سياسة وشؤون أخرى... جديد {فينيسيا} المقبل

الدورة الـ79 لأقدم مهرجانات العالم يعد بالوفرة والتنوّع

المخرج أليخاندرو غونزاليز إيناريتو خلال تصوير «باردو»
المخرج أليخاندرو غونزاليز إيناريتو خلال تصوير «باردو»
TT

سياسة وشؤون أخرى... جديد {فينيسيا} المقبل

المخرج أليخاندرو غونزاليز إيناريتو خلال تصوير «باردو»
المخرج أليخاندرو غونزاليز إيناريتو خلال تصوير «باردو»

تأتي الدورة التاسعة والسبعين لمهرجان فينيسيا السينمائي التي ستنطلق في الثلاثين من الشهر المقبل، وتستمر إلى الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، في الوقت الذي تعيش فيه أوروبا حالة حرب عالمية ثالثة غير معلنة في أوكرانيا.
ليس فقط أن الأجواء السياسية ستغطي احتفالاً كبيراً ورائداً مثل فينيسيا، بل إن جدول العروض، الذي أُعلن عنه قبل ثلاثة أيام، يتضمّن أفلاماً أوكرانية من المنتظر لها أن تصول وتجول في الوضع القائم. المدير العام للمهرجان ألبرتو باربيرا أدلى بدلوه في هذا الوضع عندما قال خلال مؤتمره الصحافي في السادس والعشرين من هذا الشهر أن «الديمقراطية الأوروبية مهددة من قِبل الإمبريالية البوتينية».
لكن المسألة الأوكرانية ليست وحدها التي تنشر ضباباً سياسياً في سماء هذه الدورة الجديدة لأقدم مهرجان سينمائي في العالم، بل كذلك المسألة الإيرانية. في حديثه للصحافة في ذلك اليوم، كرر تأييد مهرجان فينيسيا للمخرجين الإيرانيين المحتجزين قائلاً: «ذنبهم الوحيد هو أنهم يستخدمون حقهم في التعبير»، وهو يقصد من صدر الحكم ضدهم أمثال محمد رسولاف وجعفر باناهي (صدر الحكم على باناهي بالسجن سبع سنوات).

- افتتاح واختتام
مهرجان فينيسيا يريد تجاوز القول إلى الفعل، وفي هذا النطاق سيتم عرض 3 أفلام أوكرانية المحتوى والإنتاج وهي «الحرية على نار: قتال أوكرانيا للحرية» (Freedom on Fire‪:‬ Ukranine‪›‬s Fight for Freedom) لافيني أفينيڤسكي و«محاكمة كييف» (Kiev Trial) لسيرغي لوزنتزا و«لوكسمبورغ، لوكسمبورغ» لأنطونيو لوكيتش.‬‬
وتحظى القضية الإيرانية بثلاثة أفلام أيضاً هي «لا دبب» (No Bears) لجعفر باناهي، و«وراء الجدار» (Beyond the Wall) لوحيد جليلوند و«الحرب العالمية الثالثة (World War III) لحومان سائدي.
هذه الأفلام، وربما غيرها من تلك التي يمكن اعتبارها سياسية بشكل أو بآخر، لن تطغى على خيارات المهرجان الأخرى. الحال أن غالبية الأفلام تبتعد عن السياسة، بتعريفها المحدد، صوب قضايا محض اجتماعية أو صوب أنواع أخرى من الأفلام التي قد تكون واقعية أو لا تكون.
فيلم الافتتاح هو أحد تلك الأعمال. عنوانه «ضجة بيضاء» (White Noise) عن رواية للمؤلف دون دليلو وبطولة غريتا غرويك، دون شيدل وأدام درايفر. الرواية ذاتها مثيرة للاهتمام لأكثر من سبب، هي من قدّمت المؤلف دليلو إلى الجمهور العريض عندما نُشرت سنة 1985 وفازت بجائزة «الكتاب الوطني للرواية». لكن ما تميّزت به هو موضوعها الذي يدور حول زوجين (درايفر وغرويك في الفيلم) على خوف مستمر من الموت. يدركان أنه مقبل لا محالة لكنهما عنيدان في اتخاذ الحيطة لئلاً يقع. ينافشان احتمالاته ويحاولان درئها.
فيلم الختام، بالنسبة للعروض الرسمية الأولى هو «الشمس المعلّقة» (The Hanging Sun) للإيطالي فرانشسكو كاروتزيني. حكاية قاتل محترف يهرب من الذين يوظفونه لارتكاب الجرائم ويلجأ إلى قرية بعيدة ومنعزلة حيث يراجع أفعاله ويلتمس الأمان. البريطاني بيتر مولان في البطولة مع جسيكا براون فندلاي.
ما بين البداية والنهاية هناك 23 فيلماً متسابقاً (بما فيها فيلم الافتتاح) للفوز بجائزة الأسد الذهبي، وتحتوي على أفلام مثل «الحوت» (The Whale) لدارِن أرونوفسكي (الولايات المتحدة) و«بلوند» (Blonde) لأندرو دومينيك (الولايات المتحدة)، «حياة حب» (Love Life) لكوجي توكادا (اليابان) و«أثينا» لرومان غافراس (فرنسا) و«الابن» لفلوريان زَلر (مخرج «الأب» الذي قام أنطوني هوبكنز ببطولته) كما TÁR لتود فيلد (الولايات المتحدة).
ليس من بين الأفلام الأوكرانية ما هو داخل المسابقة الرسمية لكنَّ فيلمَي باناهي وجليلوند الإيرانيين فيها. النصيب الأوكراني موزع في قسمين، ففيلم «لوكسمبورغ، لوكسمبورغ» معروض في مسابقة «آفاق» التي سيفتتحها فيلم إيطالي عنوانه «أميرة» لروبرتو دي باوليس وتضم 18 فيلماً. أما «الحرية على نار» و«محاكمة كييف» فموجودان خارج المسابقة وهما تسجيليان.
في هذا السياق، فإن الأفلام الرسمية خارج المسابقة تنقسم إلى روائي وتضم عشرة أفلام، من بينها فيلم العودة للمخرج الأميركي وولتر هِل وعنوانه «ميت لأجل دولار» (Dead for a Dollar)، وفيلم جديد لبول شرادر (الذي عرض فيلمه الممتاز «عدّاد ورق اللعب» في دورة هذا المهرجان في السنة الماضية) عنوانه «ماستر غاردنر».
القسم الثاني هو للأفلام غير الروائية ويتضمن تسعة أفلام بينها فيلم المخرج الإيطالي جيانفرانكو روزي In Viggiio.
أيضاً خارج المسابقة مسلسلان سينمائيان من الدنمارك. أحدهما بعنوان «كوبنهاغن دنمارك» لنيكولاس وندينغ رفن ومؤلف من ست حلقات والثاني هو «ذا كينغدوم أكزودوس» للارس فون تراير ومؤلف من خمس حلقات.

فيلم العودة لوولتر هِل «ميت لأجل دولار»

- حضور لافت
هناك أسماء عربية قليلة في هذا الجمع الحافل. أفلام هؤلاء هي ليست بالضرورة عربية كون التمويل والإنتاج آتيين من مؤسسات أوروبية.
* الممثل الجزائري الأصل (فرنسي الهوية) رشدي زم يقدم، في المسابقة، فيلمه الجديد «روابطنا» (Our Ties) من بطولته بالاشتراك مع سامي بوعجيلة و(المخرج أساساً) رشيد بوشارب. حكاية التباين بين شقيقين أحدهما ملتزم بوالديه والآخر مبتعد.
* الممثل والمخرج رشيد حامي يقدم فيلمه الجديد «من أجل فرنسا» الذي تقود بطولته لبنى ازابال مع مجموعة من الممثلين العرب والفرنسيين من بينهم كريم لكلو وسليمان دازي وفيفيان سونغ وأوغو Becker. يُعرض الفيلم في عداد الأفلام داخل مسابقة «آفاق».
* في التظاهرة الجديدة «آفاق أكسترا» نجد اسمين لمخرجين عربيين: السورية سؤدد كعدان تقدم فيلماً بعنوان «نزوة» والعراقي أحمد ياسين الدرادجي يعرض فيلمه (الأول) «حدائق معلّقة».
هذا يعني خلو المسابقة وأركان المهرجان من أفلام عربية عضوياً. لا فكرة لدينا إذا ما كانت دول عربية تقدّمت بأفلام منتجة محلياً ورُفضت.
ما يبني عليه المهرجان إعلامياً ليس الأفلام كموضوعات ومسائل مطروحة، بل ما يستطيع جمعه من إنتاجات متوّجة بنجومها. برلين وكان يفعلان ذلك، وفينيسيا أيضاً ولديه هذا العام الكثير من الوجوه المشهورة التي ستتراقص حولها عدسات المصوّرين ويحيط بها الراغبون في المقابلات.
على سبيل المثال، سيتحلق الجميع حول كيت بلانشيت التي تقود بطولة فيلم تود فيلد «تار»، وسيحيطون بالممثلة الشابة آنا دي أرماس، التي تؤدي دور مارلين مونرو في فيلم أندرو دومينيك «بلوند». حتى آدام درايفر وتيمثوي شالامت، وهما ممثلان من درجة ثانية في مفكرة هذا الناقد، لديهما معجبون. الأول بطل «ضجة بيضاء» والثاني يظهر في فيلم لوكا غوادانينو الجديد «بونز والجميع» (Bones and All). كلاهما تسبب في شهرة الآخر عندما التقيا على فيلم غوادانينو السابق «نادني باسمك».
‫سيحضر كذلك وَليم دافو عن فيلم «ميت لأجل دولار» وكايسي أفلك عن «الحلم بجنون» (Dreamin› Wild) وإذا استطاعت سيغورني ويفر التسلل من عملها في فيلم «أفاتار 3»، الذي يتم تصويره الآن في نيوزيلاند، فستأتي بصحبة جووَل إدغرتون لحضور عرض فيلميهما «ماستر غاردنر» لشراردر الذي، لجانب دارِن أرونوفسكي وأليخاندرو غونزالِز إيناريت (الذي سيقدّم فيلمه المنتظر «باردو») من أهم العاملين اليوم في السينما الأميركية على صعيد فني وبنتائج ممتازة غالباً. وولتر هِل، الذي من بين أفلامه «48 ساعة» و«آخر رجل واقف» و«جيرونيمو» هو أكبر المخرجين المشتركين سنّاً (80 سنة). لم يشارك كثيراً في مهرجانات أوروبية، مما قد يعني أن الفيلم أن استضافته تحية له على مشواره المديد.‬‬

آنا دي أرماس كما تظهر في «بلوند»

- فن وبزنس
يعكس كل ما سبق حال مهرجان بات يتقدّم على ما عداه في مستوى الأفلام التي يختارها وفي مجال تنويع عروضه وكثرة أفلامه كما ضيوفه. وما لا يمكن تحاشيه، مقارنة وضعه الآن، وبعد نجاحاته طوال السنوات العشرين الماضية، بوضع مهرجان «كان» الذي هو صاحب «البرستيج» الأعلى ولو أن هناك أسئلة كثيرة عما إذا كانت برمجته هي الأفضل فعلاً كما يعتقد كثيرون.
هناك حقيقة أن المهرجان الفرنسي تضخم إلى حد تحوّل فيه من مهرجان أفلام إلى سيرك سينمائي شامل. ليس هناك أي شعور بعلاقة ذاتية تربط الحاضرين بطواقم إدارته. كل شيء أقرب إلى تسيير أعمال وفرض الكثير من الشروط والمتطلّبات. الاستيقاظ صباحاً لحضور فيلم فعل لا بأس به، لكن ليس من بعد أن تم نقل أحد عروض المسابقة إلى منتصف الليل والخروج في الثانية صباحاً لأقرب سرير.
الحضور الكثيف للمنتجين والموزّعين ومسؤولي المهرجانات يؤمن لقاءات، لكن الشعور بأن كل شيء في أركان السوق (خلف القصر وأمامه وفي قاعتين داخله) هو تجاري محض وإثبات حضور لاستكمال شروط هيمنة.
صحيح أن بعض البطاقات الصحافية تؤمّن لك - نظرياً - الدخول إلى العروض كافة، لكن إذا قرر المهرجان أن أفلاماً يرغب الناقد في مشاهدتها لن تتاح له فإن لا أحد سيستمع إلى شكواك.
على صعيد آخر، أفلام «كان» هي فرنسية. ما يتم عرضه في المسابقة والكثير خارجها إما من تمويل فرنسي كامل أو جزئي. وهناك انتقاد لهذا الوضع لكن إدارة المهرجان لا تعترف مطلقاً بأن التزامها بتشجيع وترويج كل ما هو فرنسي بات واحداً من أكثر سلبيات المهرجان.
بالمقارنة، يتحرر فينيسيا وبرلين من هذه التبعات. أفلامهما هي أكثر انفتاحاً وبلا شروط. كلاهما يعرضان الكثير من الأفلام التي لا علاقة لها بإيطاليا أو بألمانيا وبسياسة التوزع مما يجعل التنوّع ناجحاَ.
فإذا أضفنا حقيقة أن الأفلام التي يفتتح بها المهرجان الإيطالي هي أكثر أهمية من تلك التي يفتتح مهرجان «كان» دوراته، يصبح الجواب على السؤال حول أسباب النجاح الكبير لمهرجان فينيسيا واضحاً.


مقالات ذات صلة

انطفاء الكاريزما الباريتونية... الموت يغيب البريطاني الأنيق أنتوني هيد

يوميات الشرق الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)

انطفاء الكاريزما الباريتونية... الموت يغيب البريطاني الأنيق أنتوني هيد

غيّب الموت الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد عن عمر ناهز 72 عاماً، لتفقد الساحة الفنية اللندنية والعالمية واحداً من أكثر وجوهها جاذبية وكاريزما.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق تضمَّن الفيلم عدداً من مَشاهد الأكشن (الشركة المُنتجة)

دانكن كاب: قذفنا سيارات في الهواء بطريقة مُبتَكرة داخل «سفن دوجز»

ما تحقَّق داخل «سفن دوجز» مثَّل خطوةً مختلفةً في طريقة تنفيذ أفلام الحركة داخل المنطقة العربية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق فهد المطيري في دور المدير شاهين في فيلم «فخر السويدي» (الشركة المنتجة)

بعد شبّاك التذاكر... المنصات الرقمية تمنح الأفلام السعودية «حياة ثانية»

تمنح صالات السينما الفيلم انطلاقته الأولى، فيما تفتح المنصات الرقمية باباً جديداً لقياس مدى استمراره وانتشاره... وخلال الأيام الماضية، فرضت الأعمال السعودية…

إيمان الخطاف (الدمام)
سينما «الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)

لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» (Star Wars: The Mandalorian and Grogu) في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: خيال علمي وتشويق و«وسترن»

شاشة الناقد: خيال علمي وتشويق و«وسترن»

منذ شراء شركة «ديزني ستوديوز» حقوق صنع سلسلة «ستار وورز» سنة 2017، ارتفعت الرغبة في التواصل مع الجمهور السائد من زاوية الترفيه وحدها.

محمد رُضا (لندن)

لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
TT

لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» (Star Wars: The Mandalorian and Grogu) في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً. أما الاستقبال النقدي فتوزّع على 3 فئات شبه متعادلة: معجبة، ومعجبة بحدود، وغير معجبة على الإطلاق (نقدنا في زاوية «شاشة الناقد» أدناه).

رغبة معاكسة

بصرف النظر عن مستوى الفيلم، يستدعي العمل، الذي أنجزه جون فافرو (من أفلامه Avengers: Endgame وIron Man)، نظرة قريبة إلى هذا المسلسل الذي انطلق للمرة الأولى على هيئة حلم صغير عند مخرجه جورج لوكاس. رفضت هوليوود تمويله إلى أن وافقت شركة «توينتيث سنتشري فوكس» على صرف 11 مليون دولار عليه. وكان الناتج مذهلاً، إذ سجَّل خلال أسابيع قليلة من صيف 1977 نحو 775 مليون دولار، أي ما يتجاوز 8 مليارات دولار بسعر الصرف اليوم، وحين كانت التذكرة لا تزيد على 5 دولارات في صالات العرض الأول.

كاري فيشر في أحد أشهر أدوارها السينمائية (توينتيث سنتشري فوكس)

ذلك الفيلم الأول من المسلسل لم يكن بداية عهد من الأفلام المتتالية التي استفادت من إقبال الجمهور عليها فحسب، وإنما أيضاً معالجة فكرية ترتدي ملابس الترفيه وتقدّم بين أحداثها المشوّقة نتفاً من المجازات الميتافيزيقية والميثولوجية. يتبدّى ذلك في الأفلام الثلاثة الأولى من بين الأفلام العشرة التي أُنجزت منذ ذلك التاريخ (وهي الأساسية، كون الإنتاج تمدَّد ليشمل شرائط فيديو وأفلاماً تلفزيونية ورسوماً). بعد ذلك، تداولت الأفلام اللاحقة المغامرة وبعض الإيحاءات الدرامية، مثل اللعب على علاقة الأب بالابن التي عكست علاقة المخرج بالسينما، كون لوكاس ابتعد عن وصية ورغبة والده (جورج واتسون لوكاس) ليشقَّ طريقه بنفسه.

لا بدَّ أنّ الضغط الذي واجهه برفضه الاقتداء برغبة والده قد ولّد فيه الحاجة إلى التعبير عنها. لم يعبّر عنها في أفلامه التي سبقت «ستار وورز» الأول، لا القصيرة منها (9 أفلام ما بين 1965 و1968)، ولا فيلميه الطويلين THX 1138 سنة 1971 و«أميركان غرافيتي» (1973).

جورج لوكاس... مهندس المجرة السينمائية التي انطلقت عام 1977 (ديزني ستوديوز)

تعدُّد أفكار

أخرج لوكاس أول هذه الأفلام («ستار وورز» الذي تغيَّر لاحقاً عنوانه إلى Star Wars: A New Hope تبعاً لتسلسل روائي لاحق). ثم اكتفى بإنتاج الفيلمين التاليين «الإمبراطورية تضرب مجدداً» (The Empire Strikes Back) لإرفين كيرشنر (1980) و«عودة الجيداي» (Return of the Jedi) لريتشارد ماركواند (1983).

غابت السلسلة سنة 1983 وعادت سنة 1999 بـ3 أفلام تسبق حكاياتها الثلاثية الأولى، ممّا جعلها تحمل الأرقام 4 و5 و6 عوضاً عن 1 و2 و3. ومنذ عام 2015، أُطلق عهد جديد من هذه الأفلام أقل قيمة فنية وفكرية من تلك الأولى.

في الأفلام الثلاثة الأولى المذكورة، منحى واضح لتجسيد بعض الشخصيات على نحو متّصل بالتاريخ هنا وبالواقع هناك. جيداي يمثل فيلسوفاً يونانياً تشبه تعاليمه تلك التي لدى أرسطو. والصراع بين الابن المتمرّد ضدّ الإمبراطور دارث فيدر يماثل تمرّد لوكاس الابن ضدّ أبيه، لكنه في الوقت عينه على علاقة بنظرية فرويد التي تقول إنّ الابن يميل إلى الأم أكثر من الأب، والابنة تميل إلى الأب أكثر من الأم. كذلك الحروب ذاتها تحمل سمات صراع الشعوب ضدّ مستبديها، ولو أنّ لوكاس هنا لا يحدّد ما بعد تلك الإشارة.

في «الإمبراطورية تضرب مجدداً» محاكاة للأجواء السياسية المعادية للعرب في ذلك الحين، ترتدي شكلاً عنصرياً واضحاً.

أبعد من ذلك، هناك حضور ديني قوي في الأفلام الأولى من السلسلة. هناك إيعاز بتجسيد الفيلم للمعنى الديني في الصراع بين الخير (مؤمنون) والشر (ملحدون). بل إنّ الأميرة ليا قُصد بها أن تكون رمزاً للسيدة مريم. وهذه بعض الأبعاد التي تتراءى في حال مشاهدة هذه الأفلام اليوم كما في الأمس.

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً

استيحاءات

الفيلم الأول من السلسلة وما تلاه من أجزاء ليست الأولى في السينما لناحية تقديم مغامرات فضائية. الصورة الكليّة لذلك العالم البعيد مثل مسافة، والقريب مثل أجواء سياسية أو اجتماعية حاضرة، نجدها في سلسلة أفلام «فلاش غوردون» في الثلاثينات والأربعينات، حيث الصراع بين عالم متمدّن وآخر معاد.

في الواقع، خطَّط لوكاس في الأساس لإعادة إخراج فيلم «فلاش غوردون» الذي حقّقه فريدريك ستيفاني سنة 1936 قبل أن يُنجز «ستار وورز».

إلى جانب «فلاش غوردون»، هناك استيحاء من حكاية «الباحثون» (The Searchers) لجون فورد (1956)، ومن فيلم أكيرا كوروساوا «القلعة المخفية» (The Hidden Fortress) سنة 1958. هذا الفيلم الياباني هو الأقرب بوصفه حكاية، إذ يدور حول رجلين يسعيان إلى مساعدة أميرة على استعادة عرشها... كما الحال في «ستار وورز».

الأفلام السبعة اللاحقة (آخرها «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو»، 2026) اعتنت بتطوير العمود الفقري للحكاية على نحو أفقي ينهل من الفرص المتاحة للالتزام بالمغامرات والصراعات أكثر من منحها معانيَ ورموزاً. والهم كذلك كان تطوير المؤثرات البصرية وكل ما له علاقة بالخدع البصرية وفنون التحريك، لإبقاء حوافز المُشاهدة والحفاظ على هواة السلسلة أعلى في كل جزء جديد من سابقه.


شاشة الناقد: خيال علمي وتشويق و«وسترن»

«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)
«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)
TT

شاشة الناقد: خيال علمي وتشويق و«وسترن»

«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)
«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)

STAR WARS‪:‬ ★★

THE MANDALORIAN

AND GROGU

إخراج: ‪جون فافريو‬

الولايات المتحدة | خيال علمي

الجزء العاشر من السلسلة

منذ شراء شركة «ديزني ستوديوز» حقوق صنع سلسلة «ستار وورز» سنة 2017، ارتفعت الرغبة في التواصل مع الجمهور السائد من زاوية الترفيه وحدها. طبعاً لا تزال بعض الأفلام الأخيرة، مثل «The Last Jedi» لريان جونسون (2017) و«Rogue One: A Star Wars Story» لغاريث إدواردز خصوصاً، تؤمّن بعض الأفكار الجديدة المنفّذة جيداً.

«ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» ليس من بينها. نعم، يوفر شخصية محارب جديد (الماندالوري أو ماندو في الفيلم) الذي يهب حياته لمعاقبة الأشرار. الحكاية تطول منتقّلة من مهمّة جديدة مسندة إليه (إنقاذ ابن المخلوق جابا الذي اختُطِف إلى كوكب شكاري تمهيداً لاحتلال مملكة أبيه ومنعه من الوراثة).

إذ تنطلق الحكاية على هذا النحو، تتعرّض لمغامرات ماندو المتواصلة مع مخلوق صغير اسمه غروغو، موجود لتسلية الصغار بكلّ السذاجة الممكنة. في الواقع، أمكن غروغو أن يكون كلباً أو قرد شمبانزي، فكلاهما يعجب الأولاد من الجنسين. شخصية ماندو بدورها كان يمكن لها أن تأتي في فيلم مستقلّ تماماً عن السلسلة الشهيرة. كما هي الآن، هي «تفليم» لمسلسل تلفزيوني نال نجاحاً كبيراً. خطوة آمنة أخرى بالنسبة إلى «ديزني» لاستثمار لا «حرب النجوم» وحدها، بل المسلسل التلفزيوني أيضاً.

كل ما سبق كان يمكن تقبّله لو أنّ جديداً فعلياً طرأ على القصة أو شخصياتها بمناسبة نقلها إلى الشاشة الكبيرة على الأقل. الأحداث متتابعة لكنها مُعالجة على هيئة حلقات منفصلة تبعاً لخيال، وليس على شكل إبداع وخَلْق. هو فيلم بلا روح، مليء بمعارك مصنوعة بواسطة الرسوم الحاسوبية شوهدت مراراً قبل ذلك، وباتت مثل مطاردات أفلام الوسترن القديمة حيث البطولة للحصان (على الأقل كان مخلوقاً حيّاً) في مطاردات لا تنتهي. التمثيل، وفق التقليد المتَّبع في أفلام ملؤها المؤثرات والموسيقى (للودفيغ غورانسون)، جيد في حال سماعها للمرة الأولى والثانية، قبل أن تُسبِّب الضجر لتكرارها.

THE HOUSEMAID★★

إخراج: ‫بول فيغ‬

الولايات المتحدة | دراما تشويقية

ثرية تستقبل عاملة منزل وتندم

«تستطيعين مناداتي نينا»، تقول الزوجة (أماندا سيفريد) للشابة ميلي (سيدني سويني) في الثواني الأولى من لقائهما. الأولى ربّة بيت كبير لزوجها الثري أندرو (براندون سكلينار)، والثانية وصلت للتو لتشغل وظيفة الإشراف على شؤون المنزل.

«عاملة المنزل» (ليونزغيت)

إذ تبدأ ميلي عملها سعيدة بالاستقبال الجيد والودود، يضع المخرج، الذي اقتبس فيلمه عن رواية ناجحة لفريدا ماكفادن، الخطّة للانتقال من التأسيس إلى الحبكة المراد بها أن تكون درامية نفسية. نينا ستندم على قبول ميلي بعدما لاحظت تقارباً بين زوجها والعاملة المنزلية، تمهيداً لنهاية تأتي بلا مفاجآت.

الواقع أنّ الفيلم بكامله يخلو من مفاجأة فعلية. المفارقات تتابع كما يتوقّعها المُشاهد. المخرج بول فيغ اعتمد خطاً قصصياً من دون إضافة ظلال مناسبة. بذلك يمضي الفيلم، بعد نحو ساعة من التمهيد وربع ساعة من الاسترجاع، صوب تطوّرات لا يشعر المشاهد حيالها بأي اهتمام، إلا إذا كان مدمناً على أفلام تفتقر إلى الحد الأدنى من الغموض والتشويق.

RUST★★★

إخراج: ‫جوِل سوزا

الولايات المتحدة (2025) | وسترن

الحكاية التي تشبه ما حدث وراء الكاميرا

‫ثمة تشابه مؤسف بين الحكاية التي يسردها الفيلم وما حدث في الواقع. هذا هو الفيلم الذي أطلق فيه الممثل أليك بالدوين النار على مديرة التصوير هالينا هاتشينز معتقداً أنّ المسدس يحتوي على رصاص فارغ. في الفيلم (كما كُتبت حكايته قبل الحادثة) صبي يقتل رجلاً بالخطأ أيضاً. في «رست» (اسم الشخصية التي يؤدّيها بالدوين) رغبة محقّة في توفير فيلم «وسترن» بجماليات المكان الطبيعي والعام. مشاهده مؤطرة بدراية، ولقطاته موحية وجميلة، ولو أنّ ألوانها تنتمي إلى نسق داكن واحد نصف ناجح.‬

أليك بولدوين وباتريك سكوت في «رست» (120DB فيلمز)

‫اهتمام المخرج بتوفير جماليات كلّ لقطة وكيفية تأطيرها لا غبار عليه، سوى أنّ الحكاية تبقى بعيدة عن الاستفادة من هذا المنوال. هناك ثلاثة خطوط قصصية، أحدها عن رست وحفيده، والآخران عن مطارديه وخلفياتهم. تتابع هذه الخطوط بسهولة، لكن المخرج ومونتيره (ديفيد أندالمان) لا يملكان القدرة على تلاحمها على نحو يبعث على التشويق، بل حتى على الاهتمام أيضاً.‬

‫بعد عروض قصيرة وفاشلة في صالات السينما، يمكن الآن مشاهدته عبر المنصات، ولو على حساب الجماليات التي توفرها الشاشة الكبيرة في نطاق سينما الغرب الأميركي.‬

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
TT

ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)

في الـ11 من الشهر المقبل، يُطلق المخرج والمنتج ستيفن سبيلبرغ فيلمه الجديد «يوم الكشف» (Disclosure Day)، وهو الفيلم السينمائي الـ40 له، بكونه أنجز 13 فيلماً تلفزيونياً قبل دخوله عالم السينما، ولاحقاً أنجز فيلمَي فيديو وفيلمَيْن قصيرين ما بين 1999 و2022.

في الواقع، فإنَّ فيلمه الأول الذي عُرض في صالات السينما، وهو «مبارزة» (Duel) سنة 1971، كان تلفزيوني الإنتاج داخل الولايات المتحدة، لكنه انتُخب للعروض السينمائية عالمياً خارجها، مثل حال عدد كبير من الأفلام المُشابهة في وضعيّتها آنذاك. و«مبارزة» كان فيلم طريق مع تشويق حاسم حول رجل أعمال بسيط تطارده شاحنة على طريق جبلي في ولاية أريزونا بهدف قتله. ذلك الفيلم، بالتالي، كان تشويقياً، رغم أنّ الحكاية كان يمكن لها أن تضع المطاردة بين عربة فضائية وأخرى أرضية.

سبيلبرغ يعود إلى ثيمته المفضلة: غزو الأرض (يونيفرسال)

عشرة

«يوم الكشف» (أو «يوم الإفصاح») هو خيال علمي عن موضوع غزو الفضاء للأرض. وبذلك، فهو الفيلم العاشر من هذا النوع من توقيع المخرج. هذا بالطبع إلى جانب عدد آخر من الأفلام التي اكتفى بإنتاجها واختار من يخرجها سواه.

الأفلام الـ9 السابقة هي التي بدأت بفيلم «لقاءات قريبة من النوع الثالث» (Close Encounters of the Third Kind) سنة 1977. هذا مع العلم أن سبيلبرغ أخرج فيلم هواة من هذا النوع، وفَّر تكلفته من مصروف الجيب سنة 1964، عندما كان في الـ18 من عمره، لكنه لا يُعدُّ فيلماً حقيقياً.

كان «لقاءات قريبة...» ثالث فيلم سينمائي فعليّ له بعد «ذا شوغرلاند إكسبرس» في 1974 و«جوز» (Jaws). وكلاهما كان من النوع التشويقي، وأفضلهما «جوز»، الذي حطم أرقاماً قياسية في صيف عام 1975. أما الأول فكان حكاية كوميدية مع تشويق حول خطف زوجين ابنهما من منزل عائلة عُهد إليها برعايته، وشرطي أجلساه في المقعد الخلفي من السيارة. لكن «جوز» هو تعامل سبيلبرغ الأول مع فن التشويق.

والتشويق سمة «لقاءات قريبة...» الذي تعامل مع غزاة من ذلك الطابق العلوي للفضاء.

كرَّر ذلك عام 1982 عندما أخرج «خارج الأرض» (E.T. the Extra-Terrestrial)، بعد فيلم كوميدي فشل تجارياً هو «1941»، وآخر مغامراتي حقق نجاحاً كبيراً هو «غزاة الفلك المفقودة» (Raiders of the Lost Ark) في 1981.

من «إي تي- خارج الأرض» (يونيفرسال)

مخلوقات متوحّشة

هذان الفيلمان هما الوحيدان، في سلسلة سبيلبرغ من أفلام الخيال العلمي، اللذان عكس فيهما نظرة تعاطفية مع مخلوقات الفضاء. ففي الأول دعا إلى التفاهم معها، وفي الثاني حوَّل الفكرة إلى ملهاة سريعة الإيقاع حول مخلوق فضائي عادت سفينة الفضاء إلى كوكبها من دونه.

وقبل العودة إلى قصص الفضاء، عمد إلى نوع آخر من أفلام الخيال العلمي، هي أفلام وحوش ما قبل العصور المدنية. ففي 1993 أنجز «جوراسيك بارك»، وتبعاً لنجاحه حقَّق، بعد 4 سنوات، جزءاً ثانياً في 1997. وللإيضاح، يرى المؤرخون وهواة التصنيف أنّ أفلام الوحوش هي نوع من الخيال العلمي، لكنه في الواقع ليس كذلك، وإن كان بعض العلم مُستَخدماً فيه.

النقلة الفعلية لسينما الخيال العلمي، التي حملت في طياتها عودة مكمّلة لفيلميه السابقين «لقاءات قريبة» و«إي تي»، وردت سنة 2001 عبر «ذكاء اصطناعي» (A.I. Artificial Intelligence)، حكاية الصبي غير البشري ديفيد (هايلي جويل أوزمنت) والعائلة التي احتضنته لمدّة لأنّ ابنها الفعلي يرقد في المستشفى. والفارق بين ديفيد وأي منتج اصطناعي آخر أنه مزوَّد بإمكانية الحبّ. وعندما يعود ابن العائلة من المستشفى سليماً، تكتشف العائلة أنها لن تستطيع احتواء الولدين، فتقرّر التخلّي عن ديفيد، الذي سيعاني طوال حياته من حبه للأم التي رعته حيناً (فرانسيس أوكونور).

مشكلة الفيلم الأكبر هي أنه عاطفي إلى حد يكاد يوازي التباكي، لكن فكرته رائعة، وتنفيذ سبيلبرغ له يضع الفيلم في مصاف الأعمال المهمّة في سينما النوع.

«يوم الكشف» هو الفيلم العاشر من هذا النوع للمخرج وسوف يُطلق في الـ11 من الشهر المقبل

بعد ذلك، في 2002، نجد سبيلبرغ في نطاق أفضل شأناً مع «تقرير أقلية» (Minority Report)، حول مستقبل يجد فيه المرء نفسه مُداراً ومحاطاً بتكنولوجيا لا قدرة له على تفاديها، خصوصاً إذا ما كان أحدهم في مركز القيادة يريد الإجهاز عليه.

عاد سبيلبرغ إلى النوع في عام 2005 في «حرب العوالم» (War of the Worlds)، وهو عن غزو من مخلوقات وحشية، من بطولة توم كروز، الذي لعب كذلك بطولة «تقرير أقلية». وكلا الفيلمين ناجح على معظم الأصعدة، كونهما عملين تشويقيين ينتميان فعلياً إلى نوع الخيال العلمي، علماً بأن «حرب العوالم» هو إعادة صنع لفيلم حقّقه بايرون هاسكن عام 1953.

الفيلم التاسع هو ذلك الذي أنجزه سبيلبرغ بعنوان «ريدي بلاير وان» (Ready Player One)، الذي تقع أحداثه في المستقبل (2045)، والمأخوذ عن لعبة فيديو مقتبسة بدورها من رواية. ولم يستقبله النقّاد جيداً، وواقعياً كان فيلماً لا يحمل السبب الكافي ليُنجزه سبيلبرغ.