شرم الشيخ المصرية تحتضن «نصف أفريقيا» في قمة التكتلات الاقتصادية الثالثة

بدء فعاليات أكبر تجمع اقتصادي في القارة «السمراء» بمشاركة رؤساء ووزراء 26 دولة

شرم الشيخ المصرية تحتضن «نصف أفريقيا» في قمة التكتلات الاقتصادية الثالثة
TT

شرم الشيخ المصرية تحتضن «نصف أفريقيا» في قمة التكتلات الاقتصادية الثالثة

شرم الشيخ المصرية تحتضن «نصف أفريقيا» في قمة التكتلات الاقتصادية الثالثة

تبدأ اليوم بمدينة شرم الشيخ المصرية فعاليات توقيع اتفاق التجارة الحرة بين أكبر 3 تكتلات اقتصادية أفريقية، وهي «السوق المشتركة لدول الشرق والجنوب الأفريقي» المعروفة باسم «COMESA»، ومنظمة تنمية الجنوب الأفريقي «SADC»، وجماعة دول شرق أفريقيا «EAC»، وذلك بمشاركة رؤساء وقادة ووزراء 26 دولة أفريقية أعضاء التكتلات الثلاثة. وتمثل الدول الست والعشرون أعضاء التجمع نحو نصف عدد الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، ويمثل الناتج المحلي الإجمالي لها ما يقدر بنحو 60 في المائة من الناتج المحلي للقارة، وتضم 57 في المائة من إجمالي التعداد السكاني للقارة.
وقد شهد مطار شرم الشيخ أمس توافد المشاركين في القمة، التي تعد أكبر تجمع اقتصادي أفريقي في القارة السمراء، وهي القمة الثالثة التي تجمع المنظمات الثلاث، فقد عقدت القمة الأولى بأوغندا في عام 2008، والثانية بجنوب أفريقيا في عام 2011. ويتوج لقاء شرم الشيخ بتوقيع رؤساء الوفود الأفريقية المشاركة على اتفاقية التجارة الحرة بين الدول الأعضاء في التكتلات الثلاثة، وهو ما يعتبره خبراء خطوة مؤثرة في طريق الاتحاد الاقتصادي الأفريقي، بإقامة منطقة التجارة الحرة القارية والمخطط لها أن تبدأ في عام 2017.
وقد نشأت فكرة دمج التكتلات الثلاثة في عام 2005 لحل المشكلات الناجمة عن تعدد عضوية الدول في التجمعات الاقتصادية المختلفة، الأمر الذي يؤدي إلى تضارب المصالح بين الدول.. لذا جاءت فكرة دمج التجمعات الأفريقية في كيان اقتصادي واحد يسهم في تعزيز التعاون المشترك بين بلدان القارة السمراء. وتأتي هذه القمة استكمالاً لما تم الاتفاق عليه خلال الجولتين السابقتين في عام 2008 و2011. وتجدر الإشارة إلى أن دمج التكتلات الثلاثة في كيان اقتصادي واحد يعد التجربة الأولى من نوعها في قارة أفريقيا.
وبحسب مصادر مصرية لـ«الشرق الأوسط»، فإنه من المخطط أن تكون الخطوة التالية بعد تفعيل المسار التجاري بين التكتلات الثلاثة، هي بحث إقامة منطقة تجارة حرة بين التكتلات الثلاثة والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS) التي تضم 15 دولة تمثل 28 في المائة من دول القارة الأفريقية البالغ عددها 54 دولة.
ويشهد اليوم الأول للقمة اجتماع كبار المسؤولين والخبراء لتحضير التقارير الخاصة التي ستعرض على الرؤساء وتشمل تقريرًا عن الاجتماع الثالث للتجمعات على مستوى الوزراء الذي عقد في العاصمة البوروندية بجمبورا، واتفاقية منطقة التجارة الحرة، فضلاً عن خطة وخريطة الطريق التي وضعت أسس ومبادئ التفاوض.
ثم يشهد اليوم التالي اجتماعات موسعة على مستوى وزراء تجارة الدول الأعضاء سيتم خلالها مناقشة كل التفاصيل الخاصة باتفاق التجارة الحرة واستعراض أهم الخطوات التنفيذية والجوانب الفنية المتعلقة بالاتفاق وأثره الإيجابي على حركة التجارة البينية للدول الأعضاء لتلك التكتلات، وتختتم الفعاليات بعقد القمة الرئاسية يوم الأربعاء التي ستشهد التوقيع على اتفاق التجارة الحرة بين التكتلات الثلاثة.
ومن المتوقع أن تنص الاتفاقية على تطبيق مبدأ المعاملة الوطنية بمنح كل دولة عضو معاملة لا تقل تفضيلاً عن تلك الممنوحة لمثيلاتها من المنتجات المحلية، فضلاً عن إلغاء رسوم الواردات وإلغاء القيود غير الجمركية وأي رسوم ذات أثر مماثل من شأنها التأثير سلبًا على تدفق التجارة البينية.
وعن أهداف تجمع التكتلات الأفريقية الثلاثة، قال مصدر حكومي مصري لـ«الشرق الأوسط»: «بالإضافة إلى تعزيز العلاقات التجارية بين دول التجمع، فإن الأهداف الأخرى للتكتل تتضمن التعاون في مجال تخطيط وتنفيذ مشروعات البنية التحتية، خاصة في مجال إنشاء الطرق وخطوط السكك الحديدية والموانئ والمطارات ومشروعات الطاقة، كما سيساهم إنشاء التجمع في تعزيز التنسيق بين الدول الأعضاء بما يخدم مصالحها في المفاوضات التجارية متعددة الأطراف، كما سيعمل على تحسين مناخ الاستثمار».
إلى ذلك، أكد وزير الصناعة والتجارة المصري منير فخري عبد النور، أن هذا الاتفاق يفتح صفحة جديدة في العلاقات الاقتصادية والتجارية بين مصر ودول القارة الأفريقية، ويعمل على توسيع وزيادة حركة التجارة وتسهيل انتقال البضائع والسلع والخدمات بين الدول الـ26 المشاركة في هذا الاتفاق وحرية انتقال رؤوس الأموال والأفراد، بالإضافة إلى الكثير من المزايا التي ستوفرها منطقة التجارة الحرة من خفض للتعريفة الجمركية المفروضة على البضائع وتقليل تكلفة النقل وتطوير أساليب التجارة والخدمات اللوجيستية والبنية التحتية بما يحقق نقلة نوعية في اقتصادات تلك الدول.
وأشار الوزير إلى أن هذا الاتفاق يمثل نقطة انطلاق قوية للشركات المصرية في مختلف القطاعات للدخول إلى الأسواق الأفريقية ونافذة مهمة وكبيرة للمنتجات المصرية، بما ينعكس على زيادة الصادرات، خاصة أن المنتجات المصرية تلقى قبولاً كبيرًا داخل تلك الأسواق، لما تتميز به من جودة وأسعار تنافسية تلبي احتياجات تلك الدول من السلع والخدمات.
ومن جانبه، قال علي الليثي، رئيس جهاز التمثيل التجاري ورئيس الأمانة التنسيقية للمؤتمر، إن مدينة شرم الشيخ تشهد حضورًا مكثفًا من أعضاء وفود الدول المشاركة في القمة كما يشارك رؤساء عدد من المنظمات الدولية، ومن بينها منظمة التجارة العالمية والاتحاد الأفريقي والأونكتاد واللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة (يونيكا)، ومنظمة الجمارك العالمية والبنك الأفريقي للتنمية وعدد من التجمعات الاقتصادية الإقليمية.
وقد شهد حجم التجارة البينية للدول الأعضاء نموا مطردا خلال السنوات الأخيرة، بحسب تقرير حكومي مصري حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، حيث ارتفع من 30.6 مليار دولار أميركي خلال 2004 ليسجل 102.6 مليار دولار خلال 2014، بما يشير إلى أن حجم التجارة قد تضاعف ثلاث مرات خلال 10 سنوات، ويرجع ذلك بصفة أساسية إلى اتفاقات التجارة الحرة المطبقة في إطار كل من التكتلات الثلاثة.
ويشير التقرير إلى أن حجم التجارة البينية لدول تجمع الـ«COMESA» التسع عشرة والمنضمة له مصر، قد شهد نموا مطردا خلال السنوات الماضية، حيث ارتفع من 8 مليارات دولار في عام 2004 ليسجل 22 مليار دولار خلال العام الماضي 2014، في حين ارتفع حجم التجارة البينية لدول الـ«SADC» من 20 مليار دولار في 2004 ليسجل 72 مليار دولار في 2014، بينما ارتفع حجم التجارة البينية لدول تجمع شرق أفريقيا «EAC» من 2.6 مليار دولار في 2004 ليسجل 8.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها.
ووفقا للتقرير الحكومي، فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي للتجمعات الثلاثة في عام 2013 نحو 1.2 تريليون دولار. وتجدر الإشارة إلى أن حجم التجارة البينية لقارة أفريقيا بأكملها قد ارتفع من 602 مليار دولار في 2005 ليسجل 1.2 تريليون دولار في 2013، أي أن حجم التجارة قد تضاعف في أقل من 10 سنوات. وقد بلغ عدد سكان القارة في 2013 نحو 1110 ملايين نسمة، وحققت ناتجا محليا إجماليا قيمته 2.3 تريليون دولار أميركي.



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.