«دي جي رودج» لـ «الشرق الأوسط»: مستقبل واعد ينتظر الموسيقى العربية

يحضّر لمشروع عالمي يدمج فيه الشرقي والغربي

يجذب رودج بموسيقاه جمهوراً من جميع الأعمار (حسابه على «إنستغرام»)
يجذب رودج بموسيقاه جمهوراً من جميع الأعمار (حسابه على «إنستغرام»)
TT

«دي جي رودج» لـ «الشرق الأوسط»: مستقبل واعد ينتظر الموسيقى العربية

يجذب رودج بموسيقاه جمهوراً من جميع الأعمار (حسابه على «إنستغرام»)
يجذب رودج بموسيقاه جمهوراً من جميع الأعمار (حسابه على «إنستغرام»)

كتلة من الموسيقى والطاقة الإيجابية تلمسها في كل مرة تلتقي فيها الموسيقي اللبناني روجيه سعد. هو المعروف باسم الـ«دي جي رودج». ينقلك بموسيقاه الحماسية إلى عالم من الفرح والأحلام لتتفاعل معها لاشعورياً. ذاعت شهرته لتصل إلى الغرب بعد أن وسم هذه المهنة بالتميز، هو صاحب أفكار جديدة ومتطورة بحيث لا يتعب من ممارسة البحث المضني كي يولّد مقاطع موسيقية لا تشبه غيرها. استعان به نجوم من الغرب والشرق ليقف إلى جانبهم على خشبة المسرح. أضفى على أجواء حفلاتهم لمسات موسيقية يحتاجون إليها للتغيير.


روجيه سعد المعروف باسم الـ«دي جي رودج» (حسابه على «إنستغرام»)

تميزه لم يأتِ عن عبث لأن الموسيقى تسكنه، حتى إنها «أنقذتني من مشكلات كثيرة وخلّصتني في طفولتي من مصاعب عدة. إنها شغفي ومنها استمد القوة».
بُعيد انفجار بيروت، ورغم الآثار السلبية التي تركها عليه هذا الحادث الأليم، تجاوزها رودج على طريقته. يقول في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «كانت فترة أليمة جداً، ولكنني تمسكت بالأمل وبمدينتي بيروت التي تعني لي الكثير. قدمت أغنية (اسمها بيروت) (elle s’appelle Beirut) مع الشاب خالد وأحدثنا الفرق معاً».
يوم الانفجار، دخل استوديو التسجيل الخاص به وكان مدمراً، واختار منزل خطيبته المصاب أيضاً ليصور فيه كليب الأغنية. «أنهينا هذه الأغنية في ظرف 8 أيام، وقدمناها إلى اللبنانيين كي لا يفقدوا الأمل. كانت فترة صعبة للغاية، ومرة أخرى أنقذتني الموسيقى».
ينام رودج ويستفيق مع الموسيقى التي تلازمه كيفما تحرك، وأحياناً تولد ألحانه وهو يقود سيارته. يتابع: «ليس هناك من قاعدة واحدة لتبرع في هذا المجال، بل مجموعة مشاعر تؤلف أسلوباً. لا أؤمن بتقليد الآخر والزيف، بل بالحقيقة والجهد في العمل. والشغف هو المسؤول الأول والأخير عن أي نجاح نحققه، وإلا تحولنا إلى أشخاص عاديين».
قصته مع الموسيقى طويلة، فهو عندما اعترف لوالديه بأنه ينوي ممارستها مهنة، اعترضوا بدايةً، لا سيما أن أخيه تخصص في الطب وشقيقته بالهندسة المعمارية. «جاء وقع الخبر عليهم كالصاعقة. ففي تلك الحقبة كان الـ(دي جي) بمثابة وصمة عار على العائلات المحافظة. كما كانت هذه المهنة منتشرة في الغرب وعندها نجومها. أما عربياً، فكانت تشق طريقها بصعوبة».


الموسيقى في نظره لغة توحّد الناس وتنشر الفرح

وكي يحقق حلمه وبدبلوماسية، فتح روجيه سعد إذاعة شبابية في التسعينات أطلق عليها اسم «ميكس إف إم». 10 سنوات مرت، ليستطيع بعدها إيصال موهبته إلى الناس وجعلهم يستوعبون مهمة الـ«دي جي»: «أشكر الناس الذين شجعوني وتذوقوا موسيقاي فأوصلوني إلى ما أنا عليه اليوم، وشاركوا في رسم إطار معترف به للـ(دي جي) في لبنان والعالم العربي. اليوم لعبة الموسيقى تحولت إلى مهنة يعتاش منها كثيرون، ومن يعشقها وحده يستطيع التميز».
هذه المهنة لا ترتكز على قواعد معينة بل هي لعبة موسيقية، وعلى صاحبها إتقان عملية الدمج (ميكسينغ). «مهمة الـ(دي جي) إعطاء الأغاني التي يلعبها أبعاداً مختلفة، فيلدها من جديد على طريقته ويطبعها بأسلوبه». لا تتوقف مهمة روجيه سعد عند الـ«ميكس»، لأنه ملحن وموزع، ألّف عشرات الأغنيات والمقاطع الموسيقية. تلجأ إليه شخصيات معروفة ومن الطراز الرفيع ممن تهوى الموسيقى ليعطيها دروساً خاصة. فهل يفكر بإطلاق مدرسة أو مشروع يصب في هذا الإطار؟ يرد في سياق حديثه: «أحب اكتشاف المواهب الموسيقية والعمل على تطويرها. وفي الإذاعة التي افتتحتها مرّنت الكثير من هؤلاء. وهناك مشروع أحضّر له، ليكون بمثابة أكاديمية تستوعب هذه المواهب في أقسام مختلفة لا تنحصر بالـ(دي جي) فقط. ولكن وقتي الضيق وانشغالي الدائم أخّرا الفكرة».
تطول لائحة الأغاني التي أعاد رودج تنسيقها الموسيقي (remix)، فتصدرت الـ«ترندات» في لبنان والعالم العربي. وكما أغنية «من أول دقيقة» لإليسا وسعد لمجرد أخيراً، كذلك استطاع أن يغلف أخرى كـ«الغزالة رايقة» و«ثلاث دقات»، وبروحه الموسيقية الذي عُرف بها، لتنبض بحالة فنية مختلفة. طالت عملية الـ«ريمكس» أغنيات أجنبية كـ«بيلا تشاو» و«ريفوليوشن». أما مؤلفاته الموسيقية فذاع صيتها في المشرق العربي، لتحقق نجاحات واسعة كـ«بيروت» و«نيفر نيو أباوت لوف»، و«مايك مي فيل» وغيرها. وتعد حفلاته الموسيقية من الأكثر استقطاباً لأجيال الشباب والكبار معاً، لما تحتويه من أغنيات وموسيقى تُرضي جميع الأذواق وتشعل الحماس في النفوس.
تجذب مهنة الـ«دي جي» اليوم، العشرات من الجيل الجديد الذين يحاولون التمثل برودج. فهو بالنسبة لهم الأستاذ والمعلم الذي من خلاله يتعرفون إلى أصول المهنة. فبماذا يتوجه لهم؟ «ليس هناك من قواعد خاصة للـ(دي جي)، فهو فنان بحد ذاته، تماماً كالرسام والمغني والنحات وراقص الباليه. عليه أن يملك خلفية موسيقية غنية، ويملك بالتالي حساً موسيقياً سليماً. هناك من يدخل هذا المجال من باب الشغف وغيره حباً بالشهرة والمال. لذا لا يمكن التعميم، فلكل فنان هدفه. ولكن ما أشدد عليه هو التمتع بالأخلاق الحميدة، فهي عنصر أساسي لضمان النجاح بأي مهنة، ولا سيما في الموسيقى».
لا يحبذ رودج فكرة انتهاء صلاحية الـ«دي جي»، صحيح أنها راودته في الماضي، ولكنه ما لبث أن اقتنع بالعكس، «ما دام يتمتع بلياقة بدنية تخوله التحرك على المسرح بنشاط وحيوية متفاعلاً مع الموسيقى فلا خوف عليه. وبالتالي عليه مواكبة التطور والبحث الدائم عن التجديد. في رأيي لا عمر محدداً يرسم نهاية صلاحية الـ(دي جي) والموسيقي، أو الفنان بشكل عام، ما دام قادراً على العطاء فلا شيء يمكنه أن يعيق ممارسته مهنته».
لم تقتصر شهرة رودج على تعاونه مع الفنانين العرب كعمرو دياب، وروبي، وإليسا، بل تجاوز المحيطات ليتعاون مع جاستن بيبر، وشاكيرا، وبريان أدامز، وجنيفر لوبيز، وغيرهم. اختاروه كي يفتتح حفلاتهم في مصر ودبي. فالـ«دي جي» اليوم، بات ضرورة على المسرح إلى جانب المغني، كي يكمل مشهدية موسيقية يرغب فيها الناس والفنان نفسه.
ويعلق: «الـ(دي جي) والفنان يكمل أحدهما الآخر بشكل جميل ومثير معاً، فيولدان على الخشبة حالة فنية غير مستهلكة وبعيدة عن الروتين. في المستقبل القريب، سأقف إلى جانب فنانين ونجوم من الغرب. أحلامي كبيرة، ومن يعرفني عن كثب يعلم تماماً أني أتحدى نفسي بشكل دائم وإلا لما حققت النجاح. نعم أملك طموحات أكبر وأتطلع إلى نجوم كبار في هذه المهنة، ولكن الأهم هو الابتكار. فأنا لا أقلد أحداً، وحبي للموسيقى هو محركي الأول والأخير».
وعن الموسيقى بشكل عام يقول: «إنها لغة توحّد الناس على اختلاف مشاربهم وأطيافهم، تلامس الروح وتشفيها من جروحها من ناحية، وتسهم في تكبير حجم الفرح عند سامعها من ناحية ثانية».
رودج الذي يطل اليوم على محبيه مع الموسيقي ميشال فاضل في حفل «كولوراتورا» على الواجهة البحرية في بيروت، يخطط لمشروع ضخم مع المنتج الفني العالمي اللبناني الأصل سال (وسيم صليبي). وسيرتكز هذا العمل على الدمج بين الموسيقى الشرقية والغربية. «للموسيقى العربية ميلودي ونغمة عاطفية لا نجدها في غيرها. وفي رأيي، هناك مستقبل واعد ينتظر الموسيقى العربية. والأهم هو أن نملك المحتوى الجيد لإبراز أهميتها، فنسهم في دمج الثقافات بمشهدية فنية واحدة».



وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيره العراقي المستجدات

الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي ونظيره العراقي الدكتور فؤاد محمد حسين (الشرق الأوسط)
الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي ونظيره العراقي الدكتور فؤاد محمد حسين (الشرق الأوسط)
TT

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيره العراقي المستجدات

الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي ونظيره العراقي الدكتور فؤاد محمد حسين (الشرق الأوسط)
الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي ونظيره العراقي الدكتور فؤاد محمد حسين (الشرق الأوسط)

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي مع الدكتور فؤاد محمد حسين نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية العراقي، الأحد، المستجدات والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

وجاءت مباحثات الوزيران خلال الاتصال الهاتفي الذي تلقاه الأمير فيصل بن فرحان من الدكتور فؤاد حسين.


«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
TT

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)

انتهت اجتماعات سويسرا إلى تعهدات بشأن جوانب إنسانية وأمنية في شرق الكونغو، مع تصاعد أعمال العنف منذ بداية العام ومخاوف من انهيار اتفاقات سلام عقدت على مدار 2025.

تلك التعهدات التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تخفف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.

«تقدم إنساني»

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو ويشمل حركة 23 مارس) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن بروتوكول ‌يتعلق بوصول قوافل المساعدات الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى.

وأفادت في ‌بيان مشترك مساء السبت، ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحالف المتمردين، بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة الماضية، «اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال الإنساني والقافلات الإنسانية».

وبحسب بيان مشترك صادر عن قطر، والولايات المتحدة، وجمهورية توغو (بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي)، وسويسرا، إلى جانب حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«حركة 23 مارس»، فإن المحادثات شهدت تقدماً وُصف بـ«الملموس» في مسار تنفيذ «اتفاق الدوحة» الإطاري بشأن السلام في شرق الكونغو.

وجاء البيان المشترك، في ختام اجتماعات انعقدت في مدينة مونترو السويسرية خلال الفترة من 13 إلى 17 أبريل (نيسان) الحالي، مؤكداً أن الطرفين «اتفقا على الأهمية الحاسمة لضمان إيصال المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى السكان المدنيين في شرق البلاد، والالتزام باحترام القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة وحماية المدنيين دون استثناء».

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إمكانية أن تنجح «التفاهمات الإنسانية التي أُعلن عنها في سويسرا من حيث المبدأ في تخفيف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف».

ويعدد عيسى أبرز التحديات قائلاً إنها تكمن في تعدد الجماعات المسلحة وتشتت مراكز القرار على الأرض، ما يجعل الالتزام بالاتفاقات غير مضمون، بخلاف ضعف آليات الرقابة الدولية وصعوبة فرض العقوبات على المخالفين ما يحدّ أيضاً من فاعلية هذه التفاهمات.

يضاف إلى ذلك، غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، واستمرار تدخلات المصالح الإقليمية التي تعقّد المشهد وتغذي الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسب عيسي، مضيفاً: «لذلك تبقى هذه التفاهمات خطوة إنسانية مهمة، لكنها غير كافية وحدها ما لم تُدمج ضمن تسوية سياسية وأمنية أشمل تضمن استقراراً طويل الأمد في الكونغو الديمقراطية».

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى عيسى، أن ضمان عدم تكرار انتكاسة الاتفاقات التي شهدها عام 2025 خصوصاً في مناطق النزاع، «لا يقوم على توقيع الاتفاق نفسه، بقدر ما يقوم على ما يُرافقه من ترتيبات تنفيذية ملزمة».

وأكد أن التجربة تُظهر «أن الاتفاقات الإنسانية أو السياسية غالباً ما تتعرض للانهيار عندما تُترك دون رقابة ميدانية مستقلة، وآلية تحقق سريعة وشفافة، لذلك فإن وجود بعثات مراقبة فعالة قادرة على التوثيق الفوري لأي خرق يُعد عنصراً أساسياً، وربط الالتزامات بعقوبات أو إجراءات ضغط واضحة على الأطراف المخالفة، يمنع تحول الاتفاق إلى مجرد إعلان سياسي غير مُلزم».

ومن العوامل الحاسمة أيضاً بحسب عيسى، لضمان استمرار التعهدات، «إشراك الفاعلين الحقيقيين على الأرض، لا الاقتصار على التمثيل السياسي فقط، باعتبار أن غياب السيطرة المركزية لدى بعض الجماعات يجعل أي اتفاق هشاً من البداية».

ورغم ذلك، يرى عيسى أن الأطراف المتصارعة في شرق الكونغو «لا تبدو مهيّأة لسلام مستدام في المدى القريب، برغم ما يظهر أحياناً من تهدئة أو تفاهمات مؤقتة».


تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

من المقرر أن تعلن الحكومة البريطانية الشهر المقبل عن تشريع يهدف إلى التقارب مع «الاتحاد الأوروبي»، في ظل تدهور ما تسمى «العلاقة الخاصة» بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة؛ بسبب الحرب في منطقة الشرق الأوسط.

وتكتسب جهود رئيس الوزراء، كير ستارمر، زخماً في ظل عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وسيل الإهانات الذي يوجهه إلى الحليف التاريخي لأميركا.

وتعِدّ حكومة ستارمر مشروع قانون «إعادة الضبط»، الذي سيمنح الوزراء صلاحيات لمواءمة معايير المملكة المتحدة مع قواعد السوق الموحدة لـ«الاتحاد الأوروبي» مع تطورها، وهو أمر يسمى «المواءمة النشطة». وأفاد مسؤول حكومي، طالباً عدم الكشف عن هويته، بأن الملك تشارلز الثالث سيعلن عن التشريع في 13 مايو (أيار) المقبل عندما يقرأ خطط ستارمر التشريعية للأشهر المقبلة.

وقد دعا ستارمر مراراً إلى علاقة اقتصادية وأمنية أعمق بأوروبا منذ فوز حزبه «العمالي» في انتخابات عام 2024، وإطاحته حزب «المحافظين» الذي نظّم استفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» عام 2016 (بريكست). وكثّف رئيس الوزراء دعواته في الأيام الأخيرة؛ إذ قال للزعيم الهولندي، روب يتن، الثلاثاء، إنه «يعتقد أن الشراكة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي) ضرورية للاستعداد للتحديات التي نواجهها اليوم». ويعدّ «الاتحاد الأوروبي» أكبر شريك تجاري لبريطانيا، وقد حذّر «صندوق النقد الدولي» هذا الأسبوع بأن المملكة المتحدة ستكون الاقتصاد المتقدم الأكبر تضرراً من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

«فرصة»

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن إيفي أسبينال، مديرة مركز الأبحاث «مجموعة السياسة الخارجية البريطانية» قولها: «لدينا حكومة حريصة بالفعل على التقارب مع (الاتحاد الأوروبي)، والأحداث في إيران توفر فرصة لتسريع هذه العملية».

وقال المسؤول البريطاني: «بالتأكيد جعلت إيران الأمر (مشروع قانون إعادة الضبط) أهم للمستقبل». وأضاف: «نحن بحاجة إلى بناء قدرة صمود اقتصادية في جميع أنحاء القارة».

ورفض ستارمر إشراك بريطانيا في الضربات الأولية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط) الماضي ضد إيران؛ مما أثار غضب ترمب، رغم سماح لندن لاحقاً للقوات الأميركية باستخدام القواعد البريطانية «لغرض دفاعي محدود». وتحت الضغط الداخلي بسبب قراره الكارثي تعيين بيتر ماندلسون، الشريك السابق لجيفري إبستين، سفيراً في واشنطن، تلقى ستارمر إشادة لوقوفه في وجه استفزازات ترمب المتكررة.

دونالد ترمب في المكتب البيضاوي السبت (أ.ف.ب)

وقبل أيام، هدد ترمب، في مقابلة عبر الهاتف مع قناة «سكاي نيوز»، بإلغاء اتفاقية تجارية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة حدّت من تأثير التعريفات الجمركية الجديدة على بريطانيا. ويقول ديفيد هينيغ، الخبير في السياسة التجارية البريطانية بعد «بريكست»: «لا شك في أن هناك زخماً الآن في العلاقة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي)، ويعود ذلك جزئياً إلى سلوك ترمب غير الموثوق به». ويضيف: «تبدو صياغة سياسة تجارية مستقلة للمملكة المتحدة أصعب، بينما تبدو آفاق العمل مع (الاتحاد الأوروبي) أفضل إشراقاً».

ندم على «بريكست»

وتأمل إدارة ستارمر طرح التشريع بشأن التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» في الأشهر القليلة المقبلة؛ مما يعني أنه قد يصدر في وقت قريب من الذكرى العاشرة لاستفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» الذي أجري في يونيو (حزيران) 2016.

وسينظر أعضاء البرلمان في الموافقة على منح الحكومة آلية لتبني «قواعد الاتحاد الأوروبي»؛ أحياناً من دون تصويت برلماني كامل، في المجالات التي تغطيها اتفاقيات سارية مع التكتل المشكل من 27 دولة. وتهدف إحدى الاتفاقيات إلى تخفيف الإجراءات البيروقراطية المتعلقة بصادرات الأغذية والنباتات، فيما توجد خطط لاتفاقية من شأنها دمج المملكة المتحدة في سوق الكهرباء الداخلية لـ«الاتحاد الأوروبي». وتسعى بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي» أيضاً إلى وضع اللمسات الأخيرة على المفاوضات بشأن «برنامج لتنقل الشباب» في الوقت المناسب لعقد قمة مشتركة في «بروكسل» أواخر يونيو أو مطلع يوليو (تموز) المقبلين.

وفي المقابل، استبعد ستارمر الانضمام مجدداً إلى «السوق الموحدة» أو العودة إلى «حرية التنقل». ويطالبه الحزب «الليبرالي الديمقراطي»؛ «الحزب الثالث» في بريطانيا، بأن يتجاوز أحد خطوطه الحمر الأخرى من خلال التفاوض على «اتحاد جمركي مع التكتل الأوروبي». وقال كالوم ميلر، المتحدث باسم الشؤون الخارجية في الحزب «الليبرالي الديمقراطي»: «يجب أن نضاعف جهودنا في العلاقات بالشركاء الموثوق بهم الذين يشاركوننا مصالحنا وقيمنا».

لكن «بريكست» لا يزال قضية شائكة، وقد وصف حزب «الإصلاح» البريطاني اليميني المتشدد، الذي يتصدر استطلاعات الرأي ويرأسه نايجل فاراج، التشريع بأنه «خيانة» لنتيجة الاستفتاء. غير أن الاستطلاعات تُظهر بانتظام أن معظم البريطانيين يندمون على التصويت للخروج من «الاتحاد الأوروبي»، وهو أمر يأمل ستارمر استغلاله. ومن أسباب التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» أيضاً ارتفاع ضغوط تكاليف المعيشة على الأسر، وهو أمر ألقت وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، مسؤوليته على ترمب الذي بدأ الحرب على إيران «دون خطة واضحة لإنهائها».

وتقول أسبينال: «عندما تتصدع العلاقة بالولايات المتحدة، ينعكس ذلك في تراجع المعارضة لعلاقة أوثق بالاتحاد الأوروبي بين عامة الناس».