سياسة وشؤون أخرى... جديد {فينيسيا} المقبل

الدورة الـ79 لأقدم مهرجانات العالم يعد بالوفرة والتنوّع

المخرج أليخاندرو غونزاليز إيناريتو خلال تصوير «باردو»
المخرج أليخاندرو غونزاليز إيناريتو خلال تصوير «باردو»
TT

سياسة وشؤون أخرى... جديد {فينيسيا} المقبل

المخرج أليخاندرو غونزاليز إيناريتو خلال تصوير «باردو»
المخرج أليخاندرو غونزاليز إيناريتو خلال تصوير «باردو»

تأتي الدورة التاسعة والسبعين لمهرجان فينيسيا السينمائي التي ستنطلق في الثلاثين من الشهر المقبل، وتستمر إلى الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، في الوقت الذي تعيش فيه أوروبا حالة حرب عالمية ثالثة غير معلنة في أوكرانيا.
ليس فقط أن الأجواء السياسية ستغطي احتفالاً كبيراً ورائداً مثل فينيسيا، بل إن جدول العروض، الذي أُعلن عنه قبل ثلاثة أيام، يتضمّن أفلاماً أوكرانية من المنتظر لها أن تصول وتجول في الوضع القائم. المدير العام للمهرجان ألبرتو باربيرا أدلى بدلوه في هذا الوضع عندما قال خلال مؤتمره الصحافي في السادس والعشرين من هذا الشهر أن «الديمقراطية الأوروبية مهددة من قِبل الإمبريالية البوتينية».
لكن المسألة الأوكرانية ليست وحدها التي تنشر ضباباً سياسياً في سماء هذه الدورة الجديدة لأقدم مهرجان سينمائي في العالم، بل كذلك المسألة الإيرانية. في حديثه للصحافة في ذلك اليوم، كرر تأييد مهرجان فينيسيا للمخرجين الإيرانيين المحتجزين قائلاً: «ذنبهم الوحيد هو أنهم يستخدمون حقهم في التعبير»، وهو يقصد من صدر الحكم ضدهم أمثال محمد رسولاف وجعفر باناهي (صدر الحكم على باناهي بالسجن سبع سنوات).

- افتتاح واختتام
مهرجان فينيسيا يريد تجاوز القول إلى الفعل، وفي هذا النطاق سيتم عرض 3 أفلام أوكرانية المحتوى والإنتاج وهي «الحرية على نار: قتال أوكرانيا للحرية» (Freedom on Fire‪:‬ Ukranine‪›‬s Fight for Freedom) لافيني أفينيڤسكي و«محاكمة كييف» (Kiev Trial) لسيرغي لوزنتزا و«لوكسمبورغ، لوكسمبورغ» لأنطونيو لوكيتش.‬‬
وتحظى القضية الإيرانية بثلاثة أفلام أيضاً هي «لا دبب» (No Bears) لجعفر باناهي، و«وراء الجدار» (Beyond the Wall) لوحيد جليلوند و«الحرب العالمية الثالثة (World War III) لحومان سائدي.
هذه الأفلام، وربما غيرها من تلك التي يمكن اعتبارها سياسية بشكل أو بآخر، لن تطغى على خيارات المهرجان الأخرى. الحال أن غالبية الأفلام تبتعد عن السياسة، بتعريفها المحدد، صوب قضايا محض اجتماعية أو صوب أنواع أخرى من الأفلام التي قد تكون واقعية أو لا تكون.
فيلم الافتتاح هو أحد تلك الأعمال. عنوانه «ضجة بيضاء» (White Noise) عن رواية للمؤلف دون دليلو وبطولة غريتا غرويك، دون شيدل وأدام درايفر. الرواية ذاتها مثيرة للاهتمام لأكثر من سبب، هي من قدّمت المؤلف دليلو إلى الجمهور العريض عندما نُشرت سنة 1985 وفازت بجائزة «الكتاب الوطني للرواية». لكن ما تميّزت به هو موضوعها الذي يدور حول زوجين (درايفر وغرويك في الفيلم) على خوف مستمر من الموت. يدركان أنه مقبل لا محالة لكنهما عنيدان في اتخاذ الحيطة لئلاً يقع. ينافشان احتمالاته ويحاولان درئها.
فيلم الختام، بالنسبة للعروض الرسمية الأولى هو «الشمس المعلّقة» (The Hanging Sun) للإيطالي فرانشسكو كاروتزيني. حكاية قاتل محترف يهرب من الذين يوظفونه لارتكاب الجرائم ويلجأ إلى قرية بعيدة ومنعزلة حيث يراجع أفعاله ويلتمس الأمان. البريطاني بيتر مولان في البطولة مع جسيكا براون فندلاي.
ما بين البداية والنهاية هناك 23 فيلماً متسابقاً (بما فيها فيلم الافتتاح) للفوز بجائزة الأسد الذهبي، وتحتوي على أفلام مثل «الحوت» (The Whale) لدارِن أرونوفسكي (الولايات المتحدة) و«بلوند» (Blonde) لأندرو دومينيك (الولايات المتحدة)، «حياة حب» (Love Life) لكوجي توكادا (اليابان) و«أثينا» لرومان غافراس (فرنسا) و«الابن» لفلوريان زَلر (مخرج «الأب» الذي قام أنطوني هوبكنز ببطولته) كما TÁR لتود فيلد (الولايات المتحدة).
ليس من بين الأفلام الأوكرانية ما هو داخل المسابقة الرسمية لكنَّ فيلمَي باناهي وجليلوند الإيرانيين فيها. النصيب الأوكراني موزع في قسمين، ففيلم «لوكسمبورغ، لوكسمبورغ» معروض في مسابقة «آفاق» التي سيفتتحها فيلم إيطالي عنوانه «أميرة» لروبرتو دي باوليس وتضم 18 فيلماً. أما «الحرية على نار» و«محاكمة كييف» فموجودان خارج المسابقة وهما تسجيليان.
في هذا السياق، فإن الأفلام الرسمية خارج المسابقة تنقسم إلى روائي وتضم عشرة أفلام، من بينها فيلم العودة للمخرج الأميركي وولتر هِل وعنوانه «ميت لأجل دولار» (Dead for a Dollar)، وفيلم جديد لبول شرادر (الذي عرض فيلمه الممتاز «عدّاد ورق اللعب» في دورة هذا المهرجان في السنة الماضية) عنوانه «ماستر غاردنر».
القسم الثاني هو للأفلام غير الروائية ويتضمن تسعة أفلام بينها فيلم المخرج الإيطالي جيانفرانكو روزي In Viggiio.
أيضاً خارج المسابقة مسلسلان سينمائيان من الدنمارك. أحدهما بعنوان «كوبنهاغن دنمارك» لنيكولاس وندينغ رفن ومؤلف من ست حلقات والثاني هو «ذا كينغدوم أكزودوس» للارس فون تراير ومؤلف من خمس حلقات.

فيلم العودة لوولتر هِل «ميت لأجل دولار»

- حضور لافت
هناك أسماء عربية قليلة في هذا الجمع الحافل. أفلام هؤلاء هي ليست بالضرورة عربية كون التمويل والإنتاج آتيين من مؤسسات أوروبية.
* الممثل الجزائري الأصل (فرنسي الهوية) رشدي زم يقدم، في المسابقة، فيلمه الجديد «روابطنا» (Our Ties) من بطولته بالاشتراك مع سامي بوعجيلة و(المخرج أساساً) رشيد بوشارب. حكاية التباين بين شقيقين أحدهما ملتزم بوالديه والآخر مبتعد.
* الممثل والمخرج رشيد حامي يقدم فيلمه الجديد «من أجل فرنسا» الذي تقود بطولته لبنى ازابال مع مجموعة من الممثلين العرب والفرنسيين من بينهم كريم لكلو وسليمان دازي وفيفيان سونغ وأوغو Becker. يُعرض الفيلم في عداد الأفلام داخل مسابقة «آفاق».
* في التظاهرة الجديدة «آفاق أكسترا» نجد اسمين لمخرجين عربيين: السورية سؤدد كعدان تقدم فيلماً بعنوان «نزوة» والعراقي أحمد ياسين الدرادجي يعرض فيلمه (الأول) «حدائق معلّقة».
هذا يعني خلو المسابقة وأركان المهرجان من أفلام عربية عضوياً. لا فكرة لدينا إذا ما كانت دول عربية تقدّمت بأفلام منتجة محلياً ورُفضت.
ما يبني عليه المهرجان إعلامياً ليس الأفلام كموضوعات ومسائل مطروحة، بل ما يستطيع جمعه من إنتاجات متوّجة بنجومها. برلين وكان يفعلان ذلك، وفينيسيا أيضاً ولديه هذا العام الكثير من الوجوه المشهورة التي ستتراقص حولها عدسات المصوّرين ويحيط بها الراغبون في المقابلات.
على سبيل المثال، سيتحلق الجميع حول كيت بلانشيت التي تقود بطولة فيلم تود فيلد «تار»، وسيحيطون بالممثلة الشابة آنا دي أرماس، التي تؤدي دور مارلين مونرو في فيلم أندرو دومينيك «بلوند». حتى آدام درايفر وتيمثوي شالامت، وهما ممثلان من درجة ثانية في مفكرة هذا الناقد، لديهما معجبون. الأول بطل «ضجة بيضاء» والثاني يظهر في فيلم لوكا غوادانينو الجديد «بونز والجميع» (Bones and All). كلاهما تسبب في شهرة الآخر عندما التقيا على فيلم غوادانينو السابق «نادني باسمك».
‫سيحضر كذلك وَليم دافو عن فيلم «ميت لأجل دولار» وكايسي أفلك عن «الحلم بجنون» (Dreamin› Wild) وإذا استطاعت سيغورني ويفر التسلل من عملها في فيلم «أفاتار 3»، الذي يتم تصويره الآن في نيوزيلاند، فستأتي بصحبة جووَل إدغرتون لحضور عرض فيلميهما «ماستر غاردنر» لشراردر الذي، لجانب دارِن أرونوفسكي وأليخاندرو غونزالِز إيناريت (الذي سيقدّم فيلمه المنتظر «باردو») من أهم العاملين اليوم في السينما الأميركية على صعيد فني وبنتائج ممتازة غالباً. وولتر هِل، الذي من بين أفلامه «48 ساعة» و«آخر رجل واقف» و«جيرونيمو» هو أكبر المخرجين المشتركين سنّاً (80 سنة). لم يشارك كثيراً في مهرجانات أوروبية، مما قد يعني أن الفيلم أن استضافته تحية له على مشواره المديد.‬‬

آنا دي أرماس كما تظهر في «بلوند»

- فن وبزنس
يعكس كل ما سبق حال مهرجان بات يتقدّم على ما عداه في مستوى الأفلام التي يختارها وفي مجال تنويع عروضه وكثرة أفلامه كما ضيوفه. وما لا يمكن تحاشيه، مقارنة وضعه الآن، وبعد نجاحاته طوال السنوات العشرين الماضية، بوضع مهرجان «كان» الذي هو صاحب «البرستيج» الأعلى ولو أن هناك أسئلة كثيرة عما إذا كانت برمجته هي الأفضل فعلاً كما يعتقد كثيرون.
هناك حقيقة أن المهرجان الفرنسي تضخم إلى حد تحوّل فيه من مهرجان أفلام إلى سيرك سينمائي شامل. ليس هناك أي شعور بعلاقة ذاتية تربط الحاضرين بطواقم إدارته. كل شيء أقرب إلى تسيير أعمال وفرض الكثير من الشروط والمتطلّبات. الاستيقاظ صباحاً لحضور فيلم فعل لا بأس به، لكن ليس من بعد أن تم نقل أحد عروض المسابقة إلى منتصف الليل والخروج في الثانية صباحاً لأقرب سرير.
الحضور الكثيف للمنتجين والموزّعين ومسؤولي المهرجانات يؤمن لقاءات، لكن الشعور بأن كل شيء في أركان السوق (خلف القصر وأمامه وفي قاعتين داخله) هو تجاري محض وإثبات حضور لاستكمال شروط هيمنة.
صحيح أن بعض البطاقات الصحافية تؤمّن لك - نظرياً - الدخول إلى العروض كافة، لكن إذا قرر المهرجان أن أفلاماً يرغب الناقد في مشاهدتها لن تتاح له فإن لا أحد سيستمع إلى شكواك.
على صعيد آخر، أفلام «كان» هي فرنسية. ما يتم عرضه في المسابقة والكثير خارجها إما من تمويل فرنسي كامل أو جزئي. وهناك انتقاد لهذا الوضع لكن إدارة المهرجان لا تعترف مطلقاً بأن التزامها بتشجيع وترويج كل ما هو فرنسي بات واحداً من أكثر سلبيات المهرجان.
بالمقارنة، يتحرر فينيسيا وبرلين من هذه التبعات. أفلامهما هي أكثر انفتاحاً وبلا شروط. كلاهما يعرضان الكثير من الأفلام التي لا علاقة لها بإيطاليا أو بألمانيا وبسياسة التوزع مما يجعل التنوّع ناجحاَ.
فإذا أضفنا حقيقة أن الأفلام التي يفتتح بها المهرجان الإيطالي هي أكثر أهمية من تلك التي يفتتح مهرجان «كان» دوراته، يصبح الجواب على السؤال حول أسباب النجاح الكبير لمهرجان فينيسيا واضحاً.


مقالات ذات صلة

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز