سرد روائي تاريخي للحملة المصرية ـ العثمانية على نجد والحجاز

سرد روائي تاريخي للحملة المصرية ـ العثمانية على نجد والحجاز

إسماعيل السلامات يوثق حملة طوسون باشا قبل أكثر من قرنين
الخميس - 28 ذو الحجة 1443 هـ - 28 يوليو 2022 مـ رقم العدد [ 15948]

يتناول الباحث الدكتور إسماعيل السلامات في كتابه الجديد حملة القائد العسكري التركي، أحمد طوسون باشا، المعروف بـ«طوسون باشا» (ثاني أبناء والي مصر محمد علي باشا) على بلاد الجزيرة العربية وتحديداً نجد والحجاز عام 1811م، وهي الحملة لم تتناولها سوى قلة من الأبحاث العلمية، على الرغم من أنها تُعّد حدثاً مهماً في التاريخ السياسي والحربي للدولة السعودية الأولى وسط الجزيرة العربية، التي تصدت للحملات العسكرية الخارجية عليها، وأبرزت الوجه المشرق والمشرّف لنضال حكامها في مقاومتهم لهذه الحملة الغاشمة على بلادهم، ودحر فلول جيشها.
وما يميز بحث الدكتور السلامات «حملة طوسون باشا على السعوديين»، أنه قدمه للقارئ من خلال منهج السرد الروائي التاريخي، بعيداً عن الخيال والعواطف والإنشائية، حيث أحاط الباحث بمجريات هذه الحملة العسكرية المصرية - العثمانية على الدولة السعودية بكل تفاصيلها وأحداثها ونتائجها، بدءاً بتناول دوافعها السياسية والدينية والعسكرية، واصفاً مراسم انطلاقتها من مصر إلى ينبع، مروراً بتدوين جميع حوادثها الحربية والسياسية والاجتماعية في الحجاز ونجد، وصولاً إلى نهايتها، بإصابة قائدها أحمد طوسون باشا في معركة وادي الصفراء وانهزامه أمام قوات الجيش السعودي، وعودته من ثمّ إلى مصر، لتكون وفاته هناك خاتمة تاريخية طبيعية لتلك الحملة.
ويبيّن الباحث السلامات من خلال استعراض الأحداث، أن قيام الدولة السعودية الأولى نشأ وسط معارضة سياسية داخلية ومعارضة خارجية، أدت إلى نشوب معارك وصراعات داخلية، إلا أنها في الوقت نفسه أبرزت قوة الدولة السعودية التي انتصرت على كل الخصوم في الداخل، وخارج الجزيرة العربية، وقد تمثل ذلك بهجمات الجيش السعودي على العراق وبلاد الشام. يقول الباحث بهذا الشأن «لقد حدث تضامن بين أعداء الدولة في الخارج، وخاصة في العراق، وبين بعض أعدائها في الداخل، وقد تجلّى ذلك بوضوح من خلال متابعة مسيرة الحملات القادمة من العراق والموجهة من قِبل الدولة العثمانية والمتمثلة في حملتي: الثويني السعدون وعلي كيخيا».
واعتبر مؤلف الكتاب، أن هذه الحملات أظهرت الولاء الذي حظي به الجيش السعودي من خلال الجموع التي انضمت إليه في مقاومة جيش الثويني عام 1211هـ، وهذا يوضح، كما يقول الباحث «الصورة المشرّفة للموقف الشعبي المناصر للدولة السعودية الأولى، ووقوفه معها ضد الحملات الداخلية والخارجية، وإن حدث من أحدهم أن اغتر بهذه الحملات فسرعان ما يعلن رجوعه ويطلب الانضمام إلى الدولة السعودية، ثم يصبح من قادتها كما فعل براك بن عبد المحسن حاكم الأحساء».
وتناول الباحث الوضع في بلاد الشام، حيث كانت الدولة السعودية في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد تتسلم زكوات من بعض بادية الشام، وهذا يعني وجود ولاء للحكم السعودي هناك. ثم توجهت حملات سعودية عدة إلى بلاد الشام، ولم تستطع ولاية الشام قمعها أو حتى الرد عليها، وقد كانت هذه رغبة الدولة العثمانية، لكن الأحداث أثبتت عجز ولاية الشام عن هذه المهمة، وقد تم تكليف طوسون باشا ابن محمد علي باشا بهذه المهمة، وهي قيادة الحملة المتجهة إلى الحجاز للقضاء على السعودية الأولى. وقد تبين بعد ذلك، كما يذكر الباحث، أن طوسون باشا قد استخدم أسلوب الإغراءات المالية لكسب قلوب الأهالي والقبائل وضمانهم في صفه، مستغلاً الظروف الاقتصادية الصعبة التي كانت تمر بها البلاد آنذاك؛ ولذلك كان هذا الولاء على الأغلب ظاهرياً وليس عن قناعة واعتقاد، وربما يرجع سبب ذلك إلى الخوف من الحملة المصرية ليس إلا.
ويبين الباحث من خلال استعراض مجريات ووقائع حملة طوسون باشا، أنها لم تحقق أهدافها التي قامت من أجلها، فقد اقتنع الطرفان المتقاتلان أن الاستمرار في القتال ستكون نتائجه سيئة عليهما، ولذلك تم توقيع صلح بينهما، وكان أقرب للهدنة ليعيد كل فريق ترتيب أوراقه لمعاودة الهجوم مرة أخرى. وبناءً على توقيع الصلح عاد طوسون باشا إلى القاهرة، ولكن الصلح لم يدم أكثر من سنة، فقد أقام الإمام عبد الله بن سعود بعد خروج طوسون باشا بعمليات عسكرية واسعة النطاق ضد المناطق والقبائل التي أعلنت ولاءها لمحمد علي باشا حتى وصلت قواته إلى مناطق قريبة من المدينة المنورة، وأبرز المؤلف في هذا السياق، أن محمد علي باشا أدرك أن عليه التجهيز لتسيير حملة جديدة إلى بلاد الحجاز ونجد. والتي سيوكل قيادتها إلى ابنه إبراهيم باشا؛ إدراكاً منه أن طوسون باشا لم يعد قادراً على القضاء على الدولة السعودية. وذكر الباحث، أن سبب امتداد الحملات المصرية إلى الحجاز هو الخوف من توسع الدولة السعودية الصاعدة وتمددها جغرافياً، حيث شملت معظم أرجاء الجزيرة العربية (الأحساء وعمان والحجاز والشام). وحينها، استشعرت السلطنة العثمانية، التي تمثل العالم الإسلامي آنذاك، الخطر الذي يداهم موقعهم ومركزهم العالمي. فاتخذت السلطنة موقف العداء لهذه للدولة السعودية الأولى، وعندما لم يستطيعوا القضاء عليها بواسطة وكلائهم في العراق والشام، قرروا إرسال الحملات العسكرية والجيوش والقوات لمحاربتها فكانت حملة طوسون باشا، وحملة إبراهيم باشا، ابنَي حاكم مصر آنذاك محمد علي باشا.


السعودية كتب

اختيارات المحرر

فيديو