عرب و عجم

عرب و عجم
TT

عرب و عجم

عرب و عجم

> عصام بن أحمد عابد الثقفي، سفير خادم الحرمين الشريفين لدى إندونيسيا، أقام أول من أمس، مأدبة عشاء على شرف نائب وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السعودي للعمل الدكتور عبد الله بن ناصر أبو ثنين، والوفد المرافق له، على هامش زيارتهم الرسمية إلى إندونيسيا، وذلك بعد توقيع اتفاقية استقدام العمالة المنزلية مع الجانب الإندونيسي.
> سيبي جورج، سفير الهندي لدى الكويت، حضر أول من أمس، احتفالية أقامتها السفارة بمناسبة افتتاح حملة دعائية على حافلات النقل، في الذكرى الـ60 لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين الهند والكويت، والذكرى الـ75 لاستقلال الهند. وقال السفير: «إنني على ثقة بأن هذه العلاقة ستستمر في الازدهار وتتطور إلى عصر جديد، وشراكة هندية جديدة - كويتية جديدة تربط بين رؤى قيادة بلدينا الصديقين من أجل التنمية المتبادلة والتقدم لشعبَي بلدينا»، واصفاً علاقات بلاده مع الكويت بأنها شراكة ديناميكية طويلة الأمد ومتطلعة للمستقبل.
> جيروم كوشارد، سفير فرنسا لدى مملكة البحرين، استقبلته أول من أمس، الدكتورة جليلة بنت السيد جواد حسن وزيرة الصحة البحرينية، حيث تباحثا حول سبل تعزيز التعاون الصحي بين البلدين. وأكدت الوزيرة عمق العلاقات الثنائية التي تحقق من خلالها الكثير من المنجزات على مستوى الجانبين، مؤكدة أهمية تعزيز التعاون المثمر في المجالات الصحية. من جانبه، أعرب السفير عن شكره وتقديره لوزيرة الصحة على حسن الاستقبال، متمنياً لمملكة البحرين المزيد من التقدم والنماء.
> مطر حامد النيادي، سفير دولة الإمارات لدى دولة الكويت، التقى أول من أمس، وزير التجارة والصناعة ووزير الشؤون الاجتماعية والتنمية المجتمعية الكويتي فهد الشريعان. وجرى خلال اللقاء استعراض العلاقات القائمة بين البلدين الشقيقين، وسبل تعزيزها وتطويرها في شتى المجالات، وبحث عدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك. وأكد السفير خلال اللقاء حرص دولة الإمارات على توطيد أواصر التعاون المشترك، وتعزيز العلاقات بما يحقق طموحات قيادتي وشعبي البلدين الشقيقين.
> خالد شوابكة، سفير الأردن في موسكو، استقبله أول من أمس، مبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، وتم خلال اللقاء مناقشة الجوانب الرئيسية للأجندة الدولية والإقليمية مع التركيز على الوضع في سوريا وتصعيد التوتر في قطاع غزة والضفة الغربية لنهر الأردن، بما في ذلك القدس الشرقية. وفي هذا السياق، تمت الإشارة إلى الحاجة لتسوية سريعة للنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، وفق مبدأ الدولتين، وعلى أساس قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن.
> وائل حامد، سفير مصر لدى الهند، استقبله أول من أمس، وزير الدولة الهندي للشؤون الخارجية، شيري مورالي داران، لتسليم الدعوة الموجهة من رئيس الجمهورية إلى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، للمُشاركة في فعاليات الدورة الـ27 لمؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المُتحدة الإطارية لتغيُر المُناخ (COP27) في مدينة شرم الشيخ، وأعرب السفير عن تطلع مصر لمُشاركة الهند نظراً إلى الدور الذي تلعبه للدفع بأجندة عمل المناخ العالمي ودعم الدول النامية لمواجهة تداعيات تغير المُناخ.
> خيرات لاما شريف، سفير دولة كازاخستان في مصر، استقبله أول من أمس، البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، في المقر البابوي. وقدم السفير دعوة للبابا لحضور مؤتمر «زعماء أتباع الأديان العالمية والتقليدية»، الذي سيُعقد الشهر المقبل في مدينة نور سلطان عاصمة كازاخستان.
> أنور حبيب الله، سفير جمهورية الصين الشعبية لدى مملكة البحرين، استقبله أول من أمس، الدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني، وزير الخارجية البحريني، بمكتبه بمقر الوزارة، وتم خلال اللقاء بحث علاقات الصداقة والتعاون التي تجمع بين مملكة البحرين وجمهورية الصين الشعبية، بالإضافة إلى القضايا ذات الاهتمام المشترك على الساحتين الإقليمية والدولية.
> محمد ولد أعمر، المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، بحث أول من أمس، مع وزير الثقافة والشباب والرياضة والعلاقات مع البرلمان في موريتانيا، ختار ولد الشيباني، عبر تقنية الاتصال المرئي، مجالات التعاون بين المنظمة وموريتانيا. وثمّن الوزير خلال اللقاء الدور الكبير الذي تضطلع به المنظمة خصوصاً فيما يتعلق بالمجالات الثقافية، كما تناول اللقاء تقييم ومتابعة البرامج التي تنفذها المنظمة خلال العام الجاري، وفي مقدمتها البرامج الثقافية، بالإضافة إلى القضايا المشتركة وكذا متابعة البرامج قيد التنفيذ.



سقوط «معلّم كامبريدج» الزائف... شهادة مزوَّرة تُنهي مسيرته التعليمية

الثقة في التعليم تتصدّع مع أول كذبة (غيتي)
الثقة في التعليم تتصدّع مع أول كذبة (غيتي)
TT

سقوط «معلّم كامبريدج» الزائف... شهادة مزوَّرة تُنهي مسيرته التعليمية

الثقة في التعليم تتصدّع مع أول كذبة (غيتي)
الثقة في التعليم تتصدّع مع أول كذبة (غيتي)

شُطب معلّم سابق في مدرسة خاصة من السجل النقابي بعدما تبيَّن أنه كذب بشأن حصوله على شهادة من جامعة كامبريدج وعمله موظفاً قضائياً.

ووفق «بي بي سي»، كان نيكولاس مارتين (43 عاماً) يعمل معلِّماً في مدرسة سانت إدوارد ببلدة شلتنهام منذ 2006، وعُيّن رئيساً للمرحلة الدراسية السادسة عام 2024 قبل رصد تناقضات في طلبه لشغل منصب نائب المدير عام 2025.

وبدأت التحقيقات بعدما قال مارتين إنه كان أصغر من عمره المدوَّن في الطلب المقدَّم عام 2024 بخمسة أعوام، ممّا أثار الشكوك في باقي أجزاء سيرته الذاتية وكشف أكاذيبه. وخلُص متّخذ القرارات في اللجنة التابعة لهيئة تنظيم التدريس، مارك كافي، إلى أن «سلوك مارتين كان غير مطابق بدرجة كبيرة للمعايير المتوقَّعة من ممارسي هذه المهنة». وأضاف: «ما تبيَّن من سوء السلوك خطير، إذ يتضمَّن تبني معلّم سلوكاً غير نزيه».

واستمعت اللجنة إلى أنّ تاريخ الميلاد، الذي ذكره مارتين عند التقدُّم لشغل منصب نائب المدير، كان 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 1987، وهو بعد تاريخ الميلاد المدوَّن في الطلب المُقدَّم عام 2024 بخمس سنوات. وحاول مارتين في البداية إيضاح سبب التاريخ الخاطئ بزعم أنّ شخصاً ما لم يقرأ خطّه جيداً.

وبفحص سجلِّه الوظيفي، تبيَّن أنّ جواز سفره ورخصة قيادته يحملان تاريخ عام 1982، لكن استمر مارتين في زعم أنّ سنة ميلاده الحقيقية هي 1987 وأنّ هذا التباين سببه مشكلة قديمة تتعلّق بجواز السفر.

كذلك لم يسفر مزيد من التدقيق عن أي ذكر لمثل هذا التاريخ، لكن وُجدت مطابقة مع عام 1982 وأكدتها وثائق محدثّة قدمها.

وزعم مارتين أنه قد اعتاد كتابة تاريخ 1987، لذا ربما يكون قد نسخه من طلبه المقدَّم عام 2024، لكن أسفرت عملية مراجعة عن اكتشاف كتابته لتاريخ 17 نوفمبر 2012 في تلك الوثيقة، وفق ما جاء في جلسة الاستماع.

ودفع ردُّه المرتبك على هذا الأمر المدرسة إلى التحقيق في أجزاء أخرى من سيرته الذاتية، بما فيها مزاعم حصوله على شهادة الماجستير في التاريخ من جامعة كامبريدج. وكان مارتين قد قدَّم نسخة من شهادة زعم أنها صادرة عن الجامعة، وأن الشهادة الأصلية في المنزل، وكان «يحب التفاخر بها أمام أصدقائه خلال عطلات نهاية الأسبوع».

وأكدت جامعة كامبريدج أنَّ الشهادة مزوَّرة، وأخطرت المدرسة بأنَّ البرنامج الدراسي المذكور لم يُقدم من جانب الكلية المذكورة. واستمعت اللجنة إلى أنَّ مارتين يحمل درجة علمية في التاريخ من جامعة لانشستر، وقد سجل ذلك في الطلب الذي قدَّمه عام 2024.

كذلك زعم مارتين في الطلب الذي قدَّمه أنه كان يعمل موظفاً قضائياً مرة شهرياً تقريباً، لكن لم يرد اسمه في أي سجلات خاصة بهيئة المحاكم ومحاكم العمل التابعة لجلالة الملك.

غير نزيه

خلال جلسة استماع في 29 يناير (كانون الثاني)، وجدت اللجنة التابعة لهيئة تنظيم التدريس أنّ «مارتين قد أبدى قدراً كبيراً من سوء السلوك وعدم النزاهة»، لكنها أكدت أنه «قد أدرك خطورة هذا الأمر» وقبلت تأنيب ضميره.

كذلك جاء في الجلسة أنه لم ترد إشارة إلى أي سوء سلوك سابق خلال سنوات عمله في المدرسة، وأنه كان يُوصف بـ«المعلِّم الجيِّد» وأنَّ «معاملته للطلبة حسنة»، لكنها لم تُعدَّ ذلك دليلاً على أنه «يرتقي إلى معايير مرتفعة بشكل استثنائي أو يسهم بدرجة كبيرة في قطاع التعليم».

وقررت اللجنة أن اعتبارات المصلحة العامة في «الحفاظ على الثقة» في المهنة تعني أن المنع من ممارسة مهنة التدريس ملائم، وهو ما يعني منع مارتين من ممارسة مهنة التدريس؛ علماً بأنَّ مارتين يستطيع الطعن على القرار والطلب من لجنة مراجعة قرار المنع بعد عامين.


وثيقة تكشف: الاتحاد الأوروبي يدرس دعم اللجنة الوطنية لإدارة غزة

مسجدٌ دُمّر خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر عامين مُحاط بخيام لإيواء الفلسطينيين النازحين بمدينة غزة (رويترز)
مسجدٌ دُمّر خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر عامين مُحاط بخيام لإيواء الفلسطينيين النازحين بمدينة غزة (رويترز)
TT

وثيقة تكشف: الاتحاد الأوروبي يدرس دعم اللجنة الوطنية لإدارة غزة

مسجدٌ دُمّر خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر عامين مُحاط بخيام لإيواء الفلسطينيين النازحين بمدينة غزة (رويترز)
مسجدٌ دُمّر خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر عامين مُحاط بخيام لإيواء الفلسطينيين النازحين بمدينة غزة (رويترز)

أظهرت وثيقة ​لجهاز العمل الخارجي الأوروبي أن الاتحاد الأوروبي يدرس إمكانية تقديم ‌الدعم للجنة ‌الوطنية ​لإدارة ‌غزة، وفق «رويترز».

وذكر ⁠الجهاز، ​في الوثيقة ⁠التي وُزعت على الدول الأعضاء، أمس الثلاثاء، أن «الاتحاد الأوروبي يتواصل ⁠مع هياكل ‌الحكم ‌الانتقالي التي تأسست ​حديثاً ‌لغزة».

وقالت الوثيقة: «‌يدرس الاتحاد الأوروبي أيضاً إمكانية تقديم الدعم للجنة الوطنية ‌لإدارة غزة».

وسيناقش وزراء خارجية الدول ⁠الأوروبية ⁠الوضع في غزة، خلال اجتماع في بروكسل يوم 23 فبراير (شباط) الحالي.


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً