مأزقا الرئاستين الكردية والشيعية مستمران في العراق

بارزاني وطالباني لم يتوافقا على مرشح... والخلافات عرقلت اللجنة المصغرة لـ«التنسيقي»

TT

مأزقا الرئاستين الكردية والشيعية مستمران في العراق

لم يتمكن الحزبان الكرديان الرئيسيان في إقليم كردستان من حسم مرشحهما لرئاسة الجمهورية، كما لم تتمكن اللجنة المصغرة التي كلفتها قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي حسم ملف رئاسة الوزراء حتى الآن من الاتفاق على اسم من بين 5 مرشحين.
فقد استمر الخلاف الكردي ـ الكردي حتى بعد الكلام عن اجتماع حاسم أول من أمس الأربعاء في أربيل، بين زعيم «الحزب الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني ورئيس «الاتحاد الوطني الكردستاني» بافل طالباني. وتحدثت معلومات متسربة من الاجتماع عن أن بارزاني قبل سحب مرشحه لمنصب رئيس الجمهورية، وزير داخلية الإقليم ريبر أحمد، مقابل أن يسحب الاتحاد مرشحه للمنصب، الرئيس الحالي برهم صالح، وترشيح شخصية توافقية بدلاً منهما. ومع أن موافقة بارزاني على سحب مرشحه مقابل مرشح توافقي يرشحه «الاتحاد الوطني» تعني الإقرار بأن المنصب من حصة «الاتحاد» وأن مكمن الخلاف يتعلق بالرئيس برهم صالح، فإن «الاتحاد» لا يزال يرفض تقديم أي تنازل بشأن مرشحه.
ولأن الحزبين الكرديين لم يتوصلا إلى اتفاق بينهما، فإن الحل هو ذهابهما إلى البرلمان مثلما حدث في انتخابات عام 2018 حيث كان بارزاني رافضاً صالح أيضاً ورشح ضده القيادي في حزبه الديمقراطي فؤاد حسين، الذي خسر أمام صالح في الجولة الثانية في البرلمان، ومن ثم تسلم منصب وزير الخارجية.
ويرى «الاتحاد الوطني» أن حظوظ مرشحه برهم صالح جيدة في حال دخل التنافس داخل البرلمان؛ لأن تحالفه مع قوى «الإطار التنسيقي» متماسك، فضلاً عن إعلان قيادات «الإطار»، وآخرهم زعيم «دولة القانون» نوري المالكي، التزامها بتعهداتها مع «الاتحاد الوطني الكردستاني».
في المقابل؛ فإن «الديمقراطي الكردستاني»، الذي كان رمى بيضه كله في سلة تحالف «إنقاذ وطن» الذي شكله زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر قبل انسحابه، خسر الثقل الذي كان يتمتع به في الماضي. فالحزب؛ الذي يصر على أن منصب رئيس الجمهورية من حصته لأنه الكتلة الكردية الكبرى في البرلمان العراقي، بواقع 31 مقعداً مقابل 18 لـ«الاتحاد»، كان على علاقة جيدة مع قيادات كثيرة في البيت الشيعي خارج الكتلة الصدرية، قبل أن ينخرط في «إنقاذ وطن» مع الصدر، في حين أن «الاتحاد» عقد تحالفاً متيناً مع قوى «الإطار التنسيقي». وإذ لم يتمكن «إنقاذ وطن» من تشكيل حكومة أغلبية وتمرير مرشح «الحزب الديمقراطي» لرئاسة الجمهورية، بسبب الثلث المعطل الذي امتلكه «الإطار التنسيقي» نتيجة تحالفه مع «الاتحاد الوطني»، فان الاتحاد يرى في هذا التحالف ضمانة لفوز برهم صالح في أي منافسة داخل قبة البرلمان.
لكن رئاسة البرلمان، التي دعت إلى عقد جلسة طارئة غداً السبت لمناقشة الاعتداءات التركية، لم تتمكن حتى الآن من عقد جلسة كاملة النصاب يتم بموجبها انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
والبرلمان، الذي يستأنف جلساته بعد نهاية فصله التشريعي الأسبوع المقبل، لا يزال رهين الخلافات الشيعية ـ الشيعية حول منصب رئيس الوزراء؛ ففيما اتفقت قوى «الإطار التنسيقي» على تشكيل لجنة مصغرة من عدة قادة لاختيار المرشح لرئاسة الوزراء من بين 5 أسماء بات يجري تداولها بقوة، فإن الخلافات التي طرأت بين أعضائها أول من أمس اضطرتهم إلى تأجيل اجتماعهم إلى وقت آخر.
في موازاة هذا؛ يرتفع منسوب قلق الطبقة السياسية والشارع معاً. فالطبقة السياسية لم تعد تملك كثيراً من الحجج التي يمكن أن تقدمها لإقناع الشارع بكل هذا التأخير، بينما الشارع المحتقن بات ينتظر أي فرصة للتعبير عن غضبه في مظاهرات بات يخشى كثيرون نتائجها على مستقبل النظام برمته.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

لأول مرة في تاريخ سوريا... احتفال بـ«عيد النوروز» بحضور رئيس الجمهورية

سوريون أكراد يحملون أعلاماً كردية استعداداً للاحتفال بـ«النوروز» في عفرين بمدينة حلب الجمعة (رويترز)
سوريون أكراد يحملون أعلاماً كردية استعداداً للاحتفال بـ«النوروز» في عفرين بمدينة حلب الجمعة (رويترز)
TT

لأول مرة في تاريخ سوريا... احتفال بـ«عيد النوروز» بحضور رئيس الجمهورية

سوريون أكراد يحملون أعلاماً كردية استعداداً للاحتفال بـ«النوروز» في عفرين بمدينة حلب الجمعة (رويترز)
سوريون أكراد يحملون أعلاماً كردية استعداداً للاحتفال بـ«النوروز» في عفرين بمدينة حلب الجمعة (رويترز)

في سابقة تاريخية بسوريا، يحضر رئيس الجمهورية، السبت، مراسم احتفالية بـ«عيد النوروز» ستقام في القصر الرئاسي بدمشق، وفق رئيس «حزب الوسط الكردي» في سوريا، شلال كدو، الذي أعرب عن اعتقاده أن المشهد العام في البلاد يسير نحو الاستقرار والتنمية ولمصلحة سوريا ومكوناتها كافة.

وهذه أول مرة يقام فيها الاحتفال بـ«عيد النوروز» بوصفه عيداً وطنياً رسمياً في سوريا، بعد أن أصدر الرئيس أحمد الشرع في يناير (كانون الثاني) الماضي، مرسوماً خاصاً بحقوق المواطنين الأكراد في سوريا، ونص على منح الجنسية للمواطنين الأكراد المحرومين منها والمقيمين على الأراضي السورية، وعدّ «عيد النوروز»، الذي يحتفل به الأكراد، عطلة رسمية، واللغة الكردية «لغة وطنية».

سوريون أكراد يحتفلون بـ«النوروز» في دمشق مساء الجمعة (رويترز)

كدو، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أوضح أنه جرى توجيه دعوات إلى «المجلس الوطني الكردي» و«مجلس سوريا الديمقراطية (مسد)» و«قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» و«حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي، وعشرات الشخصيات الكردية، لحضور المراسم التي ستُتبادل خلالها التهاني مع رئيس الدولة وعدد من كبار المسؤولين بمناسبة بـ«عيد النوروز».

وذكر كدو، الذي يعدّ حزبه أحد مكونات «المجلس الوطني الكردي»، أنه سيحضر المراسم نحو 100 شخصية كردية، بين سياسيين ووجهاء وقادة رأي وفعاليات إنسانية وشبابية.

ومن بين الحضور الكردي، هيئةُ رئاسة «المجلس الوطني الكردي»، إضافة إلى شخصياتٍ اجتماعية مستقلة قريبة من سياساته، وفعالياتٍ نسائية منضوية فيه، وعددٍ من أعضاء منظمات المجتمع المدني، وفق كدو؛ الذي ذكر أن عدد المشاركين من المجلس سيتراوح بين 20 و25 شخصية، بينهم 5 شخصيات من عفرين، ومثلهم من عين العرب (كوباني)، والباقي من الجزيرة السورية، وقد تنضم إلى الحضور شخصيات من الأكراد الدمشقيين.

سوريون أكراد يحتفلون بـ«النوروز» في عفرين بمحافظة حلب الجمعة (رويترز)

وذكر أنه بات من شبه المؤكد أنه سيحضر المراسم أيضاً محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، ومعاون وزير الدفاع سيبان حمو، ونائب قائد الأمن الداخلي في الحسكة محمود خليل (سيامند عفرين)، وإلهام أحمد مسؤولة العلاقات الخارجية في «الإدارة الذاتية» الكردية.

وقال: «جبل قاسيون المطل على العاصمة دمشق كان ليلة (الجمعة) يتزين بشعلة (النوروز) والعلم الكردي الذي يرمز إلى الهوية القومية الكردية إلى جانب العلم الوطني».

وأعرب كدو عن اعتقاده أن «بناء سوريا متعددة القوميات والثقافات والمكونات بات أقرب إلى التحقيق أكثر من أي وقت مضى، لا سيما أن (المرسوم رقم 13 لعام 2026) الخاص بحقوق الكرد يفتح الباب على مصراعيه لحل القضية الكردية العادلة وفتح الطريق أمام حل كل القضايا العالقة في البلاد».

ولفت إلى أن حضور رئيس الجمهورية مراسم احتفالية بـ«عيد النوروز» سابقة تاريخية لأول مرة تحدث في سوريا، معرباً عن اعتقاده أن «المشهد العام في سوريا يسير لمصلحة سوريا بالدرجة الأولى، ولمصلحة الكرد وكل المكونات في البلاد، وبالتالي البلاد تتجه إلى الاستقرار والتنمية وإطلاق عملية إعادة الاعمار».

ويعدّ الاستقرار الداخلي عاملاً رئيسياً لتدوير عجلة الاقتصاد وإطلاق عملية إعادة الإعمار؛ «لأن الشركات الدولية الكبرى من المستحيل أن تأتي وتخاطر برؤوس أموالها وتقيم استثمارات في البلاد دون تحقيقه»، وفق كدو الذي رأى أن «سوريا بحاجة إلى ترسيخ دعائم الاستقرار من خلال التفاهم بين مكونات الشعب كافة، وأن يعطى كل ذي حق حقه، وهذا الأمر يزيد البلاد غنى وقوة ومنعة وحصانة وليس العكس».

سوريون أكراد يحتفلون بـ«النوروز» في دمشق مساء الجمعة (رويترز)

وأشار إلى أن نظام «البعث» كان على مدار أكثر من 5 عقود يحظر الاحتفال بـ«عيد النوروز» و«يزرع في رؤوس السوريين؛ والعرب بشكل خاص، فكرة أن مسألة المكونات أو القوميات الأخرى المختلفة تشكل خطراً على وحدة الأراضي السورية، ولكن العكس تماماً هو الصحيح؛ لأنه إذا منحنا الأكراد والسريان والمكونات الأخرى حقوقهم، فلن يبقى أي خطر يهدد البلاد بالتقسيم وعدم الاستقرار، كما تُسد الأبواب أمام كل من يحاول الاصطياد في المياه العكرة لزعزعة الاستقرار الداخلي».

ومنذ أيام عدة يجري التحضير رسمياً وشعبياً في سوريا للاحتفال بـ«عيد النوروز»، الذي يوافق 21 مارس من كل عام، ويؤرخ لدخول الربيع وسنة جديدة وفق التقويم القديم، حيث أقيمت بهذه المناسبة فعاليات عدة بدمشق، منها حفل فني لفرقة «آشتي» للتراث الكردي على مسرح «دار الأوبرا»، واحتفال كبير على أرض «ملعب الفيحاء» في حي مشروع دمر شمال غربي العاصمة، بالإضافة إلى الاحتفالات في بعض الأحياء، مثل ركن الدين ووادي المشاريع، حيث يتركز الأكراد الدمشقيون.


هجمات في بغداد تخرق هدنة هشة للفصائل

مدرعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
مدرعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
TT

هجمات في بغداد تخرق هدنة هشة للفصائل

مدرعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
مدرعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)

في تطور أمني لافت في العراق، شهدت العاصمة بغداد سلسلة هجمات متداخلة تزامنت مع تصاعد التوتر السياسي والعسكري، وسط مؤشرات على تغيّر في أنماط عمل الفصائل المسلحة، واحتمال انتهاء الهدنة غير المعلنة فعلياً، مع استهداف ما يُعرف بـ«قاعدة فيكتور».

وبدأت الأحداث بهجوم استهدف مقر جهاز المخابرات العراقي في منطقة المنصور؛ حيث أفادت مصادر أمنية بأن الضربة طالت برج الاتصالات وأنظمة الخوادم داخل المقر، ما أدى إلى مقتل ضابطين وإصابة عدد من المنتسبين بجروح وُصفت بالخطيرة.

وفي السياق ذاته، أعلنت خلية الإعلام الأمني سقوط طائرة مسيّرة داخل المقر عند الساعة 10:15 صباحاً، موضحة أن المسيّرة أصابت برج الاتصالات، فيما سارعت الدفاعات الجوية إلى التعامل معها.

ونعى جهاز المخابرات أحد ضباطه الذي قُتل جرّاء الاستهداف، واصفاً الهجوم بأنه «إرهابي» نفذته جهات خارجة على القانون، ومؤكداً أن العملية تُمثل محاولة فاشلة لعرقلة عمله، مع التعهد بملاحقة المسؤولين وتقديمهم إلى العدالة.

ويُعد استخدام توصيف «الإرهاب» مؤشراً مهماً، إذ تكرر للمرة الثانية في بيانات رسمية تتعلق بهجمات تُنسب إلى فصائل مسلحة، ما يعكس تصاعد حدة التوتر بين الحكومة وهذه الفصائل.

سياسياً، جاء هذا التصعيد قبل يومين فقط من انتهاء هدنة أعلنتها «كتائب حزب الله»، والتي نصّت على عدم استهداف السفارة الأميركية في بغداد لمدة 5 أيام، بوساطة قادها رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان ومستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي.

وتُشير المعطيات إلى أن التفاهم اقتصر على السفارة فقط، دون أن يشمل مواقع أخرى، مثل منشآت الدعم اللوجيستي قرب مطار بغداد.

كما أفادت مصادر بأن الجانب الأميركي لم يُقدّم رداً واضحاً على شروط الهدنة، في حين نفى القائم بالأعمال الأميركي وجود أسلحة في قاعدة «فيكتوري»، مؤكداً استخدامه مركز دعم دبلوماسياً.

ميدانياً، تزامن ذلك مع تصعيد آخر خارج بغداد؛ حيث تعرض مطار الحليوة العسكري في قضاء طوزخورماتو شرق صلاح الدين لهجوم سُمع خلاله دوي 4 انفجارات.

ويضم الموقع وحدات من الفوج الرابع في «اللواء 52» التابع لـ«الحشد الشعبي». وبينما تحدثت مصادر أولية عن عدم وقوع خسائر بشرية، أعلن «الحشد الشعبي» لاحقاً مقتل أحد مقاتليها وإصابة آخرين، ووصفت الهجوم بأنه «قصف صهيوأميركي»، في حين فُرض طوق أمني، وبدأ تحقيق لتحديد الجهة المنفذة.

حريق مشتعل خارج محيط سفارة الولايات المتحدة في المنطقة الخضراء المحصنة ببغداد في 17 مارس 2026 (أ.ف.ب)

استهداف قاعدة «فيكتوري»

وفي تطور موازٍ، أعلنت جماعة «أصحاب الكهف» مسؤوليتها عن هجوم بطائرة مسيّرة استهدف ما وصفته بـ«قاعدة فيكتوري» قرب مطار بغداد، مؤكدة أن عملياتها مستمرة بوتيرة متصاعدة، مع تحذير المدنيين من الاقتراب من مواقع الوجود الأميركي.

ويكتسب هذا الإعلان أهمية خاصة، إذ يعد استهداف «فيكتوري» مؤشراً على أن الهدنة قد انتهت عملياً، حتى وإن لم يُعلن ذلك رسمياً.

وحسب مصادر أميركية، فإن الموقع الذي يُشار إليه باسم «فيكتوري» لم يعد قاعدة عسكرية رسمية منذ عام 2011، بعد تسليم «مجمع النصر» إلى السلطات العراقية، ويُستخدم حالياً مركز دعم دبلوماسياً، وليس قاعدة قتالية مستقلة كما كان سابقاً.

في خلفية هذه التطورات، تتزايد المؤشرات على أن الفصائل المسلحة باتت تمارس نوعاً من تبادل الأدوار في تنفيذ الهجمات، في محاولة للتمويه على المسؤولية المباشرة وتعقيد عملية التتبع، خصوصاً داخل بغداد؛ حيث تتداخل الأهداف بين مقار حكومية ومواقع مرتبطة بالوجود الأميركي.

وتأتي هذه الأحداث في سياق أوسع من التصعيد الإقليمي، إذ منذ اندلاع المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط) الماضي، كثّفت الفصائل العراقية المقرّبة من طهران هجماتها على مواقع دبلوماسية وقواعد عسكرية في العراق وإقليم كردستان، فيما ردَّت الولايات المتحدة بسلسلة ضربات استهدفت تلك الفصائل.

وكان هادي العامري، أمين منظمة «بدر»، قد اتهم في 19 مارس (آذار) 2026 الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء استهداف مواقع «الحشد الشعبي»، داعياً السلطات العراقية إلى اتخاذ إجراءات حازمة لمنع تكرار هذه الهجمات، في وقت يبدو فيه المشهد الأمني مفتوحاً على مزيد من التصعيد، في ظل هشاشة التفاهمات القائمة.


أدوات إسرائيلية لتكريس معادلة الخوف في لبنان

نازح من جنوب لبنان إلى وسط بيروت وإلى جانبه لوحة إعلامية تتضمن شعاراً مناهضاً للحرب (أ.ب)
نازح من جنوب لبنان إلى وسط بيروت وإلى جانبه لوحة إعلامية تتضمن شعاراً مناهضاً للحرب (أ.ب)
TT

أدوات إسرائيلية لتكريس معادلة الخوف في لبنان

نازح من جنوب لبنان إلى وسط بيروت وإلى جانبه لوحة إعلامية تتضمن شعاراً مناهضاً للحرب (أ.ب)
نازح من جنوب لبنان إلى وسط بيروت وإلى جانبه لوحة إعلامية تتضمن شعاراً مناهضاً للحرب (أ.ب)

جدد خرق الطيران الإسرائيلي جدار الصوت في سماء بيروت وعدد من المناطق اللبنانية، الجمعة، الإشارات إلى أن التصعيد يتجاوز البعد العسكري المباشر؛ إذ وضع دوي الانفجارات الصوتية وما خلَّفه من اهتزازات وأضرار محدودة، اللبنانيين أمام نمط متصاعد من الضغط، لا يعتمد على القصف بقدر ما يستهدف الإحساس بالأمان نفسه.

ونفَّذ الطيران الحربي الإسرائيلي خرقين متتاليين فوق العاصمة والبقاع، في سابقة هي الأولى منذ انتهاء حرب الـ66 يوماً عام 2024. أعاد هذا التطور إدخال بيروت وجبل لبنان في قلب المعادلة الأمنية، من دون استهداف عسكري مباشر، وترك أثراً فورياً في الأحياء السكنية؛ حيث شعر السكَّان باهتزازات داخل منازلهم، بينما تحطَّم زجاج نوافذ في بعض مناطق جبل لبنان نتيجة شدة الصوت.

غير أن التأثير الأبرز لم يكن مادياً؛ بل نفسياً؛ إذ أعاد هذا النوع من الدوي استحضار شعور الخوف؛ خصوصاً في ظل بيئة لم تغادر فعلياً دوامات التصعيد المتكررة.

ويُظهر هذا النوع من العمليات قدرة على إحداث صدمة واسعة من دون تكلفة عسكرية مباشرة، بحيث يتحوَّل الصوت نفسه إلى أداة ضغط قادرة على اختراق الإحساس بالأمان، وإعادة تثبيت القلق في لحظات قصيرة.

من السماء إلى الهواتف

بالتوازي مع الخروق الجوية، برزت في الأيام الأخيرة ظاهرة الإنذارات المسبقة والاتصالات التي طالت بلديات ومناطق سكنية، دعت إلى إخلاء منازل، أو حذَّرت من استهداف محتمل. ورغم أن هذه التحذيرات لم تكن دائماً مرتبطة بضربات فعلية، فإنها أدَّت إلى حالة إرباك واسعة؛ حيث وجد السكان أنفسهم أمام قرارات مصيرية في ظل معلومات غير مؤكدة.

هذا التداخل بين الصوت والإنذار والاتصال لا يُقرأ على أنه مجرد حدث عابر؛ بل يفرض حالة مستمرة من الضغط، تبدأ بصدمة مفاجئة، وتستمر بترقُّب مفتوح، وتصل إلى حد التأثير في سلوك الناس وقراراتهم اليومية.

حرب نفسية

في هذا السياق، يقدِّم المعالج النفسي الدكتور داود فرج قراءة تفصيلية لهذا النمط، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: إنَّ «التباين بين هدوء ميداني نسبي في بعض الأيام وتصعيد مفاجئ عبر خروق جدار الصوت والإنذارات، لا يمكن قراءته إلا في إطار حرب نفسية ممنهجة تستهدف المدنيين، وتحديداً في لحظات حساسة كفترة الأعياد».

ورأى أنّ «الانطباع الذي يتكوّن لدى الناس، بعد يومين من الهدوء النسبي في بيروت وغياب مظاهر الحرب المباشرة، يوحي وكأن هناك هدنة غير معلنة، أو فسحة مؤقتة للحياة الطبيعية والاستعداد للعيد»، مضيفاً أن «هذا الإحساس سرعان ما يُكسَر عبر خروق جدار الصوت والإنذارات، بما يحمل رسالة واضحة بأن لا هدنة فعلية، وأن قرار الحرب والسلم ليس بيد السكان».

مقاتلة إسرائيلية من طراز «إف 15» تحلِّق فوق تل أبيب (أ.ف.ب)

وتوقف فرج عند الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، ولا سيما ما يصدر عن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي؛ مشيراً إلى أنه «يقدَّم غالباً بلغة تبدو تطمينية أو تحذيرية (لأجل السلامة)، ولكنه في جوهره جزء من لعبة نفسية تهدف إلى نقل المرجعية الأمنية من الداخل اللبناني إلى الطرف الذي يوجّه هذه الرسائل».

وأضاف: «حين يُقال للناس إن هذه الإجراءات هي لحمايتهم، يُعاد توجيه شعورهم بالأمان نحو الجهة نفسها التي تمارس الضغط والتهديد».

الاستقرار كمرحلة مؤقتة

ولم تعد الحرب في لبنان تُقاس فقط بما يُستهدف على الأرض؛ بل أيضاً بما يُصيب الإحساس بالأمان في وعي الناس. بين خرق جدار الصوت والإنذارات والاتصالات، تتكرّس معادلة جديدة لا تُفرض فيها السيطرة بالنار فقط؛ بل بالقدرة على التحكم بإيقاع الخوف نفسه، بحيث يصبح الاستقرار مرحلة مؤقتة، لا يملك السكان قرار استمرارها.

وأوضح أن «هذا السلوك يحمل بعداً نفسياً مزدوجاً، فمن جهة يُسحب من الناس شعور الاستقرار ويُعاد ضبط توقعاتهم، ومن جهة أخرى يُفرض إيقاع خارجي على حياتهم اليومية، بما في ذلك توقيت عودتهم إلى منازلهم أو ممارسة حياتهم الطبيعية»، لافتاً إلى أن «الرسالة الضمنية هي: نحن من نقرر متى تعودون، ومتى تشعرون بالأمان».

حصرية الأمان

هذا النمط من الضغط يهدف إلى تكريس صورة الطرف المتحكّم، القادر على منح الأمان أو سحبه، وبالتالي دفع الناس نفسياً إلى الامتثال. ويرى فرج أن «الأخطر أنه لا يكتفي بإثارة الخوف؛ بل يسعى إلى إعادة تشكيل المرجعية النفسية لدى الأفراد، بحيث يُعاد توجيه إحساسهم بالأمان نحو مصدر التهديد نفسه».

وفي تحليله لتوقيت هذا التصعيد، رأى فرج أن «فترات الهدوء النسبي قد تعكس مسارات تفاوضية تجري في الكواليس، تظهر انعكاساتها ميدانياً على شكل تخفيف مؤقت للتصعيد»؛ مشيراً إلى أنه «سرعان ما يُعاد رفع مستوى الضغط، سواء عسكرياً أو نفسياً، بهدف تحسين شروط التفاوض أو إعادة فرض معادلات القوة».

وأكد أن «اللعب هنا يتم على مستوى اللاوعي؛ حيث يُستهدف الشعور الغريزي لدى الإنسان بالأمان والخوف»، موضحاً أن «الخوف دافع غريزي، وكذلك البحث عن الأمان، وعندما يتم التلاعب بهذين العاملين بشكل متكرر، فإنّ الاضطراب يسيطر على العقل الباطني».

وشدّد على أنّ «هذا النوع من الحرب النفسية يقوم على معادلة دقيقة: كلما بدأ الناس استعادة شعورهم بالحياة الطبيعية، يُعاد تذكيرهم بأن هذا الاستقرار ليس بقرارهم؛ بل يمكن سحبه في أي لحظة»، معتبراً أن «المعركة هنا ليست فقط عسكرية؛ بل هي معركة على من يمتلك قرار الأمان في وعي الناس ولا وعيهم».