حركة لخلق مزيد من الشخصيات الداكنة البشرة في ألعاب الفيديو

صانعوها: ضعف التمثيل نابع من إخفاق في استيعاب طبيعة جمهورها

«أوبين سورس أفرو هير» قاعدة بيانات نموذجية ثلاثية الأبعاد لتصفيفات الشعر الأسود وملمسه
«أوبين سورس أفرو هير» قاعدة بيانات نموذجية ثلاثية الأبعاد لتصفيفات الشعر الأسود وملمسه
TT

حركة لخلق مزيد من الشخصيات الداكنة البشرة في ألعاب الفيديو

«أوبين سورس أفرو هير» قاعدة بيانات نموذجية ثلاثية الأبعاد لتصفيفات الشعر الأسود وملمسه
«أوبين سورس أفرو هير» قاعدة بيانات نموذجية ثلاثية الأبعاد لتصفيفات الشعر الأسود وملمسه

لدى إدوار ليونارد (13 عاماً)، من بلومفيلد في ولاية كونيتيكت، رسالة موجهة إلى صناعة ألعاب الفيديو: «أود رؤية المزيد من الشخصيات البارزة من أصحاب البشرة الداكنة».
يلعب إدوار ألعاب الفيديو منذ أن كان في الرابعة من عمره، ونادراً ما يرى نفسه ممثلاً على الشاشة. يقول: «أعتقد أن الكثير من استوديوهات الألعاب لا تفكر في رسم صورة بطل أسود اللون، لكن أصحاب البشرة الداكنة يمارسون ألعاب الفيديو. لذا يجب أن يظهروا لنا في هذه الألعاب».
من ناحيتها، تتفهم لاتويا بيترسون هذه المشاعر جيداً. فأسست استوديو إبداعيا لإنتاج ألعاب الفيديو تحت اسم «غلو أب غيمز»، بالتعاون مع المصمم ميتو كانداكر لخلق منصة حيث تتمكن الفئات التي تعاني نقص التمثيل، من رؤية نفسها داخل الألعاب التي تلعبها.
وعليه، تولت «غلو أب غيمز» بناء تجربة لعبة عن برنامج «إتش بي أو» الشهير «إنسكيور»، وكان نجمه، عيسى راي، مستشاراً في تصميم اللعبة. ورغم نجاح اللعبة، ظلت هناك صعوبة في بيعها، لأنها تصور امرأة سوداء البشرة شخصية رئيسية، حسبما أوضحت بيترسون. وأضافت: «كان الفهم الشائع في صناعة الألعاب أنه إذا كنت قادماً من شركة ألعاب ولديك عرض جيد، فيمكنك حينها جني المال، لكن سرعان ما أدركنا أن الأمر ليس كذلك لنا».
وقالت بيترسون: «قيل لنا لا بيانات تبرر ذلك»، فيما يتعلق بممارسي ألعاب الفيديو من أصحاب البشرة الداكنة والسكان الأصليين وذوي البشرة الملونة. وأضافت: «أخبرونا أنهم لا يعرفون عدد الأشخاص أصحاب البشرة الداكنة، والملونين، والسكان الأصليين، الذين يلعبون بألعاب الفيديو، خصوصاً عدد النساء من أصحاب البشرة الداكنة».
تابعت بيترسون: «لا أحد يهتم. ويمثل التمويل الجزء الأصعب. وتقضي الكثير من الوقت في تبرير وجودك لأشخاص ليس لديهم أدنى فكرة عن أي شيء يتعلق بحياتك، وهذا أمر محبط. لقد كرهت هذه العملية حقاً».

«إنسكيور» مستوحاة من برنامج عيسى راي الذي يحمل الاسم نفسه «غلو أب غيمز»

تبعاً لمؤسسة «نيلسن» التي تقيس تحليلات الجمهور، شكل الأميركيون من أصل أفريقي، 14 في المائة من السكان عام 2018. وأعلنت المؤسسة أن 73 في المائة من الأميركيين من أصل أفريقي الذين تبلغ أعمارهم 13 عاماً أو أكثر يلعبون ألعاب الفيديو، مقارنة بـ66 في المائة من إجمالي السكان. بالإضافة إلى ذلك، يعيش 90 في المائة من الأميركيين أصحاب الأصول الأفريقية في منزل يمتلك هاتفاً ذكياً.
من منظور نفسي، فإن التأكيدات على أن لعبة فيديو تظهر فيها شخصية رئيسية سوداء، لا يمكن بيعها، لا أساس لها من الصحة، حسب كاترينا ستاركس، عالمة النفس الإعلامي ومدرسة تصميم الألعاب.
وشرحت ستاركس: «في بحث أجريته، كان المشاركون يلعبون ألعاباً مختلفة، واحدة مع بطلة بيضاء وأخرى مع بطلة سوداء، وجاءت النتائج متشابهة للغاية. الواضح أن اهتمام الناس انصب على المغامرة في اللعبة، ولم تكن هناك دلالات سلبية فيما يتعلق بأعراق الشخصيات».
واستطردت ستاركس موضحة أن التمثيل يكتسب أهمية أكبر عندما يبدأ الأطفال في لعب ألعاب الفيديو. وتترك العلاقات مع الشخصيات في ألعاب الفيديو تأثيراً معرفياً اجتماعياً على اللاعبين، ويمكن أن تعزز الشعور بالهوية والدعم الاجتماعي.
وتابعت: «إن غياب الشخصيات السوداء في الألعاب مشكلة خطيرة للغاية، ذلك أن الأطفال أصحاب البشرة السمراء لا يرون أنفسهم أبطالاً، ولا يرون أنفسهم شخصيات تحل المشكلات وترتدي ملابس الأبطال. نحن نستحق أن نشعر بأن عوالم الألعاب هذه صممت من أجلنا أيضاً، وأننا ننتمي لهذا المجتمع».
بالإضافة إلى نقص التمويل، يواجه المبدعون السود في مجال صناعة الألعاب كذلك نقصاً هائلاً في الفرص. جدير بالذكر هنا، أن صناعة ألعاب الفيديو في الولايات المتحدة تخلق أكثر من 428 ألف وظيفة على الصعيد الوطني، طبقاً لما ذكرته رابطة تجارية. وخلص تقرير حديث إلى أن 2 في المائة فقط من المهنيين في صناعتها من السود.
ويعد نيل جونز واحداً من هؤلاء المطورين المحترفين. ويقول، إن الكثير من الشبكات التي يهيمن عليها نظراؤهم البيض تبقي على مطوري الألعاب من أصحاب البشرة السمراء خارج الأدوار الكبرى في استوديوهات الألعاب.

لقطة من لعبة الفيديو «نيفر ييلد» (نيل جونز)

وتابع جونز: «قررت التخلي عن صناعة الألعاب، لأنني حقاً لم أجد فرصة. لقد أمضيت نحو 10 سنوات في التقدم للوظائف. تاريخياً، لطالما كان لصناعة الألعاب نمط معين، ولم أكن أتفق معه. لذلك، قررت أن أصنع لعبة بنفسي».
عندما حصل جونز على ناشر وأطلق لعبته «نيفر ييلد»، وجه الشكر إلى مجتمع العاملين في مجال صناعة ألعاب الفيديو من أصحاب البشرة السمراء لما قدموه له من دعم خلال عمله. وقال: «هناك الكثير من مجموعات الألعاب السوداء التي تبحث عن الأشخاص السود في الصناعة. لقد دعموني دوماً، الأمر الذي جعلني أشعر أن اللعبة يمكن أن تحقق نجاحاً».
من ناحيتها، قالت إيه. إم. دارك، الأستاذة المساعدة للفنون الرقمية والإعلام الجديد في جامعة كاليفورنيا، إن الافتقار إلى الأصوات السوداء داخل الصناعة أدى، إلى ما وصفته بإضفاء الطابع السلعي على اللون الأسود في الفضاء الافتراضي.
وأضافت: «كنت أعمل في مشروع بمجال الواقع الافتراضي، ولأنني لم أكن أعمل في مجال التصميم ثلاثي الأبعاد، فقد استعنت بمصمم شخصيات، وبدأت البحث عن تسريحات للشعر الأسود في الأسواق ثلاثية الأبعاد، وسرعان ما أدركت أنها لم تأت بنتائج إيجابية».
وعن ذلك قالت: «أدركت أنه كان علي أن أعرف كيف يفكر شخص غير أسود البشرة. وتساءلت عن كلمات البحث التي تجعل الجسم الأسود مرئياً أمامهم؟» وفي خضم صياغتها لمصطلحات البحث الخاصة بها في إطار العمل، تلقت دارك نتائج مليئة بصور مسيئة ونمطية. ودفعتها هذه التجربة إلى إنشاء مكتبة «أوبين سورس أفرو هير»، وهي عبارة عن قاعدة بيانات نموذجية ثلاثية الأبعاد لأشكال الشعر الأسود وملمسه. ووفرت زمالتها لفنانين من أصحاب البشرة السمراء، تمويلاً لتقديم مجموعة متنوعة من تسريحات الشعر.
وأوضحت دارك، أن الفجوة في التمثيل تعكس الطريقة التي يدرك بها مديرو الاستوديوهات أصحاب البشرة البيضاء ما يعنيه أن يكون المرء أسود اللون.
من ناحيتها، أعربت شانا تي براينت، كبيرة المنتجين وخبيرة في صناعة الألعاب منذ 19 عاماً، عن اعتقادها بأن الصناعة لا تحتاج فقط إلى توظيف المزيد من المهنيين السود، وإنما كذلك لمعالجة مشاعر العداء داخل أماكن العمل من أجل الاحتفاظ بهم.

يُعرف نيل جونز صانع اللعبة على الإنترنت باسم الفارس الجوي (نيل جونز)

وقالت: «نحن نجلب المزيد من الأشخاص السود، رغم أن أعدادهم لا تزال صغيرة للغاية، في مقدمة مسارات التوظيف التي يجري التعيين بها، لكنهم أيضاً يخرجون من الحياة المهنية في مرحلة ما في وقت مبكر للغاية بسبب ما يتعرضون له من قمع».
وأضافت: «إن العداء نفسه داخل أماكن العمل، الذي يدفع المهنيين السود للخروج من مسار العمل التقني، يعمل كذلك على دفعنا للخروج من المساحات المجاورة، مثل المؤتمرات المهنية والفعاليات في مجال الشبكات والتقويمات الاجتماعية وما إلى ذلك. يعتمد الكثير من النجاح في مجال التكنولوجيا على الدمج، وعندما يجري حجب الوصول، فإنه يؤدي إلى مزيد من التهميش والخروج النهائي من الصناعة تماماً».
وقالت براينت، إن الأمر سيستغرق بعض الوقت لمعرفة تأثير الاحتجاجات التي طالبت إقرار العدالة العرقية عام 2020. واقترحت أن إحدى الطرق الفورية لإزالة الحواجز أمام محترفي صناعة السود واللاعبين، جعل مؤتمرات الألعاب أكثر شمولاً، بمشاركة كبار الشخصيات النافذة في صناعة المؤتمرات الكبرى، ومشاركتهم المعلومات الحيوية في بناء مستقبل مهني بمجال ألعاب الفيديو. ومع ذلك، يمكن أن تكلف معظم المؤتمرات آلاف الدولارات لحضورها. ويمول أرباب العمل العديد من المشاركين، ما قد يضع محترفي صناعة السود الذين لا يرتبطون باستوديو كبير في وضع غير مناسب.
خدمة: «نيويورك تايمز»*



إيران تبدي استعدادها للتعاون من أجل سلامة الملاحة البحرية في الخليج

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
TT

إيران تبدي استعدادها للتعاون من أجل سلامة الملاحة البحرية في الخليج

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

نقلت وكالة «مهر» شبه الرسمية للأنباء عن ممثل إيران لدى المنظمة البحرية الدولية قوله، اليوم (الأحد)، إن بلاده على استعداد للتعاون مع المنظمة التابعة للأمم المتحدة؛ لتحسين سلامة الملاحة البحرية وحماية البحارة في الخليج.

وقال علي موسوي إن مضيق هرمز لا يزال مفتوحاً أمام جميع السفن باستثناء تلك المرتبطة «بأعداء إيران»، مضيفاً أن المرور عبر هذا الممر المائي الضيق ممكن بالتنسيق مع طهران بشأن الترتيبات الأمنية.

وتابع موسوي قائلاً: «إن الدبلوماسية تبقى أولويةً لإيران، إلا أن وقف العدوان بشكل كامل، فضلاً عن بناء الثقة المتبادلة، أكثر أهمية».

وقال إن الهجمات الإسرائيلية والأميركية على إيران هي «السبب الرئيسي في الوضع الراهن في مضيق هرمز».

ومنح الرئيس الأميركي دونالد ترمب إيران مهلة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية، مهدِّداً بتدمير بنيتها التحتية للطاقة.

وحذَّرت إيران، في وقت مبكر من اليوم (الأحد)، من أنَّ أي ضربة لمنشآت الطاقة التابعة لها ستؤدي إلى هجمات على أصول الطاقة والبنية التحتية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.


من أوكيناوا إلى هرمز... إعادة «تموضع أميركي» تُقلق حلفاء آسيا

الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

من أوكيناوا إلى هرمز... إعادة «تموضع أميركي» تُقلق حلفاء آسيا

الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)

لم تُغيّر حربُ إيران، حتى الآن، الاستراتيجيةَ الدفاعية التي أعلنتها إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لكنها وضعتها تحت اختبار قاسٍ. فعلى المستوى النظري، ما زال ترتيب الأولويات المعلن قائماً: حماية «الوطن» ونصف الكرة الغربي وفق مقاربة «ملحق ترمب» لـ«عقيدة مونرو»، ثم ردع الصين في المحيطين الهندي والهادئ، مع تخفيف التورط الطويل والمكلف في الشرق الأوسط.

لكن على المستوى العملي، بدا أن واشنطن اضطرت إلى سحب أصول قتالية، ومنظومات دفاعية، وقوة بحرية - برمائية متقدمة، من المسرح الآسيوي؛ لإسناد الحرب ضدّ إيران. هنا يكمن جوهر الإرباك؛ إذ لم تعد المسألة سجالاً فكرياً بشأن ما إذا كانت آسيا هي الأولوية، بل أصبحت سؤالاً عملياً أكبر إلحاحاً: كيف يمكن الحفاظ على استراتيجية ردع الصين إذا كانت كل أزمة كبرى في الشرق الأوسط تفرض على الولايات المتحدة الاقتراض من قواتها الجاهزة في آسيا؟ هذا ما يقلق طوكيو وتايبيه وسيول، ويمنح بكين مادة دعائية ثمينة لتكرار أن «أميركا قوية؛ لكنها ليست دائماً الشريك الذي يمكن التعويل عليه عندما تتزاحم الجبهات».

«أولوية آسيا» لم تعد محصنة

الوثائق الرسمية لا تزال واضحة... فـ«استراتيجية الأمن القومي لعام 2025» تتحدث صراحة عن «ملحق ترمب لعقيدة مونرو» لاستعادة الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي، فيما تؤكد «استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026» أن الرهان الرئيسي هو «السلام عبر القوة» في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع زيادة تقاسم الأعباء مع الحلفاء بحيث يكون الدعم الأميركي «حاسماً لكنه محدود» على المسارح الأخرى.

جنود من مشاة البحرية الأميركية يترجلون من طائرة «أوسبري» خلال تدريب في أوكيناوا باليابان يوم 31 يناير 2025 (نيويورك تايمز)

نظرياً، هذا يعني أن الشرق الأوسط ليس ساحة استنزاف دائمة في سياسة ترمب الخارجية، بل هو مسرح يُفترض أن يُدار بضربات حاسمة وتكلفة سياسية وعسكرية أقل من الحروب الطويلة. غير أن حرب إيران كشفت عن حدود هذا الترتيب؛ فالرئيس ترمب يكرر أنه لا يريد «حرباً برية» جديدة، لكنه في الوقت نفسه يقول إن الولايات المتحدة ستفعل «ما يلزم». فيما أعلنت «رويترز» أن واشنطن تدفع آلافاً إضافيين من المارينز والبحارة إلى الشرق الأوسط، لينضمّوا إلى أكثر من 50 ألف عسكري موجودين أصلاً في المنطقة. هذا التناقض بين خطاب تقليص الانخراط، ووقائع التوسع العملياتي، هو ما يضعف صدقية «الأولوية الآسيوية» في نظر الحلفاء.

ما الذي نُقل من آسيا؟

الحديث لم يقتصر على إمكان نقل بطاريات «باتريوت» من كوريا الجنوبية، بما يحمله ذلك من دلالات سياسية في شبه الجزيرة الكورية، بل شمل أيضاً قوة بحرية - برمائية متقدمة من اليابان. فقد أكدت تقارير عسكرية أن السفينة الهجومية البرمائية «تريبولي» اتجهت إلى الشرق الأوسط مع عناصر من «الوحدة الـ31» الاستكشافية البحرية، وهي قوة متمركزة في أوكيناوا اليابانية وتُعدّ من أهم أدوات الاستجابة السريعة الأميركية في غرب المحيط الهادئ. كما أظهرت بيانات التتبع عبور مجموعة «تريبولي» المؤلفة من 3 سفن ونحو 2200 من المارينز، مضيق ملقا بجنوب شرقي آسيا في طريقها إلى المنطقة. وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن هذه القوة صُممت أصلاً لسيناريوهات الجزر والنزاعات الساحلية في آسيا، أي لبيئة قريبة مباشرة من أي أزمة محتملة حول تايوان أو البحار المحيطة باليابان.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس الماضي (رويترز)

قلق الحلفاء الآسيويين هنا ليس مبالغاً فيه؛ لأنه لا يتعلق بمجرد سفينة نقل، أو تدوير روتيني للقوات، بل بإعادة توجيه أداة ردع كاملة من مسرح حساس إلى آخر... فـ«تريبولي» ليست مجرد منصة برمائية، بل سفينة هجومية يمكن تشغيلها أيضاً على أنها «حاملة خفيفة»، وقد اختبرت سابقاً مفهوم نشر أعداد كبيرة من مقاتلات «إف35 بي» على متنها. وحين تُسحب هذه القدرة من آسيا، فإن الرسالة لا تُقاس فقط بعدد الجنود، بل بنوعية القوة التي غادرت.

وإلى جانب القوة البرمائية المتقدمة التي تحركت من اليابان، قالت صحيفة «وول ستريت جورنال» إن واشنطن دفعت أيضاً بتعزيزات برمائية إضافية من كاليفورنيا، تمثلت في مجموعة «بوكسر» البرمائية و«وحدة المارينز الـ11» وقوامها 2500 جندي، بما يدل على أن الحرب لم تعد تقتصر على إعادة توزيع الأصول في آسيا، بل باتت تستدعي قوات إضافية من البر الأميركي نفسه.

نقص الذخائر والجاهزية

هذا هو بالتحديد ما بدأ يلفت نظر مراكز البحث والخبراء. وفق معهد «بروكينغز»، فإن اليابان لن تجد كثيراً من الطمأنينة ما دامت واشنطن تعيد توجيه موارد عسكرية من آسيا إلى الشرق الأوسط؛ من السفن إلى منظومات الدفاع الجوي والمارينز في أوكيناوا، عادّةً أن الاضطراب الحالي يصدر من واشنطن نفسها بقدر ما يفرضه الخصوم.

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من «مشاة البحرية - المارينز» تبحر في الشرق الأوسط (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي الاتجاه نفسه، حذّرت دراسة حديثة من «مكتب المحاسبة» الحكومي الأميركي بأن الجاهزية العسكرية الأميركية تدهورت على مدى العقدين الماضيين؛ بسبب صعوبة الموازنة بين الطلب العملياتي والتحديث والاستدامة.

من جهتها، كتبت صحيفة «واشنطن بوست» أن حرب إيران أدت إلى «تآكل ردع أميركا الصين»؛ لأن الموارد التي تُستهلك في الشرق الأوسط تصبح غير متاحة للمحيط الهادئ؛ من صواريخ الدفاع الجوي، إلى المدمرات وناقلات التزود بالوقود، حتى وسائط الاستطلاع. وتكتسب هذه الحجة وزناً أكبر لأنها لا تنطلق من رفض مبدئي للعمل العسكري، بل من سؤال الجاهزية: كيف يمكن ردع خصم بحجم الصين إذا كانت الصيانة والتدريب والمخزون البعيد المدى كلها تُستنزف في مسارح أخرى؟

ويضاف إلى ذلك بُعد آخر أعلى حساسية، هو استنزاف الذخائر بعيدة المدى. فقد أوردت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن تايوان تراقب بقلق الاستهلاك الأميركي الكثيف لصواريخ «JASSM-ER» و«توماهوك» في حرب إيران، خشية أن يُضعف ذلك الجاهزية الأميركية في أي مواجهة مستقبلية مع الصين.

بكين و«موعد 2027»

في قلب هذا المشهد يبرز عام 2027 بوصفه التاريخ الذي ارتبط خلال السنوات الأخيرة بتقديرات بشأن تسارع الجاهزية الصينية حيال تايوان. صحيح أن التقديرات الاستخبارية الأميركية الأحدث قالت إن بكين لا تخطط حالياً لضمّ تايوان في ذلك العام، لكن وزير الدفاع التايواني، ويلينغتون كو، شدّد قبل أيام على أن التهديد الصيني «ضاغط وخطير جداً»، وأن الردع الفعّال هو وحده ما يمكن أن يجعل أي هجوم يبدو عالي التكلفة ومنخفض فرص النجاح. هذا يعني أن المسألة لم تعد تاريخاً جامداً، بل معادلة ردع متغيرة: كلما بدت الولايات المتحدة أعلى عرضة للتشتيت، بدت بكين أكبر ميلاً إلى اختبار حدود هذا الردع.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نظيره الصيني شي جينبينغ قبل اجتماعهما في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)

ومن هنا أيضاً يمكن فهم قلق الحلفاء وتأجيل زيارة ترمب الصين. فقد كان مقرراً أن يناقش ترمب والرئيس الصيني، شي جينبينغ، ملفات: تايوان، والرسوم، والرقائق، والمعادن النادرة... في نهاية هذا الشهر، لكن الحرب على إيران قلبت جدول الأولويات، وأُرجئت الزيارة أسابيع عدة.

بالنسبة إلى اليابان، التي تعتمد بشدة على نفط الخليج وتخشى الصين في آن معاً، تبدو المعادلة أشد تعقيداً: فهي لا تريد إضعاف التحالف مع واشنطن، لكنها لا تريد أيضاً أن يتحول الصراع مع إيران إلى ثقب أسود يبتلع التركيز الأميركي.

الخلاصة أن حرب إيران لم تُلغِ «أولوية الصين» في استراتيجية ترمب، لكنها كشفت عن أنها أولوية قابلة للتغيير وليست محصنة. فحين تُنقل بطاريات دفاع من كوريا الجنوبية، وتتحرك «تريبولي» مع المارينز المرتبطين بأوكيناوا إلى الشرق الأوسط، ويحذر الخبراء من أثر ذلك على الجاهزية والردع، يصبح السؤال أقل تعلقاً بما تقوله واشنطن عن أولوياتها، وأكبر ارتباطاً بما تستطيع فعلاً الحفاظ عليه عندما تتعدد الجبهات. وهذا بالضبط ما تراقبه بكين اليوم، وما يخشاه حلفاء أميركا في آسيا.


الصين تتعهّد بـ«معاملة وطنية» للمستثمرين الأجانب لطمأنة الأسواق العالمية

يظهر رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ على شاشة كبيرة خلال إلقائه خطابه في افتتاح منتدى التنمية الصيني (أ.ب)
يظهر رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ على شاشة كبيرة خلال إلقائه خطابه في افتتاح منتدى التنمية الصيني (أ.ب)
TT

الصين تتعهّد بـ«معاملة وطنية» للمستثمرين الأجانب لطمأنة الأسواق العالمية

يظهر رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ على شاشة كبيرة خلال إلقائه خطابه في افتتاح منتدى التنمية الصيني (أ.ب)
يظهر رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ على شاشة كبيرة خلال إلقائه خطابه في افتتاح منتدى التنمية الصيني (أ.ب)

تعهَّد رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ، يوم الأحد، بمواصلة انفتاح الاقتصاد وتطبيق المعاملة الوطنية للشركات الأجنبية بشكل كامل، في مسعى استباقي لطمأنة الأسواق العالمية وتخفيف حدة التوترات التجارية المتزايدة. وتأتي هذه الوعود في وقت يواجه فيه ثاني أكبر اقتصاد في العالم ضغوطاً متصاعدة؛ بسبب فائض تجاري قياسي، وقبيل زيارة مرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي سبق وأرجأ زيارته؛ نتيجة التطورات العسكرية في الشرق الأوسط بين واشنطن وطهران. بينما رسم صندوق النقد الدولي خريطة طريق لـ«فصل جديد» من النمو الصيني يرتكز على قوى السوق والاستهلاك، لا الاستثمار الموجه.

وقالت وسائل الإعلام الرسمية إن الصين ستركز على تعزيز التنمية عالية الجودة، وستواصل تهيئة بيئة أعمال مواتية، لكي تتمكَّن الشركات المقبلة إلى الصين من التطوُّر بثقة وتحقيق نجاح باهر.

هذه التصريحات جاءت خلال منتدى التنمية الصيني، الذي يُعدّ منصةً لبكين للترويج لمسارها الاقتصادي وفرص الاستثمار المتاحة أمام قادة الأعمال الأجانب، والمسؤولين الصينيين، والاقتصاديين، والأكاديميين.

زيارة ترمب

تكتسب هذه التحركات الصينية أهميةً استثنائيةً بالنظر إلى توقيتها؛ إذ يأتي انعقاد المنتدى في ظلِّ تصاعد حدة الخلافات مع الشركاء التجاريين الرئيسيين، مدفوعةً بفائض تجاري قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار. كما تسبق هذه التعهدات زيارة مرتقبة ومفصلية للرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتي تأتي بعد إرجاء موعدها السابق في أواخر مارس (آذار)؛ نتيجة التوترات العسكرية التي شهدتها المنطقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، مما يضع بكين تحت مجهر الاختبار لإثبات جديتها في الانفتاح الاقتصادي قبل مواجهة الضغوط الحمائية المحتملة من الإدارة الأميركية.

ومن بين كبار المسؤولين التنفيذيين الحاضرين، مسؤولون من شركات «أبل»، و«سامسونغ» للإلكترونيات، و«فولكس فاغن»، «برودكوم» لصناعة الرقائق الإلكترونية، ومجموعة «سيمنز» الصناعية، و«باسف» للمواد الكيميائية، و«نوفارتس» للأدوية.

ولم يُدرَج أي مسؤول تنفيذي من الشركات اليابانية في قائمة المدعوين على موقع المنتدى الإلكتروني.

الرئيس التنفيذي لشركة «أبل» تيم كوك يتحدث في افتتاح منتدى التنمية الصيني (أ.ف.ب)

وقال لي إن الصين ستستورد مزيداً من السلع عالية الجودة، وستعمل مع شركائها التجاريين؛ لتعزيز التنمية التجارية المتوازنة وتوسيع نطاق التجارة العالمية، واصفاً الصين بأنها ملتزمة بأن تكون «حجر الزاوية للاستقرار»، و«ملاذاً آمناً» للاقتصاد العالمي. وأوضح أن الانفتاح والتقدم التكنولوجي ضروريان لخلق أسواق جديدة.

هذا وأفادت وكالة أنباء «شينخوا» بأن نائب رئيس مجلس الدولة الصيني، هي ليفنغ، التقى يوم السبت كبار ممثلي الشركات متعددة الجنسيات، بما في ذلك «إتش إس بي سي»، و«يو بي إس»، و«شنايدر إلكتريك»، و«ستاندرد تشارترد».

وفي المنتدى نفسه، قال محافظ البنك المركزي الصيني (بنك الشعب)، بان غونغشنغ، إن البنك سيواصل تطبيق سياسة نقدية توسعية مناسبة. وأوضح بان أن «بنك الشعب» الصيني سيستخدم بشكل شامل أدوات السياسة النقدية، مثل نسبة الاحتياطي الإلزامي، وسعر الفائدة، وعمليات السوق المفتوحة؛ للحفاظ على سيولة كافية.

صندوق النقد الدولي

من جهته، أكد النائب الأول للمدير العام لصندوق النقد الدولي، دان كاتس، أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بمرحلة من التغييرات المتلاحقة والصدمات المتكررة، مشدداً على أن قدرة الصين على صياغة «فصل جديد» من النمو تعتمد بشكل أساسي على إطلاق عنان قوى السوق، وإعادة التوازن نحو الاستهلاك المحلي.

وحذَّر كاتس من المخاطر الجيوسياسية الراهنة، مشيراً إلى أن الصراع في منطقة الشرق الأوسط أوجد مصدراً جديداً للمخاطر في وقت بدأ فيه الاقتصاد العالمي يظهر بوادر مرونة. ودعا البنوك المركزية العالمية إلى تبني سياسات «مرنة» وتجنب القرارات المتسرعة في مواجهة صدمات الطاقة، مؤكداً أن «الانتظار للحصول على وضوح أكبر» قد يكون الخيار الأفضل حالياً لضمان استقرار الأسعار.

وبالانتقال إلى الشأن الصيني، قال كاتس: «إن قوى السوق هي المفتاح لفتح المرحلة التالية من النمو الاقتصادي في الصين»، داعياً صناع السياسة الصينيين إلى المضي قدماً في 3 ركائز إصلاحية أساسية:

1- تكافؤ الفرص: تقليص الدعم الموجه لشركات بعينها، ومنح الشركات الخاصة والأجنبية مساحةً عادلةً للمنافسة، وهو ما قد يرفع الناتج المحلي الإجمالي للصين بنسبة تصل إلى 2 في المائة.

2- تسعير رأس المال: ضرورة توجيه التمويل نحو القطاعات الأكثر إنتاجية بدلاً من دعم الشركات الضعيفة، مع تسريع وتيرة التصحيح في القطاع العقاري.

3- تنمية قطاع الخدمات: يرى صندوق النقد أن هناك مساحةً هائلةً لنمو قطاعات الصحة والتعليم والخدمات المهنية، والتي تعدُّ محركات أكثر استدامةً للإنتاجية من التصنيع التقليدي.

وشدَّد على ضرورة تطور دور الدولة في الصين، بحيث تتحوَّل من «موجه مباشر» للاستثمارات نحو صناعات محددة، إلى «بناء البيئة والمناخ» الذيين يسمحان للابتكار والقطاع الخاص بقيادة الموارد الهائلة نحو المجالات الأكثر قيمة.

واختتم كاتس كلمته بالتأكيد على أن تحوُّل الصين نحو اقتصاد تقوده السوق ليس مصلحة وطنية فحسب، بل هو ضرورة عالمية، قائلاً: «هذا التحوُّل سيكون جيداً للصين. وفي عالم يحتاج إلى ديناميكية واستقرار، سيكون جيداً لنا جميعاً».