قضايا تفتيش المنشآت العسكرية الإيرانية وتوقيتات رفع العقوبات أهم عراقيل مفاوضات «النووي»

تفاؤل إيراني وإصرار أميركي على الالتزام بالموعد النهائي نهاية الشهر

قضايا تفتيش المنشآت العسكرية الإيرانية وتوقيتات رفع العقوبات أهم عراقيل مفاوضات «النووي»
TT

قضايا تفتيش المنشآت العسكرية الإيرانية وتوقيتات رفع العقوبات أهم عراقيل مفاوضات «النووي»

قضايا تفتيش المنشآت العسكرية الإيرانية وتوقيتات رفع العقوبات أهم عراقيل مفاوضات «النووي»

وسط أجواء حذرة، تستمر مجموعة الدول الست (مجموعة 5+1 التي تشمل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والصين وروسيا وألمانيا) مفاوضاتها في العاصمة النمساوية فيينا مع إيران للتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي الإيراني قبل حلول الموعد النهائي للمفاوضات بنهاية الشهر الحالي.
ولا تزال عدة قضايا عالقة تدور حولها مشاورات سياسية وأخرى فنية تقنية أهمها قضية رفع العقوبات الدولية، وقضية تفتيش كل المواقع النووية لدى إيران والسماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة أي منشآت عسكرية إيرانية تشتبه في قيامها بأنشطة نووية وإجراء المقابلات مع العلماء النوويين إيرانيين، إضافة إلى قضايا عالقة تتعلق بمدى التزام إيران بالشفافية في برنامجها أمام المجتمع الدولي. ورغم ما وصفه الخبراء بصعوبة تلك المناقشات فإن عدة مصادر أميركية استبعدت التفكير في تمديد الموعد النهائي بحلول الـ30 من يونيو (حزيران) الحالي.
وقد اجتمعت ويندي شيرمان وكيلة وزير الخارجية الأميركي مع نواب الخارجية الإيرانية عباس عراقجي وماجد تحت رافاتشي والنظراء الأوروبيين والروس في محاولة لصياغة اتفاق نهائي، إذ تستضيف العاصمة فيينا المحادثات على مستوى نواب وزراء الخارجية، كما جرت مفاوضات أخرى على مستوى الخبراء بين المخصصين من إيران والولايات المتحدة قادها حامد بيادنجاد من الجانب الإيراني وستيفن كليمان من الجانب الأميركي.
وأشار مسؤول بالخارجية الأميركية إلى أن ويندي شيرمان وكيلة وزير الخارجية كانت تتواصل عبر الهاتف خلال الاجتماعات مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي أجرى عملية في ساقه بعد تعرضه لحادث الأسبوع الماضي.
ونقلت وكالة الأنبار الإيرانية عن كبير المفاوضين الإيرانيين عباس عراقجي قوله إن الأطراف المفاوضة حققت تقدما كبيرا في الاتفاق النهائية لكن التقدم في تنظيم الملاحق لا يزال طفيفا، وأضاف أنه يتعين إنحاز عمل صعب ومعقد، مشيرا إلى أن ما ينص عليه البرتوكول الإضافي هو إمكانية الوصول إلى مفتشي الوكالة الدولية بشكل له ضوابط إلى المواقع العسكرية. وقال: «الوصول المضبوط هو إجراء محدد تطبقه دول أخرى للسماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للوصول إلى المواقع غير النووية، وهذا لا يعني بنظرنا زيارات وليس عمليات تفتيش»، مشيرا إلى أن القواعد المتعلقة بالوصول إلى القواعد العسكرية الإيرانية سيجري تحديدها في سياق الاتفاق النهائي.
وأشارت تقارير إلى عراقيل في المفاوضات تتعلق بآلية إعادة فرض العقوبات ما إذا تبين أن إيران قامت بخرق مادي لأي بند من بنود الاتفاق النهائي، ولمح السفير الفرنسي لدى الولايات المتحدة جيرار ارو للصحافيين إلى صعوبة تلك العراقيل التي تعد من العقبات الرئيسية التي تواجه مجموعة 5+1 في المفاوضات، مشيرا أن إزالة هذه العقبات مهمة للتوصل إلى اتفاق.
وتشير تسريبات إلى أن إيران لم توافق على حل مع القوي الست والوكالة الدولية للطاقة في ما يتعلق بالسماح للمفتشين برصد والإبلاغ عن أنشطتها النووية على أساس منتظم إلى مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة ولجنة تسوية المنازعات. وفي حال قامت إيران بانتهاك البنود فإن الدولة الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن (وهي الدول التي تتفاوض حاليا مع إيران) يمكنها اتخاذ القرار لإعادة العقوبات على طهران بناء على رأي لجنة المنازعات. وحتى في حال عدم توافق تقارير لجنة تسوية المنازعات مع أدلة الوكالة الدولية للطاقة فإن من حق مجلس الأمن اتخاذ قرار نهائي بشأن إعادة فرض أي عقوبات على إيران.
وتعد التهديدات التي أطلقها بعض نواب الكونغرس (الذين وقعوا على رسالة مفتوحة تشير إلى مكانية إلغاء أي صفقة يتم التوصل إليها مع مجيء رئيس أميركي جديد) نقطة أخرى مثيرة للقلق للإيرانيين ويريدون أن تكون الإدارة الأميركية المقبلة ملتزمة ببنود الاتفاق.
وقالت ماري هارف المتحدثة باسم الخارجية الأميركية إن المفاوضات على المستوى السياسي والمفاوضات على المستوى التقني الفني تناولت القضايا العالقة بعدد أجهزة الطرد المركزي ووضع مفاعل آراك، والاتفاق على الوصول إلى وتفتيش المواقع النووية الإيرانية والتفاصيل المحيطة بهذه القضية، وتوقيتات القيام ببعض الخطوات المتعلقة بالبرنامج النووي وخطة رفع العقوبات، وهي القضايا التي تدور حولها المفاوضات الآن، وقد اتفق الجانبان على بعض الخطوات المبدئية لكن لا يوحد تفاصيل محددة ولا تزال المفاوضات جارية».
وأشارت هارف إلى بعض القضايا المعلقة وأوضحت أن وضع معايير وتفاصيل فنية وسياسية مفصلة للخروج لمخرجات جيدة ومرفقات مفصلة وترجمة ذلك يستغرق كثيرا من العمل من جانب الخبراء وكثيرا من القرارات السياسية.
وأوضح آلان إيرتريند المسؤول بالقسم الفارسي بالخارجية الأميركية أن هناك عددا من القضايا المتبقية مثل الجدول الزمني لرفع العقوبات والتزام إيران بالشفافية في برنامجها النووي وقدرة الدول الغربية على التحقق من التزام إيران وهي قضايا ضرورية للوصول إلى اتفاق نهائي.
واستبعد إيرترند إمكانية تمديد المحادثات، وقال: «نحن لا نفكر في تمديد الموعد النهائي للتوصل إلى اتفاق مع إيران. نحن نركز على 30 يونيو كموعد نهائي، وإذا عملنا بجدية وحسن نية فسوف نكون قادرين على الوصول إلى اتفاق بحلول التاريخ المذكور».
ومسألة التوقيت تعد القضية الشائكة للإدارة الأميركية بعد إصابة وزير الخارجية جون كيري في حادث دراجة مما أثر على جدول مباحثاته وسفرياته من جهة، إضافة إلى الضغوط التي تلوح بها إيران بعدم الموافقة على القيود الصارمة المفروضة على برنامجها النووي.
ويشير الخبراء إلى أن الخطر الأكبر هو احتمال أن تقدم إدارة الرئيس أوباما على تقديم تنازلات في مقابل الالتزام بالتوصل إلى اتفاق في الوقت المحدد.
ويقول غاري سامور المستشار السابق بالبيت الأبيض: «من وجهة نظري أن الإدارة الأميركية يجب ألا تشعر بأي ضغوط للتوصل إلى اتفاق بحلول 30 يونيو، وعلينا تجاهل محاولة الإيرانيين الضغط والمساومة للتمسك بالموعد النهائي».
ويتخوف محللون وخبراء غربيون من رغبة إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بالتمسك بموعد 30 يونيو كموعد نهائي للمفاوضات مما قد يعطي طهران النفوذ في هذه المرحلة عالية المخاطر في المحادثات. وأوضح الخبراء أن الخطوط العريضة التي تم التوصل إليها مع إيران في أبريل (نيسان) الماضي لا تزال ينقصها كثير من التفاصيل التي تركت دون حل أو توضيح. فالخطوط العريضة هي منع طهران من امتلاك قنبلة نووية مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية.
ويقول روبرت اينهورن الزميل بمعهد بروكينغز والذي شارك في المفاوضات النووية خلال السنوات الأربع الأولى من ولاية الرئيس أوباما: «لا يزال هناك كثير من القضايا المعلقة ولم يتم التقدم بشكل كبير في المفاوضات منذ أبريل الماضي»، بينما أشار مارك فيزباتريك الخبير النووي في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية والمسؤول السابق بالخارجية الأميركية بمكتب منع انتشار الأسلحة النووية إلى إمكانية تمديد الموعد النهائي لما بعد 30 يونيو بحجة إصابة وزير الخارجية الأميركي.
ويصر المسؤولون بالخارجية الأميركية على أن إصابة كيري لن تؤثر على الجدول الزمني للمحادثات النووية، وقالت ماري هارف المتحدثة باسم الخارجية: «نحن ملتزمون تماما بالجدول الزمني ونعمل نحو 30 يونيو كموعد نهائي للمحادثات».
ويمكن أن يؤدي تمديد المفاوضات إلى تعقيد الأمور في الكونغرس في ظل القانون الذي وافق عليه الرئيس أوباما على مضض، والذي يعطي الكونغرس الحق في إبداء الرأي في أي صفقة نووية نهائية يتم التوصل إليها. ويمنح القانون الكونغرس فترة 30 يوما للموافقة أو رفض الصفقة، وإذا تم تمديد المفاوضات إلى ما بعد الموعد النهاية فإن ذلك سيعطي الكونغرس شهرا إضافيا حيث تتضمن العطلة الصيفية للكونغرس. ولا يرغب المساندون للاتفاق من الحزب الديمقراطي في إعطاء فرصة فترة أطول للمعارضين للصفقة داخل الكونغرس بما يمكنهم من نسف الصفقة.
ويقول كيلسي دافنبورت مدير برنامج منع الانتشار النووي بجمعية مراقبة الأسلحة وهي مجموعة غير حزبية: «تمديد المفاوضات قد يعطي المعارضين للصفقة فرصة كبيرة لترويج نظريتهم أن إيران لا تتفاوض بحسن نية وليست جادة في التوصل إلى اتفاق، ومن غير المحتمل أن تقوم إدارة أوباما بتمديد المفاوضات لفترة أخرى».
وقد وضع الاتفاق المبدئي بنودا كثيرة تتعلق بتقليل عدد أجهزة الطرد المركزي لدى إيران وتقليل مخزونها من اليورانيوم المخصب وفرض قواعد شفافية وتفتيش ورصد لأنشطة طهران النووية خلال السنوات العشر القادمة، لكن لا يزال هناك فجوات واسعة في ما يتعلق بحرية المفتشين الدوليين للوصول إلى القواعد العسكرية الإيرانية التي يمكن أن تستخدمها إيران لمتابعة برنامجها النووي ومدى السرعة التي سيتم بها رفع العقوبات الاقتصادية على إيران.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.