داريو أرجنتو أستاذ سينما الرعب الإيطالية

يعود بعد 12 سنة بفيلم من النوع ذاته

لقطة من أحدث أفلام أرجنتو «نظارات داكنة»
لقطة من أحدث أفلام أرجنتو «نظارات داكنة»
TT

داريو أرجنتو أستاذ سينما الرعب الإيطالية

لقطة من أحدث أفلام أرجنتو «نظارات داكنة»
لقطة من أحدث أفلام أرجنتو «نظارات داكنة»

تشهد صالات الولايات المتحدة المتخصصة في الأسابيع القليلة المقبلة العروض التجارية الأولى في أميركا الشمالية لفيلم الإيطالي داريو أرجنتو الجديد «نظارات داكنة» (Dark Glasses) الذي كان شهد عرضه العالمي الأول في مطلع هذا السنة في مهرجان برلين السينمائي.
هو فيلم تشويقي كالعديد سواه، باستثناء أنه كذلك فيلم العودة لأحد كبار الإيطاليين في مجال سينما الرعب. هذا لأن أرجنتو لم يحقق عملاً منذ 12 سنة عندما وفّر لعشاق أفلامه والمخلصين من أتباعه فيلمه Dracula 3D الذي اشترك في بطولته الأميركي الراحل روتغر هاور وكان فيلم أرجنتو الوحيد بالأبعاد الثلاثة.

تأثير خارجي
اكتسبت أفلام أرجنتو إعجاباً كبيراً بين هواة هذا النوع منذ أن قام بإخراج فيلمه الأول «الطائر ذو الريش الكريستالي» (The Bird with the Crystal Plumage) سنة 1970 وازداد هذا الإعجاب فيلماً وراء آخر حتى كوّن له صيتاً قوياً في منتصف السبعينات عندما أخرج «أحمر قاني» (Deep Red). وبعد عامين من هذا الفيلم، أي سنة 1977. أنجز Suspiria الذي أعاد الإيطالي لوكا غوادانينو تحقيقه قبل خمسة أعوام بالعنوان نفسه وبنجاح فني أقل.
أرجنتو من مواليد روما سنة 1940 وأحب السينما لسبب وجيه هو أن والده سيلفاتوري أرجنتو كان منتجاً ناجحاً. كذلك كان أرجنتو الابن يستمع، في سنوات صباه الأولى، إلى حكايات عمّته قبل النوم. لم تكن حكايات السندباد ولا سندريلا أو بيتر بان، بل حكايات رعب قرأتها أو حفظتها وربما أضافت إليها ما اعتقدت أنه ينقصها. المهم أن الصبي تشرّب الحكايات وعندما قرر دخول العمل السينمائي تيمّناً بوالده وجد نفسه أمام تلك الذكريات التي تركت تأثيرها عليه.


داريو أرجنتو مع ابنته آسيا خلال التصوير

أقبل على حب السينما ثم انتقل الحال به إلى حب العمل فيها، استوعب كذلك، وحسب مذكراته التي ترجمت للإنجليزية سنة 2012. أفلام ألفرد هيتشكوك والألمانيين ف. و. مورنو وفريتز لانغ من بين المخرجين وروايات إدغار ألان بو وتوماس د كوينسي من بين الكتّاب الروائيين.
أسلوب أرجنتو ليس هو ذاته أسلوب هيتشكوك أو مورناو أو لانغ. يختلف عنهم في أنه استفاد من الحقبة الجديدة وظروفها التي كانت ممنوعة عنهم. ذلك لأنه عندما أقدم مورناو ولانغ على تحقيق الأفلام كانت السينما غير معنية بالعنف المباشر. كذلك فإن أفلام هيتشكوك عموماً (وهو الذي ورد للعمل بعد زميليه المذكورين) ابتعدت عن العنف والدم مستبدلاً ذلك بالإيحاء القوي بضراوة الجريمة، كما الحال في «سايكو» (1960).
في السبعينات بات كل شيء مباحاً أكثر على الشاشة وأرجنتو لم يجد مانعاً في أن يطرح أفلامه محمّلة بالقتل والدم والعنف لكن بالطبع ضمن معالجات غير رخيصة. لم يجاوره في ذلك بين الإيطاليين سوى لامبرتو بافا في بعض أعماله.
كان أرجنتو شارك في كتابة سيناريو «حدث ذات مرّة في الغرب» لسيرجيو ليوني (1968). منتج ذلك الفيلم، غوفريدو لومباردو، طلبه إلى مكتبه وسأله إذا ما كان يستطيع إعادة كتابة سيناريو آخر بعنوان «طائر بريش كريستالي» وهو المشروع الذي أعجب أرجنتو واقترح القيام بإخراجه.
هذا الفيلم يحمل في طيّاته نوعين متجاورين: هو فيلم رعب بالنسبة للجرائم التي يحتويها ومشاهد القتل التي اختارها المخرج لمعالجة تلك المشاهد، وفيلم تحريات أيضاً كون بطل الفيلم تحرياً خاصاً، ولو أنه مختلف عن التحريين الخاصين الآخرين في السينما على نحو شديد.


مشهد من «سوسبيريا»

يكشف المؤرخ أكزافيير مندِك أن هذا الجانب البوليسي مستوحى من سلسلة أعمال بوليسية انتشرت في تلك الفترة واشتهرت باسم Giallo ( ومعناها روايات صفراء، نسبة للون أغلفة تلك السلسلة). المنحى الخاص لأرجنتو ليس التغني ببطولة التحري الخاص، ولا بالشرطة الرسمية كذلك، بل عرض استنتاجاتهم الخاطئة وقصورهم في تحليل الوقائع. هذا ما تكشف عنه نهاية «طائر بريش كريستالي» عندما يدرك بطل الفيلم أن المجرم المتسلسل ليس سوى من كان شاهدها تتعرَّض لمحاولة قتل في مطلع الفيلم ما صرفه عن الريب بها وملاحقة الشخص الخطأ.
بذلك يتبع الفيلم حلقة من أدبيات القتل في الرواية (ولاحقاً في الأفلام) بدأتها أغاثا كريستي عبر روايتها الشهيرة «عشرة هنود صغار» (Ten Little Indians) المنشورة سنة 1939. كذلك سبق الإيطالي ماريو بافا داريو أرجنتو عندما أنجز «دم ورباط أسود» (Blood and Black Lace) سنة 1964.

بين الأصلي والمزيّف
عاد أرجنتو وكرر المفاد ذاته في فيلميه اللاحقين The Cat O‪›‬Nine Tails وFour Flies on Grey Velvet حيث يبني الرجل الذي يصر على ملاحقة مرتكب الجريمة قضيّته على اعتقادات خاطئة من دون أن يعلم. ومن دون أن يعلم المُشاهد كذلك. لهذا تأتي مَشاهد الختام اكتشافاً له وللمشاهدين معاً.‬
في هذين الفيلمين بدأ أرجنتو بالتوسع في استخدام تقنيات البؤرة التي تعكس وجهة نظر شخص ثالث الذي قد يكون القاتل وقد يكون المُشاهد نفسه. الكاميرا التي تتبنّى هذا التشخيص تصبح العين الثالثة التي تضع القاتل والمتفرّج في خط مستقيم واحد، كل منهما يتابع ما يدور ويشترك به. بذلك هو، مثل هيتشكوك أحياناً والأميركي برايان دي بالما في أفلامه الأولى التي تأثر فيها بأفلام هيتشكوك بوضوح، عمد إلى مفهوم «البصبصة» بحيث يصبح المُشاهد طرفاً فيما يدور وليس مجرد ناظر إليه.
هذا المبدأ مارسه أرجنتو مجدداً في «أحمر قاني» (علاقة أرجنتو باللون الأحمر مشهودة في كل فيلم من أفلامه. تحتل الصدارة بين الألوان بصرياً وكدلالة) قبل أن ينطلق في جهد مضاعف في هذا الاتجاه عندما قام بتحقيق «سوسبيريا» سنة 1977.
«سوسبيريا» أكثر تعقيداً من أي فيلم سابق والبحث عن القاتل/ القاتلة من قِبل رجل عاجز عن التصرّف بمعزل عن العقد النفسية والجنسية التي تتحكّم به، يتّسع لأن الحكاية انتقلت من الشارع والبيت إلى أكاديمية لتعليم الرقص تحكمها شريرات يقتنصن الفرص لقتل ضحاياهن. يواكب هذه النقلة المزيد من شراسة القتل والعنف بحيث لا يترك المخرج مشاهديه في راحة مطلقة. الضحايا قد تكون امرأة أو رجل أو حتى شخص أعمى (كما في أحد المشاهد). القتلة لا ترحم وأرجنتو لا يريد أن يرحم مشاهديه أيضاً.
طبعاً، مثل هذا التوجّه لا بد أن يعني أن المخرج لا يملك خلفية فنية بقدر ما يملك خلفية في الهوس الدموي. لكن أرجنتو يمارس ما يمارسه بطلاقة أسلوبية متماسكة ويستخدم السوريالية ليس كمشاهد فقط، بل كلبنة فعلية في عمله. على هذا، بقي السؤال الشاغل بالنسبة لنقاده هو إذا ما كانت أعماله محض أفلام جماهيرية (ولمُشاهدين محددين) أو هي جزء من موجة خلطت بين الفن والتجارة في تلك الفترة.
في كل الأحوال فإن «سوسبيريا» حسب أرجنتو، أفضل بكثير من النسخة التي أخرجها لوكا غوادانينو سنة 2018. هذا عائد إلى أن أرجنتو وضع تيمة وحفظها من الهوان بابتكار المشاهد التي تستطيع أن تدعمها من دون خلل. النسخة الحديثة تحكي الحكاية ذاتها، لكنها تتطلع دوماً للتوسع خارجها. نتيجة ذلك تختلف المفادات بأسرها. في نسخة أرجنتو العامل السياسي، كون الأحداث تقع في إطار أكاديمية ألمانية، يبقى موحياً به. في نسخة غوادنينو فإن الرابط بين الأكاديمية ورسالة سياسية ضد الألمان مجرد انتهاز فرصة للنيل منهم بأسلوب حكايات هوليوودية سابقة.
عنصر آخر تدفع لتحبيذ نسخة أرجنتو على نسخة غوادانينو، أن الأول وضع كل فيلمه من منظور حلم سوريالي قد تفيق منه لتجد أنك كنت ترتعش خوفاً من وهم. هنا لا يوجد غطاء من هذا النوع ولا من نوع آخر بل سرد لمشاهد يراد لها أن تكون غريبة لمجرد أنها تنفيذ لتلك الغاية. القتل هنا مباح لذاته والرغبة في منحه لمسة فنية تفشل في نتائجها.

عمياء في خطر
فيلم أرجنتو الجديد، «نظارات داكنة»، لا يخرج كثيراً عن أفلام المخرج السابقة. في الواقع لا يأتي بجديد فعلي فوق ما سبق شرحه. الشخصيات التي يتمحور الفيلم حولها كانت وردت في أفلامه السابقة: وهي تشمل شخصية رجل متعب بما في داخله من هواجس وعاجز عاطفياً وذهنياً عن فعل الشيء الصحيح. وفتاة بريئة يلاحقها قاتل شرس. لن تكون الضحية الوحيدة، إذ إن القاتل منصرف إلى قتل نساء أخريات. هنا فرصة المخرج لدم مباح.
يختار أرجنتو حكاية المرأة التي فقدت بصرها إثر محاولة القاتل، ولأسباب تتعلّق بهوسة، صدمها بسيارته. هذا نراه في مطلع الفيلم الذي هو أحد أكثر مشاهد الفيلم عنفاً. بعد ذلك يمضي المخرج وقتاً لا بأس بمدّته ينصرف فيه لمواكبة بطلته (إيلينيا باستوراللي) في محاولتها التأقلم مع وضعها الجديد تساعدها في ذلك مشرفة متخصصة (آسيا أرجنتو). ينجح المخرج بعد ذلك في التقاط خط التشويق مجدداً لأن القاتل أدرك أن من حاول قتلها ما زالت حيّة وسيعمد للنيل منها. لكن هذا التشويق مرحلي بدوره وكتابته تقليدية كذلك إخراجه.
يتضح هنا أن أرجنتو لم يحد كثيراً عن بداياته. ليس أن شخصياته متكررة فقط، بل كذلك دوافعها ومفاهيمها وما تقوم تلك الشخصيات عليه من سلوكيات تبعاً لحالاتها النفسية. بذلك، يمكن، وإلى حد بعيد، اعتبار أن أفلام هذا المخرج ما هي إلا تكرار دائم لمقوّلات ظهرت في فيلمه الأول أو كما قال مدير التصوير الراحل فيتور ستورارو عنه (وهو صوّر له أول أفلامه): «الفيلم الأول هو الأساس لكل أفلام أرجنتو اللاحقة».



أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
TT

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة. تكمن جدّته في تناول حياة العاملين في المهنة الصحافية أنفسهم. فأسامة مصوّر صحافي ينتقل من فاجعة إلى أخرى ليوثّقها وينقلها إلى العالم، فيما يجد نفسه، شأن كلّ فلسطيني في غزّة، مطالَباً بالاهتمام بعائلته وتأمين الأمان والطعام والشراب لها. باختصار، هو إنسان عليه أن يعيش ويبني، فيما يمضي العدو في القتل والتدمير.

لدى المخرج كثير مما يقوله في هذا الحديث عن الفيلم وظروف تصويره وإنتاجه. إنها تجربة مهمّة بذاتها، عُرضت في «مهرجان فينيسيا السينمائي»، حيث لم يتمكّن المخرج من الحضور، ومن المقرّر عرض الفيلم في الدورة المقبلة من «مهرجان الجونة السينمائي». كذلك اختير لتمثيل السينما الفلسطينية في سباق «أوسكار» أفضل فيلم دولي لعام 2027.

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

اختيارات ومخاطر

> كيف تكوّنت فكرة تصوير فيلم عن المصوّر أسامة؟

- بدأت الفكرة من حياة المصوّر أسامة العشي اليومية خلال الحرب. كان أسامة يعمل صحافياً في شمال قطاع غزّة، وفي الوقت نفسه أصبح أباً للمرة الأولى. ما جذبني لم يكن عمله صحافياً فحسب، بل الإنسان الموجود خلف الكاميرا؛ الأب والزوج والمواطن الذي يعيش الحرب نفسها التي يقوم بتغطيتها.

في البداية، كانت الفكرة بسيطة، أن أتابع أسامة داخل بيته وفي عمله، ونرى كيف يعيش الصحافي حياته عندما يترك الكاميرا ويعود إلى عائلته. لكن الأحداث نفسها هي التي كوّنت الحكاية وغيَّرت مسارها باستمرار.

لم يكن لدينا سيناريو يستطيع التنبّؤ بما سيحدث، لأننا أصلاً لم نكن نستطيع توقّع الأحداث المأساوية التي ستقع في اليوم التالي. في النهاية، ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وما كان يحدث على الأرض هي التي رسمت مسار الفيلم. كنّا نتابع أسامة وعائلته، والحرب هي التي كانت تكتب الأحداث أمامنا.

> ماذا كان يعني تصوير فيلم في غزّة خلال هذه المحنة، وما الخطر الذي كان التصوير يمثّله؟

- كان يعني ببساطة أننا نصوّر واقعاً نحن أنفسنا محاصرون داخله. نحن أشخاص موجودون في بقعة صغيرة ومحاصرة، نتعرّض للقصف ونعيش الخوف والنزوح وفقدان الأشخاص من حولنا، مثل بقية الناس. لذلك لا أحبّ أن أقدّم استمرارنا في التصوير على أنه فعل بطولي.

كانت هناك لحظات لم أستطع فيها أصلاً حمل الكاميرا، وفي أوقات أخرى كان أعضاء من الفريق يتوقّفون للاهتمام بعائلاتهم، أو نتوقّف جميعاً لأن الظروف لا تسمح بالعمل. لكن الحرب استمرّت طويلاً، ولم تتوقّف الأحداث، ومع الوقت شعرنا بأن مسؤولية تقع علينا، نحن الموجودين داخل غزّة، بأن نحفظ شيئاً من هذه الذاكرة. ليست هناك بطولة تُذكر، بل كنّا هنا ونعيش ما يحدث.

> لماذا اخترت أسامة دون سواه من المصوّرين الصحافيين؟ ولماذا تناولت مصوّراً واحداً عوضاً عن تقديم فيلم عن مجموعة منهم؟

- كنتُ أبحث عن شخص واحد أستطيع من خلاله الدخول بعمق إلى الحياة اليومية للإنسان خلال الحرب. عندما بدأنا التصوير، كان أسامة زميلاً أعرفه، ولم تكن بيننا في البداية تلك الصداقة العميقة. لكن خلال صناعة الفيلم، ومع قلّة عدد الأشخاص الذين بقوا في شمال قطاع غزّة والظروف التي كنّا نعيشها، أصبحت قريباً من أسامة وعائلته، ونشأت بيننا ألفة كبيرة، وتحوّلت العلاقة مع الوقت إلى صداقة.

كما أنّ أسامة أصبح أباً للمرة الأولى خلال الحرب، وهذا فتح أمامي مساحة إنسانية مهمّة جداً؛ صحافي يحاول القيام بعمله، وفي الوقت نفسه أب جديد يحاول حماية طفله وزوجته، ومواطن يبحث مثل الجميع عن الطعام والأمان وأبسط حاجات الحياة.

لهذا فضّلت البقاء مع شخصية واحدة بدلاً من مجموعة شخصيات. كنت أريد الذهاب إلى العمق، لا إلى العدد.

من كواليس تصوير «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

مرحلة ما بعد التصوير

> كيف كانت العلاقة المهنية مع المنتج رشيد مشهراوي؟ هل اقترح خطّة عمل أو تعديلات؟

- كان رشيد مشهراوي مُشرفاً على المشروع، لكن طبيعة التواصل بيننا خلال الحرب كانت مختلفة جداً بسبب الظروف والخطر الذي كنّا نعيشه. كنت أتواصل معه من وقت إلى آخر للاطمئنان، لكنني كنت أتجنّب الحديث بوضوح عن الفيلم أو تفاصيل ما نعمل عليه. في الحقيقة، لم تكن لديه صورة واضحة عمّا إذا كنّا لا نزال نصوّر أم لا، لأننا لم نكن نعرف إن كان هذا الفيلم سيُنجز في النهاية.

كانت الظروف في غزّة شديدة الخطورة. كنّا نعرف أنّ أي طارئ يمكن أن يحدث في أي لحظة. قد أُقتل أنا، أو يحدث شيء لأسامة، أو يُصاب أحدنا إصابة بالغة، أو نتوقّف عن العمل نهائياً. لذلك لم يكن منطقياً بالنسبة إليّ أن أتعامل مع المشروع كأنه فيلم يسير وفق خطّة وسيكتمل بالتأكيد.

بعد وقف إطلاق النار، استطعنا إيصال المواد إلى مرحلة أصبح فيها إعداد النسخة الأولى من الفيلم ممكناً. وعندما أنجزت المسودة الأولى، أرسلتها إليه، ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة تماماً من علاقتنا المهنية.

بدأ دوره يتّسع بكونه منتجاً ومشرفاً فنياً على العمل، خصوصاً في مرحلة ما بعد التصوير، من مشاهدة النسخة والعمل على البناء والترتيب والتفاصيل التي تقود إلى النسخة النهائية. ثم برزت أهمية خبرته في المرحلة التالية أيضاً. فرشيد مخرج ومنتج فلسطيني من غزّة، لديه خبرة طويلة في السينما والمهرجانات الدولية، ولذلك كان لدوره أهمية كبيرة في استكمال الفيلم ومرافقته في رحلته إلى المهرجانات والجمهور خارج غزّة.

> هل تعرّضتم لخطر ما خلال التصوير؟

- نعم، مرّات كثيرة. لم يكن الخطر حادثة منفصلة وقعت خلال صناعة الفيلم، وإنما كان جزءاً من الواقع اليومي الذي كنّا نعمل داخله.

أُصيب أحد أفراد فريق التصوير، حاتم سيلمي، خلال العمل. وفي مراحل مختلفة، اضطر بعض أعضاء الفريق إلى التوقّف للاهتمام بعائلاتهم، وكنّا نتوقّف عن التصوير عندما يشتدّ الخطر أو نُضطرّ إلى النزوح.

وفي إحدى المرّات، كان هناك تهديد خطير بجوار منزلي، وكان عليَّ إخلاء عائلتي بينما كنت بعيداً عنها. في تلك اللحظة، لم أفكّر في الفيلم أو المواد المصوَّرة؛ كان كلّ تفكيري منصبّاً على إخراج عائلتي من منطقة الخطر. ولم أتذكّر المواد الموجودة في المنزل إلا بعدما أصبحت عائلتي في مكان آمن. وبعد قصف المنزل المجاور، عدت عندما أصبح ذلك ممكناً، ووجدت أنّ المواد المصوَّرة لا تزال محفوظة.

وهناك أيضاً الخطر النفسي والإنساني، وليس الجسدي فحسب. بعد استشهاد شقيقي، توقّفت عن التصوير شهرين أو 3 تقريباً. في لحظات مثل هذه، لا تفكّر في كونك مخرجاً، وإنما في أنك إنسان فَقَدَ شخصاً من عائلته.


شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
TT

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)

«Fatherland»

★★★إخراج: بافل بافليكوفسكي

الإنتاج: بولندا، ألمانيا، إيطاليا، فرنسا (2026)

«الأوسكار»: ثالث فيلم للمخرج تختاره بولندا لتمثيلها في سباق «أفضل فيلم دولي»

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته، وآخر باطني يكشف عن غضب داخلي ناجم عن التوتّر بين الأب وابنته، إلى جانب أسباب أخرى.

يتناول الفيلم الأديب الألماني توماس مان (يؤدّيه هانز زيشلر)، الذي غادر موطنه عام 1933 مع صعود النازية. وتتمحور الأحداث حول عودته إلى ألمانيا عام 1949، عندما استجاب لدعوة لتسلّم «جائزة غوته» من مدينة فرانكفورت. ترافقه في الرحلة ابنته «إريكا» (ساندرا هولر)، التي لم تكن راغبة في الزيارة أصلاً.

تكشف المَشاهد التي تجمع الأب وابنته، سواء أكانا وحدهما أم وسط آخرين، عن توتّر بينهما، خصوصاً بعدما قرّر الأب قبول جائزة ألمانية ثانية. وهكذا يحيط الفيلم بوضعَين: شخصي؛ يتمثّل في العلاقة المتوتّرة بين مان وابنته، وعام؛ يتمثّل في ألمانيا الخارجة من حرب خسرتها.

لكن المخرج لا يدخل في التفاصيل، ولا يبني على ما يؤسّسه من أحداث بما يمكّن الفيلم من سبر أبعادها، مكتفياً بكاميرا تلاحظ ولا تشترك. أكثر من ذلك، كان التصوير بالأبيض والأسود في فيلمَيه السابقَين «آيدا» (2013) و«حرب باردة» (2018) أعلى حيويةً وفعلاً ممّا هو عليه في هذا الفيلم.

«Coward»

★★إخراج: لوكاس دونت

الإنتاج: بلجيكا، فرنسا، هولندا (2026)

«الأوسكار»: الفيلم البلجيكي المختار لسباق «أفضل فيلم دولي»

الحرب التي يختار المخرج دونت وضع حكايته فيها هي «العالمية الأولى». وقد كانت محطّ اهتمام عشرات الأفلام، بينها كلاسيكيات عدّة، كلّ منها كافٍ لدفن هذا الفيلم الجديد في خنادقها. أفلام مثل «الوهم العظيم» لجان رنوار (1937)، و«ممرات المجد» لستانلي كوبريك (1957)، و«طفولة إيفان» لآندريه تاركوفسكي (1962)، تناولت مآسيَ الحرب كما انعكست على شخصياتها في خطوط المواجهة الدامية. وكانت الحالات التي استعرضتها ترمي إلى ما هو أبعد من تمرير تجربة شخصية أو التوقّف عند ما يحدث لصاحبها دون الآخرين.

مشهد من «جبان» (ذا ريونيون)

في «جبان»، لا يهمّ كلّ هذا؛ لأن الحكاية التي يريد المخرج سردها تتناول شاباً يُدعى «بيار» (إيمانويل ماكيا)، يصفه رفاق السلاح بأنه جبان. يريد أن يبرهن على أنه ليس كذلك، لكنه لا يستطيع؛ لأنه بالفعل هكذا. لا نرى أمثلة فعلية على جبنه، ولا ينتهي الفيلم بموقف مغاير لبطله، ولا يدخل في عمق شخصيته، رغم تخصيص مشهد طويل لخوضه تجربة كان من المفترض أن يخرج منها شجاعاً، أو مختلفاً على الأقل.

الرهان هنا على الحبكة، مع الإصرار على توظيف الحرب العالمية الأولى ديكوراً.

يتحاشى الفيلم مشاهد الحرب بالمعنى المُتعارف عليه، رغم توافر مناسبات لها. وما يقدّمه منها يأتي من باب الضرورة أكثر ممّا يعبّر عن موقف أو بُعد من أي نوع. خيار المخرج الوحيد يقع بين كاميرا محمولة لتصوير المشاهد الرومانسية، وأخرى محمولة ومرتجّة لتصوير رفاق السلاح في أرض المعركة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
TT

فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)

BUNKER

★★★⭐︎

• إخراج: فلوريان زَلر

• فرنسا/ إسبانيا (2026)

• عروض: بمهرجانَي فينسيا وتورنتو

يبدأ «ملجأ» ببطله خافييه باردام وهو جالس إلى طاولة طعام يتحدّث. أتذكّر سريعاً أنها بداية فيلمه ما قبل الأخير «المحبوبة» لرودريغو سوروغويان؛ إذ يبدأ الفيلم بالبطل جالساً إلى طاولة (في مطعم آخر طبعاً) وهو يتحدّث أيضاً. لكن عند هذا الحد ينتهي التشابه بين الفيلمين اللذين ينتميان إلى نوع من الدراما التي تسبر أعماق شخصياتها. في «المحبوبة» هو مخرج يحاول دفع ابنته (فكتوريا لوينغو) لتجاوز موقفها تجاهه، وقبول الفرصة التي يتيحها لها لتصبح ممثلة أفضل. وهنا هو مهندس معماري يواجه أزمة مع زوجته (بينيلوبي كروز) تكاد تؤدي بهما إلى قطيعة.

في فيلمه الجديد يلعب باردام دور المهندس المعماري الإسباني «ميغويل» الذي يعيش مع زوجته «صوفيا» وابنتَيهما في لندن. يتلقّى عرضاً مغرياً لتصميم ملجأ عميق تحت الأرض استعداداً لمستقبل يلفّه الغموض. العارض هو واحد من رجال المؤسسات الملياردية الكبيرة (فكّر أمازون أو يوتيوب)، وهو معجب بفن «ميغويل»، ويرفع الأجر المغري إلى الضعف عندما يصل إليه نبأ تردد المهندس في قبوله. سبب التردد هو أن «صوفيا» لديها سؤال مهم حول هذا المشروع وصاحبه: ما الذي يعرفه هذا الملياردير عن المستقبل لا نعرفه بحيث يصر على بناء ذلك الملجأ المحصّن المزوّد بمؤونة كافية لسنة كاملة؟ يتنامى لدى «ميغويل» شعور بأن مشاعر زوجته نحوه بدأت تتبدد. هي رئيسة تحرير كتبت في دار نشر، وتتعامل حالياً مع مؤلف أميركي شاب وجذّاب اسمه «جيريمي» (باتريك شوازنيغر)، وهناك بوادر بداية علاقة خارج المهنة يحسب الزوج لها حساباً كبيراً.

هناك أيضاً جاره «توبي» (ستيفن غراهام) الذي يهدم جزءاً من جدار بيته، ما يجعله قادراً على رؤية ما يدور في منزل «ميغويل» الذي يستاء من ذلك، ويطالب «توبي» بسد الثغرة. سيلي ذلك تحوّل بسبب أحداث لاحقة تُساهم في تغيّر موقف «ميغويل» من كل شيء.

المعالجة الكلّية لمجمل هذه الأحداث ونتائجها جيّدة. ما زال المخرج في هذا الفيلم (الثالث له) متمكناً من إدارة الممثلين كما ظهر في فيلمَيه السابقين «الأب» (مع أنطوني هوبكنز) و«الابن» (مع زن ماغراث).

بعض ذلك يعود إلى خلفية المخرج المسرحية التي يمكن ملاحظتها جيّداً في هذا الفيلم، ليس فقط على صعيد إدارة الممثلين بفاعلية، بل كذلك باختيار سرد حكايته (أو حكاياته بالأحرى) في مشاهد داخلية غالباً، وعلى نحو لا خلل فيه مع غياب شبه دائم للمشاهد الخارجية.

BEING HEUMANN

★★

• إخراج: شيان هيدر

• الولايات المتحدة (2026)

• عروض: فيلم افتتاح «تورنتو»

«أن تكون هيومان» هو ثاني فيلم للمخرجة هيدر عن شخصيات تعاني من إعاقة. في فيلمها السابق «كودا» (CODA)، تناولت هيدر قصة فتاة شابة تنتمي إلى عائلة من الصم، وتُعدّ الوحيدة القادرة على السمع والنطق بينهم، في حين تحلم بمستقبل مهني في الغناء. هنا تعود هيدر إلى موضوع الإعاقة عبر سيرة جودي هيومان، الناشطة التي قادت في سبعينات القرن الماضي حملة للمطالبة بحقوق ذوي الإعاقة الحركية في الولايات المتحدة. الفيلم مقتبس من مذكراتها، وتؤدي شخصيتها روث ماديلي.

لقطة من «أن تكون هيومان» (آبل فيلمز)

عودة المخرجة لتقديم فيلم عن معاقين لا تخلو من الرغبة في استخدام السلّم الذي أوصلها للفوز بثلاث أوسكارات عن «كودا» سنة 2022. يكشف الفيلم الجديد رغبة هيدر في تكرار نجاح «كودا»، لكن من دون امتلاك المقومات ذاتها. فكما يعود إلى موضوع الإعاقة، يعود أيضاً إلى استثمار القضية سعياً وراء التعاطف والإعجاب، من دون معالجة درامية ناضجة أو مقنعة. ليس هناك من مشهد واحد في كلا الفيلمين بريء من الاستغلال الفوري للفكرة، ومن تنفيذ خفيف لموضوع مهم يتم تقديمه عبر أسلوب هو أقرب لمن ينقر على مفاتيح البيانو من دون تأليف معزوفة.