تناول المكسرات... هل يقي من الإصابات بأمراض الكلى المزمنة؟

تناول المكسرات... هل يقي من الإصابات بأمراض الكلى المزمنة؟
TT

تناول المكسرات... هل يقي من الإصابات بأمراض الكلى المزمنة؟

تناول المكسرات... هل يقي من الإصابات بأمراض الكلى المزمنة؟

وفقاً لدراسة نُشرت ضمن عدد يوليو (تموز) الماضي للمجلة الأميركية لأمراض الكلى American Journal of Nephrology، فإن تناول المكسرات يرتبط بـ«انخفاض واضح» في معدل انتشار الإصابات بأمراض الكلى المزمنة CKD، وبانخفاض معدل الوفيات الناجمة عن جميع الأسباب مع أو بدون مرض الكلى المزمن. ويرتبط أيضاً بانخفاض معدل الوفيات الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية، لدى الناس غير المصابين بمرض الكلى المزمن.
- المكسرات والكلى
وقال الباحثون في حيثيات إجراء دراستهم الحديثة: «في ضوء الفوائد الفريدة للمكسرات على الأمراض القلبية الوعائية وعمليات التمثيل الغذائي في الجسم، نفترض أن المكسرات قد تعمل كذلك في مرض الكلى المزمن أيضاً. وبما أن مرض الكلى المزمن يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمراض القلب والأوعية الدموية، وبالسمنة، وباضطرابات الدهون والكولسترول، وبارتفاع ضغط الدم، وغيره. بالإضافة إلى ذلك، فقد ثبت أن ارتفاع السكر في الدم وارتفاع ضغط الدم واضطراب التمثيل الغذائي للدهون والكولسترول ونشاط الالتهابات، هي عوامل خطر يمكن تقليلها عن طريق تناول المكسرات، وفي نفس الوقت فإن للمكسرات أيضاً دورا محوريا في التسبب في مرض الكلى المزمن».
ولكنهم أضافوا عددا من الإشكاليات في علاقة تناول المكسرات بأمراض الكلى المزمنة، والتي فرضت إجراء بحثهم في هذا الجانب، وذلك بقولهم ما ملخصه: «بعض الأدلة الإكلينيكية السابقة أظهرت أن تناول المكسرات يمكن أن يُحسن حالة مرض الكلى المزمن. ولكن حجم العينات في تلك الدراسات كان صغيراً نسبياً. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المكسرات غنية بالبروتين والفوسفور، لذا فإن تناولها يتعارض مع النصيحة الغذائية لمرضى ضعف الكلى المزمن بضرورة خفض تناول الفوسفور ومحدودية تناول البروتين. وإزاء هاتين الملاحظتين، ثمة ضرورة لمعرفة ما إذا كان ينبغي دمج المكسرات ضمن تغذية مرضى ضعف الكلى المزمن، وكمية الحد اليومي المسموح منها». ولذا أوضحوا قائلين: «كان الهدف من هذه الدراسة هو فحص العلاقة بين تكرار تناول المكسرات وانتشار الإصابات بأمراض الكلى المزمنة والوفيات بسببها في السكان البالغين الأميركيين».
- مرض عالمي
وأمراض الكلى المزمنة أمست اليوم تمثل مشكلة صحية عالمية، فلقد زاد الانتشار العالمي لها بنسبة 30 في المائة بين أعوام 1990٠ و2017. والنسبة آخذة في الزيادة، كما يتوقع الخبراء الطبيون، بسبب انتشار عوامل خطر الإصابة بها والتي من أهمها: زيادة نسبة المتقدمين في العمر، وارتفاع الإصابات بمرض السكري، والسمنة، وارتفاع ضغط الدم، وتفشي تناول مُسكنات الألم، وغيراه. وهو ما يمثل عبئاً اقتصادياً متزايداً، بسبب متطلبات الرعاية العلاجية لضعف الكلى وغسيل الكلى وعمليات زراعة الكلى.
ولذا فإن البحث عن وسائل الوقاية من تدهور وظائف الكلى، يمثل إحدى الأولويات الصحية للباحثين الطبيين. والتعديلات الغذائية، ذات التأثيرات الوقائية للمحافظة على الكلى، وذات التأثيرات العلاجية لمنع تطور تدهور وظائف الكلى، تمثل اليوم جزء أساسياً في الإدارة الإكلينيكية لمعالجة أمراض الكلى والوقاية منها. وفي معرض حديثها عن الوقاية من أمراض الكلى، تفيد المؤسسة القومية الأميركية للسكري والجهاز الهضمي والكلى NIDDK أن أولى خطوات ذلك، ضبط الحالات المرضية التي تتسبب بأمراض الكلى، كمرض السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب واضطرابات الكولسترول. وأن أولى خطوات ضبط هذه الحالات المرضية (المتسببة بأمراض الكلى المزمنة أو تدهورها)، هو الاختيارات الصحية في التغذية اليومية.
- فوائد صحية
والمكسرات هي أطعمة غنية بالعناصر الغذائية. وتحتوي على مركبات مفيدة، بما في ذلك الأحماض الدهنية غير المشبعة UFA، والبروتين النباتي، والألياف، والفيتوسترول (مركبات كيميائية تمنع امتصاص الأمعاء للكولسترول)، والفيتامينات، والمعادن، والفينولات Phenols (مركبات مضادة للأكسدة).
وفي الدراسات الوبائية والتجارب السريرية، وُجد أن لتناول المكسرات تأثيرات مفيدة على أمراض القلب والأوعية الدموية، والسمنة، والسكري، واضطرابات الكولسترول، والسرطانات، ومرض الكبد الدهني غير الكحولي. وتشير الدلائل العلمية إلى أنها قد تعمل عن طريق تقليل الإجهاد التأكسدي وخفض مستوى الالتهاب، وتحسين تفاعل الأوعية الدموية، وخفض مقاومة الجسم للأنسولين، وضبط اضطراب التمثيل الغذائي للدهون والكولسترول. وبالتالي، يوصى بتناول المكسرات بانتظام لكل من الأصحاء والمصابين بالأمراض القلبية الوعائية، وقد تم دمجها في العديد من الأنماط الغذائية الصحية. وفي هذه الدراسة الحديثة، حلل باحثون من جامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا في ووهان بالصين، مجموع البيانات الطبية لأكثر من 6 آلاف شخص من البالغين في الولايات المتحدة، لبحث مدى الارتباط بين تناول المكسرات ومدى انتشار الإصابات بأمراض الكلى المزمنة ومعدلات الوفيات المرتبطة بضعف الكلى المزمن.
وقال الباحثون في خلفية الدراسة: «في العديد من الدراسات، وُجد أن المكسرات لها آثار مفيدة على بعض الأمراض، بما في ذلك أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان. ومع ذلك، هناك القليل من الدراسات لإظهار آثار المكسرات على أمراض الكلى المزمنة. وبالتالي، أجرينا هذه الدراسة لفحص العلاقة بين تكرار استهلاك المكسرات وانتشار الإصابات والوفيات بأمراض الكلى المزمنة، بين البالغين في الولايات المتحدة الأميركية».
ووجد الباحثون أن تناول المكسرات من مرة إلى ست مرات في الأسبوع، كان مرتبطاً بانخفاض معدل انتشار مرض الكلى المزمن. إضافة إلى أن ارتفاع تناول الجوز (عين الجمل) بالذات، من قبل غير المصابين بمرض الكلى المزمن، ارتبط بشكل كبير بانخفاض معدل الوفيات الناجمة عن جميع الأسباب، وكذلك انخفاض الوفيات بسبب الأمراض القلبية الوعائية. كما كان هناك ارتباط عكسي كبير ومستمر بين تناول المكسرات مرة واحدة إلى ست مرات في الأسبوع، وبين الوفيات الناجمة عن جميع الأسباب لدى مرضى الكلى.
وفي مناقشتهم للنتائج التي توصلوا إليها، قال الباحثون: «قد يعمل التأثير الوقائي للمكسرات على تقليل مخاطر الإصابة بمرض الكلى المزمن وتقليل الوفيات الناتجة عن جميع الأسباب، من خلال فوائدها في تقليل الالتهاب وتحسين اضطرابات التمثيل الغذائي للدهون والكولسترول وضبط ارتفاع ضغط الدم وتحسين صحة الأمعاء».

- هل تسبب المكسرات زيادة في الوزن؟
> أحد الأسئلة المتكررة، هل يتسبب تناول المكسرات في زيادة الوزن؟ والإجابة تعتمد على جانبين، الأول يتعلق بالكمية المتناولة منها، والآخر يتعلق بمكونات المكسرات نفسها من العناصر الغذائية.
وفي الجانب الأول، من الطبيعي أن يكون الإفراط في تناول كميات كبيرة من «أي نوع» من المنتجات الغذائية التي تحتوي على سكريات ودهون وبروتينات، سبباً في زيادة الوزن، بغض النظر عن كون ذلك الطعام أو المنتج الغذائي ذا قيمة صحية عالية أو منخفضة. وهذا ينطبق على المكسرات واللحوم ومشتقات الألبان وأنواع الحبوب، وكذلك ينطبق على سندوتشات الهامبرغر وأصابع البطاطا المقلاة بالدهن وقطع الدجاج المقلي وأطباق الأرز باللحم والمقرمشات وغيرها.
وفي الجانب الأول (أي الكمية)، المطلوبة صحياً وبشكل يومي، كما يقول البروفسور غاري فريزر، الأستاذ في كلية الصحة العامة بجامعة لوما ليندا: «كل ما يتطلب الأمر هو تناول مجموعة متنوعة من أنواع المكسرات، تؤكل بكميات صغيرة كل يوم، أي بعدد من الحبات يتراوح ما بين 10 إلى 14 من خليط المكسرات، وستخفض نسبة الكوليسترول الخفيف الضار في الدم، الكوليسترول السيئ».
وبالنسبة للجانب الآخر، نشر باحثون من جامعة جورجيا بالولايات المتحدة مراجعة تحليلية منهجية للدراسات التي فحصت من قبل العلاقة بين تناول المكسرات وزيادة وزن الجسم، وتم نشرها ضمن عدد مارس (آذار)/ أبريل (نيسان) 2021 من «مجلة التغذية المتقدمة» Advances in Nutrition. وكان عنوان دراستهم هو النتيجة التي توصلوا إليها، وهو «لا يؤدي تناول المكسرات إلى زيادة الوزن». وأفاد الباحثون في نتائج الدراسة ما ملخصه: «لقد درسنا العلاقة بين تناول المكسرات والتغيرات في الوزن على مدى 5 سنوات، وشملنا حوالي 375 ألف شخص من البالغين في عشر دول أوروبية. وفي دراسات تناول المكسرات مع تعليمات الاستبدال الغذائي (تقليل تناول أطعمة أخرى خلال اليوم لمعادلة كمية كالوري السعرات الحرارية في المكسرات)، كان ثمة انخفاض كبير في النسبة الكلية للشحوم في الجسم. وارتبطت زيادة تناول المكسرات بانخفاض زيادة الوزن وتقليل خطر الإصابة بزيادة الوزن أو السمنة. ويمكن أن يكون دمج المكسرات كجزء من نمط غذائي صحي، استراتيجية فعالة لإجراء تعديلات غذائية يمكن تحقيقها للوقاية الأولية من السمنة».
ولذا، طالما أن المرء يُحافظ على إجمالي كمية الدهون التي يتناولها عند حدود 30 في المائة من إجمالي السعرات الحرارية لطعامه اليومي، فلا داعي للقلق بشأن وزن الجسم، عندما تكون كمية المكسرات المتناولة معتدلة، أي في حدود ما يملأ الكف يومياً.

- لماذا تعتبر المكسرات منتجات غذائية مفيدة للصحة؟
> المكسرات بالتعريف العلمي، ثمار يحيط بها غلاف صلب. وهي كنوع من المنتجات الغذائية النباتية، مصدرٌ ممتازٌ للألياف والدهون الصحية والبروتين والمعادن والفيتامينات والمواد المضادة للأكسدة، ما يجعلها جزءاً أساسياً في النظام الغذائي الصحي للأشخاص في كافة الأعمار دون استثناء، وذلك لأسباب عدة. والسبب الأول أن المكسرات بالعموم مصادر غنية بأنواع شتى من المعادن والفيتامينات. وكمثال لبعضها وليس جميعها، فإن 30 غراما من اللوز يقدم للجسم أكثر من 100 في المائة من الاحتياج اليومي لفيتامين إي E. ونفس الكمية من الكاجو يمكن أن توفر ما يقرب من ثلاثة أرباع الاحتياج اليومي للنحاس. ويحتوي نفس الوزن من المكسرات البرازيلية على 10 أضعاف الاحتياج اليومي من السيلينيوم، وتناول نفس الكمية من الصنوبر يقدم ما يقرب من ثلث الاحتياج اليومي للزنك.
والسبب الآخر، هو عملها على «ضبط الشهية». لأن تناول كمية معتدلة من المكسرات يساعد على تقليل تناول الأطعمة التي تزيد في وزن الجسم والتي لا تحتوي على عناصر غذائية صحية. وفي هذا الشأن أشار باحثون أستراليون في دراسة نشرت ضمن عدد 6 أكتوبر (تشرين الثاني) 2018 من مجلة المغذيات Nutrientsبقولهم: «ولأن تناول المكسرات يمنح الشعور بامتلاء الشبع، فإن تناولها يقلل من كمية الأطعمة المستهلكة في الوجبة. وقد أظهرت الدراسات أن ما بين 54 إلى 150 في المائة من الطاقة التي يقدمها تناول المكسرات يتم تعويضها من خلال خفض تلقائي في تناول الطعام اللاحق في وجبة الطعام».
والسبب الثالث أنها وسيلة غذائية للوقاية طويلة الأمد، من الإصابة ببعض أهم الأمراض، كأمراض القلب والشرايين واضطرابات الكولسترول والدهون وأنواع من السرطان، وغيرها. وإحدى أهم آليات ذلك تأثير تناولها في خفض نسبة الكولسترول الخفيف في الدم LDL، وهو نوع الكولسترول الضار بالقلب والأوعية الدموية، وكذلك رفع مستوى الكولسترول الثقيل الحميد HDL.
ويحدث هذا لأن المكسرات أصلاً خالية من الكولسترول (الكولسترول لا يُوجد على الإطلاق في أي منتج غذائي نباتي المصدر، بل فقط في المنتجات الحيوانية). ولأن دهون المكسرات دهون غير مشبعة، فإن تناولها يسهم في خفض الكولسترول في الدم. وكذلك لأن المكسرات تحتوي على مواد فايتوستيرول المساعدة على خفض امتصاص الأمعاء للكولسترول. ولأن المكسرات غنية بالألياف الطبيعية التي تعمل على خفض امتصاص الأمعاء للكولسترول وإبطاء امتصاص الأمعاء للسكريات. وكذلك هي غنية أيضاً بمادة أرجنين، التي تُنشط إنتاج الجسم لمركبات أكسيد النيتريك الموسعة للشرايين القلبية، إضافة إلى غنى المكسرات بالمواد المضادة للأكسدة.


مقالات ذات صلة

دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

يوميات الشرق ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)

دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

كشفت دراسة قادها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا عن نتائج واعدة لأول تجربة بشرية لعقار جديد قادر على خفض الدهون الثلاثية في الدم بشكل ملحوظ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك قياس مستوى السكر بالدم (أرشيفية - إ.ب.أ)

تجنب السكري قبل أن يبدأ... خطوات للوقاية من مقدمات المرض

هناك بعض الخطوات العملية التي قد تساعد على الوقاية من مقدمات السكري والحفاظ على الصحة قبل أن يبدأ المرض.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك صورة نشرتها دار رعاية «كينتفورد مانور» ببريطانيا لإليزابيث ميلنر أثناء الاحتفال بعيد ميلادها

معمرة تبلغ 104 أعوام: الخضراوات والشوكولاته هما سر الحياة الطويلة الصحية

كشفت معمرة تبلغ من العمر 104 أعوام أن «الخضراوات والشوكولاته» هما سرّ الحياة الطويلة والصحية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الجهاز المناعي هو خط الدفاع الأول للجسم ضد الأمراض والعدوى (د.ب.أ)

كيف تعزز جهازك المناعي في 3 أسابيع؟

اقترح الدكتور ويل بولسيفيتش أخصائي أمراض الجهاز الهضمي بولاية كارولاينا الجنوبية خطة من ثلاث مراحل يمكن إتمامها في غضون ثلاثة أسابيع لتعزيز المناعة

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك الضغوط المالية قد تُسرّع شيخوخة القلب (رويترز)

الضغوط المالية قد تُسرّع شيخوخة القلب أكثر من الضغط والسكري

أظهرت دراسة جديدة أن الضغوط المالية قد تُسرّع شيخوخة القلب أكثر من عوامل الخطر التقليدية لأمراض القلب والأوعية الدموية مثل ارتفاع ضغط الدم وداء السكري والتدخين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

وظيفة تكرهها... هذا ما تفعله بجسمك

عدد كبير جداً من الموظفين عالقون في وظائف سامة (أرشيفية - رويترز)
عدد كبير جداً من الموظفين عالقون في وظائف سامة (أرشيفية - رويترز)
TT

وظيفة تكرهها... هذا ما تفعله بجسمك

عدد كبير جداً من الموظفين عالقون في وظائف سامة (أرشيفية - رويترز)
عدد كبير جداً من الموظفين عالقون في وظائف سامة (أرشيفية - رويترز)

يمرّ الجميع بأيام سيئة في العمل، لكن هناك إشارات ينبغي على الموظفين الانتباه لها قبل أن يتحوّل أسبوع سيئ في المكتب إلى ضغط مهني مزمن ومُنهك لا ينتهي، ويبدأ بتخريب صحتك.

عدد كبير جداً من الموظفين عالقون في وظائف سامة، وهي مشكلة تحتاج إلى أن يأخذها أرباب العمل والموظفون على محمل الجد. فقد وجد جيفري بفيفر، أستاذ السلوك التنظيمي في جامعة ستانفورد ومؤلف كتاب «الموت من أجل الراتب»، من خلال أبحاثه، أن سوء الإدارة في الشركات الأميركية مسؤول عما يصل إلى 8 في المائة من تكاليف الرعاية الصحية السنوية، ويرتبط بنحو 120 ألف حالة وفاة إضافية كل عام.

قد يعرف جسمك قبل أن تدرك ذلك تماماً أن وظيفتك هي السبب وراء أعراض التوتر التي تعانيها، فيبدأ بإرسال إشارات إنذار واضحة بأن الأمور ليست على ما يرام.

لا تستطيع النوم

تقول مونيك رينولدز، وهي إخصائية نفسية سريرية في ولاية ماريلاند، وتعمل في مركز القلق وتغيير السلوك: «في كثير من الأحيان، أول ما نسمعه من الناس هو الشكوى من ليالٍ بلا نوم». وتضيف: «يذكر الناس أنهم إمّا لا يستطيعون النوم لأن أفكارهم تتسابق، أو أنهم لا يستطيعون الاستمرار في النوم، فيستيقظون في منتصف الليل وهم يفكّرون في قائمة المهام».

بضع ليالٍ مضطربة ليست مشكلة كبيرة، لكن إذا تحوّل الأمر إلى نمط متكرر، فقد يكون ذلك علامة على أن ضغط العمل لديك أصبح ساماً.

وقالت رينولدز: «إذا كان الأمر مرتبطاً بالعمل بشكل متواصل، فهذه إشارة إلى أن هناك خللاً في التوازن».

تصاب بالصداع

تشدّ العضلات نفسها لحماية الجسم من الإصابة. وعندما ينظر الإنسان إلى مكان العمل على أنه منطقة خطر، تبقى عضلاته مشدودة باستمرار، وفقاً لجمعية علم النفس الأميركية. ويمكن أن يرتبط التوتّر المزمن في الرقبة والكتفين والرأس بالإصابة بالشقيقة (الصداع النصفي) وصداع التوتّر.

وتقول رينولدز: «الضغط النفسي يخلق أعراضاً جسدية، وهذا يظهر على شكل ألم».

تشعر بآلام في عضلاتك عموماً

عندما تكون وظيفتك سامة، قد تشعر وكأنك تقاتل نمراً مفترساً وأنت جالس إلى مكتبك. وتحت وطأة الشعور بالخطر، يغمر الدماغ الجسم بالأدرينالين وغيره من هرمونات التوتر.

وقالت رينولدز: «أجهزتنا العصبية في الوظائف السامة تكون في حالة تأهّب دائم. نحن نعيش في ترقّب مستمر، مستعدّين للردّ على مدير أو زميل مزعج في أي لحظة».

تتدهور صحتك النفسية

وأشارت رينولدز إلى أن زيادة التوتر يمكن أن تفاقم مشكلات الصحة النفسية القائمة. وقالت: «شخص قد يكون بطبعه كثير القلق، لكن في بيئة عمل شديدة السميّة، غالباً ما يتفاقم هذا القلق إلى حدّ يتجاوز العتبة السريرية».

إذا شعرتَ أن مديرك يتربّص بك دائماً، فإن صحتك النفسية تدفع الثمن. فقد ربط تحليل أُجري عام 2012 وشمل 279 دراسة بين الشعور بانعدام العدالة داخل المؤسسات وبين شكاوى صحية لدى الموظفين، مثل الإفراط في الأكل والاكتئاب.

وقال إخصائي علم نفس إي كيفن كيلواي إن المعاملة غير العادلة في العمل يمكن أن تسبّب مستويات مفرطة من التوتر.

وأضاف: «الظلم عامل ضغط سام بشكل خاص لأنه يضرب في صميم هويتنا. فعندما تُعاملني بغير عدل، فأنت تمسّ كرامتي كإنسان، وكأنك تقول إنني لا أستحق معاملة عادلة أو أن أُعامل مثل الآخرين».

تصاب بالمرض بشكل متكرر

إذا كنت تُصاب بنزلات البرد باستمرار، ففكّر في شعورك تجاه عملك. فهناك كمّ كبير من الأبحاث يبيّن أن التوتر المزمن يمكن أن يُضعف جهاز المناعة، ما يجعلك أكثر عرضة للإصابة بالأمراض.

تشعر بالإرهاق طوال الوقت

هذا هو الإعياء الحقيقي: تعب عميق يصل إلى العظام، لا يبدو أن قيلولة أو نوم عطلة نهاية الأسبوع قادران على علاجه.

ويشير كيلواي إلى أنه «لا توجد طريقة واحدة ثابتة يستجيب بها الأفراد لبيئة عمل سامة»، لكنه يوضح أن الإرهاق يقع ضمن مجموعة الأعراض الجسدية التي قد يشعر بها الموظفون.

تضطرب معدتك

عسر الهضم، والإمساك، والانتفاخ، كلها قد تكون مرتبطة بالتوتر، لأن الضغط النفسي يؤثر في طريقة عمل الجهاز الهضمي، ويمكن أيضاً أن يغيّر بكتيريا الأمعاء، وهو ما ينعكس بدوره على المزاج.

ويشرح كيلواي أن هذا هو السبب في أنك قد تشعر بآلام في المعدة عندما تكون منزعجاً، وهو أمر اختبره بنفسه خلال عمله في إحدى الوظائف السامة.

ويقول: «بعد نحو 6 أشهر، بدأت ألاحظ أنني كل يوم أحد بعد الظهر كنت أشعر بألم في معدتي. لم يكن العرض بحد ذاته هو ما لفت انتباهي، بل توقيته (تماماً عندما كنت أبدأ التفكير بما عليّ فعله صباح الاثنين)، وهذا ما نبهني إلى ارتباطه بالعمل». ويضيف: «اختفت كل الأعراض عندما تركت الوظيفة وانتقلت إلى عمل آخر».

تتغيّر شهيتك

ترتبط الشهية ارتباطاً وثيقاً بالدماغ. ففي حالات التوتر الحاد، تطلق استجابة «الكرّ أو الفرّ» الأدرينالين، ما يدفع الجسم إلى كبح الهضم والتركيز على النجاة من خطر متصوَّر، وفقاً لنشرة «هارفارد هيلث». أما في حالات التوتر المزمن، فتفرز الغدد الكظرية هرمون الكورتيزول ويتراكم في الجسم، وهو هرمون يمكن أن يزيد الشعور بالجوع. وعندما يكون عملك سبباً في ضيق نفسي طويل الأمد، قد تلجأ إلى الطعام كوسيلة للراحة والتعويض.


الأطعمة فائقة المعالجة... ما تأثيرها الحقيقي على الجسم؟

الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بعدد لا يُحصى من الأمراض (أرشيفية - رويترز)
الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بعدد لا يُحصى من الأمراض (أرشيفية - رويترز)
TT

الأطعمة فائقة المعالجة... ما تأثيرها الحقيقي على الجسم؟

الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بعدد لا يُحصى من الأمراض (أرشيفية - رويترز)
الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بعدد لا يُحصى من الأمراض (أرشيفية - رويترز)

اجتمع عدد من أبرز خبراء العالم في مجال الأطعمة فائقة المعالجة، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لمراجعة أحدث الأدلة حول التأثير العام لهذه الأطعمة على الصحة، وذلك لصالح المجلة الطبية المرموقة «ذا لانسيت».

وكانت النتائج صادمة؛ إذ خلصت إلى أن الأطعمة فائقة المعالجة تُلحق أضراراً تقريباً بكل جهاز من أجهزة الجسم. وبالنسبة إلى بريطانيا، حيث يستهلك الفرد في المتوسط 56 في المائة من سعراته الحرارية اليومية من هذه الأطعمة، جاءت هذه النتائج على نحو مقلق بشكل خاص.

وقال كريس فان توليكن، أستاذ في كلية لندن الجامعية ومؤلف كتاب «الناس والأطعمة فائقة المعالجة»: «بصورة عامة، أصبح سوء التغذية يتجاوز التدخين عالمياً بوصفه السبب الأول للوفاة المبكرة».

وأضاف: «في بريطانيا، يقوم نظامنا الغذائي الوطني أساساً على الأطعمة فائقة المعالجة، وعلى مدى عدة أجيال، جرى ابتكار أطباقنا الوطنية بهدف تحقيق الربح. وإذا فكرت في أصابع السمك، والفاصولياء المعلّبة، وحبوب الإفطار التي نتناولها جميعاً صباحاً، وخبز السوبرماركت، فهذه ليست أطعمة تقليدية صُنعت لتغذيتنا، بل هي منتجات صناعية بالكامل».

وعلى مستوى العالم، كلما تعمّق العلماء في البحث، اكتشفوا أكثر أن الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بعدد لا يُحصى من الأمراض.

ويقول أندرو تشان، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي وأستاذ في كلية الطب بجامعة هارفارد: «لقد ارتبطت الأطعمة فائقة المعالجة بمجموعة واسعة من الأمراض المزمنة؛ فقد وُجد ارتباط بينها وبين السمنة والسكري وأمراض استقلابية أخرى، والتي تبدو بدورها عوامل خطر للإصابة بالسرطان. وإحدى الآليات المحتملة هي أن هذه الأطعمة قد تسهم في إحداث تغييرات استقلابية تشكّل عوامل مهيّئة للإصابة بالسرطان في سن مبكرة».

ما الأعضاء الأكثر عرضة للتأثر بالأطعمة فائقة المعالجة؟

الكبد

في عام 2023، أجرى باحثون في جامعة ليفربول دراسة شملت أكثر من 60 ألف شخص، أظهرت أنه كلما زاد استهلاك الفرد للأطعمة فائقة المعالجة، ارتفع خطر إصابته بمرض الكبد الدهنية. وهذه حالة خطيرة ومتفاقمة، يؤدّي فيها التراكم التدريجي للدهون إلى تليّف الكبد وإضعاف وظائفه.

وسلّطت الدراسة الضوء على عامل خطر أقل شهرة، يتمثّل في وجود مواد كيميائية صناعية في عبوات الوجبات الجاهزة والوجبات الخفيفة وغيرها من الأطعمة فائقة المعالجة، وهي مواد تُربك الهرمونات في الجسم، وقد ارتبطت بتسريع تطوّر مرض الكبد الدهنية.

لكن السبب الرئيسي يبقى أن هذه الأطعمة تهيّئ الطريق تماماً لتراكم سريع وخطير للدهون في الكبد؛ فالجسم يمتلك آلية دقيقة جداً لتنظيم كمية السعرات الحرارية التي نستهلكها، غير أن الأطعمة فائقة المعالجة تُضلّل هذه المنظومة المعقّدة.

ويقول فان توليكن: «الأطعمة فائقة المعالجة طرية، عالية الكثافة الحرارية، مليئة بالنكهات والألوان، وتحتوي على نسب دقيقة جداً من الملح والسكر والدهون، وكلها مُصمَّمة بحيث يصبح من الصعب جداً التوقف عن الأكل». ويضيف: «افتح أي كيس مقرمش، أو تناول أي وجبة جاهزة، وستلاحظ كم أنها لا تشعرك بالشبع، وكم هو سهل أن تستهلك كماً هائلاً من السعرات الحرارية في وقت قصير».

عواقب هذا الإفراط في الاستهلاك بسيطة لكنها مدمّرة؛ إذ ينتهي بنا الأمر إلى تكوين دهون زائدة في الجسم. ويمكننا تخزين جزء من هذه الدهون في الخلايا الدهنية تحت الجلد، لكن بعد فترة يُجبر الجسم على البحث عن أماكن إضافية لتخزينها، ويكون الكبد من أوائل الأعضاء التي يلجأ إليها.

يقول الدكتور أليكس هيني، الزميل السريري الأكاديمي في أمراض السكري والغدد الصماء بجامعة ليفربول: «الأشخاص الذين يتناولون الأطعمة فائقة المعالجة يكونون أكثر عرضة لتناول كميات أكبر من الطعام مع مرور الوقت».

ويضيف: «والسبب في ذلك أنها تحتوي على نسب أعلى من الدهون والكربوهيدرات المكرّرة مقارنة بالبروتينات والألياف الصحية، ما يؤدّي في النهاية إلى هذا التخزين المفرط للدهون في الكبد».

الأمعاء

تلعب الأمعاء دوراً أساسياً في شبكة تنظيم الشهية في الجسم؛ إذ تؤثر في شعورنا بالجوع أو الشبع، غير أن قدرتها على ضبط الشهية ترتبط بما يُعرف بـ«مصفوفة الطعام» - أي البنية الفيزيائية والكيميائية المعقّدة للطعام الكامل.

ولأن الأطعمة فائقة المعالجة تُصنع عادةً من مكوّنات «مُهضّمة مسبقاً»، فإن الأمعاء لا تتلقى الإشارات الطبيعية التي تطوّرت للاستجابة لها، ما يدفعنا إلى الإفراط في الأكل واكتساب مزيد من الدهون في الكبد.

ويقول الدكتور هيني: «عندما تُدمَّر مصفوفة الطعام، يختلّ نظام الإشارات في ميكروبيوم الأمعاء». ويضيف: «ويزداد الأمر سوءاً؛ لأن كثيراً من الأطعمة فائقة المعالجة مليئة بالدهون والكربوهيدرات المكرّرة، مقارنة بالبروتينات والألياف الصحية».

بحسب ماتيلد توفييه، أستاذة في المعهد الوطني الفرنسي للصحة والأبحاث الطبية وأحد معدّي تقرير مجلة «ذا لانسيت»، تتزايد المخاوف من أن الإفراط في استهلاك بعض المضافات الغذائية ضمن نظام غذائي غني بالأطعمة فائقة المعالجة - مثل المستحلبات والمحليات - يسبّب أضراراً موضعية داخل الأمعاء نفسها.

وتقول البروفسورة توفييه: «ترتبط الأطعمة فائقة المعالجة بزيادة خطر الإصابة بداء كرون، وهو أحد أمراض الأمعاء الالتهابية». وتشير إلى أن بعض الدراسات التي أُجريت على الحيوانات أظهرت أن التهاب الأمعاء قد يؤدي إلى تطوّر سرطان القولون، بينما تحاول دراسة كبرى جديدة تُعرف باسم «PROSPECT» حالياً التحقّق مما إذا كانت الأطعمة فائقة المعالجة تقف وراء الارتفاع المقلق في حالات سرطان الأمعاء لدى من هم دون الخمسين عاماً.

وبدأت بعض البيانات المبكرة تدعم هذه الفرضية بالفعل. ففي الشهر الماضي، نشر البروفسور تشان وزملاؤه دراسة وجدت أن النساء دون سن الخمسين اللواتي يستهلكن ما يصل إلى 10 حصص يومياً من الأطعمة فائقة المعالجة - مثل الوجبات الخفيفة، والوجبات الجاهزة، وحبوب الإفطار المعلّبة، أو المشروبات الغازية - يواجهن خطراً أعلى للإصابة بالزوائد اللحمية في الأمعاء، مقارنة بمن يكتفين بعدد محدود من الحصص (نحو 3.3 حصة يومياً).

الزوائد اللحمية هي نموّات غير طبيعية في بطانة الأمعاء تنشأ نتيجة تلف الخلايا، ويمكن أن تشكّل مرحلة تمهيدية للإصابة بالسرطان. ويقول البروفسور تشان: «نعلم أن الغالبية العظمى من سرطانات القولون والمستقيم تمرّ أولاً بمرحلة الزوائد اللحمية».

ورغم أن الباحثين لم يتمكّنوا بعد من تحديد المكوّنات الدقيقة في الأطعمة فائقة المعالجة التي تبدو مسؤولة عن تحفيز تكوّن هذه الزوائد، فإن البروفسور تشان يرجّح أن «جزءاً من الأمر قد يكون مرتبطاً بأنواع معيّنة من البكتيريا [التي تتغذّى على مكوّنات هذه الأطعمة]، كما قد يكون له علاقة أيضاً بنوع المستقلبات التي تنتجها هذه البكتيريا في الأمعاء، والتي تُضعف قدرة الأمعاء على إصلاح نفسها». وتشير بعض الدراسات على نماذج حيوانية أيضاً إلى أن بعض المواد المستحلبة قد يكون لها تأثير سلبي في صحة بطانة الأمعاء.

القلب

مع مرور الوقت، يمكن أن يؤدّي استهلاك كميات كبيرة من الأطعمة فائقة المعالجة إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية المختلفة، من السكتات الدماغية إلى أمراض القلب. وقد نجحت دراسة حديثة في الولايات المتحدة حتى في تحديد أن بعض هذه الأطعمة يبدو أكثر ضرراً على القلب والأوعية الدموية من غيرها، وكان أبرز المتهمين في ذلك المشروبات السكرية واللحوم المصنّعة.

وأظهرت أبحاث أُجريت على الحيوانات أيضاً أن بعض المضافات الشائعة في الأطعمة فائقة المعالجة، مثل الكبريتيت ومحسّن النكهة غلوتامات أحادي الصوديوم (MSG)، ارتبطت بتلف في أنسجة القلب وتصلّب الأوعية الدموية.

في المقابل، لم ترتبط بعض الأطعمة فائقة المعالجة مثل الخبز المعلّب، وحبوب الإفطار، والوجبات الخفيفة المالحة، واللبن أو الحلويات المصنوعة من الألبان، بمستويات عالية من خطر الإصابة بمشكلات القلب والأوعية الدموية.

وتقول جوسييمر ماتّي، الأستاذة المشاركة في التغذية في كلية «هارفارد تي إتش تشان» للصحة العامة: «ليس كل الأطعمة فائقة المعالجة تزيد خطر الإصابة بأمراض القلب». وتضيف: «فبعضها قد يكون محايداً أو حتى واقياً، لأنه يحتوي على عناصر غذائية أخرى مهمة توازن الآثار السلبية».

تشير الدكتورة ماتّي إلى وجود أسباب متعددة تفسّر لماذا تُعدّ اللحوم المصنّعة والمشروبات السكرية ضارّة بشكل خاص بصحة القلب على المدى الطويل. وتقول: «الأطعمة فائقة المعالجة تسهم في زيادة استهلاك السعرات الحرارية، والسكريات المضافة، والصوديوم، والدهون غير الصحية».

وتضيف: «كما أن بعض المركّبات الموجودة في هذه الأطعمة قد تزيد الالتهاب أو تُلحق ضرراً بالبطانة الداخلية للأوعية الدموية (الخلايا التي تُبطّن جدران الأوعية)؛ ما يسهم في تكوّن الترسبات وتلف أنسجة القلب».

الدماغ

قد يؤثّر النظام الغذائي الغني بالأطعمة فائقة المعالجة في المزاج وحدّة التفكير؛ فقد تبيّن أن الإكثار من تناول الوجبات الجاهزة والحلويات يجعل الشخص أكثر عرضة للشعور بالاكتئاب والقلق، ومع مرور الوقت قد يطول هذا التأثير الوظائف المعرفية أيضاً، مثل القدرة على التعلّم والتذكّر والاستنتاج وحلّ المشكلات.

وقد ربطت دراسات عدة بين زيادة استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة وارتفاع خطر الإصابة بالخرف، وفي العام الماضي نشرت مجلة «The American Journal of Clinical Nutrition» دراسة ربطت بشكل خاص بين اللحوم المصنّعة مثل لحم الخنزير المقدد (البايكون) والمشروبات السكرية وبين زيادة خطر التدهور المعرفي.

لماذا يحدث ذلك؟ نعلم أن الأطعمة فائقة المعالجة تُربك عمل الأمعاء، ومن ثم فإن «محور الأمعاء - الدماغ» (الذي يسمح للمواد الكيميائية التي تنتجها الأمعاء بالتأثير في الوظائف الذهنية) قد يقدّم تفسيراً واضحاً لذلك؛ فالأشخاص الذين يعانون التهابات أكثر في الأمعاء نتيجة نظام غذائي سيئ يكونون أكثر عرضة للاكتئاب، في حين أن الذين يستهلكون كميات أكبر من الأطعمة فائقة المعالجة يميلون أيضاً إلى تناول كميات قليلة جداً من الألياف. وهذه الألياف تتحلّل إلى مواد كيميائية مفيدة للأمعاء تُعرف باسم الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، والتي يمكن أن تساعد على حماية الدماغ.

ويقول أليكس دي فيليتشي أنطونيو، الأستاذ المساعد في معهد فرالين للأبحاث الطبية الحيوية في جامعة «فرجينيا تك»: «لقد ثبت أن زيادة محتوى الدهون والسكر تغيّر استجابة الدماغ لمشروب مثل المخفوقات؛ لذلك من المحتمل أن يكون التركيب الغذائي النموذجي لبعض الأطعمة فائقة المعالجة يؤدّي إلى تغيّرات وظيفية في الدماغ».

ما الذي ينبغي فعله؟

رغم أن بوسع كل واحد منا اتخاذ خيارات أفضل لتقليل استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة، فإن الخبراء يرون أيضاً أن على الحكومات أن تقوم بدور أكبر بكثير من خلال اعتماد سياسات غذائية أكثر صرامة. ويدعو فان توليكن إلى فرض تنظيمات أقوى تتعلّق بمحتوى الأطعمة غير الصحية وبطريقة تسويقها.

ويعتقد فان توليكن أنه، على غرار السجائر، ينبغي على الدول اعتماد ملصقات تحذيرية أقوى كثيراً على الأطعمة الغنية بالملح أو الدهون أو السكر أو السعرات الحرارية. ويُطبّق هذا الإجراء بالفعل بنجاح في عدد من دول أميركا الجنوبية والوسطى.

ويقول: «عندما يحمل الطعام ملصقاً تحذيرياً، تُفرض عليه بعدها ضريبة. ولا يعود مسموحاً وضع شخصيات كرتونية عليه، ولا تقديم ادعاءات صحية بشأنه، ولا بيعه للأطفال، ولا تقديمه في المدارس أو المستشفيات أو السجون، كما لا يقوم الجيش بشرائه».

ويضيف: «نحن بحاجة إلى كل هذه الإجراءات، إلى جانب نظام إلزامي ودقيق للإبلاغ عن مبيعات الأطعمة غير الصحية بتفاصيل كثيرة ومفصّلة، حتى نعرف تماماً ما الذي يجري».


في أي عمر تبلغ السعادة والثقة بالنفس الذروة؟

مع التقدّم في العمر يصبح الإنسان أعلى قدرة على تجاوز ضغوط الحياة اليومية (بكساباي)
مع التقدّم في العمر يصبح الإنسان أعلى قدرة على تجاوز ضغوط الحياة اليومية (بكساباي)
TT

في أي عمر تبلغ السعادة والثقة بالنفس الذروة؟

مع التقدّم في العمر يصبح الإنسان أعلى قدرة على تجاوز ضغوط الحياة اليومية (بكساباي)
مع التقدّم في العمر يصبح الإنسان أعلى قدرة على تجاوز ضغوط الحياة اليومية (بكساباي)

تُظهر الأبحاث أنه كلما تقدّم الإنسان في العمر، أصبح أعلى ثقة بنفسه ورضاً عن حياته... «ففي الواقع، يكون الأشخاص بعمر الستينات أميل إلى الشعور بالسعادة»، ووفقاً لإحدى الدراسات، فإنهم يتمتّعون أيضاً بثقة أكبر بالنفس، مقارنة بمعظم من هم في مراحل عمرية أصغر.

فما السر؟ للأسف؛ لا توجد إجابة واحدة، بل مجموعة من العوامل. وفي ما يلي بعض الأمور التي يُرجّح أنها عوامل مساعدة، وفق ما يشير إليه بعض الدراسات العلمية في هذا المجال:

قدرٌ أكبر من الحكمة

تُظهر البيانات أن الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً لديهم أعلى معدلات الاكتئاب. ورغم أن جائحة «كورونا» رفعت هذه المعدلات لدى جميع الفئات العمرية - بمن فيهم الأكبر سناً - فإن من تجاوزوا الخمسين لا يزالون يسجّلون أدنى المعدلات بشكل عام.

في دراسة أُجريت عام 2016، استطلع الباحثون آراء أكثر من 1500 شخص من مختلف الأعمار بشأن صحتهم الجسدية والمعرفية والنفسية. وتبيّن أن الأشخاص في العشرينات والثلاثينات من العمر سجّلوا مستويات أقل من السعادة، مقارنة بمن هم في عقود عمرية أكبر. وقال ديليب جيستي، وهو طبيب نفسي وأحد معدّي الدراسة، لمجلة «تايم»، إن «السبب المرجّح لذلك هو أن الإنسان يصبح مع التقدّم في العمر أكبر قدرة على تجاوز ضغوط الحياة اليومية، كما يصبح - نعم! - أكبر حكمة؛ مما ينعكس زيادة في الشعور بالسعادة».

تزداد الحياة استقراراً مع التقدّم في السن

وجدت ورقة بحثية نُشرت عام 2018 في مجلة «Psychological Bulletin» أن الثقة بالنفس تبلغ أعلى ذروة لها عند سن الستين، ويعزو باحثو الدراسة ذلك على الأرجح إلى بيئة حياتية أعلى استقراراً، ففي هذا العمر، يكون كثيرون قد كوّنوا علاقات متينة، أو نالوا ترقيات في العمل، أو ساعدوا أبناءهم على أن يصبحوا بالغين يمكن الاعتماد عليهم.

كما وجدت إحدى الدراسات أن المشاركين الأصغر سناً كانوا أعلى ميلاً إلى وصف السعادة بأنها لحظات يشعرون فيها بالنشوة أو الابتهاج، وفق ما نقلته مجلة «ذا أتلانتيك». في المقابل، وصف الأكبرون سناً شعورهم بالسعادة بأنه عندما يكونون في حالة سلام أو هدوء أو استرخاء، وهو شعور يرتبط بشكل أكبر بالرضا عن اللحظة الراهنة بدلاً من التحمّس لما هو مقبل.

ويُرجّح معدّو الدراسة أن هذا التغيّر يعود إلى ازدياد الشعور بالترابط مع الآخرين ومع اللحظة الحالية كلما تقدّم الإنسان في العمر.

يقلّ تأثير المشاعر السلبية مع التقدّم في العمر

وجدت أبحاث في تصوير الدماغ، نُشرت عام 2004، أن الأشخاص الأكبر سناً أظهروا نشاطاً أقل في اللوزة الدماغية، وهي المنطقة المرتبطة بالتوتر والاستجابات العاطفية، عندما عُرضت عليهم صور سلبية. وقد يعني ذلك أن الاستجابة التلقائية للمحفّزات العاطفية السلبية تصبح أهدأ وأخْفَتَ مع التقدّم في السن.

لكن هناك بعض التحفّظات التي يجدر ذكرها: فعندما يتعلّق الأمر بالسعادة، يشير كثير من الأبحاث، التي أُجريت على مدى الزمن، إلى أنها تتّبع عموماً منحنى على شكل حرف «U»، أي إن السعادة تكون مرتفعة أيضاً في العشرينات، ثم تنخفض في منتصف العمر، قبل أن تعاود الارتفاع بقوة في أواخر الستينات. وبذلك، لا يكون عقد التقاعد هو المرحلة الوحيدة التي يبلغ فيها الإنسان ذروة شعوره بالسعادة، إذا صحّ التعبير.

وفضلاً عن ذلك، فإن الحقيقة البسيطة هي أن أي شخص يمكنه زيادة شعوره بالرضا أو الثقة بالنفس، فالعمر لا يحدّد بالضرورة مقدار سعادتك، بل عاداتك هي التي تفعل ذلك، وهناك كثير من العادات التي يمكن ممارستها لمساعدتك على الوصول إلى حالة من الصفاء والرضا.