كارول عبود تُمسرح جرح المرأة السجينة لتُطلقها

عرض يُخرج القوة الكامنة في «الضحية»

كارول عبود في لحظة بوح بمعاناة ترفض الشفقة (الشرق الأوسط)
كارول عبود في لحظة بوح بمعاناة ترفض الشفقة (الشرق الأوسط)
TT

كارول عبود تُمسرح جرح المرأة السجينة لتُطلقها

كارول عبود في لحظة بوح بمعاناة ترفض الشفقة (الشرق الأوسط)
كارول عبود في لحظة بوح بمعاناة ترفض الشفقة (الشرق الأوسط)

الخطوات قليلة نحو ركامٍ يلهث للتغلب على الموت في منطقة الكارنتينا، جارة مرفأ بيروت. في حيز جغرافي تشرب روائح النيترات، يلاقي مسرح «كيد»، حيث عرضت كارول عبود ثلاث ليالٍ مجانية من «حفلة موسيقية لامرأة وحيدة»، مسرحَ «الفوروم» بإرادة التشبث بالحياة. ومن عمق العتمة المُلحقة بالمكان في عاصمة مأزومة بلوعة الكهرباء، ثمة محاولة لا تبدو مستحيلة لإضاءة شمعة في ليل ماحق.
كانت تلك يد الممثلة اللبنانية كارول عبود، تحمل مشعلاً يروض ليلاً يطل على المدينة بمائة رأس. على كنبة قديمة الطراز، تجلس وحيدة أمام كاميرا، تسرد معاناة نسائية - إنسانية، لا تُبللها الشفقة وألفاظ من نوع «مسكينة» و«يا حرام».
العرض المأخوذ من فكرة نص المسرحي الإيطالي داريو فو، أرادته المخرجة السورية لارا أيلو، مشهدية صوتٍ مرفوع في موازاة الصمت. وهو إذ يبدو مبتوراً في نهايته، حتى أن صاحبة السطور تساءلت باستغراب هل حقاً انتهى؟ (بعد أقل من 40 دقيقة على بدايته)، وخشيَتِ المغادرة لعل فصلاً آخر قد يفوتها، فانتظرت وقتاً ليبدأ ولم يفعل. مع ذلك، ظلت الرسالة رنانة، تحفز النساء على خط أقدار، الأقفاص ليست دائماً مسارحها.
يصور الشاب عامر فياض بوحَ امرأة وحيدة في منزلها الخانق، بذريعة احتمال عرضه في فيلم سينمائي. ترحب به بقهوة مُرة، مرارة أيامٍ دفعتها لتحاول الانتحار، وبخجل يُحمر الوجه ويُلعثم اللسان، تجيب على أسئلة تحضها على الكلام، ولولاها لظل خجولاً، يحتاج دفعاً إلى الأمام ليخرج بوضوح وارتياح.


المرأة «الضحية» بعد تحررها من قفصها (الشرق الأوسط)

الطبقة السفلية، حيث المسرح؛ جارة طبقة علوية حيث تصدح موسيقى يتراقص على أنغامها شبان ساهرون يمثلون نضارة الحياة المسلوبة من البطلة الوحيدة في سجنها، وإن كان يقاسمها المنزل زوجٌ وشقيقه المُتحرش. لقاء الطبقتين، المسرح اختزالُ البيت - الحبس، والفسحة الموسيقية العليا، يُفرج عن مصالحة معقدة مع الحياة، آخرها الضغط الاجتماعي على المرأة لإسكاتها حيال الاعتراف بحقيقة مشاعرها، مكرساً تشييئها أو زجها في نظرة ذكورية باردة تقتل فعل الحب.
تسبر عبود طبقاتها الداخلية، الواحدة تلو الأخرى، بعرض موجز يتراءى مُستعجَلاً، لتعلن وقوعها في قبضتين: المجتمع والرجل. السرد واقعي أكثر مما يبدو عاطفياً. يُدين الأيادي الملتفة حول عنق المرأة، وفي آن لا يذرف دمعة. فالرجال المعنفون (العنف ليس ضرباً فقط)، من زوج لا مبالٍ يراها نكرة، وشقيقه المُتسبب بهرب مساعدتها في الأعمال المنزلية لتنجو من تحرشه بها، وجار يواصل مضايقتها، ومُتصل ينغص هناءها، وعناصر درك يهزأون بشكوى امرأة ضد التحرش، باعتبارها مصدر الإغواء والإغراء؛ هؤلاء الرجال ينفد معهم صبرها، فتكاد تحتاج إلى مصحة: «تعبت، ورح جن وصار بدي عصفورية».
ملاذها صوت الموسيقى الآتي من فوق، ولم يحدث مرة أن صعدت. سجنُها حاكمُها. هي الأم لولدين حياتهما منفصلة عن حياتها. ولدان يلهوان مع العُمر، وهي تحرق عُمرها. تنظر إلى مصور سيرتها وتدلي بامتنان ساخر حيال ما تملك: ثلاجة وغسالة تحتوي على نشافة، ومَقالٍ من ماركة «تيفال» لا يلتصق الطعام في أسفلها، «أنا مرا، شو بدا المرا أكثر من هيك؟»، تتساءل بغضب تُسكنه همساتها الهادئة. غضب قدره التقزم.
يغير العرض مساره، ومع المسار المستجد، تتبدل النبرة. للمرة الأولى، تعترف امرأة تربت على الطاعة، بجرأة أمام الكاميرا، أنها أدركت معنى الحب. وللمرة الأولى لم تشعر بذنب حيال «رفض» الدفق الهائل من الموروثات الاجتماعية والثقافية، لحظة الإعجاب بشاب وتجاوبها مع اهتمامه بها.
إنه مدرس اللغة الفرنسية في معهد وجدته ذريعة للاستراحة من سجنها. حلمت بتعلم مفردات رومانسية كـ«مونامور» و«جو تيم» فتدرك جمال النطق بالحب. شعورها بالتحليق سرعان ما يلجمه الواقع. فكشفُ الزوج علاقتهما يدفعها إلى استعجال موتها بمحاولة انتحار، استباقاً لمصرعها على يده. النهايات المسدودة تلاحقها. كأن ما تتشربه المرأة في صغرها، تغرق به مدى الحياة.
تستطيع القصص الحزينة إحداث خرق في الجدار، فيعبُر هواء وضوء. تنتهي علاقة الحب، لتبدأ عملية الشفاء الحقيقي من الداخل. تعود إلى نفسها بعدما يتحول العالم الخارجي كذبة كبرى، وتقرر أنها ستتصرف كمسؤولة عن سعادتها. تخلع باب القفص بأسنانها، حين تضيع منها المفاتيح، وتنطلق. صخب الحياة يستحق فرصة.
فجأة، يطل رجل الأمن من بين الحضور لدعوتهم إلى مرافقتها في صعودها نحو «الخلاص». بقرارها الالتحاق بالساهرين في الطبقة العلوية، تعلن وضع حد، أو محاولة وضع حد، لمكوثٍ مُدمر في العالم السفلي. تصعد، وكاميرا مُحاورها خلفها، كالطيران بعد تكسر الأجنحة. تُحيي روح المواجهة وتنفض صداها. تلك الروح المُهمَلة كبقايا تدخين في منفضة. تنطلق إلى الأعلى، بين الناس، في عناق حميمي للفضاء الرافض أشكال السجن. تكون هي، بعدما كانت كل الرجال مرتكبي عملية طمسها.
في إمكان المسرحية لملمة نهايتها على نحو لا يُحدث التيه. وقت العرض القصير، استطاع التحلي بتكثيف إضافي فيُجنب إحساساً بالأشياء الناقصة. تلبس كارول عبود الدور، يعوض؛ ورسالة المخرجة تمجيد القوة الكامنة في «الضحية» تستحق التحية.


مقالات ذات صلة

«الفاتح صلاح الدين» يعيد نور الشريف إلى أثير رمضان

يوميات الشرق الفنان نور الشريف (فيسبوك)

«الفاتح صلاح الدين» يعيد نور الشريف إلى أثير رمضان

بعد مرور 11 عاماً على رحيله، يعيد مسلسل «الفاتح صلاح الدين» صوت نور الشريف إلى موجات الإذاعة المصرية وأثير رمضان.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق فهد القحطاني في شخصية «سطّام» التي يحرّكها الغضب والشعور بالقهر والظلم (شاهد)

فهد القحطاني: شهران من التدريب لصناعة «سطّام» في «كحيلان»

يبدو فهد القحطاني واقفاً على عتبة مرحلة جديدة؛ إذ منح مسلسلُ «كحيلان» تجربتَه دفعة واضحة...

إيمان الخطاف (الدمام (شرق السعودية))
يوميات الشرق الفنان المصري دياب (صفحته على «فيسبوك»)

دياب: اتجاهي للكوميديا جاء في الوقت المناسب

يخوض الفنان المصري دياب تجربة مختلفة في مسيرته الدرامية من خلال مسلسل «هي كيميا»، الذي يجمعه لأول مرة مع الفنان مصطفى غريب.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق لقطة من مسلسل «صحاب الأرض» (حساب بيتر ميمي على موقع فيسبوك)

سجال مصري - إسرائيلي حول «صحاب الأرض»

فجّر مسلسل «صحاب الأرض»، سجالاً مصرياً - إسرائيلياً بعد الصدى الواسع الذي حققه منذ بداية عرضه خلال ماراثون دراما رمضان الجاري.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق مسلسل «القافر» في عُمان... حين يصبح الماء كلمة السرّ للوجود والفناء

مسلسل «القافر» في عُمان... حين يصبح الماء كلمة السرّ للوجود والفناء

يكشف المسلسل الدرامي العُماني «القافر» عن صراع الوجود في رحلة البحث عن الماء في إحدى القرى العُمانية التي تعاني شحّ المياه، فيصبح الماء عنواناً رمزياً للحياة.

«الشرق الأوسط» (مسقط)

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.


ترمب يحاول «تبييض» صفحات أميركا

الناشط الأيود الراخل خلال لقائه بالمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1964 (آ ب)
الناشط الأيود الراخل خلال لقائه بالمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1964 (آ ب)
TT

ترمب يحاول «تبييض» صفحات أميركا

الناشط الأيود الراخل خلال لقائه بالمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1964 (آ ب)
الناشط الأيود الراخل خلال لقائه بالمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1964 (آ ب)

ودّعت الولايات المتحدة أخيراً القس جيسي جاكسون، أحد أهم الشخصيات السوداء في تاريخ البلاد، والقيادي الجماهيري الذي لعب دوراً محورياً في تجييش الناخب الأسود وإقناعه بالمشاركة النشطة في الحياة السياسية، بدلاً من الانكفاء واليأس والتشكي والسلبية. وكانت من ثمار ديناميكية جاكسون، الذي بات أول أميركي أسود يترشح لرئاسة الجمهورية، دفع قاعدته الجماهيرية إلى التسجيل في قوائم الاقتراع، ما أحدث فارقاً في المقاطعات والولايات التي يشكل السود نسبة عالية من مجموع سكانها.

مارتن لوثر كينغ "الإبن) (آ ب)

يسود اعتقاد في أوساط أميركية عريضة أن الرئيس دونالد ترمب أطلق منذ بدء ولايته الثانية أكبر جهد لـ«تبييض» الصفحات السود من سجلات تلطخ جانباً مهماً من تاريخ الولايات المتحدة، ما دفع المؤرخ خليل جبران محمد، مؤسس دراسات الأميركيين الأفارقة في جامعة برينستون إلى التحذير من «وضع لا سابق له» منذ أجيال.

وفي حين باشرت إدارة ترمب تحضيرات مكثفة لإحياء الذكرى السنوية الـ250 لتأسيس الجمهورية، كان جبران محمد يتكلم بمناسبة «شهر تاريخ السود» الذي يحييه الأميركيون في فبراير (شباط) من كل عام، في ظل سياسات شهدت انتشاراً واسعاً لحظر الكتب، وتراجعاً في حقوق التصويت، واعتداءات على التنوّع، وقوانين تقيّد أو تمنع تدريس التاريخ الأميركي الأسود. وهذا، يضاف إلى القرارات التنفيذية الهادفة إلى محو السجل العام لاضطهاد السود والملوّنين في أميركا، عبر استراتيجية متعددة الأضلع تشمل إلغاء مبادرات التنوع والإنصاف والشمول، والدفع نحو تغييرات في المناهج الدراسية، وفرض رقابة على معروضات المتاحف، بالإضافة إلى سلسلة من الأوامر للحد من الوصول إلى الأماكن العامة، وفرض رقابة على المعروضات التاريخية وإعادة كتابتها، لا سيما تلك التي تتناول تاريخ وتأثير الأميركيين السود عبر البلاد.

طمس المسيرة

ورغم محاولات «الطمس» و«المحو» الجارية حالياً، لا يزال لدى شخصيات حركة الحقوق المدنية الأميركية حضور لا يغيب في كل أوجه الحياة داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك عبر أنظمة التعليم الرسمية والخاصة التي تدرّس للتلامذة خلال المرحلة الابتدائية، وامتداداً منها إلى كل مراحل التعليم المتوسطة والثانوية والجامعية حتى أعلى درجاتها العلمية.

وفي أحد الدروس البالغة الأهمية، برز الدكتور مارتن لوثر كينغ «الابن» على الساحة الوطنية عندما كان قساً شاباً في ولاية ألاباما، حيث أسهم في قيادة مقاطعة الحافلات التي أشعلت شرارة حركة الحقوق المدنية المعاصرة، بعدما أسس مع رفاقه «مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية» عام 1957.

وحقاً، أسهمت احتجاجات كينغ ونضالاته السلمية في إعادة تصوير أميركا كديمقراطية متعددة الأعراق، وبالأخص عندما ألقى خطابه الشهير «لديّ حلم» في مسيرة واشنطن لعام 1963. ولاحقاً، وسّع اهتماماته لتشمل العدالة الاقتصادية والأحياء الفقيرة في الشمال، ومعارضة «حرب فيتنام». لكنه اغتيل على يد جيمس إيرل راي يوم 4 أبريل (نيسان) 1968 في مدينة ممفيس بولاية تينيسي. وكتكريم لأثره البالغ في حياة شرائح واسعة من الأميركيين، تقرّر منذ ثمانينات القرن الماضي أن يكون يوم ميلاده يوماً وطنياً أميركياً.

كينغ... وآخرون

غير أن كينغ لم يكن وحيداً؛ إذ لعب القس البروتستانتي رالف أبيرناثي (1926 - 1990) دوراً قيادياً في مقاطعة ركوب الحافلات في ألاباما خلال منتصف الخمسينات من القرن الماضي، ليتعرّض منزله وكنيسته للتفجير نتيجة لذلك. ووصفه كينغ بأنه «أفضل صديق لي في العالم». وبعد اغتيال كينغ عام 1968، قاد أبيرناثي «حملة الفقراء»، وترأس «مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية» حتى عام 1977.

تلك الحقبة سجّلت أيضاً اسم روزا باركس، الناشطة في مجال الحقوق المدنية التي كانت تعمل خياطة، عندما رفضت يوم 1 ديسمبر (كانون الأول) 1955 إخلاء مقعدها لراكب أبيض في حافلة بمدينة مونتغمري عاصمة ألاباما، علماً بأن تلك الولاية كانت تفرض حينذاك «قوانين جيم كرو» العنصرية، ما أدى إلى اعتقال باركس. وكردّ على ذلك، ساعدت أستاذة اللغة الإنجليزية المحلية ورئيسة المجلس السياسي النسائي جو آن روبنسون ونساء أخريات في تنظيم مقاطعة جماعية للحافلات من العمال السود في مونتغمري. واستمرت المقاطعة 381 يوماً انتهت بإلغاء المحكمة العليا لقانون الفصل العنصري في الحافلات. وبعد وفاة باركس عام 2005، كانت أول امرأة يُسجى جثمانها في قاعة الكابيتول بواشنطن.

أهمية جيسي جاكسون

غير أن جيسي جاكسون، وهو أحد أحفاد العبيد في ولاية ساوث كارولاينا، لم يحظ بمثل هذا الامتياز بعد وفاته أخيراً؛ لأن رئيس مجلس النواب مايك جونسون رفض ذلك.

جاكسون كان قد انخرط في الاعتصامات السلمية إبّان دراسته الجامعية، وانضم إلى «مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية» عام 1965. وشارك منذ عام 1966، في حملة عُرفت باسم «حركة حرية شيكاغو» التي قادها مارتن لوثر كينغ شمالاً. ثم أسس جاكسون منظمته الخاصة للعدالة الاقتصادية، باسم «عملية الدفع» عام 1971، حين أسهم في تسجيل الناخبين إبّان الحملة التي أدت إلى انتخاب هارولد واشنطن كأول عمدة أسود لمدينة شيكاغو عام 1983. كذلك، ترشّح جاكسون للرئاسة عامي 1984 و1988 على رأس ائتلاف ليحصل على ملايين الأصوات في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي.

لويس ومالكولم إكس

وعلى غرار جاكسون، كان المشرّع جون لويس من أوائل ركاب الحرّية لعام 1961، وساعد في تأسيس «لجنة التنسيق الطلابية اللاعنفية»، وخطب بوصفه ممثلاً لها في مسيرة واشنطن. وكذلك تعرض للضرب على يد الشرطة خلال مسيرة «الأحد الدامي» عام 1965 بمدينة سيلما في ألاباما.

أيضاً، صار مالكوم إكس رمزاً وزعيماً للحركة الوطنية السوداء. وبعيد إطلاقه من السجن عام 1952، انضم إكس إلى حركة «أمة الإسلام» في ديترويت. وقدّم نفسه بديلاً نوعياً عن كينغ، برفضه تبني اللاعنف، ومؤكداً للجماهير من السود أن هدفهم يجب أن يكون الانفصال عن المجتمع الأبيض لا الاندماج فيه.

بيد أن إكس غيّر مواقفه لاحقاً، ودعا إلى جبهة موحّدة مع قادة مثل كينغ وجيمس فارمير من «منظمة المساواة العرقية» إلى سيلما، لإلقاء كلمة داعمة للدكتور كينغ في فبراير 1965. ولكن بعد أسابيع قليلة، اغتيل إكس على يد أعضاء من حركة «أمة الإسلام» في مدينة نيويورك.

جيسي جاكسون مع السناتور باراك أوباما عام 2007 قبل انتخاب الأخير رئيساً (رويترز)

وعلى النهج ذاته، مضى أميري بركة (اسمه الأصلي إيفريت ليروي جونز) الذي يُعد أحد أبرز الكُتاب الأفرو - أميركيين الذين أشعلوا شرارة النهضة الثانية للسود في ستينات القرن العشرين. واعتبره كثيرون فناناً ثائراً حمل لقب «مالكولم إكس الأدب».

ترشّح جيسي جاكسون للرئاسة عامي 1984 و1988

ضغوط على الجامعات

اليوم، تؤدي ضغوط ترمب المتواصلة على أبرز الجامعات الأميركية وتهديداته بقطع التمويل الفيدرالي عنها، منذ بدء ولايته الثانية، إلى أزمة لم تنته تداعياتها الأكاديمية والقانونية حتى الآن.

جبران محمد كان هدفاً مركزياً خلال جلسة استماع نارية في الكونغرس حول «معاداة السامية»، استجوب فيها المشرّعون الجمهوريون نفراً من رئيسات الجامعات، خصوصاً، كلودين غاي (هارفارد) وليز ماكغيل (بنسلفانيا) وسالي كورنبلث (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا «الإم آي تي»)؛ إذ ندّدت النائبة الجمهورية فيرجينيا فوكس بالمقررات التي يدرسها جبران محمد لطلابه، ومنها «العرق والعنصرية في تشكيل الولايات المتحدة كقوة عالمية»، واصفة إياه بأنه «مثال صارخ» على «الآيديولوجية العنصرية» التي جعلت من جامعته (برينستون) «بؤرة لمعاداة السامية».

وبصورة لا لبس فيها في كل مؤسسات التعليم العالي الأميركية، انعكست ضغوط إدارة ترمب والحكم الذي أصدرته المحكمة العليا عام 2023 في قضية «طلاب من أجل قبول عادل ضد هارفارد»، الذي منع قبول الطلاب في الجامعات على أساس «التمييز الإيجابي» (ذي أفيرماتيف آكشن). وهذا يتعلّق بمبدأ الأفضلية للأقليات على أساس العرق واللون والدين والجنس والتوجه الجنسي أو الأصل، سعياً إلى إصلاح التمييز الذي مورس ضدهم في السابق.

وكنتيجة لذلك، أفادت البيانات الديموغرافية غير الرسمية لدفعة التخرّج المتوقعة في جامعة هارفارد لعام 2029 بأن نسبة الطلاب السود الجُدد الملتحقين بها انخفضت للعام الثاني على التوالي، بينما ارتفعت نسبة الطلاب الأميركيين من أصول آسيوية. أما تسجيل الطلاب الدوليين فظل مستقراً، رغم القيود المتعددة التي تفرضها إدارة ترمب على سفر الطلاب وأعضاء هيئات التدريس من الأجانب، فبين 1675 طالباً من 50 ولاية أميركية و92 دولة، عرف 11.5 في المائة أنفسهم بأنهم أميركيون من أصول أفريقية أو سود، مقارنة بـ14 في المائة لدفعة عام 2028.

أيضاً انخفضت نسبة الطلاب الذين عرّفوا أنفسهم بأنهم من أصول إسبانية أو لاتينية مقارنة بدفعة 2028، من 16 في المائة إلى 11 في المائة. وعرّف 41 في المائة من الطلاب أنفسهم بأنهم أميركيون آسيويون، في ارتفاع ملحوظ مقارنة بنسبة 37 في المائة لدفعة 2028. وفي المقابل اختار 8 في المائة من الطلاب عدم الإفصاح عن عرقهم أو أصلهم الإثني. وحُسب الطلاب الذين عرّفوا أنفسهم بأكثر من عرق واحد ضمن النسب المئوية لكل فئة اختاروها. ولم تصدر أي بيانات عن الطلاب المصنّفين بيضاً.

استهداف «التنوّع»

بالإضافة إلى مؤسّسات التعليم العالي، جعل ترمب من «التنوّع» هدفاً شاملاً لمشاكل المجتمع، وأثرت تخفيضاته في القوى العاملة الفيدرالية بشكل غير متناسب على الموظفين السود. كما جرى «تطهير» المكتبات من كتابات مؤلّفين سود مثل مايا أنجيلو، وكانت الذريعة أن مؤسسة «السميثسونيان» تركز بصورة مفرطة على «بشاعة الرّق».

كلينت سميث، مؤلف كتاب «كيف تُنقل الكلمة: محاسبة على تاريخ الرّق في كل أنحاء أميركا»، وصف خلال بودكاست لمجلة «ذا أتلانتيك»، أحد القرارات التنفيذية للرئيس ترمب بأنه تذكير برواية جورج أورويل «1984»، لأنه يُسطح قضية الرّق إلى تجريد لا لوم فيه، ويفصل «حركة الحقوق المدنية» عن القوى التي جعلتها ضرورية، ويحاول عزل إنجازات السود عن السياق الذي يمنحها معناها، خلافاً لحقيقة أن الولايات المتحدة بُنيت حرفياً ومجازياً، على أيدي المُستعبَدين وأحفادهم.

بالنسبة إلى سميث، «يتجلّى نهج إدارة ترمب لتبييض التاريخ الأميركي بمحو نشاطات كثيرة»، يتضمن بعضها سجلاً مادياً لرحلة الأميركيين في موطن الأجداد، وعبر المواقع التاريخية، بما فيها الأراضي العامة والمتنزهات الطبيعية الشاسعة، مثل يلوستون ويوسيميتي. وهذا، بموازاة الاحتفال بالأبطال الأميركيين والابتكارات واللحظات التاريخية، بدءاً من النصب التذكاري لأول الرؤساء جورج واشنطن في ولاية ميسوري، الذي يروي قصة كيف أحدثت دراسة كارفر الرائدة في علم التربة نقلة نوعية في الزراعة الأميركية والحفاظ على الأراضي لمنع الانهيار البيئي في الأراضي الجنوبية، ومروراً بمتنزه نيو أورليانز التاريخي الوطني للجاز في لويزيانا، ووصولاً إلى النصب التذكاري الوطني لمقبرة الأفارقة في نيويورك.كل هذه المعالم، وغيرها، يُفترض أن تكون شاهدة في الذكرى السنوية الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة في 4 يوليو (تموز) 1776.


ترمب... و«أصدقاؤه السود»

ترمب مع مغنية "الراب" الترينيدادية نيكي ميناج (آ ب)
ترمب مع مغنية "الراب" الترينيدادية نيكي ميناج (آ ب)
TT

ترمب... و«أصدقاؤه السود»

ترمب مع مغنية "الراب" الترينيدادية نيكي ميناج (آ ب)
ترمب مع مغنية "الراب" الترينيدادية نيكي ميناج (آ ب)

> في موازاة السياسات التي تعيد الاعتبار لزعماء كانوا مسؤولين عن بعض أسوأ مراحل الرق، يرفض الرئيس دونالد ترمب الاتهامات التي توجه إليه بأنه «عنصري»، مكرّراً دائماً أن «بعضاً من أصدقائه المقرّبين» من ذوي البشرة السوداء. بل هو يشير إلى حقيقة أنه حقق بالفعل مكاسب بين الناخبين السود في عام 2024، مستقطباً الرجال والشباب الأميركيين السود الذين خاب أملهم في الحزب الديمقراطي. وبالفعل، ارتفعت نسبة تأييد ترمب بين الناخبين السود إلى 15 في المائة، بعدما كانت 8 في المائة عام 2020، وفقاً لمركز «بيو» للأبحاث.

أيضاً، سرد الرئيس ترمب خلال مناسبة نظمها البيت الأبيض أخيراً في «شهر تاريخ السود» أسماء عديدة، بينها مغنية «الراب» نيكي ميناج، مثنياً على «جمال بشرتها»، ونجم كرة القدم الأميركية «الصامت لكن القاتل» جيم براون و«أعظم لاعب دفاعي، ربما في تاريخ كرة القدم الأميركية» لورانس تايلور، ورمز الحقوق المدنية جيسي جاكسون الذي توفي قبل أيام، واصفاً إياه بأنه «بطل حقيقي».

وذكر ترمب أيضاً بطل الملاكمة العالمي مايك تايسون، قائلاً: «كان مايك وفياً لي... وكلما خرجوا، يقولون: ترمب عنصري، ترمب عنصري، يرد مايك تايسون: إنه ليس عنصرياً، إنه صديقي... كان بجانبي منذ البداية، في السراء والضراء». واختتم مايك تايسون: «رجل عظيم، وكان وفياً للغاية. لطالما كان وفياً».

ولنفي تهمة العنصرية، يُظهر استعراض مقابلات ترمب خلال عقد من الزمان أنه كثيراً ما استشهد بأصدقائه السود دون ذكر أسمائهم، أو أشار إلى مشاهير ورياضيين بالاسم، عندما يطلب منه مناقشة أي شيء يتعلق بالناخبين السود. وفي مقابلة أجريت معه في أكتوبر (تشرين الأول) 2015، خلال حملته الرئاسية الأولى، أشار إلى «صديق لي، وهو رياضي عظيم، وهو أميركي من أصل أفريقي».

وحاول أيضاً عام 2016 دحض تهم العنصرية الموجهة إليه، مستشهداً بـ«أصدقاء لي من أصول أفريقية أميركية، قالوا: أنت الشخص الأقل عنصرية ممن نعرفهم».

وفاخر عام 2018 بأنه «يحظى بدعم هائل من رياضيين أميركيين أفارقة بارزين»، بالإضافة إلى أن مغني «الراب» كانييه ويست صار داعماً له.

وإلى جانب ذكره للرياضيين والمشاهير السود الذين يعدّهم أصدقاءه، يسلط ترمب الضوء على الأعضاء السود القلائل في إدارته، بينهم وزير الإسكان والتنمية الحضرية سكوت تيرنر، وهو لاعب كرة القدم الأميركية سابقاً، ووزير الإسكان السابق بن كارسون، الذي يشغل حالياً منصب مستشار في وزارة الزراعة، والحقوقية المسؤولة عن العفو أليس جونسون.

في سياق متصل، نقلت صحيفة «النيويورك تايمز» عن البروفسور كايسي لايمون، الأستاذ في جامعة رايس، أن «افتتان ترمب بالرياضيين يكشف بشكل خاص عن قيمه تجاه السود»، معتبراً أن ترمب «يرفض رؤية واقع حياة السود، لذا يختبئ وراء هذا الواقع، مظهراً إعجابه ببنية الرجال السود».

كذلك لاحظت البروفسور كورتني بيكر، الأستاذة بجامعة كاليفورنيا ريفرسايد، أن مفهوم ترمب عن الأصدقاء السود «يتمحور حول الشهرة والنجومية، وما يمكن أن يقدمه له السود».