إيطاليا: دراغي أنهى تعايشه الهش مع الشعبويين واليمين

وسط قلق داخلي وأوروبي... من تزايد نفوذ المتطرفين

دراغي يقدم استقالته للرئيس ماتاريلا اول من أمس (أ.ف.ب)
دراغي يقدم استقالته للرئيس ماتاريلا اول من أمس (أ.ف.ب)
TT

إيطاليا: دراغي أنهى تعايشه الهش مع الشعبويين واليمين

دراغي يقدم استقالته للرئيس ماتاريلا اول من أمس (أ.ف.ب)
دراغي يقدم استقالته للرئيس ماتاريلا اول من أمس (أ.ف.ب)

انسدل الستار مساء الأربعاء الفائت على مهزلة الأزمة الحكومية الإيطالية عندما أطلق البرلمان رصاصة الرحمة على حكومة ماريو دراغي، وذلك بعدما رفضت الأحزاب اليمينية في الائتلاف الذي يرأسه التصويت على الثقة في مجلس الشيوخ، وانضمّت إليها حركة «النجوم الخمس». هذا الوضع سبب الانفجار الذي انتهى بإطاحة الحكومة في مرحلة بالغة الدقة على الصعيدين المحلي والأوروبي، وأنهى سبعة عشر شهراً من الولاية التي كانت إيطاليا قد استعادت خلالها موقعاً رياديّاً على الساحة الدولية لم تعرفه منذ عقود. وللعلم، منذ عقود لم يعد سقوط الحكومات الإيطالية يحرّك ساكناً في الوسط الأوروبي الذي يعتبره من الظواهر المألوفة في بلد لا يتجاوز معدّل بقاء الحكومات فيه ثلاثة عشر شهراً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. إلا أن سقوط دراغي على يد حلفائه في الائتلاف الحاكم يأتي في أحرج مراحل التوتر الجيو-استراتيجي مع روسيا، ويطلق صفارات الإنذار في بروكسل، حيث يُخشى أن تتحول إيطاليا - الاقتصاد الثالث في منطقة اليورو - إلى «كعب أخيل» المواجهة الأوروبية مع موسكو، وفي أسوأ الاحتمالات... إلى «حصان طروادة» في خدمة مصالح روسيا الاستراتيجية.
تعود البداية العملية الظاهرة للأزمة الإيطالية الأخيرة إلى منتصف الأسبوع الماضي عندما قررت حركة «النجوم الخمس» ألا تصوّت في مجلس الشيوخ على حزمة من التدابير كانت طرحتها الحكومة. وكانت ذريعة الحركة أن ماريو دراغي رفض التجاوب مع ورقة المطالب التي تقدمت بها لمعالجة بعض جوانب الأزمة الاجتماعية الحادة التي تعاني منها إيطاليا.
وفي المقابل، مع أن الحركة لم تربط موقفها من التصويت في مجلس الشيوخ بالثقة في الحكومة، أصر دراغي على اعتباره أن رفض طرف أساسي في الائتلاف الحاكم التصويت على حزمة التدابير يعادل سحب الثقة من الحكومة. ومن ثم، أعلن استقالته لعدم توفر الثقة اللازمة لمواصلة مهامه وحمل قراره إلى رئيس الجمهورية سرجيو ماتاريلا الذي سارع إلى رفض الاستقالة، وطلب من دراغي المثول يوم الأربعاء أمام البرلمان لطرح الثقة، مفسحاً بذلك المجال لإيجاد تسوية تنهي الأزمة وتحول دون اضطراره لحل البرلمان والدعوة لإجراء انتخابات عامة مسبقة.
عادة تدمير الذات

                                                                            دي مايو
في الحقيقة، موقف «النجوم الخمس» من التصويت في مجلس الشيوخ، الذي كان السبب التقني المباشر في انفجار الأزمة، لم يكن سوى القشّة التي قصمت ظهر البعير بعد أشهر من الابتزازات التي كان دراغي يتعرّض لها من الأحزاب الأطراف في الائتلاف الحاكم، خصوصاً حزب «الرابطة» اليميني المتطرف. هذه الابتزازات دفعت دراغي غير مرة إلى القول بأن الحكومة لا يمكن أن تواصل عملها وتنفّذ الإصلاحات التي قامت لأجلها طالما استمرت الأحزاب في تغليب مصالحها الخاصة... وخوض المعركة الانتخابية قبل موعدها من داخل الحكومة.
لعل ما دفع دراغي إلى اتخاذ هذا الموقف المتشدد، الذي ربما حمل من الخطأ في الحسابات بقدر ما حمل من قلة معرفة كافية بقدرة الأحزاب السياسية الإيطالية على تدمير الذات، كانت خشيته من تنامي النزعة الابتزازية لدى أطراف الائتلاف مع اقتراب موعد الانتخابات العامة في ربيع العام المقبل. وكذلك الحاجة الماسة لبعض القوى السياسية الشعبوية، مثل «الرابطة» و«النجوم الخمس»، لاستعادة الشعبية التي خسرتها في الفترة الأخيرة. يضاف إلى ذلك أن العوامل الضاغطة التي تولّدت منها «حكومة الأضداد»، مثل الوضع الاقتصادي المتردي وتبعات الجائحة وفشل الأحزاب السياسية المتكرر في إيجاد الحلول وتحقيق الاستقرار، كان من الطبيعي أن تُبدّى عليها مقتضيات التموقع والاستعداد للانتخابات العامة التي غالباً ما يخيّل للمرء.
على الضفة اليمينية من المشهد السياسي يعاني حزب «الرابطة» من تراجع ملحوظ في شعبيته لصالح منافسه المتطرف «إخوان إيطاليا»، وهو الحزب البرلماني الوحيد الذي رفض المشاركة في حكومة دراغي، والذي ترجّحه كل الاستطلاعات للفوز في الانتخابات المقبلة. وبعدما كانت شعبية «الرابطة» بزعامة ماتيو سالفيني ضعفي شعبية «إخوان إيطاليا» بزعامة جيورجيا ميلوني، انقلبت المعادلة اليوم وأصبحت ميلوني، الطالعة من صفوف الحزب الفاشي الإيطالي، هي المرشّحة الأوفر حظاً لتولّي رئاسة الحكومة بعد الانتخابات المقبلة. وفعلاً، بدأت التسريبات تتحدث عن قائمة تضعها بأسماء الوزراء الذين تنوي تعيينهم.

                                                                             ميلوني
ميلوني تتصدر اليمين
كانت ميلوني قد قررت خوض الانتخابات البلدية الأخيرة منفردة، رافضة التحالف مع حزبي «الرابطة» و«فورتسا إيطاليا» (حزب سيلفيو برلوسكوني)، ما دفع بسالفيني إلى إطلاق حملته الانتخابية مبكراً من داخل حكومة دراغي... الذي اضطر في أكثر من مناسبة للتحذير من عواقب هذا السلوك على نشاط الحكومة واحتمالات صمودها.
أما حركة «النجوم الخمس»، التي تملك أكبر الكتل في البرلمان الحالي، فهي حال تفكك وانهيار شبه نهائي بعد الهزائم التي أصيبت بها في جميع المواعيد الانتخابية الأخيرة، وأيضاً بعد الانشقاق الذي قاده مطلع الشهر الجاري زعيمها السابق ووزير الخارجية الحالي لويجي دي مايو بسبب الخلاف داخل الحركة حول تزويد أوكرانيا بالمزيد من المساعدات العسكرية. وكانت «النجوم الخمس» أوشكت التعرّض لانشقاق جديد أعمق من السابق خلال الأزمة الحكومية الراهنة عندما رفضت مجموعة من البرلمانيين الموقف المتشدد الذي اتخذه الزعيم الحالي ورئيس الحكومة السابق جيوزيبي كونتي بعدم التصويت على الثقة في الحكومة إذا لم يتجاوب دراغي مع ورقة المطالب التي تقدمت بها. وليس مستبعداً أن يحصل هذا الانشقاق في غضون الأيام أو الأسابيع المقبلة، بعد أن تخمد نار الأزمة ويفتح «بازار» التحالفات تأهباً للانتخابات العامة التي من المرجح أن تُجرى مطلع أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
وبعد خمسة أيام من الإثارة التي غذّتها الضغوط المحلية والدولية الواسعة لإقناع الرئيس شبه المستقيل بالعودة عن قراره، والصمت المطبق الذي لزمه دراغي طوال هذه الفترة، ذهب الحاكم السابق للبنك المركزي إلى البرلمان وأدلى بخطبة عصماء. في هذه الخطبة عرض دراغي الإنجازات الكبرى التي حققتها حكومته منذ مطالع العام الفائت، والأسباب التي حدت به إلى اعتبار أن الشروط اللازمة لبقائه في الحكم لم تعد متوافرة، مشدداً على ضرورة استعادة الثقة للاستمرار في منصبه حتى نهاية الولاية التشريعية. لكنه، في المقابل، ترك الباب مفتوحاً أمام احتمال العودة، وعزا ذلك في الأيام التي تلت إعلان دراغي استقالته موجة غير مسبوقة من التظاهرات الشعبية والنداءات الصادرة عن النقابات المهنية والهيئات الطلابية ومنظمات المجتمع المدني التي تناشده العودة عن قراره، فضلاً عن أكثر من ألف رئيس بلدية وقعوا عريضة تدعوه للبقاء في منصبه.
شروط دراغي
وختم دراغي خطابه في مجلس الشيوخ مساء الأربعاء مشترطاً لعودته الدعم الواضح من الأحزاب السياسية التي ألقى الكرة في ملعبها، من غير أن ينسى توجيه بعض السهام إلى القوى الشعبوية التي لمح إلى مسؤوليتها عن الأزمة، وإلى أنه لا يأمن شرّها في حال بقائه.
دراغي كان عرض أيضاً التحديات الكبرى التي ما زالت تواجه إيطاليا، مبدياً استعداده لمواصلة العمل إذا تعهدت الأحزاب السياسية التوقيع على «خارطة طريق» تكون بمثابة برنامج عمل للحكومة خلال الأشهر المتبقية من ولايتها، ليشدد بعد ذلك على أن «إيطاليا ليست بحاجة لثقة صورية تتلاشى أمام أي تدبير أو إجراء غير مريح تتخذه الحكومة، بل هي بحاجة إلى ميثاق ثقة جديد، صادق وواضح». وختم بسؤال موجه إلى الأحزاب السياسية كرره ثلاث مرات «هل أنتم على استعداد لإعادة بناء هذا الميثاق؟»... قبل أن يسألهم مجدداً «هل أنتم جاهزون لبذل الجهد الذي بذلتموه في الأشهر الأولى من عهد الحكومة؟».
دراغي أوضح من جهة ثانية، أن شروط بقائه على رأس الحكومة تنحصر في حصوله على أكبر دعم ممكن، مع الضمانات اللازمة لتنفيذ الإصلاحات الأساسية من أجل الحصول على مساعدات صندوق الإنعاش الأوروبي التي تزيد عن 230 مليار دولار... وأيضاً لمواصلة تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا الذي يعترض عليه جناح كبير في حركة «النجوم الخمس» وحزب «الرابطة»، فيما يؤيده «إخوان إيطاليا» الحزب الوحيد في المعارضة.
هذا، وفاجأ دراغي الجميع بلهجة خطابه القاسية، وهو الذي اعتاد على التصريحات الهادئة والمعتدلة. كذلك كانت لافتة الانتقادات الشديدة التي استهدفت حزب «الرابطة»، الذي بدا الانزعاج واضحاً على زعيمه ماتيو سالفيني عندما امتنع عن التصفيق في نهاية الخطاب وأوعز إلى من كان قربه بعدم التصفيق.
وبعدها قال إن الشرعية الديمقراطية الوحيدة التي يمكن أن يستند إليها رئيس وزراء مثله لم يخرج من صناديق الاقتراع، هو أوسع دعم ممكن من البرلمان، خصوصاً عندما يتخذ قرارات تؤثر على حياة المواطنين، رافضاً ما قيل إنه يسعى للحصول على صلاحيات مطلقة، ومؤكداً «إن السبيل الوحيد لمواصلة الطريق هو إعادة ترميم الميثاق من البداية، بجرأة وترفّع عن المصالح الفردية والحزبية الضيقة».
وبعدما امتدح دراغي الأحزاب السياسية على أدائها في المرحلة الأولى حين تمكنت الحكومة من تحقيق إنجازات كبيرة، انتقد سلوكها في الفترة الأخيرة عندما بدأت تبدّي مصالحها وحساباتها الانتخابية على المصلحة الوطنية العليا. ووجّه سهاماً مباشرة إلى جيوزيبي كونتي زعيم «النجوم الخمس»، إذ قال «ان رفض التصويت في البرلمان على قرار حكومي هو موقف واضح لا يمكن تجاهله ولا التقليل من شأنه، خاصة أنه جاء بعد سلسلة التهديدات والإنذارات المتكررة».
«انتحار سياسي» أم «اغتيال»؟
تعليقاً على ما حصل وقيل، رأى البعض في ذلك الخطاب عملية «انتحار سياسي» أقدم عليها دراغي، بينما ذهب آخرون إلى أنه كان اتخذ قراره بالرحيل بعدما تيقّن من أن الأحزاب السياسية دخلت منذ فترة في حملة انتخابية غير معلنة. ومن ثم، لن تسمح لحكومته بمواصلة عملها حسب البرنامج المتفق عليه. ولا يغيب عن الذين يتابعون هذا «الاغتيال» السياسي الذي استهدف أبرز الشخصيات التي عرفتها إيطاليا في العقود الأخيرة، أنه بعد سقوط رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون - الذي تميّز بشراسة مواقفه من الغزو الروسي لأوكرانيا - يشكّل سقوط ماريو دراغي على يد حلفائه في الحكم، وضد إرادة الغالبية الساحقة من الشعب الإيطالي، انتكاسة كبيرة للجهود الأوروبية في مواجهة موسكو... التي كان دراغي يتزعمها في الفترة الأخيرة رغم معارضة شريحة واسعة من الرأي الإيطالي للصدام مع موسكو.
ويُذكر هنا أنه بعد كانت التحذيرات الأوروبية والأطلسية من «الهجمات» الروسية الهجينة التي تهدد الأنظمة الغربية بهدف زعزعة استقرارها وضرب مصالحها تكتفي بالعموميات، فإنها أصبحت الآن توجّه أصابع الاتهام بوضوح ودقة إلى روسيا. وفي هذا الإطار لم يتردد لويجي دي مايو، وزير الخارجية الإيطالي والزعيم السابق لحركة «النجوم الخمس» التي انشق عنها، في اتهام مفتعلي الأزمة بأنهم «قدّموا رأس دراغي على طبق من فضة لفلاديمير بوتين».
كذلك، كان الناطق بلسان المفوضية الأوروبية قد صرّح مطلع هذا الأسبوع بأن ثمّة مناورة روسية وراء استقالة رئيس الوزراء الإيطالي، وأن موسكو تحاول زعزعة الاتحاد الأوروبي عن طريق التأثير في السياسات الداخلية للبلدان الأعضاء، إلى جانب نشرها الأنباء والمعلومات المضللة، وأن ثمة أطرافا داخلية تستخدمها موسكو لشنّ الهجمات الهجينة على الدول الأعضاء.
لكن لفت مساء الأربعاء الماضي، بعدما تأكدت استقالة دراغي أن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين حرصت على النأي بنفسها عن الأزمة الإيطالية، مكتفية بالقول بأن تعاونها كان وثيقاً دائماً مع دراغي، وأنها تأمل في مواصلة هذا التعاون من السلطات الإيطالية في كل القضايا والأولويات الأوروبية. وحول هذه النقطة، كانت الكتلة الاشتراكية في البرلمان الأوروبي قد أعربت عن دهشتها من الدور الذي لعبه الحزب الشعبي الأوروبي (يمين محافظ) الذي تنتمي إليه فون در لاين ورئيسة البرلمان روبرتا ميتسولا في إسقاط ماريو دراغي، وهو ما وصفته رئيسة الكتلة بأنه كارثة لإيطاليا وللاتحاد الأوروبي. ويعتبر الاشتراكيون الأوروبيون أن الكتلة الشعبية المحافظة في البرلمان الأوروبي، التي يرأسها الألماني مانفريد ويبير، لعبت دوراً في تحريض حزب برلوسكوني على اتخاذ الموقف الذي أدّى في النهاية إلى إسقاط دراغي. وتجدر الإشارة إلى أن اسم دراغي مطروح بقوة في الأوساط الأوروبية لرئاسة المفوضية بعد انتهاء ولاية فون در لاين التي تطمح إلى تجديدها، علماً أن ويبير هو أيضاً من المرشحين لخلافتها.

إيطاليا... هل باتت «بوابة» روسيا إلى أوروبا؟
> إلى جانب القلق التقليدي الذي يتملّك الأوساط السياسية والاقتصادية الأوروبية كلّما تعرّض المشهد الإيطالي للاهتزاز، تتحدث المصادر الدبلوماسية منذ فترة عن أن إيطاليا تحولت منذ أسابيع إلى بوابة واسعة لدخول ورواج النظريات التي تنتقد موقف الاتحاد الأوروبي من الحرب في أوكرانيا. وتضيف أن العديد من وسائل الإعلام الإيطالية - معظمها تابع للمجموعة العملاقة التي يملكها سيلفيو برلوسكوني - تروّج للنظرية التي مفادها أن العقوبات الأوروبية ضد موسكو تلحق ضرراً كبيراً بالاقتصاد الأوروبي ولا تؤثر كثيراً على روسيا.
وحقاً، تنظر بروكسل إلى إيطاليا على أنها الحلقة الأضعف في الجبهة الأوروبية الموحدة ضد موسكو، إذ أنها لا تملك محطات نووية لتوليد الطاقة، وتعتمد بنسبة 70 في المائة على المصادر الخارجية لتلبية احتياجاتها من المحروقات، نصفها من روسيا. ويضاف إلى ذلك أن إيطاليا، التي هي القوة الاقتصادية والصناعية الثالثة في أوروبا، تستورد 93 في المائة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي - أي أكثر من ألمانيا - الذي يشكّل 45 في المائة من استهلاكها.
وهكذا، يخشى الأوروبيون أن ينقلب الرأي العام في بلدان مثل إيطاليا والمجر ضد العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا إذا طالت الحرب الأوكرانية، ولجأت موسكو إلى قطع إمدادات الغاز بشكل كامل. وكان استطلاع أجراه المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أخيراً، قد أظهر أن إيطاليا هي أقل الدول تأييداً لأوكرانيا في الاتحاد الأوروبي، حيث يعتقد 56 في المائة فقط من الإيطاليين أن مسؤولية الحرب تقع على عاتق روسيا، مقابل 80 في المائة في البلدان الأوروبية الأخرى. لكن رغم ذلك، كان ماريو دراغي يقود المبادرات الأوروبية في المواجهة مع موسكو، وكان الزعيم الأول لدولة أوروبية كبرى يعلن تأييده الصريح لقبول طلب ترشيح أوكرانيا لعضوية الاتحاد الأوروبي.


مقالات ذات صلة

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

أصبح برنامج «تشات جي بي تي» الشهير الذي طورته شركة الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي» متاحا مجددا في إيطاليا بعد علاج المخاوف الخاصة بالخصوصية. وقالت هيئة حماية البيانات المعروفة باسم «جارانتي»، في بيان، إن شركة «أوبن إيه آي» أعادت تشغيل خدمتها في إيطاليا «بتحسين الشفافية وحقوق المستخدمين الأوروبيين». وأضافت: «(أوبن إيه آي) تمتثل الآن لعدد من الشروط التي طالبت بها الهيئة من أجل رفع الحظر الذي فرضته عليها في أواخر مارس (آذار) الماضي».

«الشرق الأوسط» (روما)
العالم إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

في الخامس والعشرين من أبريل (نيسان) من كل عام تحتفل إيطاليا بـ«عيد التحرير» من النازية والفاشية عام 1945، أي عيد النصر الذي أحرزه الحلفاء على الجيش النازي المحتلّ، وانتصار المقاومة الوطنية على الحركة الفاشية، لتستحضر مسيرة استعادة النظام الديمقراطي والمؤسسات التي أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم. يقوم الدستور الإيطالي على المبادئ التي نشأت من الحاجة لمنع العودة إلى الأوضاع السياسية التي ساهمت في ظهور الحركة الفاشية، لكن هذا العيد الوطني لم يكن أبداً من مزاج اليمين الإيطالي، حتى أن سيلفيو برلوسكوني كان دائماً يتغيّب عن الاحتفالات الرسمية بمناسبته، ويتحاشى المشاركة فيها عندما كان رئيساً للحكومة.

شوقي الريّس (روما)
شمال افريقيا تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

أعلنت الحكومة المصرية عن عزمها تعزيز التعاون مع إيطاليا في مجال الاستثمار الزراعي؛ ما يساهم في «سد فجوة الاستيراد، وتحقيق الأمن الغذائي»، بحسب إفادة رسمية اليوم (الأربعاء). وقال السفير نادر سعد، المتحدث الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء المصري، إن السفير الإيطالي في القاهرة ميكيلي كواروني أشار خلال لقائه والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، (الأربعاء) إلى أن «إحدى أكبر الشركات الإيطالية العاملة في المجال الزراعي لديها خطة للاستثمار في مصر؛ تتضمن المرحلة الأولى منها زراعة نحو 10 آلاف فدان من المحاصيل الاستراتيجية التي تحتاج إليها مصر، بما يسهم في سد فجوة الاستيراد وتحقيق الأمن الغذائي». وأ

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.