قاموس أكسفورد الإنجليزي... حكاية شغف أمّة بلغتها

منذ إطلاقه في القرن التاسع عشر صار ما يشبه سجلاً لتاريخ البلد

قاموس أكسفورد الإنجليزي... حكاية شغف أمّة بلغتها
TT

قاموس أكسفورد الإنجليزي... حكاية شغف أمّة بلغتها

قاموس أكسفورد الإنجليزي... حكاية شغف أمّة بلغتها

يعود قاموس أكسفورد الإنجليزي إلى الأضواء مرّة كل عام على الأقل، ذلك عندما تعلن الهيئة القائمة على أعرق وأهم سجل معجمي للغة الإنجليزية وتوثيقها اختيارها لكلمة العام من بين المفردات الجديدة التي أبدعتها قرائح المتحدثين بتلك اللغة. وتعكس الاختيارات عادة جدلاً ثقافياً واجتماعياً واسعاً حول مسائل تعني الشأن العام، فشملت في السنوات الأخيرة «ما بعد الحقيقة» و«ثقافة الإلغاء» و«الأخبار المزيفة أو الكاذبة»، فيما امتنعت استثنائياً في عام الجائحة (2020) عن اختيار كلمة واحدة فحسب، نظراً لفيض الاصطلاحات التي أطلقتها الخبرة المستجدة للبشرية المعاصرة بالتعامل مع الطاعون الجديد «كوفيد 19»، فكان أن قدّمت مجموعة منها.
على أن العمل الذي ينجزه القاموس أوسع وأشمل بكثير من هذه المناسبة الإعلاميّة المسليّة، وهو يشمل تحديثاً فصلياً لتعابير اللغة الإنجليزية، يبدأ من إضافة كلمات جديدة تكرر استعمالها، وتنقيح أخرى من القاموس تعرضت معانيها لتحولات أو تقلبات ثقافيّة، كما نقل بعضها إلى المتحف اللغوي عبر وصفها بالقديمة التي عفا عليها الزمن أو النادرة الاستعمال.
وتعتمد بيوتات الصحافة والإعلام في العالم الغربي والجامعات ومراكز البحث، كما الأفراد بعمومهم، على قاموس أكسفورد كأكثر المرجعيات موثوقية بالنسبة للإملاء والمعاني وإنفاذ قواعد النحو والاستخدام السليم للغة الإنجليزية، ولا سيما أن القاموس لا يقتصر على النسق البريطاني، وإنما يتسع لكل الإنجليزيات المعروفة – إن جاز التعبير – من أستراليا إلى جامايكا، وما بينها من تجمعات سكانية يتحدث أصحابها طرفاً من لغة شكسبير.


جيمس موراي

ومنذ إطلاقه في القرن التاسع عشر، فإن قاموس أكسفورد وكأنّه قد كلّف نفسه بمهمة أوسع من رصد معاني الكلمات المستخدمة إلى ما يشبه سجلاً تاريخياً للنمو العضوي للغة الإنجليزيّة عبر المراحل، إذ إن الكلمة ما أن أدخلت إلى القاموس حتى لا تغادره أبداً، وإنما يتم تحديث وضع استعمالها، ما يعني أن «أكسفورد الإنجليزي» يتوسع بشكل دائم، حتى لتبدو مهمته مستحيلة بحق، ولا سيما أن اللغة الإنجليزية مرتبطة بهيمنة ثقافية أنجلوساكسونيّة على مجالات ثقافية وعلمية وتجاريّة كثيرة عابرة لحدود البلاد التي هي لغتها الأم. وهو بذلك يختلف عن القواميس الأخرى الدّارجة مثل كولينز وتشامبرز التي تحتفظ بالكلمات الأكثر تداولاً في نطاق مجلّد واحد، فهو يوضح أيضاً كيف تغير معنى كلمة معينة بمرور الوقت من خلال الاقتباسات التي يزيد عددها عن 3.5 مليون إلى الآن، والتي لا تؤخذ من الكتب والصحف والمجلات فحسب، بل في أوقاتنا الحالية من الإعلانات وكلمات الأغاني ونصوص الأفلام والتلفزيون حتى «تويتر».
يضم القاموس في صورته الحالية نحو 600 ألف كلمة، وطبعته الثانية التي نُشرت عام 1989 تملأ 20 مجلداً، وكانت هناك خطّة لنشر طبعة ثالثة في 2005 لكّن عمليّات التحرير لم تصل بعد إلى المنتصف. لكن قليلين في وقتنا الراهن يعتمدون على النسخة المطبوعة، وانتقل جزء كبير من التحرير والاستخدام إلى الإنترنت، وهو ما يفسّر جزئياً تلكؤ الناشر في الدفع بإصدار جديد مطبوع.
لكن ضخامة هذا المشروع واتساع تأثيره لا يجب أن تحجب عنا حقيقة أن عدد القائمين عليه لا يتجاوز 70 موظفاً، يعملون حين حضورهم في مكتب مفتوح متواضع في المبنى الذي يضم مقر مطبعة جامعة أكسفورد في أحد أحياء مدينة أكسفورد القديمة، وإن كان للقاموس يوماً غرفة فاخرة في إطار متحف الأشموليان العريق، التابع للجامعة. ويتولى هؤلاء الموظفون إدارة عمليات القاموس بشكل تعاوني لتقليل الأخطاء، ويمثل كل منهم مرجعيّة أوليّة للآخر قبل الاستعانة تالياً بجيش من غير المتفرغين، يشمل لغويين، وخبراء أصول الكلام، وعلماء البيبلوغرافيا، وأساتذة الآداب والعلوم، والخبراء المعنيين بالنطق، والمستشارين الخارجيين، لتعود الكلمة منهم إلى أيدي المحررين المتخصصين بالنشر في شكله النهائيّ.
ويمكن أن تستغرق هذه العمليّة بمجملها من بضع ساعات إلى بضعة أسابيع، بحسب طبيعة الكلمة واستخداماتها، لكنّه ليس مستغرباً أن تمرّ إحداها على 200 شخص قبل اعتمادها. كما أن القاموس لم يحقق ربحاً تجارياً في تاريخه، رغم أن الاشتراكات الحالية تغطى جزءاً هاماً من الميزانية السنوية التي تبلغ نحو 35 مليون جنيه أسترليني، إلا أن قيمته الأساسيّة تظلّ في السمعة الأدبيّة الراقية التي يمنحها للمطبعة، وللجامعة، وللمدينة، حتى للأمة البريطانيّة بمجملها، علماً بأن المشروع كان عُرض بداية على مطبعة جامعة كامبريدج المنافسة الدائمة لأكسفورد، لكنها رفضته في حينه، وإلا لكان الشرف لقاموس كامبريدج الإنجليزي!
تعود حكاية القاموس إلى العام 1857 حينما كانت بريطانيا في قلب العصر الفيكتوري الذي شهد ثورات معرفيّة وعلميّة وتقنيّة؛ السكك الحديدية، ومصانع الصلب، والأنثروبولوجيا، والتخدير، وأدب تشارلز ديكنز، ونظريات داروين. في تلك الأجواء الطموحة تداعت مجموعة من أعضاء جمعيّة فقه اللغة، هربرت كولريدج، وفريدريك فورنيفال، وريتشارد تشينفيكس، لتكوين ما سمي بلجنة الكلمات غير المسجلّة بهدف التقاط تلك التعابير التي ولدت ولم تحظ بشرف التسجّل في القواميس، وهذه كان صدرت منها تجارب مختلفة (أقدمها يعود إلى العام 1604). لكن المهمة بدت هائلة وشبه مستحيلة، فقررت اللجنة اللجوء إلى الأمّة برمتها، فأصدرت تعميماً يحتوي على تعليمات لتسجيل اقتباسات توضح استخدام كلمات إنجليزية جديدة على بطاقات بريديّة ترسل إلى اللجنة. وعلى الرّغم من أن العمليّة كانت تطوعيّة ولم يتلقَ المساهمون أي أجر على جهودهم، فإنّ اللّجنة غرقت حرفياً بالبطاقات البريديّة تلك، وشارك بعض الأفراد بعدة مئات منها بحماسة منقطعة النظير، ولا شكّ أن بعضهم كرّس أوقاتاً مهمة من حياته لتتبع حياة الكلمات ورصد استعمالها في الصحف والكتب والروايات، بل قصّوا أحياناً الاقتباسات من تلك المطبوعات ولصقوها على البطاقات لضمان دقّة التوثيق، مفسدين بذلك نسخ الكتب الأصليّة.
تعثّر العمل باللجنة بعد وفاة كولريدج، فتقرر نقل المشروع إلى مطبعة جامعة أكسفورد في العام 1879 وفق اتفاق شمل أيضاً تعيين جيمس موراي عالم اللغويات الشهير رئيساً للتحرير، الذي شكل فريقاً استغرقه العمل لفرز البطاقات البريديّة المتراكمة مسبقاً لدى اللجنة سنتين كاملتين، وكذلك نشر القاموس في 7000 صفحة خلال 10 سنوات، بميزانيّة لا تتجاوز 9 آلاف جنيه إسترليني. لكن بعد مرور 5 سنوات بدا واضحاً أن إنجاز المشروع بشكل نهائي سيأخذ وقتاً أكثر مما خطط له، ما حدا بالناشر إلى تبني فكرة النشر المجزأ. وهكذا صدر الجزء الأوّل في 1884 لكن الطبعة كاملة لم تكتمل (في 10 أجزاء) قبل عام 1928، أي بعد 70 عاماً من تشكيل لجنة الكلمات غير المسجلة. وقد احتفلت بريطانيا الرسميّة بذلك الإنجاز على لسان رئيس وزرائها آنذاك، ستانلي بالدوين، الذي قال في مأدبة عشاء بتلك المناسبة إن «تاريخنا، رواياتنا، قصائدنا، مسرحياتنا، كلها جمعت في هذا الكتاب الواحد العظيم. ومع ذلك فإن كثيراً من المدخلات في الطبعة الأولى كانت قد أصبحت قديمة، ولم يظهر كثير من الكلمات التي استجدت أثناء النشر، ما استدعى إصدار مجلدات تكميليّة متتابعة، قبل أن يقرر الناشر إصدار طبعة ثانية كاملة منقحة عام 1985. وهو النّص الذي يعتمد عليه اليوم في إعداد الطبعة الثالثة المقبلة.
نسرد هذه الحكاية عن قاموس لغة أمّة قررت أن تحافظ عليها حيّة ومتجددة، بينما يملأ قلبنا التشاؤم من عجز أمتنا العربيّة الممتدة عبر 22 دولة و400 مليون نسمة واستثماراتنا الملياريّة المتناثرة في بنوك الغرب عن تأسيس قاموس عربي موحد على نسق قاموس أكسفورد، يحفظ لغتنا العربيّة، ويمنحها القدرة على النموّ والتطوّر والانتشار بعد مرور قرون عدّة على صدور القاموس الرائد لابن منظور «لسان العرب» في القرن الثالث عشر، الذي لا يزال ونحن في القرن الحادي والعشرين أشمل معاجم اللغة العربية وأكبرها حتى الآن. وباستثناء أننا نمتلك القرآن الكريم الذي ضبطت نصوصه منذ ما يقرب من 1500 عام، فإن العربيّة المعاصرة تفتقر بشكل فاضح إلى مرجعيّة لغويّة حتى لتبدو رغم محاولات قطرية علقت في أبراج عاجيّة خارج الحياة وخارج الواقع وكأنها يتيمة بين لغات الأمم الحية، التي لكل منها وإن تضاءل عدد المتحدثين بها مؤسسات وطنيّة تدير قواميس شاملة تعنى بتجديد كلماتها وضبط استعمالها ورصد تحولات معانيها.
إن نهضة عربيّة لن تكون ممكنة دون قاموس لغوي شامل ومحدّث، سواء تولته عاصمة واحدة أو منظمة عربيّة جامعة عابرة للسياسة والأحلاف اللحظيّة. ومن خبرة قاموس أكسفورد الإنجليزي الماثلة أمامنا، فإن ما نحتاجه لجعل ذلك واقعاً ليس مالاً كثيراً ولا تجهيزات هائلة ولا جيشاً من الموظفين، بل كثير من الشغف لاستعادة ثقافتنا - معبراً عنها بلغتنا - من موتها السريري غير المعلن.


مقالات ذات صلة

دماء على جدران المدرسة

ثقافة وفنون دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق في «Swan Song» يكشف تشارلز سبنسر عن أسرار كثيرة في الحياة الخاصة لشقيقته (رويترز) p-circle 01:37

صفعت والدها ودفعت بزوجته من أعلى السلّم... أسرار الأميرة ديانا في مذكّرات شقيقها

«أغنية البجعة»، كتابٌ يتصدّر المبيعات حالياً في بريطانيا وحول العالم لما فيه من خفايا عن حياة الأميرة ديانا، يكشف عنها الكاتب وهو شقيقها تشارلز سبنسر.

كريستين حبيب ( بيروت)
ثقافة وفنون رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير.

منى أبو النصر (القاهرة)

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم
TT

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير. وظل هذا بما امتلأ به من صراعات وتحوّلات سياسية مادةً ثرية للكتب والروايات، غير أن صورته الأشهر بقيت متمركزةً حول الرجال، بينما تراجعت النساء إلى أطراف الحكاية، حتى حين كن شريكاتٍ في صنع أحداثها.

من هذه الفجوة تنطلق الكاتبة الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم في كتابها «نساء آل تيودور»، الصادر عن دار «ديوان للنشر» بالقاهرة، معتبرةً أنه من المؤسف أن تبقى أصوات نساء آل تيودور غائبةً في سرديات هذا العصر، وهو ما دفعها لطرح ما تصفه بأنه «سرد تاريخ شعبي عن نساء البلاط الإنجليزي في القرن السادس عشر».

غير أن البحث عن النساء في تاريخ كُتب من مواقع الرجال والسلطة يتجاوز مجرد استعادة أسمائهن؛ فالأصوات الغائبة لا تظهر في الوثائق الرسمية بالصورة نفسها التي تظهر بها قرارات الملوك وحروبهم، لذلك لا تعزل المؤلفة نساءها عن الرجال الذين ظلّوا في بؤرة العرش، وإنما تعيد قراءة السياق بوصفهن أمهات الملوك وزوجاتهم وبناتهم ووريثات تاجهم.

ومن فصل إلى آخر يتغير موقع النظر، حتى تتكون صورة لنساء شاركن في صناعة الشرعية وحفظ السلالة، ودفعن كذلك أثماناً قاسيةً لشروط السلطة، وهكذا يغيّر الكتاب موضع الضوء داخل المشهد؛ ليكشف أن التاريخ الذي حمل أسماء الملوك لم يصنعه الملوك وحدهم.

حرب الوردتين

تبدأ عائشة خليل كتابها بمدخل ذاتي يربطها بـ«آل تيودور»، الذين بدأ تعرفها عليهم من خلال الدراسة والكتب، ثم تابعت حضورهم عبر السنوات في السرديات السينمائية وغيرها، إلى أن قررت اقتراح سردية مغايرة لذلك العصر بالابتعاد عن «سرد الأفعال البطولية للرجال»، والتركيز على نساء «آل تيودور» بوصفهن فاعلاتٍ في الأحداث التاريخية الصاخبة لهذا العصر.

للوصول إلى ما تسميه «وجه التاريخ الغائب»، تستعين عبد الكريم بسجلات البرلمان والبيوت الملكية ووثائق المحاكم ومراسلات السفراء، إلى جانب الكتيبات التي انتشرت مع دخول الطباعة إنجلترا. كما تُوسّع مفهوم الوثيقة ليشمل الموسيقى والبورتريهات وما تكشفه من ملابس وحلي وتفاصيل للحياة اليومية.

تحضر في بنية الكتاب مفارقة لافتة؛ فقد بدأ حكم «آل تيودور» بتدبير امرأة، هي مارغريت بوفورت، وانتهى عصرهم بامرأة أخرى هي حفيدتها إليزابيث الأولى، آخر حكام الأسرة.

لم يكن هنري تيودور، الذي أصبح لقبه «هنري السابع» صاحب حق قوي في التاج؛ إذ جاءت صلته بالدم الملكي من ناحية أمه وعبر نسب غير شرعي لم يكن كافياً لضمان العرش، غير أن والدته مارغريت دعمت تنصيبه، مستفيدةً من الاستنزاف الذي خلّفته «حرب الوردتين» على مدار سنوات طويلة بين عائلتي يورك ولانكستر، لتحوّل احتمال تنصيبه الضعيف إلى مشروع سياسي طموح.

سعت «بوفرت» إلى تزويج ابنها من «إليزابيث» وريثة بيت «يورك» ليجمع الزواج بين بيتَي «لانكستر» و«يورك» المتنازعين، وهكذا تضع مؤلفة الكتاب المرأة التي أدارت مشروع صعود «هنري السابع» في بؤرة الضوء، خاصةً أنها هيأت التحالف الذي منح حكمه شرعيةً لم يكن نسبه كافياً لتوفيرها له.

أما «إليزابيث» من بيت «يورك»، فقد جسدت في شخصها اتحاد البيتَين، ثم أصبحت أمّاً للورثة، وتنتقل المؤلفة من دورها السياسي إلى علاقتها بأبنائها وزوجها، مستعينةً بتفاصيل إنسانية مثل تشابه خط ابنها «هنري الثامن» مع خطها، ما دفع بعض المؤرخين إلى ترجيح أنها دربته بنفسها على الكتابة.

الولادة والسلالة

يتوقف الكتاب عند الصلة القاسية بين الولادة والموت واستمرار السلالة؛ فلم يكن جسد الملكة شأناً خاصاً، إنما تعلقت به شرعية العرش ومستقبل المملكة، فكانت الملكة مطالبةً بإنجاب عدد كبير من الأطفال، لأن نسبةً مرتفعةً منهم لم تكن تنجو، بينما تخاطر بحياتها مع كل مخاض.

وتشير المؤلفة إلى أن نحو خُمس الأطفال في ذلك العصر كانوا يموتون قبل بلوغ الخامسة، وأن امرأةً من كل أربعين كانت تفقد حياتها أثناء الولادة، لذلك كانت النساء يستعددن للمخاض بكتابة الوصايا والاعتراف والتوبة والتناول؛ فالمرأة تدخل غرفة الولادة وهي تستعد لاستقبال طفلها واحتمال موتها معاً.

عاش من أبناء إليزابيث أربعة فقط، وبعد وفاة ابنها الأمير «آرثر» حملت مجدداً، لكنها توفيت عقب ولادة طفلتها الأخيرة. وهكذا تصبح الولادة جزءاً من هندسة السلطة؛ إذ يمكن لموت طفل أو تعثر حمل أن يطلق أزمةً تتجاوز القصر إلى المجالين السياسي والديني.

تتجسد هذه العلاقة بصورة أكبر في حكاية «كاثرين الأرجونية»، ابنة الملكين إيزابيلا وفرديناند، اللذين وحّدا إسبانيا وأنهيا الحكم العربي للأندلس. وقد تلقت كاثرين تعليماً يليق بابنة أسرة ملكية نافذة، وكانت أمها إيزابيلا نموذجاً لملكة حكمت إلى جانب زوجها ورافقت جيوشها.

خُطبت «كاثرين» في طفولتها إلى ولي عهد إنجلترا الأمير «آرثر»، وكان ارتباطها بآل تيودور ضماناً لمنح الأسرة الحديثة في الحكم شرعيةً إضافيةً واتصالاً ببيت ملكي عريق، وبعد وفاة «آرثر» تزوجت شقيقه «هنري الثامن»، وعاشت معه نحو عشرين عاماً قبل أن يتحوّل زواجهما إلى إحدى أشهر أزمات العصر التي تخص السلالة كلها؛ إذ أراد هنري وريثاً ذكراً، وصار فقد زوجته كاثرين للأبناء تباعاً حجةً لفحص صحة الزواج، ثم ذريعة لإنهائه، ومع رفض البابا إبطال الزواج وقع الصدام مع روما، وانفصلت الكنيسة الإنجليزية عن سلطة البابوية.

تكشف حكاية كاثرين كيف تجاوزت دراما الأسرة حدود القصر؛ فتحوّل تعثّر الملكة في إنجاب وريث ذكر إلى أزمة في شرعية الزواج، ثم إلى انقسام ديني غيّر تاريخ إنجلترا، كاشفاً أن أجساد النساء وعلاقاتهن الخاصة لم تكن منفصلة عن السياسة، بل وقعت في قلب تحوّلات الحكم والدين والسلالة.

وإذا كانت مارجريت بوفورت قد مهّدت بدهائها لتأسيس الأسرة «التيودورية»، وساعدت ابنها هنري السابع على اعتلاء العرش، فقد انتهى عصرها مع سليلتها إليزابيث الأولى، حفيدتها الكبرى، التي تصفها المؤلفة بأنها «درة آل تيودور». كانت إليزابيث ابنة هنري الثامن وآن بولين، التي تزوجها الملك في خضم أزمته مع الكنيسة وسعيه إلى إبطال زواجه من كاثرين أراغون، وتلقّت إليزابيث تعليماً رفيعاً، فأجادت اللاتينية والإيطالية والفرنسية إلى جانب الإنجليزية.


«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام
TT

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ، وكيف تحول المال عبر العصور إلى سلطة تؤثر في السياسة والإعلام، وترجمه إلى العربية لطفي السيد منصور.

الكتاب دراسة معمقة لواقع الأثرياء، ويسعى إلى الكشف عن مكانتهم الحقيقية في تاريخنا، واستكشاف مدى تأثيرهم في تطورنا، وفي تحولات مجتمعاتنا، وطبيعة حياتهم الحقيقية، وإسهاماتهم، والأخطاء التي ربما ارتكبوها، وكيفية تعاملهم مع الإخفاقات، ويوضح أن مشكلة الأثرياء أصبحت أكثر حدةً مع انزلاق الخيالات نحو المبالغة والخلط ونظريات المؤامرة؛ إذ يتصور الناس أن جميع الأثرياء يتصرفون بالطريقة نفسها، مدفوعين بالأنانية والطموح الجامح. إلا أن وراء كل صاحب ثروة طائلة مغامرةً شخصية؛ فبغضّ النظر عن المال لا يوجد اثنان متشابهان.

يهدف الكتاب، حسب مقدمة المترجم، إلى «تقديم تأملٍ حول ماهية الأثرياء حقّاً؛ ففي مواجهة تحدي الشعبوية تُعَدُّ طريقة تعامل أصحاب السلطة معهم أمراً بالغ الأهمية. غالباً ما كانت السياسات المتعلقة بالفقراء هي التي توجه النقاش العام، لكن منذ بضعة عقود أصبح الجميع يتفقون على تعريف (خط الفقر)، وعلى ضرورة توفير الإعانات الاجتماعية لمساعدتهم. في المقابل، لا يوجد إجماعٌ بشأن الثروات الضخمة، إلا أن إدارة هذه الثروات الهائلة وأصحابها لها آثارٌ إيجابيةٌ أو سلبية على الاقتصاد. ولا يمكن التعامل معهم ككتلةٍ واحدةٍ دون مخاطر، فقد أصبحوا فاعلين أساسيين في النظام الاقتصادي؛ لذا علينا التفكير مليّاً في استراتيجيات الضرائب والاستثمار العام، ويجب على الحكومات أن تدرس، على أساس كل حالةٍ على حدة، أفضل الخيارات المتاحة، وفقاً لمجالات العمل وأهميتها للمجتمع، وإلا فإن التوترات بين الشعب ونخبه المختلفة لن تزداد إلا حدَّة».

يُذكر أن المؤلف فابريس دالميدا من أبرز المتخصصين المعاصرين في تاريخ وسائل الإعلام، والدعاية السياسية، والتلاعب بالصور، إلى جانب أبحاثه المعمقة في تاريخ النازية والثقافة السياسية الأوروبية. يعمل أستاذاً للتاريخ المعاصر في جامعة باريس بانتيون آسا (باريس 2). نال عدة أوسمة رفيعة من الدولة الفرنسية تقديراً لإسهاماته العلمية، منها وسام الفنون والآداب (برتبة فارس) عام 2022، ووسام الاستحقاق الوطني الفرنسي عام 2023.

ولطفي السيد منصور، مترجم مصري، من أهم ترجماته: «تقرير بروديك» و«الغسق» للروائي فيليب كلوديل، و«نوتردام النيل» للروائية سكولاستيك موكاسونجا، و«النشوة المادية» لجوستاف ماري لوكليزيو، و«سيكولوجية الحماقة» و«تاريخ عالمي للهراء» من إشراف وتحرير جان فرانسوا مارميون. يعد من أبرز الناشطين في مجال الترجمة عن الفرنسية، حيث ينشر اختياراته المترجمة من الأدب والفلسفة والفكر الفرنسي بانتظام في عدد من الدوريات والمجلات المصرية والعربية.


حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.