، ولا يجعله فتنة يتبرك به المؤمنون، وعليه استجاب الله دعاءه ولم يجعل المسك يفوح من جثته.
تلك هي الاستراتيجية التي تنتهجها الجماعات لحماية معتقداتها من «التنافر المعرفي». وبنظرة سريعة للشروط الخمسة، فإن الشرطين الأوَلين يوفران جداراً حامياً للعقيدة من خلال تأكيد القناعة العميقة والالتزام الذاتي الذي يساعد المؤمن على مقاومة فكرة التنافر من أساسها. أما الشرطان 3 و4 فهما متعلقان بالضغوط القوية التي قد يواجهها المؤمن في التشكيك في صحة معتقده، وبالتالي تساعده على تجاهل الضغوط في مواجهة التأكيد القاطع لفكرة التنافر. أما الأخير، فيوفر الدعم الاجتماعي لتعزيز حفاظ المؤمن على معتقداته بحماسة جديدة.
هذه الاستراتيجية هي السيناريو الذي يعتقد فيستنجر وزملاؤه أن أتباع الجماعات الذين يتعرضون لضغط فكرة التنافر المعرفي في معتقداتهم سيتعرضون لها، وهي الآلية التي ستمثل خط الدفاع الأول للمعتقد. لكن تبقى إشكالية التنافر أمراً ليس بالسهل التخلص منه، وبالتالي فإن فيستنجر وزملاءه يخلصون إلى ثلاثة خيارات يستطيع المؤمن تبني أحدها ليدافع عن موقفه:
1 - المراجعة الجزئية: القيام بتعديل أو تحوير جزء من المعتقد أو السلوكيات التي تبدو متنافرة.
2 - تحمل المسؤولية بشكل فردي: أن يعزو الشخص ذلك التنافر إلى عدم الإلمام الكافي بالمعلومات اللازمة التي تعزز اتساق المعتقد وتنفي التنافر.
3 - التجاهل: التقليل من أهمية ومصداقية فكرة التنافر من الأساس.
رغم أن الاستقراء الذي قام به فيستنجر وزملاؤه محدود للغاية، ورغم أن المجموعة التي تمت دراستها صغيرة ولا تمثل اتجاهاً سائداً في الولايات المتحدة، فإن أهمية تلك الدراسة تكمن في تأكيدها لفكرة حماية الجماعة لمعتقدها بدلاً من تركه بعد تأكد خطئه. فرغم وجود وعد إجرائي (نبوءة) يتضمن تاريخاً محدداً لنهاية العالم، ويأمر أتباع المعتقد بأن يضحوا بكل ممتلكاتهم من أجل أن يرحلوا بالأطباق الطائرة؛ فإن عدم تحقق ذلك الوعد/ النبوءة لم يستجلب نقمة أتباع هذه الجماعة على المعتقد رغم الخسارات المادية والمعنوية الكبرى التي تعرضوا لها.
إن الإنسان بشكل عام يرفض أن يوصف بالغباء، ويرفض فكرة أن يصنف خاسراً أو ضحية لعملية احتيال. وعليه، فإن انتماءه لجماعة تشاركه الظروف نفسها يوفر له قدراً كبيراً من الارتياح، وتقبل فكرة أنه لم يخسر. إن «الحيلة النفسية» قابلة للتعميم على الجماعة لتشكل سداً منيعاً ضد الآخر المختلف الذي يكشف لنا نقاط ضعفنا الواضحة. إن الامتثال للفكرة السائدة داخل الجماعة يوفر راحة نفسية لمن لا يريد أن يجهد فكره أو يعيد النظر في معتقداته، وهذا ما يفسر دعم التطرف الفكري من أفراد الجماعات التي لا تكلف نفسها عناء التفكير وتكتفي بالمبررات التي يسوقها قادتها.

* أستاذ علم الاجتماع الديني
في جامعة غراند فالي، الولايات المتحدة.



خليل الحية... قيادة مفاجئة لـ«حماس» في مرحلة تحولية

رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
TT

خليل الحية... قيادة مفاجئة لـ«حماس» في مرحلة تحولية

رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)

قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان اسم خليل الحية (65 عاماً تقريباً) بارزاً ومهماً في أوساط حركة «حماس»، لكنه -وفق تقديرات من داخل وخارج الحركة- لم يكن بالدرجة التي تضعه كمرشح كبير لقيادتها، وفق مآلات الأمور آنذاك.

غير أن انطلاق «طوفان الأقصى» غيّر في ديناميكيات الأشخاص، والأدوار، كما بدّل في جغرافيا القطاع، وما خارجه؛ وبات الحية راهناً رئيساً للمكتب السياسي لـ«حماس»، وقائداً لها في واحدة من أكثر مراحلها التحولية الحساسة.

بعد منافسة مع القائد السابق للحركة، والاسم البارز بين قياداتها، خالد مشعل، أُعلن فوز الحيّة في يوليو (تموز) الماضي، في حدث مثّل مفاجأة للبعض خارج «حماس»، وتوقعه آخرون داخلها، خاصة من نمو سيطرة ما يسمى بـ«قيادات غزة» -أي أبناء القطاع- على مفاصل أهم الملفات، والمناصب الحساسة والمهمة داخل الحركة.

خليل الحية (الثاني من اليمين) وإلى يمينه قائدا الحركة الراحلان إسماعيل هنية ويحيى السنوار يصلون إلى معبر رفح الحدودي في سبتمبر 2017 (رويترز)

في لحظة إطلاق «طوفان الأقصى» كان الحية نائباً لقائد «حماس» في القطاع، يحيى السنوار، ومسؤولاً عن التواصل مع الفصائل الفلسطينية، والجهات الأممية والوسطاء فيما كان يتعلق بواقع قطاع غزة، وجولات التصعيد التي كان يشهدها مع إسرائيل.

ويسجل تاريخ الحركة أن أول ظهور لامع للحية تزامن مع دخول «حماس» إلى المنافسة في الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2006، وما تبعها من سيطرة عسكرية للحركة على القطاع عام 2007، وبعدها تنقل في مناصب قيادية محلية داخل مدينة غزة، ثم على مستوى القطاع، ثم أصبح قيادياً عاماً، وكان يتلقى دعماً مستمراً من قيادات الجناح العسكري للحركة في غزة، مثل أحمد الجعبري، وعز الدين الحداد.

أين كان لحظة الهجوم... وهل عرف به؟

كان خليل الحية مثل الكثيرين من أعضاء المكتب السياسي بغزة، الذين طلب منهم السنوار قبل هجوم السابع من أكتوبر 2023 مغادرة القطاع والخروج من غزة لمتابعة ملفات معينة، لكن لم يكن أحد يعرف حقيقة ما يخطط له مفجر «طوفان الأقصى». وتؤكد مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» أن الحية كان أكثر اطلاعاً مقارنة بغيره من أعضاء المكتب السياسي على بعض تفاصيل 7 أكتوبر «لكن معلوماته لم تكن كاملة، ولا دقيقة، إذ لم يكن يعرفها سوى السنوار، وقادة في الجناح العسكري كانوا على علاقة بجزئيات محددة تتعلق بالهجوم»، وفق ما حدد أحد المصادر.

يؤكد الحية في مقابلة نشرها «المركز الفلسطيني للإعلام» التابع لحركة «حماس» في أبريل (نيسان) 2024: أن «هجمات السابع من أكتوبر التي أشعلت حرب غزة كان المقصود منها أن تكون عمليةً محدودةً قامت بها (حماس) لأسر عدد من الجنود لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين»، مضيفاً: «إن فرقة غزة في الجيش الصهيوني انهارت تماماً»، في إشارة إلى الجيش الإسرائيلي.

وقال مصدر قيادي من «حماس» في الخارج لـ«الشرق الأوسط» إن الحية «كان يعلم أن هجوماً واسعاً نسبياً قيد التحضير، لكنه لا يعلم التوقيت، ولا التفاصيل تماماً، وأنه كان ممن صوتوا مع قيادات على أن يتم الهجوم، لكن جميع من شاركوا في التصويت كانوا يعتقدون أنها مجرد عملية محدودة، وبمن فيهم إسماعيل هنية الذي كان رئيساً للمكتب السياسي، وكان يتجهز برفقة الحية ومشعل وغيرهما من القيادات للسفر من تركيا إلى العراق في أول زيارة لهم للبلاد».

خسائر شخصية وغيابات تنظيمية

لقد جرت في نهر «7 أكتوبر» -وفي أسرة خليل الحية- دماء كثيرة على مدار 3 سنوات من حرب إسرائيلية ضارية، كبّدت القطاع عموماً -والحية حتى وهو خارجه- خسائر فادحة؛ إذ ودع في مايو (أيار) الماضي ابنه عزام، وذلك بعد شقيقه همام في سبتمبر (أيلول)، واللذين قتلتهما إسرائيل في هجمات منفصلة، وانضما إلى ابنين آخرين هما حمزة، وأسامة، واللذان قتلتهما إسرائيل كذلك في عامي 2008 و2014 على الترتيب.

ويعتقد مصدر من «حماس» داخل قطاع غزة أن «الاستهدافات الإسرائيلية المتكررة لمنزل الحية في الحروب على القطاع، ومقتل عدد من أبنائه -خاصةً خلال الحرب الأخيرة- رفعا من أسهمه داخل الحركة، ورشحاه ليصبح قائداً لها على حساب شخصيات تاريخية أخرى».

لكن مصدراً آخر من «حماس» قال إن «غياب شخصيات مهمة عن الواجهة من المكتب السياسي بعد اغتيال إسماعيل هنية، وصالح العاروري، ثم مقتل يحيى السنوار في اشتباكات بشكل مفاجئ داخل القطاع، واغتيال شخصيات أخرى مثل روحي مشتهى وأسامة المزيني، وتغيب شخصيات أخرى لظروف صحية، مثل محمود الزهار وغيره، كل ذلك دفع بالحية ليكون الأكثر حضوراً لتولي المسؤوليات، خاصةً مع سيطرة قيادات من غزة على مناصب مهمة داخل المكتب السياسي، ومجلس الشورى».

واستدرك المصدر أن «هذا لا يعني التقليل من شخصية الحية؛ فالرجل أثبت قدرته على القيادة، وتحمل المسؤوليات في الكثير من الملفات والمناصب التي تولاها سابقاً، حتى بات شخصية مقربة جداً من إسماعيل هنية خلال وجوده بالقطاع، وكذلك عندما التحق به في الخارج، كما أنه تعرض لمحاولات اغتيال سابقاً، وأبرزها ما حدث أثناء وجوده في الدوحة (سبتمبر 2025)، حينما كان يدرس مع قيادات أخرى عرضاً أميركياً لوقف إطلاق النار.

ويضاف إلى المسوغات الشخصية، وفق المصدر الثاني، أن «تأييد الحية الدائم لما خطط له السنوار داخلياً وخارجياً منحه تأييداً أوسع داخل الحركة، خاصةً من المقربين، والمحسوبين على السنوار، وقيادة (كتائب القسام)».

ويؤكد المصدر أن قيادة «القسام» بغزة دعمت الحية ليكون رئيساً للحركة، كما أنها دفعت باتجاه انتخابه باعتباره يمثل خياراً مهماً داخل الحركة لما تراه قيادة غزة التي كان يجب أن تُكرم وتواصل قياداتها للحركة بعدما قادت معركة (طوفان الأقصى)، وضحت بقياداتها الكبار» كما قال.

علاقة الحية بإيران

يُعرف عن الحية في أوساط الفصائل الفلسطينية و«حماس» أنه من الشخصيات التي دعمت توجهات السنوار المدفوعة من قيادة «القسام» لإعادة توطيد العلاقات مع ما يُسمى بـ«محور المقاومة»، وخاصةً إيران، الأمر الذي كان فيما يبدو من أهم القضايا التي أسهمت في توسع نفوذه، حيث كان مسؤولاً عن الاتصالات مع النظام السوري السابق، وزار دمشق للقاء بشار الأسد، في أول زيارة لمسؤول من «حماس» للبلاد في أكتوبر 2022، بعدما كانت غادرتها عام 2012، مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية آنذاك ضد النظام السابق.

ويقول مصدر قيادي من غزة إنه كان هناك إجماع داخل قيادة غزة من المستويين السياسي والعسكري للدفع باتجاه قرار إعادة العلاقات مع إيران، وكان الحية إلى جانب السنوار قد وضعا ثقلهما من أجل فتح علاقات جديدة مع النظام بطهران، وبتأييد جارف من قيادة «القسام» التاريخية، بدءاً من محمد الضيف، ومحمد السنوار، ووصولاً لكل قيادات المجلس العسكري.

المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي يستقبل خليل الحية قائد «حماس» الحالي في طهران في فبراير الماضي (أ.ب)

وشرح مصدر في الخارج أن «هناك بعض الأصوات التي كانت مؤيدة لهذه الخطوة بتحفظ في ظل ما واجهته الحركة من معاناة في العلاقة مع إيران ببعض الفترات، ومطالبة الحركة باتخاذ قرارات تأييد لجهات موالية لإيران في ساحات أخرى، وهو أمر كانت ترفضه الحركة، وتؤكد استقلالية مواقفها».

تبدو قيادة الحية لـ«حماس» إذن أشبه بالمشي على الأشواك؛ فهو على المستوى الداخلي في القطاع أمام مسؤولية إنهاء الحرب، والتعامل مع الضغوط الإنسانية الهائلة بعد مقتل أكثر من 70 ألفاً من أبناء القطاع، واحتلال أكثر من 60 في المائة من مساحته. ومقابل الاستحقاق السابق يظهر الثمن؛ فالرجل يتفاوض عبر الوسطاء مع إسرائيل التي تقول إنها لن تتنازل عن نزع سلاح القطاع، وهو ما يمثل أحد أكثر التحولات في تاريخها.

«حماس» والحية إذن أمام معادلة صعبة للحفاظ على الوجود، والتماسك، وبينما هي مهددة وجودياً بفقدان السلاح كأهم أوراقها، يبدو كذلك أفق المشاركة السياسية ملبداً بالعقبات، فهي بحاجة إلى الالتزام باتفاقيات السلطة الوطنية مع إسرائيل، الأمر الذي يمثل محظوراً للحركة... بقدر ما كان يمثل وصول الحية إلى قيادة «حماس» متغيراً لافتاً، ومفاجئاً، تظهر فترة ولايته كتحدٍ إضافي سيحدد مصيره الشخصي، ومسار حركته على ما يبدو.


كيف دفع 7 أكتوبر عباس إلى تغيير وجه السلطة الفلسطينية؟

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلوح بيده خلال مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (رويترز)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلوح بيده خلال مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (رويترز)
TT

كيف دفع 7 أكتوبر عباس إلى تغيير وجه السلطة الفلسطينية؟

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلوح بيده خلال مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (رويترز)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلوح بيده خلال مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (رويترز)

مباشرة بعدما تولّى منصب رئيس السلطة الفلسطينية عام 2005، وفي جلسة سريعة في بيت لحم، طلب محمود عباس من كوادر تابعة لحركة «فتح» أن يأتوه بأي دليل يثبت أن أحد المسؤولين بالتحديد تورّط بالفساد بعدما كان الحاضرون كالوا له الكثير من التهم المرتبطة بدعم مشاريع إسرائيلية، وذلك كي يحاسبه فوراً. أراد عبّاس إيصال رسالة تؤكّد على أنه جاء لإصلاح السلطة التي كان اتهمها هو أيضاً بالفساد عندما كان رئيساً للوزراء، وأن لديه طريقته لتنفيذ ذلك.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يحضر مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في مدينة رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (أ.ب.أ)

وهكذا مع طول إقامته في موقعه، كرر عباس التعهد بإصلاح السلطة مراراً وتكراراً، لرؤساء الدول البعيدة والقريبة، ولحركة «فتح» التي يقودها، ولفصائل أخرى، وللمجتمع الدولي ومنظمات المجتمع المحلي، وأقام لذلك هيئة مكافحة الفساد، لكن من دون أي نتائج جلية على الأرض.

لقد كانت عملية موجودة بلا شك، لكنها طويلة وبطيئة وصعبة ومعقدة، مثلها مثل كل شيء في الأراضي الفلسطينية، قبل أن يأتي السابع من أكتوبر 2023 بعد 18 عاماً على حكم عباس، ويغير كل شيء.

شروط الإصلاح الثقيلة

لقد تحدّث عباس عن الإصلاح آلاف المرات، وتعهد بذلك آلاف المرات الأخرى خلال أعوامه الطويلة، لكنه لأول مرة يجد نفسه بعد 7 أكتوبر أمام مطالبات بالإصلاح من نوع آخر، نوع ثقيل، وبطريقة صعبة، مفادها البقاء مقابل الإصلاح.

وقال مسؤول فلسطيني رفيع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد طلبوا الكثير من الإصلاحات. بعد الحرب على قطاع غزة، استغلوا هذا العنوان (الإصلاحات)، وأدرجوا تحته مطالبات لا علاقة لها بالإصلاحات الحقيقية... قطع رواتب وتغيير مناهج، وطالبوا أيضاً بانتخابات رئاسية وتشريعية، وكان كل هذا شرطاً للتعامل مع السلطة ودعمها... وقلنا نعم».

وأضاف: «لدينا ألف اعتراض على خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قطاع غزة، وقلنا نعم. لدينا ألف اعتراض على خطة الإصلاح المرتبطة بها، وقلنا نعم. يتعاملون معنا كأننا الدولة الوحيدة التي تحتاج إصلاحات. وقبلنا. ومضينا لأننا نريد وقف الحرب وسدّ الذرائع وإطلاق مسار سياسي. لم يكن وضعاً اخترناه. لكننا وافقنا ومضينا إلى الأمام. فهل يمضون هم، ويطبقون ما عليهم».

لم يكن عباس بحاجة إلى ضغوط كبيرة، فقد التقط جيداً مآلات السابع من أكتوبر، وفي حقيقة الأمر لم ينتظر طويلاً، حتى أطلق سلسلة إصلاحات ضخمة، راحت تغير وجه السلطة الفلسطينية برمتها.

كان الجميع بعد الحرب مختلفين على كل شيء، ومتفقين على شيء واحد، وهو إصلاح السلطة.

وقال مصدر مطلع إن عباس بدأ مبكراً تغييرات كبيرة في محاولة إظهار السلطة أيضاً كسلطة جديدة وشريك سياسي موثوق في المنطقة التي راحت تتغير بدورها.

إنقاذ اليوم التالي

كانت مسألة اليوم التالي حاضرة بقوة، واشترط الجميع على عباس - بحسب المصدر - أنه من دون إصلاح وتغيير السلطة لن يكون شريكاً ولن يكون طرفاً في أي شيء على الإطلاق. وبالتالي، لا سلطة ولا غزة ولا دولة مستقبلية، وهذا بالضبط ما كان يريده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أراد بعد السابع من أكتوبر التخلص من عباس والسلطة واتفاق أوسلو.

فهم عباس ذلك، ليس عبر محادثاته مع الآخرين فحسب، لكن لأن الحرب التي شنّها نتنياهو ضد السلطة وفي الضفة الغربية، وتصريحه لاحقاً أن اتفاق أوسلو «كان خطأ إسرائيل الكبير»، أكدا كل شيء. ومنذ السابع من أكتوبر 2023، تتعامل إسرائيل مع السلطة الفلسطينية فعلاً كأنها غير موجودة.

آليات عسكرية إسرائيلية تسير على طريق في قرية رمون الفلسطينية شرق رام الله في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

صعّدت إسرائيل في الضفة الغربية، وهاجم الجيش مدناً ومخيمات وبلدات، واحتل بعضها بشكل دائم، وراح يقتل الفلسطينيين قصفاً بالطائرات ويعتقلهم، كما يدمر البنى التحتية، فيما تم إطلاق يد المستوطنين يقتلون ويهاجمون ويحتلون مناطق شاسعة بالقوة، قبل أن تمنع الأموال عن السلطة، وتعدل قوانين تتعلق بالسيطرة والحكم والصلاحيات في مناطق متعددة في قلب الضفة، في محاولة لإلغاء دور السلطة الفلسطينية وإعادة هندسة السيطرة على الضفة.

ووجدت السلطة نفسها في أسوأ مرحلة، وفي معادلة «تكون أو لا تكون». وحيال كل ذلك، لم يكن أمام عباس خيارات كثيرة، إما أن يحارب إسرائيل، أو يحل السلطة، أو يستجيب للعالم والأصدقاء.

من السلطة إلى الدولة

بما أن خيار الحرب ليس على جدول الأعمال، ولا تفكر السلطة بحلّ نفسها، ذهب عباس إلى تغيير ما أمكن تغييره.

بعد 4 أشهر فقط من بدء الحرب، في فبراير (شباط) 2024، قبِل عباس استقالة حكومة محمد أشتية، ولاحقاً شكّل حكومة جديدة برئاسة محمد مصطفى، تعهدت فوراً بالإصلاح المؤسسي، ومكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإصلاح القضاء والمالية العامة والأمن، وتوحيد المؤسسات بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

كانت هذه خطوة عباس الأولى نحو إصلاح، توسع فعلاً بعد ذلك نحو تغيير السلطة، فأصدر مرسوماً بإعادة تشكيل لجنة الانتخابات المركزية، ثم إعلاناً دستورياً لتنظيم انتقال رئاسة السلطة في حال شغور المنصب، ثم قراراً بقانون أعاد تنظيم نظام المساعدات الاجتماعية، وبينها وقف رواتب أسرى ومقاتلين فلسطينيين، ثم استحدث منصب نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ونائب رئيس دولة فلسطين. بعد ذلك، شكّل لجنة لصياغة دستور مؤقت للمرحلة الانتقالية من «السلطة» إلى «الدولة»، ثم أصدر إعلاناً دستورياً جديداً نصّ على أنه في حال شغور منصب رئيس السلطة، يتولى نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، نائب رئيس دولة فلسطين، مهام الرئاسة مؤقتاً، ثم أطلق انتخابات محلية في الضفة وغزة، ودعا إلى انتخابات مجلس وطني، وحدّد 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 موعداً للانتخابات التشريعية، على أن تجرى الانتخابات الرئاسية في الربع الأول من 2027.

انتخابات «فتح» والتغيير الكبير

جاءت انتخابات «فتح» جزءاً من حملة التغيير الكبير. وإحدى أهم الخطوات كانت دفع حسين الشيخ العام الماضي نائباً لرئيس دولة فلسطين ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، قبل أن يدفعه هذا العام لمنصب نائب الرئيس في حركة فتح، بعد أن عقدت حركة فتح مؤتمرها الثامن، وجاءت بلجنة مركزية جديدة.

عباس في أثناء المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله في 14 مايو 2026 (إ.ب.أ)

والدفع بالشيخ إلى كل هذه المناصب، في غضون عامين فقط، كرّسه كخليفة محتمل لعباس، وهو رجل مقبول لدى الأميركيين الذين يتواصلون معه بانتظام، وقريب جداً من مسؤولين وقادة عرب وازنين، ولديه خطوط اتصال مع المسؤولين الإسرائيليين أيضاً.

وجاء الشيخ بعد سلسلة تغييرات كبيرة داخل السلطة، شملت تعيين رؤساء جدد لجميع قادة الأجهزة الأمنية تقريباً، وإحالة مئات الضباط برتبة عميد، للتقاعد بمرسوم رئاسي.

إضافة إلى كل هذه التغييرات الهائلة، يجري العمل على تغيير المناهج التعليمية الفلسطينية.

وقال مصدر مطلع: «لقد أراد عباس ترتيب البيت الداخلي، فيما يستجيب لطلبات الإصلاح. ترتيب وضع السلطة الفلسطينية، وضمان انتقال سلمي وسلس. يخدم الجميع. داخلياً أولاً ثم الآخرين».

وإذا ما مضى عباس حتى النهاية، وأجرى انتخابات تشريعية ورئاسية، يكون بذلك أوفى بوعوده فيما يتعلق بتجديد الشرعيات والإصلاح.

ولكن، ليس معروفاً بعد إذا ما كانت الانتخابات ستجرى أم سيتم تأجليها.

وقالت مصادر إن مسألة تأجيل الانتخابات إذا ما تمت فستكون وفق توافق داخل مشاورات مع المجموعة العربية.

وأضافت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»: «لن يكون تأجيلاً مفتوحاً، بل مرتبطاً بموعد آخر محدد».

وعدنا ووفينا... فماذا عنكم؟

بغضّ النظر عن إجراء الانتخابات، تحاول السلطة القول إنها استجابت لكل طلب بإصلاح سياسي ومالي، وفيما يخص تداول السلطة حتى الرواتب والمناهج، فما المطلوب أكثر من ذلك؟

الرئيس الفلسطيني محمود عباس في كلمة مسجلة عن بُعد وجهها إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك (إ.ب.أ)

حين ألقى عباس خطبة مسجلة في الأمم المتحدة الشهر الماضي بعدما منعه الأميركيون من الوصول إلى بلادهم، قال للعالم: «أقول لكم اليوم بكل ثقة ومسؤولية: لقد أوفينا بما تعهدنا به. أنجزنا برنامج الإصلاح الوطني الذي التزمنا به أمام شعبنا والمجتمع الدولي، وعزّزنا حوكمة المؤسسات والمالية العامة والشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد وسيادة القانون. وأنشأنا نظاماً وطنياً موحداً للحماية والرعاية الاجتماعية يقوم على أساس الحاجة، وأنهينا القوانين والأنظمة السابقة المتعلقة بذلك، وحصلنا على تدقيق دولي مستقل يؤكد صحة ما قمنا به. وواصلنا إصلاح نظام التعليم وتطوير المناهج وفق المعايير الدولية، وبالتعاون مع اليونيسكو، بما يعزز قيم السلام والتسامح واحترام الآخر، ويحافظ على هويتنا الوطنية وحقوق شعبنا. كما مضينا في طريق التجديد الديمقراطي وتمكين المرأة والشباب».

وأضاف: «لقد أجرينا انتخابات المجالس المحلية، وانتخابات الاتحاد العام لطلبة فلسطين، ونحن ذاهبون إلى الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) من هذا العام، وإلى استكمال تجديد مؤسسات المجلس الوطني الفلسطيني، ثم إلى الانتخابات الرئاسية».

كأن عباس بذلك يقول: نفّذت كل ما طلبتموه، فهلا تعطوني شيئاً مما أطلب؟


يحيى السنوار... الصورة «الشعبية» إذ تطاردها مشاهد الدمار

لافتة في طهران تحمل صورة زعيم «حماس» الراحل يحيى السنوار (إ.ب.أ)
لافتة في طهران تحمل صورة زعيم «حماس» الراحل يحيى السنوار (إ.ب.أ)
TT

يحيى السنوار... الصورة «الشعبية» إذ تطاردها مشاهد الدمار

لافتة في طهران تحمل صورة زعيم «حماس» الراحل يحيى السنوار (إ.ب.أ)
لافتة في طهران تحمل صورة زعيم «حماس» الراحل يحيى السنوار (إ.ب.أ)

​في الثلاثين من أبريل (نيسان) 2022، خرج يحيى السنوار (1962- 2024) رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» بقطاع غزة آنذاك، محذراً من حرب «إقليمية دينية» واسعة، إذا استمرت إسرائيل في الاعتداءات على الأقصى والقدس، ومطالباً ممثلي الفصائل وأجنحتها العسكرية الذين يستمعون إلى خطابه حينها بالاستعداد والجهوزية. ومع ذلك لم يتصور أحد أن يكون ذلك الاستعداد لمواجهة ما جرى بعد 18 شهراً، في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وصحيح أنه يصعب الجزم أن فكرة السابع من أكتوبر كما ظهرت للعالم كانت متبلورة آنذاك في مخيلة السنوار، ولكنه تعهد في الخطاب ذاته بـ«تبييض السجون من كافة الأسرى الفلسطينيين، وبكسر الحصار بشكل كلي». ثم كرر المعنى ذاته في ديسمبر (كانون الأول) 2022 بالقول للإسرائيليين: «سنأتيكم بطوفان هادر... سنأتيكم بصواريخ دون عَد... سنأتيكم بطوفان جنود دون حد... سنأتيكم بملايين من أمتنا مداً بَعد مَد».

فلسطينيون يحتفلون فوق دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)

وفي تحقيق للصحافيَّين الإسرائيليَّين شلومي إلدار، وروت يوفال، نشراه في صحيفة «هآرتس» في سبتمبر (أيلول) الماضي، وهو جزء من كتاب لهما صدر مؤخراً بعنوان «مخطوفون– 843 يوماً من الإهدار»، أكدا أن السنوار حاول قبيل الهجوم توجيه تحذير عبر وسيط من حركة «فتح» لإسرائيل. وأوضحا أن اتفاقاً كان جاهزاً للتوقيع بين إسرائيل و«حماس» قبل الهجوم بأسابيع عدة، يتضمن صفقة تبادل أسرى وتهدئة أمنية طويلة، ولكن نتنياهو تراجع عنها، وراح يماطل بشأن المصادقة عليها؛ فأثار موقفه هذا غضب السنوار، فقرر شن الهجوم، ولكنه قبل ذلك وجَّه تحذيراً للحكومة الإسرائيلية بـ«رد سيُحدِث زلزالاً».

ويروي الكاتبان أنه في بداية سبتمبر 2023، قطع السنوار فجأة كل الاتصالات مع الطاقم الذي كان يُجري المفاوضات. وقال مسؤول رفيع في «الشاباك»: «لقد اختفى كلياً عن رادارنا، لقد تبخَّر».

تقطعت سُبل صفقة كبيرة مع إسرائيل إذن، بينما تواصل حصار غزة الذي بدأ عام 2006 وتضييق الخناق عليها، وقرر السنوار اللجوء إلى ما تصوَّر حينها أنه الزلزال، وفجَّر الطوفان.

استفتاء داخلي على الشعبية والمسار

ردَّت إسرائيل بكل قوة على السنوار وهجومه، وشنَّت حملة قصف عشوائية في أنحاء القطاع طولاً وعرضاً، ونفَّذت اغتيالات غير مسبوقة؛ بلغت قمتها حينها بقتل رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» إسماعيل هنية، في يوليو (تموز) 2025، عبر عملية معقدة طالته في طهران. ويقول مصدر من «حماس» إن «قرار الحركة باختيار السنوار خليفة لهنية، كان بمثابة تفويض للرجل، ومحصلة استفتاء من الحركة وقيادتها على شعبيته ودعم مساره». وكانت «القسام» -ذراع «حماس»- لا تزال تواجه إسرائيل، وتكبدها خسائر تتناسب مع المواجهات الميدانية، إذا ما تم استبعاد غلبة الغارات الجوية والقصف الصاروخي.

صورة تُظهر قادة «حماس» إسماعيل هنية ويحيى السنوار ومحمد الضيف ومحمد السنوار (لقطة من فيديو نشرته كتائب القسام)

ومع قرب حلول العام الأول على الحرب المتواصلة على غزة، وصل السنوار و«حماس» إلى لحظة قتله فجأة، في مواجهة لم تخطط لها إسرائيل في أكتوبر 2024، ولكن مشهد نهايته لم يكن الأخير.

ولقد سعت إسرائيل إلى محو غزة عبر عملية «إبادة جماعية» وفق ما تتهمها به لجان أممية، وفي حربها على القطاع دمرت كلياً أو جزئياً 82 في المائة من مبانيه، و90 في المائة من بنيته التحتية، وقتلت 74 ألفاً من أهله، بينما تقدر تكلفة إعادة إعماره بنحو 71 مليار دولار.

تركت التكلفة الباهظة للحرب الإسرائيلية إذن بصمتها على صورة السنوار رغم غيابه، و«حماس» رغم توقيعها اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.

على المستوى الشعبي الداخلي في غزة، تغيَّرت بلا شك صورة السنوار كثيراً بالنسبة للغزيين، وحتى في أوساط مؤيدي «حماس» غير التنظيميين، أظهرت مقاطع مصورة وشهادات ونقاشات محلية، خلال الشهور الأخيرة، هجوماً على قرار السنوار وانتقاداً للرجل الذي أصبح محطَّ اتهامات كثيرة.

لكن مصدراً من «حماس» يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الهجوم الذي تعرض له السنوار طوال الحرب من شتائم وانتقادات حادة وغيره، كان ظالماً، ولا يمكن محاكمة رجل سعى لاتخاذ خطوة مهمة كان هدفها أن يشعر الجميع بما كانت تعاني منه غزة، من حصار وقتل يومي على يد إسرائيل».

استطلاعات وتراجعات

لم يصل الفلسطينيون إلى مرحلة التراجع النسبي عن تأييد هجوم 7 أكتوبر فجأة. هكذا تقول نتائج استطلاعين أجراهما «المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية». ويظهر في استطلاع أُعلن في مارس (آذار) 2024 أن التأييد الإجمالي لـ«7 أكتوبر» كان لا يزال مرتفعاً إجمالاً، ولكنه انخفض في الضفة الغربية بمقدار 11 نقطة مئوية، وارتفع في غزة بنحو 14 نقطة.

وعزا التقرير الصادر في مارس ارتفاع نسبة التأييد إلى دافع آخر، يتمثل في أن «ثلاثة أرباع الفلسطينيين يعتقدون أن الهجوم قد وضع القضية الفلسطينية- الإسرائيلية في بؤرة الاهتمام، وقضى على سنوات من الإهمال».

لكن استطلاعاً آخر للجهة نفسها صدر في سبتمبر 2024، لمس تغييراً في نسبة تأييد الهجوم، وبلغ الانخفاض 13 نقطة مئوية في الضفة الغربية وغزة، ولكنه أكبر في قطاع غزة؛ حيث بلغ 18 نقطة مئوية، مقارنة بـ14 نقطة انخفاض في استطلاع مارس.

مسلحو «حماس» لدى تسليمهم المجندة الإسرائيلية أربيل يهود في خان يونس ضمن إطار عملية التبادل (أ.ب)

كما ينقل استطلاع آخر أجراه «المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية»، خلال شهر أغسطس (آب) الماضي، تراجع شعبية حركة «حماس» إلى 24 في المائة، مقارنة بـ35 في المائة كانت قد حصلت عليها في استطلاع للمركز ذاته في أكتوبر2025، في وقت استقر فيه تأييد حركة «فتح» عند 24 في المائة خلال الاستطلاعين.

وتؤكد نتائج استطلاع «المركز الفلسطيني» تراجع تأييد «حماس» في الضفة الغربية من أكتوبر 2025 إلى أغسطس 2026، من 32 في المائة إلى 18 في المائة، بينما انخفضت في قطاع غزة من 41 في المائة، إلى 33 في المائة.

أما «مركز القدس للإعلام والاتصال»، وبالتعاون مع «مؤسسة فريدريش إيبرت»، فقد أشار استطلاع أعلنه في أغسطس الماضي إلى تراجع مماثل في مكانة وشعبية «حماس» بصورة لافتة؛ إذ بلغت نسبة من يثقون بالحركة إلى 6.7 في المائة، بعد أن كانت 12 في المائة في يونيو (حزيران) 2022، كما انخفضت نسبة من يثقون بحركة «فتح» إلى 22.3 في المائة، بعد أن كانت 28.8 في المائة.

هل راجعت «حماس» قرار السنوار؟

بعد 3 سنوات من «7 أكتوبر»، تؤكد ثلاثة مصادر من «حماس» داخل قطاع غزة، ومصدر رابع خارجه، أنه «لم تَجرِ أي مراجعات لما جرى، ولم يوجِّه أي من القيادات انتقادات لما حصل. ورغم أن كثيرين لم يكونوا يعلمون شيئاً، أو بشكل متفاوت، فإنهم لم يغيروا مواقفهم».

لكن مصدراً خامساً في الخارج قال إن «التأييد داخل (حماس) على المستوى الرسمي فقط، ولكن بعض الانتقادات كانت تتم أحياناً في جلسات خاصة بين بعض القيادات من مستويات مختلفة، ولكنها انتقادات في بعض النواحي، مثلما كان يجري بملف المفاوضات وغيره، ولكن ليس في جوهر الهجوم بحد ذاته، مع الاتفاق أو الرفض لشكله الواسع، وعدم حسبان ردة الفعل الإسرائيلية بشكل صحيح».

وعبَّر المصدر الأخير المقيم خارج غزة عن اعتقاده بأنه «رغم الدمار؛ فإن الفلسطينيين ربحوا الكثير من المواقف الدولية المؤيدة، وكَشْف حقيقة إسرائيل وإجرامها، الأمر الذي زاد من حالة التضامن مع فلسطين، وأعاد قضيتها للظهور في كل أنحاء العالم».

ويقول المحلل السياسي الفلسطيني المقيم في غزة، مصطفى إبراهيم، إن «الانتقادات الشعبية للسنوار والغضب إزاء قراره الذي اتخذه من دون دراسة، مستمرة، يضاف إليها ما عاشه السكان في القطاع، وفقدانهم منازلهم وممتلكاتهم». ويشير إلى أن «الفلسطينيين أو غيرهم خارج قطاع غزة، ربما يؤيدون ما فعله السنوار؛ لأنهم فقط لم يعيشوا الظروف نفسها من تدمير وقتل ونزوح وغيره».