مكابدات القارئ مع الوفرة الرقمية

القراءة صارت صراعاً لا ينتهي مع البيانات الكبيرة

«أمازون» أكبر متجر لبيع الكتب
«أمازون» أكبر متجر لبيع الكتب
TT

مكابدات القارئ مع الوفرة الرقمية

«أمازون» أكبر متجر لبيع الكتب
«أمازون» أكبر متجر لبيع الكتب

جرّبت الروائية الإيطالية إيلينا فيرانتي Elena Ferrante، مؤلفة الرباعية النابولية، كتابة مادة صحافية أقرب لعمود أسبوعي في صحيفة «الغارديان» البريطانية ذائعة الصيت. وفّرت لها الصحيفة كل أسباب الدعم والانتشار، ومن ذلك مثلاً نشر مادتها الأسبوعية كل يوم سبت، وهو يوم عطلة أسبوعية يغري معظم الناس بالقراءة. لم تتحمل فيرانتي الكتابة أكثر من عام واحد (هو عام 2019)، وأنهت ذلك الالتزام الأسبوعي بكتابة مقالة أخيرة أبدت فيها السبب الذي دفعها للتوقف عن الكتابة للصحيفة، وذلك أنها اعتادت مكابدة القلق والترقب والانتظار عقب نشر كل رواية جديدة لها، وهو ما يحصل كل بضع سنوات تكون خلالها منصرفة للكتابة من غير ضغوط معيقة؛ أما الكتابة الأسبوعية في صحيفة عالمية فكانت أشبه بكابوس لم تعُد تطيق تبعاته؛ إذ ما إن يُنشَر لها عمود جديد حتى تقع فريسة عبأين اثنين: ملاحقة ردّات أفعال القرّاء على مقالتها، والتفكير بمقالتها الجديدة في الأسبوع اللاحق. ليس ثمة من فسحة للاستجمام الذهني والاسترخاء النفسي أبداً مع أي شكل من أشكال الفعاليات الثقافية الأسبوعية المكتوبة للصحافة.
جالت بخاطري المعاناة التي أسهبت فيرانتي في وصفها وأنا أقرأ المادة اليومية التي دأب على كتابتها الأستاذ سمير عطا الله في «الشرق الأوسط» منذ خمس وثلاثين سنة! أكاد أقول –بيقين- إن كتابة المقالة اليومية للكاتب عطا الله هي بعضُ أسباب سعادته في هذه الحياة؛ ولعلها السبب الأكبر لها. الكتابة كنز سعادة لا ينضب لمن عرف مسرّاتها وقدراتها الحقيقية والميتافيزيقية، وهي بهذا الوصف تصبح عند بعض البشر قرينة الوجود الإنساني النبيل والمكتمل. تساءلت: ما الذي يمكن أن يقوله كاتبٌ بعد عمر كامل قضاه في الكتابة؟ والأمر الأكثر أهمية: ما الذي يمكن أن يقوله كاتب على نحو يومي منتظم لعقود طويلة؟ تبدو لي الكتابة الحقيقية -والمعرفة بعامة- مثل نبع ماء أزليّ كلّما شربنا منه ازددنا ظمأً ورغبة في استكشاف المجهول. لا الظمأ يخف ولا المعرفة تتضاءل ولا الشغف يخفت، ورقعة المجهول تزداد اتساعاً وتكون مبعث رهبة في عقل الكاتب والقارئ معاً.
يُختص الكاتب عطا الله بميزة قدرته على تمرير رسائل ثقافية واستراتيجية شديدة الأهمية في سياق مقالة يومية مكتوبة برشاقة تضمر دسامة وثقلاً معرفياً لا يخفى على القارئ. لنلاحظ مثلاً هذه العبارة التي وردت في متن مقالته الموسومة «في الطريق إلى جدة: حفظ الآداب»: «... فالرئيس الأميركي في الطريق إلى جدة سوف يكتشف أنّ العملاق الآسيوي قد تجاوز جميع المخيلات. ثلاثية عجيبة من أكبر دولتين في العالم، الصين والهند، وبينهما سنغافورة، أصغر دول العالم. سوف تصرف أميركا خلال 8 سنوات 1.2 تريليون دولار على البنية التحتية. فكم هو الرقم في الصين خلال عام واحد؟ 2.3 تريليون دولار. مثلٌ آخر: قبل 20 عاماً لم يكن لدى الصين شبكة قطارات سريعة، الآن تملك شبكةً توازي في حجمها ثلثي شبكات العالم أجمع...».
إنّ قراءة مثل هذه المعلومة تستوجب عند القارئ الشغوف مراجعة الأدبيات المنشورة بشأن سباق القوى الموصوفة بـ«القوى العظمى» في ميادين شتى منها: البنى التحتية والذكاء الصناعي وسباق الفضاء والروبوتات، إلخ؛ ولك أن تتصور كيف سيكون الحال إذا ما استوجبت قراءة مائة مقالة من مقالات عطا الله مراجعة مائة عنوان لكتاب أو مادة بحثية علمية أو تاريخية أو اقتصادية؟
أحالتني مقالة عطا الله المذكورة أعلاه إلى كتاب عنوانه «القوى العظمى للذكاء الصناعي: الصين، وادي السليكون، والنظام الدولي الجديد»، كتبه كاي – فو لي Kai – Fu Lee أحد مطوري الأعمال الصينيين ورئيس معهد للذكاء الصناعي. راق لي عنوان الكتاب فاعتزمت استزادة المعرفة عنه في موقع «أمازون» العالمي. صارت معاينة الإصدارات الجديدة من الكتب -بالنسبة لي، ولكثيرين أمثالي- عذاباً بمثل ما هي لذّة عظيمة: يذهبُ أحدنا لموقع «أمازون» لقراءة ملخّص تعريفي (Preview) عن كتاب ما ومعاينة محتوياته، فإذا به يَعلق في سلسلة لا نهائية من كتب يرى الموقع أنها تشترك مع الكتاب المطلوب في طبيعة موضوعها، وقد حصل معي كثيراً أن بدأتُ بعنوان محدّد لكتاب، ثمّ انتهيت بكتب لم يخطر ببالي يوماً أنني سأراجعها، وتتعاظمُ آثار هذه الظاهرة عندما يكون المرء مهتماً بحقول معرفية كثيرة، وتتضاعف المعاناة أضعافاً مضاعفة إذا ما كانت للمرء اهتمامات بالترجمة متعددة الجوانب.
ليست بعيدة تلك الأوقات قبل عقود عدّة عندما كنّا نقاتل حقاً، للحصول على كتاب ورقي جديد يعزز معرفتنا وكنوز مكتباتنا. كنّا نبذل الكثير من الوقت والمال عن طيب خاطر لنحصل على كتاب بخاصة إذا ما كان عنوانه يفتح لنا منافذ المعرفة الرفيعة التي لا نرتوي من منابعها، وليست قليلة تلك الكتبُ التي سعينا للحصول على نسخة منها عبر مكاتبة بعض الأصدقاء، وكم كنّا في تلك السنوات نسرع كل بضعة أيام لتفقّد صناديقنا البريدية بلهفة متوقّعين العثور على كتاب سمعنا به وأحببناه.
تغيّرت هذه الحال اليوم بفعل الثورة الرقمية وصارت طيوفاً قابعة في ذاكرة الأمس. ليس هذا غريباً؛ فكل ثورة تقنية تأتي بطائفة مستجدة من الخبرات فيما تجعلُ بعض الخبرات السابقة خارج نطاق التداول البشري. إذا أردتَ اليوم قراءة كتاب ما في أي حقل معرفي فلا تحتاجُ لأكثر من الذهاب إلى موقع «أمازون» الأكثر شهرة في العالم، ثمّ تطلب عنوان كتابك، وإذا أُتيحت لك خدمة الدفع الإلكتروني فسيكون الكتاب في حوزتك بعد ثوانٍ من تسديد قيمته، وهي قيمة عادية في كلّ الأحوال ولا تثقل جيباً أو تخلّ بميزانية شهرية. هذه بعضُ حسنات الثورة التقنية لمن أدمنوا القراءة، لكنّ هذه الحسنة الجميلة لم تأتِ خالية من بعض المنغّصات التي تقترنُ بجميع الثورات التقنية. أساس المنغّصات هنا يكمنُ في الوفرة التي حلّت بعد شُحّة مديدة.
ماذا بوسع المرء أن يفعل إزاء هذه المنغّصات وقد صارت حقيقة واقعة؟ علّمتني خبرتي المتراكمة أنّ أفعالاً بسيطة يمكن أن تفيد في مواجهة تسونامي الكتب الرقمية.
أولاً: عندما تعتزمُ قراءة كتاب تحبه انسَ أمر المواقع الرقمية (بما فيها موقع «أمازون»). الحرصُ على اجتناء أعظم فائدة من كتاب واحد تحبه أفضل من تشتيت الوقت في قراءات تعريفية مبعثرة أو قراءات سريعة مختصرة لكتب كثيرة.
ثانياً: لا تدع الوفرة تقتل الشغف؛ فتكون كمن جاع دهراً ثمّ وجد نفسه أمام مائدة شهية حافلة بأطايب الطعام فما عاد يدري ماذا يأكل وكم يأكل، وصار يخاف أن تقتله التخمة. الموت من وفرة أعقبت جوعاً قديماً هو أسوأ أنواع الميتات لأنها ميتة غير مقبولة ولا مبررة.
ثالثاً: غصة كبيرة يختنق بها المرءُ عندما يدرك أنه سيغادرُ هذه الحياة وهو لم يقرأ الكثير من الكتب التي أصبحت مُتاحة والتي حلم بقراءتها في أزمنة ماضية، تلك حقيقة مؤكدة لدى كل عاشق حقيقي للكتاب؛ لكنك لستَ وحدك في هذا الأمر. معظمُ سكان العالم من القارئين الشغوفين يشاركونك هذا الشعور المؤلم، لكن ليس من المجدي إضاعة جمال اللحظة الحاضرة في توجّع نوستالجي يفسدُ ثراء الحاضر. هذا هو حال التطور التقني الذي يأتي في مواقيت محسوبة لا نستطيع لها تغييراً بفعل التمنيات، ثمّ إنّك في النهاية أفضلُ حالاً من تلك الملايين الكثيرة من نظرائك البشر الذين غادروا الحياة بفعل عدوى بكتيرية يمكنُ اليوم علاجها بتكلفة يسيرة وجهد طبي يتوفر في أفقر مناطق العالم.
في الختام، سيبقى سحرُ الكتاب في المملكة الإلكترونية التي نعيشها؛ لكنّ شكل وعنفوان هذا السحر وطبيعته تغيّر في جوهره بسبب الوفرة. الوفرة بَرَكة بالتأكيد، ولا ينبغي أبداً أن نجعل من هذه الوفرة عبئاً تنوء به عقولنا.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

مصر: محاكمة عاجلة للمتهم بالتعدي على «فرد أمن التجمع»

صورة نشرتها الداخلية المصرية للمتهم بعد توقيفه - (حساب الداخلية على فيسبوك)
صورة نشرتها الداخلية المصرية للمتهم بعد توقيفه - (حساب الداخلية على فيسبوك)
TT

مصر: محاكمة عاجلة للمتهم بالتعدي على «فرد أمن التجمع»

صورة نشرتها الداخلية المصرية للمتهم بعد توقيفه - (حساب الداخلية على فيسبوك)
صورة نشرتها الداخلية المصرية للمتهم بعد توقيفه - (حساب الداخلية على فيسبوك)

أمرت النيابة العامة المصرية بإحالة رجل أعمال متهم بالتعدي على فرد أمن بأحد المجمعات السكنية وإتلاف جهاز اتصال لاسلكي للمحاكمة الجنائية العاجلة.

وضبطت وزارة الداخلية صاحب أحد المصانع والمقيم بتجمع سكني في التجمع الخامس (شرق القاهرة)، بعد وقت قصير من تداول مقطع فيديو يظهر فيه وهو يقوم بالتعدي على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسب، وانتشر الفيديو على نطاق واسع.

وفجَّر مقطع الفيديو غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتصدرت كلمة «فرد أمن» قوائم البحث على «إكس» بمصر، وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل «نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ».

وبحسب بيان النيابة الصادر (الأحد) فإن التحقيقات بدأت بعد تلقي بلاغٍ يفيد بتضرر فرد أمن بأحد المجمعات السكنية من قيام مالك إحدى الوحدات السكنية بالتعدي عليه بالسب والضرب حال مباشرته مهام عمله، وإتلاف جهاز الاتصال اللاسلكي عهدته، مما أسفر عن إصابته.

واستمعت النيابة، بحسب بيانها، إلى «أقوال المجني عليه، الذي قرر أنه على إثر خلافات سابقة تتعلق بطبيعة عمله، تعدى عليه المتهم بالضرب، محدثاً إصاباته المتمثلة في سحجات وكدمات بالكتف الأيمن ومقدمة الرأس وأسفل العين اليمنى، وذلك على النحو الثابت بالتقرير الطبي. كما أيَّد أقواله عدد من أفراد الأمن وشهود الواقعة».

وباستجواب المتهم، أقرَّ بارتكابه الواقعة «على إثر خلافات سابقة بينه وبين المجني عليه، فأسندت إليه النيابة العامة اتهامات استعراض القوة والتلويح بالعنف، والضرب، والإتلاف، والسب والقذف، مع استمراره حبسه احتياطياً وإحالته للمحاكمة».

وقال المحامي المصري محمد رضا لـ«الشرق الأوسط» إن الاتهامات التي يواجهها المتهم تصل عقوبتها إلى 5 سنوات مع تعدد الاتهامات الواردة في قرار الإحالة، مشيراً إلى أن تفاصيل التقرير الطبي ومدة العلاج التي يستلزمها المعتدى عليه ستلعب دوراً في تحديد العقوبة التي ستصدرها المحكمة.

وأضاف أن المتهم سيظل محبوساً على ذمة القضية، وسيتم احتساب فترة حبسه من مدة العقوبة الموقعة عليه ما لم تقرر المحكمة الإفراج عنه مؤقتاً، وهو أمر يكون خاضعاً للدائرة التي تنظر القضية، مشيراً إلى أن التصالح لن يوقف إجراءات المحاكمة للمتهم أو يبرئه ولكن قد يخفف العقوبة.

وأوضح أن «التصالح يكون في الشق الخاص بالمجني عليه وهو فرد الأمن، أما الشق الذي لا يجوز فيه التصالح فهو مرتبط بحق المجتمع والمتمثل في قرار الإحالة بتوجيه اتهام باستعراض القوة والتلويح بالعنف».


توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
TT

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس»، الذي حصد المركز الثاني في تصويت الجمهور لأفضل «فيلم وثائقي» بمهرجان «برلين السينمائي الدولي»، بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي، بل رحلة شخصية بدأت منذ اللحظة التي خرج فيها من السجن؛ تلك اللحظة التي ظنّ فيها أن الحكاية انتهت، ليكتشف أن الحكاية الحقيقية لم تبدأ بعد، ففكرة الفيلم، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، وُلدت من شعور داخلي ملحّ بالرغبة في البوح وتحويل التجربة من جرح صامت إلى شهادة حيّة.

منذ خروجه، كان يفكر في طريقة يروي بها ما يحدث داخل السجون السورية، لكنه لم يشأ أن يكون فيلمه مجرد استعراض للعذابات؛ فالألم حاضر، وثقيل، ولا يحتاج إلى مزيد من الإثبات، ما كان يشغله أكثر تلك المساحات الخفية التي لا يراها أحد: لحظات التضامن، ونوبات الضحك الخاطفة، والحكايات التي كان المعتقلون يخترعونها كي ينجوا بأرواحهم... كان يريد أن يتحدث عن المقاومة بمعناها الإنساني؛ عن الحب في قلب القسوة، عن الأمان الذي يُصنع من لا شيء.

الفيلم عُرض لأول مرة في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

بدأ المخرج السوري المقيم في بلجيكا منذ سنوات العمل فعلياً على فيلمه الحاصل على تمويل من «البحر الأحمر» عام 2022، عبر خطة تستهدف أن يُصوَّر الفيلم في استوديو ببلجيكا، عبر بناء ديكورات تحاكي الزنازين والممرات، لكن التحضيرات انقلبت رأساً على عقب مع سقوط النظام السوري، فوجد صابوني نفسه أمام خيار لم يكن في الحسبان؛ العودة إلى المكان الحقيقي.

لم يكن القرار سهلاً كما يصفه، لكنه شعر بأن اللحظة تاريخية، وأن التصوير داخل سجن «صيدنايا» نفسه سيمنح الفيلم صدقاً لا يمكن اصطناعه، وفي البداية كان قد اختار شخصيات تعيش في أوروبا، وبدأ العمل معها بالفعل، غير أن ظروف اللجوء حالت دون عودتهم إلى سوريا بعد سقوط نظام الأسد.

اضطر توفيق صابوني إلى البحث من جديد، أجرى لقاءات مطولة مع نحو 25 معتقلاً سابقاً، يستمع إلى حكاياتهم، لا ليبحث عن الأشد مأساوية، بل عن الأكبر قدرة على الحكي... لم يكن يريد نسخاً متشابهة من الألم، بل شخصيات متباينة في طباعها وحضورها؛ مَن يتكلم بهدوء، مَن ينفعل... مَن يتردد قبل أن يفتح ذاكرته، في النهاية استقر على 4، شكّلوا العمود الفقري للفيلم، لكل منهم طريقته في استعادة الماضي.

العودة إلى السجن كانت أصعب اختبار، يصف صابوني اللحظة الأولى لدخوله المكان بصفته شخصاً حراً بأنها مواجهة مباشرة مع ذاته؛ الجدران نفسها، الرائحة نفسها، الممرات الضيقة التي حفظ تفاصيلها عن ظهر قلب... في البداية طغى الشعور بالرهبة، ثم بدأ يتحول تدريجاً إلى إحساس مختلف أقرب إلى الانتصار الشخصي.

وثق الفيلم جانباً من معاناة السجناء (إدارة المهرجان)

لم يكن، كما يؤكد، انتصاراً على نظام أو على سلطة، بل على المكان ذاته، على الذكرى التي حاولت أن تكسره... أن يعود إليه واقفاً، بكاميرا، وبفريق عمل، كان الأمر بالنسبة إليه استعادة لكرامته المسلوبة، فخلال التصوير، لم تكن الصعوبة في إعادة تمثيل التفاصيل القاسية بقدر ما كانت في حماية الحالة النفسية للمشاركين.

الحديث عمّن رحلوا؛ عن الذين ماتوا تحت التعذيب أو اختفوا، كان يفتح أبواباً مؤلمة، فكان عليه أن يوازن بين حاجته إلى الصدق، وواجبه في عدم الدفع بهم إلى إعادة عيش الصدمة كاملة؛ لذا تحوّل موقع التصوير إلى مساحة إنصات طويلة، وإلى عملية شفاء جماعية أكثر من أنه عمل فني، كما يصفه.

أما مسألة التمويل، فكانت رحلة أخرى من الصبر. يؤكد توفيق صابوني أن جمع الميزانية استغرق أكثر من عامين، ففي كل مرحلة تمويل كان عليه أن يعيد كتابة المعالجة، وأن يشرح رؤيته من جديد، ولم يكن من السهل إقناع جهات الإنتاج بفيلم يدور في سجن، ويعتمد على الذاكرة وإعادة التمثيل، لكن إصراره على أن الحكاية تستحق أن تُروى هو ما أبقى المشروع حياً حتى نهاية 2024، حين اكتمل التمويل وبدأ التصوير فعلياً، ليخرج الفيلم بإنتاج بلجيكي - فرنسي - سعودي.

الملصق الترويجي للفيلم (إدارة مهرجان برلين)

خلال العمل تراكمت المواد المصورة حتى تجاوزت 100 ساعة، كان بإمكانه أن يصنع أجزاء عدة، أو سلسلة كاملة، فالمادة غنية والقصص كثيرة، لكنه، كما يؤكد، اختار أن يكون الفيلم شهادة واحدة، مكثفة، أشبه بوثيقة لا تتكرر، فبالنسبة إليه، هذه الحكاية تُروى مرة واحدة، بهذا الشكل، وبهذا الصدق.

الفيلم صادم دون شك، وفق مخرجه الذي يشير إلى أنه لم يرد أن يكون صدمة متواصلة، ففي غرفة المونتاج، سعى إلى إيجاد توازن دقيق بين مشاهد العنف وقصص الأمل، وكان يدرك أن المشاهد لا يستطيع تحمّل 90 دقيقة من الألم الخالص، لذلك؛ أفسح المجال للحظات الضوء... حكايات عن الخيال الذي كان يحميهم؛ عن الأغاني التي كانوا يهمسون بها، وعن الأحلام الصغيرة التي أبقتهم أحياء... هذا التوازن، كما يراه، هو ما منح الفيلم قدرته على الاستمرار في ذهن المتفرج.


«معركة خاسرة»... اقتحامات قردة البابون تفاقم الصراع بين السكان والحياة البرية في كيب تاون

لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات
لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات
TT

«معركة خاسرة»... اقتحامات قردة البابون تفاقم الصراع بين السكان والحياة البرية في كيب تاون

لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات
لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات

على تخوم حي «دا غاما بارك»، حيث تلتقي ضواحي كيب تاون بسفح جبلها المهيب، كانت قردة البابون تتحرك بخفة وجرأة؛ تقفز من الأسفلت إلى جدران الحدائق، ثم تعلو أسطح المنازل قبل أن تنسحب بخفة العارف بمسالك المكان. وفي الطريق الضيق، كان أبناء عائلات البحرية الجنوب أفريقية، المقيمون في منازل متواضعة، يلعبون بين ضحكات متقطعة ونظرات حذرة؛ فمنهم من يبتسم للمشهد كأنه عرض عابر، ومنهم من يلتفت بقلق مكتوم، بينما يواصل معظمهم اللعب غير عابئين، وكأن الألفة مع الخطر أصبحت جزءاً من الحياة اليومية.

وعلى بُعد أميال، حيث تمتد الرؤية نحو قمة شامخة وخليج فسيح، كانت نيكولا دي شود تستعرض صوراً لمطبخها بعدما بعثرت القردة محتوياته إثر اقتحام مفاجئ. وفي حادثة أخرى، ألقى أحد القردة بكلبها عبر الشرفة. ثم جاء يناير (كانون الثاني)، فاندفع ذكر من البابون إلى داخل منزلها بجرأة صادمة، رافضاً المغادرة لمدة عشر دقائق بدت كأنها دهر طويل.

تقول دي شود (61 عاماً)، وهي صانعة أفلام وثائقية انتقلت قبل 5 سنوات من جوهانسبرغ إلى «سايمونز تاون»: «لقد أصبح الأمر بالغ الصعوبة، ومؤلماً نفسياً بالفعل».

لكن قردة البابون في كيب تاون، وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية، لم تشعل نزاعاً مع البشر فحسب، بل عمّقت الخلاف بينهم أيضاً، مع تصاعد الجدل حول إمكانية التعايش بين الطرفين أو ضرورة إبعاد القردة عن المناطق السكنية بالكامل.

وخلال احتجاج عام 2024 ضد دخول القردة إلى مجتمع «كوميتجي»، انتهت مواجهة بين مؤيدين ومعارضين لوجودها باستخدام رذاذ الفلفل ضد أحد الأشخاص وأحد القردة.

ووصفت «خطة العمل لإدارة بابون الكيب لعام 2025» الوضع بأنه «مشكلة معقدة مستعصية»، مشيرة إلى أنه «لا يوجد حل واحد يمكن أن يرضي جميع الأطراف أو ينهي النزاع بصورة نهائية».

تغطي جبال المدينة مساحة تمتد إلى نحو 25 ألف هكتار ضمن متنزه جبل الطاولة الوطني، إلا أن المتنزه مجزأ. وتميل قردة «الشاكما» إلى البحث عن الغذاء في الأراضي المنخفضة، وهي مساحات اقتطعت المدينة جزءاً كبيراً منها مع نمو عدد السكان بنسبة 65 في المائة، ليبلغ 4.8 مليون نسمة بين عامي 2001 و2022.

قرد البابون يقفز بخفة من الأسفلت إلى جدران الحدائق (لقطة من فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي)

وحسب بيانات الخطة، ارتفع عدد القردة، التي لا تواجه مفترسات طبيعية في شبه جزيرة الكيب، بوتيرة مماثلة؛ من نحو 360 قرداً في عشرة قطعان مطلع القرن، إلى أكثر من 600 في 17 قطيعاً عام 2024.

ومع اعتياد كثير من القطعان على البحث عن طعام بشري عالي السعرات، ازداد عدد القردة التي تُقتل بالرصاص، أو تدهسها السيارات، أو تنهشها الكلاب، أو تتعرض للصعق الكهربائي. ففي عام 2013، سُجلت وفاة 4 قردة لأسباب مرتبطة بالبشر، وفق الإحصاء الرسمي السنوي، في حين بلغ العدد 33 في عام 2024.

ويرى نشطاء حقوق الحيوان أن على السكان تحمّل مسؤولية التعايش، عبر إحكام إغلاق حاويات القمامة، وتأمين الأبواب والنوافذ، وتدريب الكلاب على عدم مهاجمة القردة.

وتطالب ليندا سيلك، وهي معالجة وناشطة تعمل على توعية الناس بكيفية العيش إلى جانب الطبيعة، بمزيد من المساءلة، قائلة: «لم تُسجَّل أي إدانة ناجحة بحق شخص أطلق النار على قرد بابون».

في المقابل، يرى توم كوهين، وهو صحافي أميركي تقاعد في كيب تاون عام 2019، أن التعايش الحضري السلمي أمر مستحيل. ووصف القطيعين اللذين يترددان على «سايمونز تاون» بأنهما «اعتادا كلياً على الغذاء البشري والمستوطنات من أجل البقاء»، مضيفاً: «لم يعودا قردة برية».

ورغم جهوده لتحصين منزله، تمكنت قردة في فبراير (شباط) 2025 من تحطيم نافذة الحمام والدخول، فكسرت جهاز الميكروويف وتركت فضلاتها خلفها. ويقول: «رائحة القردة تبقى عالقة، أؤكد لك ذلك».

وكانت مستويات الحكومة الثلاثة قد وافقت على إقامة أسوار لإبعاد القردة عن بعض المناطق، وتطبيق لائحة جديدة تعتمد سياسة «صفر تسامح» تجاه إيذاء الرئيسيات.

وفي «سايمونز تاون»، عُدَّ بناء سياج أمراً غير عملي بسبب طبيعة التضاريس، لذلك اقترحت السلطات نقل القطيعين إلى محمية في وقت لاحق من هذا العام، مع إبقاء القتل الرحيم، الذي يرفضه نشطاء حقوق الحيوان، خياراً أخيراً.

غير أن الخطة برمتها تواجه الآن طعناً قانونياً؛ إذ يعترض كثير من النشطاء على فكرة المحمية، ويفضل بعضهم الاستمرار بالاعتماد على الحراس الذين يطلقون كرات الطلاء قرب القردة لإخافتها وإبعادها عن المنازل، وهي مهمة تولتها منذ مارس (آذار) 2025 منظمة «شراكة بابون الكيب» غير الربحية.

وتقول ساندي ماكدونالد (54 عاماً)، التي تقود منظمة «حفظ مدني لشبه جزيرة الكيب» مع ليندا سيلك: «ما يقلقنا أن قرار نقلها إلى محمية، بل وحتى إعدامها، اتُّخذ قبل استقرار الإدارة الجديدة لحراس البابون». وتضيف أن دخول القردة إلى معظم تلك المناطق «تراجع بشكل ملحوظ».

أما نيرين دورمان (47 عاماً)، المقيمة في «ويلكوم غلين»، فترفض فكرة المحمية بشدة، قائلة: «الأجدى أن تُعدم بدلاً من حبسها في أسر دائم».

غير أن جوسلين مورميل، العالمة في «شراكة بابون الكيب» التي درست قردة جنوب أفريقيا لمدة 15 عاماً، ترى أن الحراس وحدهم لا يمكنهم حل المشكلة في «سايمونز تاون». وتقول: «إنها معركة خاسرة نخوضها يومياً لإرضاء القردة والناس هناك».

وخلال أطروحة الدكتوراه، درست مورميل قرية «روي - إلس»، الواقعة على بُعد نحو 32 كيلومتراً جنوب كيب تاون، حيث اختار السكان نهج التعايش. لكنها وجدت أن معدلات نفوق القردة بقيت أعلى من نظيرتها في البرية، مع مقتل 11 صغيراً دهساً خلال 4 سنوات. وتقول: «لا يمكنني أبداً الترويج لفكرة تقاسم المساحة».

من جهته، حمّل جاستن أورايين، أستاذ في جامعة كيب تاون، نشطاء الرفق بالحيوان جانباً من مسؤولية النزاع بين الإنسان والحياة البرية، مشيراً إلى طعون قانونية أسهمت، حسب رأيه، في عرقلة قرارات إدارية مهمة تتعلق بإدارة القردة، ما أدى في نهاية المطاف إلى تشكّل أحد القطيعين في «سايمونز تاون».

وقال: «لا توجد مساءلة لأولئك الذين ينتقدون أساليب إدارة البابون من دون تقديم بديل عملي قابل للتنفيذ».