داريو أرجنتو أستاذ سينما الرعب الإيطالية

يعود بعد 12 سنة بفيلم من النوع ذاته

لقطة من أحدث أفلام أرجنتو «نظارات داكنة»
لقطة من أحدث أفلام أرجنتو «نظارات داكنة»
TT

داريو أرجنتو أستاذ سينما الرعب الإيطالية

لقطة من أحدث أفلام أرجنتو «نظارات داكنة»
لقطة من أحدث أفلام أرجنتو «نظارات داكنة»

تشهد صالات الولايات المتحدة المتخصصة في الأسابيع القليلة المقبلة العروض التجارية الأولى في أميركا الشمالية لفيلم الإيطالي داريو أرجنتو الجديد «نظارات داكنة» (Dark Glasses) الذي كان شهد عرضه العالمي الأول في مطلع هذا السنة في مهرجان برلين السينمائي.
هو فيلم تشويقي كالعديد سواه، باستثناء أنه كذلك فيلم العودة لأحد كبار الإيطاليين في مجال سينما الرعب. هذا لأن أرجنتو لم يحقق عملاً منذ 12 سنة عندما وفّر لعشاق أفلامه والمخلصين من أتباعه فيلمه Dracula 3D الذي اشترك في بطولته الأميركي الراحل روتغر هاور وكان فيلم أرجنتو الوحيد بالأبعاد الثلاثة.

تأثير خارجي
اكتسبت أفلام أرجنتو إعجاباً كبيراً بين هواة هذا النوع منذ أن قام بإخراج فيلمه الأول «الطائر ذو الريش الكريستالي» (The Bird with the Crystal Plumage) سنة 1970 وازداد هذا الإعجاب فيلماً وراء آخر حتى كوّن له صيتاً قوياً في منتصف السبعينات عندما أخرج «أحمر قاني» (Deep Red). وبعد عامين من هذا الفيلم، أي سنة 1977. أنجز Suspiria الذي أعاد الإيطالي لوكا غوادانينو تحقيقه قبل خمسة أعوام بالعنوان نفسه وبنجاح فني أقل.
أرجنتو من مواليد روما سنة 1940 وأحب السينما لسبب وجيه هو أن والده سيلفاتوري أرجنتو كان منتجاً ناجحاً. كذلك كان أرجنتو الابن يستمع، في سنوات صباه الأولى، إلى حكايات عمّته قبل النوم. لم تكن حكايات السندباد ولا سندريلا أو بيتر بان، بل حكايات رعب قرأتها أو حفظتها وربما أضافت إليها ما اعتقدت أنه ينقصها. المهم أن الصبي تشرّب الحكايات وعندما قرر دخول العمل السينمائي تيمّناً بوالده وجد نفسه أمام تلك الذكريات التي تركت تأثيرها عليه.


داريو أرجنتو مع ابنته آسيا خلال التصوير

أقبل على حب السينما ثم انتقل الحال به إلى حب العمل فيها، استوعب كذلك، وحسب مذكراته التي ترجمت للإنجليزية سنة 2012. أفلام ألفرد هيتشكوك والألمانيين ف. و. مورنو وفريتز لانغ من بين المخرجين وروايات إدغار ألان بو وتوماس د كوينسي من بين الكتّاب الروائيين.
أسلوب أرجنتو ليس هو ذاته أسلوب هيتشكوك أو مورناو أو لانغ. يختلف عنهم في أنه استفاد من الحقبة الجديدة وظروفها التي كانت ممنوعة عنهم. ذلك لأنه عندما أقدم مورناو ولانغ على تحقيق الأفلام كانت السينما غير معنية بالعنف المباشر. كذلك فإن أفلام هيتشكوك عموماً (وهو الذي ورد للعمل بعد زميليه المذكورين) ابتعدت عن العنف والدم مستبدلاً ذلك بالإيحاء القوي بضراوة الجريمة، كما الحال في «سايكو» (1960).
في السبعينات بات كل شيء مباحاً أكثر على الشاشة وأرجنتو لم يجد مانعاً في أن يطرح أفلامه محمّلة بالقتل والدم والعنف لكن بالطبع ضمن معالجات غير رخيصة. لم يجاوره في ذلك بين الإيطاليين سوى لامبرتو بافا في بعض أعماله.
كان أرجنتو شارك في كتابة سيناريو «حدث ذات مرّة في الغرب» لسيرجيو ليوني (1968). منتج ذلك الفيلم، غوفريدو لومباردو، طلبه إلى مكتبه وسأله إذا ما كان يستطيع إعادة كتابة سيناريو آخر بعنوان «طائر بريش كريستالي» وهو المشروع الذي أعجب أرجنتو واقترح القيام بإخراجه.
هذا الفيلم يحمل في طيّاته نوعين متجاورين: هو فيلم رعب بالنسبة للجرائم التي يحتويها ومشاهد القتل التي اختارها المخرج لمعالجة تلك المشاهد، وفيلم تحريات أيضاً كون بطل الفيلم تحرياً خاصاً، ولو أنه مختلف عن التحريين الخاصين الآخرين في السينما على نحو شديد.


مشهد من «سوسبيريا»

يكشف المؤرخ أكزافيير مندِك أن هذا الجانب البوليسي مستوحى من سلسلة أعمال بوليسية انتشرت في تلك الفترة واشتهرت باسم Giallo ( ومعناها روايات صفراء، نسبة للون أغلفة تلك السلسلة). المنحى الخاص لأرجنتو ليس التغني ببطولة التحري الخاص، ولا بالشرطة الرسمية كذلك، بل عرض استنتاجاتهم الخاطئة وقصورهم في تحليل الوقائع. هذا ما تكشف عنه نهاية «طائر بريش كريستالي» عندما يدرك بطل الفيلم أن المجرم المتسلسل ليس سوى من كان شاهدها تتعرَّض لمحاولة قتل في مطلع الفيلم ما صرفه عن الريب بها وملاحقة الشخص الخطأ.
بذلك يتبع الفيلم حلقة من أدبيات القتل في الرواية (ولاحقاً في الأفلام) بدأتها أغاثا كريستي عبر روايتها الشهيرة «عشرة هنود صغار» (Ten Little Indians) المنشورة سنة 1939. كذلك سبق الإيطالي ماريو بافا داريو أرجنتو عندما أنجز «دم ورباط أسود» (Blood and Black Lace) سنة 1964.

بين الأصلي والمزيّف
عاد أرجنتو وكرر المفاد ذاته في فيلميه اللاحقين The Cat O‪›‬Nine Tails وFour Flies on Grey Velvet حيث يبني الرجل الذي يصر على ملاحقة مرتكب الجريمة قضيّته على اعتقادات خاطئة من دون أن يعلم. ومن دون أن يعلم المُشاهد كذلك. لهذا تأتي مَشاهد الختام اكتشافاً له وللمشاهدين معاً.‬
في هذين الفيلمين بدأ أرجنتو بالتوسع في استخدام تقنيات البؤرة التي تعكس وجهة نظر شخص ثالث الذي قد يكون القاتل وقد يكون المُشاهد نفسه. الكاميرا التي تتبنّى هذا التشخيص تصبح العين الثالثة التي تضع القاتل والمتفرّج في خط مستقيم واحد، كل منهما يتابع ما يدور ويشترك به. بذلك هو، مثل هيتشكوك أحياناً والأميركي برايان دي بالما في أفلامه الأولى التي تأثر فيها بأفلام هيتشكوك بوضوح، عمد إلى مفهوم «البصبصة» بحيث يصبح المُشاهد طرفاً فيما يدور وليس مجرد ناظر إليه.
هذا المبدأ مارسه أرجنتو مجدداً في «أحمر قاني» (علاقة أرجنتو باللون الأحمر مشهودة في كل فيلم من أفلامه. تحتل الصدارة بين الألوان بصرياً وكدلالة) قبل أن ينطلق في جهد مضاعف في هذا الاتجاه عندما قام بتحقيق «سوسبيريا» سنة 1977.
«سوسبيريا» أكثر تعقيداً من أي فيلم سابق والبحث عن القاتل/ القاتلة من قِبل رجل عاجز عن التصرّف بمعزل عن العقد النفسية والجنسية التي تتحكّم به، يتّسع لأن الحكاية انتقلت من الشارع والبيت إلى أكاديمية لتعليم الرقص تحكمها شريرات يقتنصن الفرص لقتل ضحاياهن. يواكب هذه النقلة المزيد من شراسة القتل والعنف بحيث لا يترك المخرج مشاهديه في راحة مطلقة. الضحايا قد تكون امرأة أو رجل أو حتى شخص أعمى (كما في أحد المشاهد). القتلة لا ترحم وأرجنتو لا يريد أن يرحم مشاهديه أيضاً.
طبعاً، مثل هذا التوجّه لا بد أن يعني أن المخرج لا يملك خلفية فنية بقدر ما يملك خلفية في الهوس الدموي. لكن أرجنتو يمارس ما يمارسه بطلاقة أسلوبية متماسكة ويستخدم السوريالية ليس كمشاهد فقط، بل كلبنة فعلية في عمله. على هذا، بقي السؤال الشاغل بالنسبة لنقاده هو إذا ما كانت أعماله محض أفلام جماهيرية (ولمُشاهدين محددين) أو هي جزء من موجة خلطت بين الفن والتجارة في تلك الفترة.
في كل الأحوال فإن «سوسبيريا» حسب أرجنتو، أفضل بكثير من النسخة التي أخرجها لوكا غوادانينو سنة 2018. هذا عائد إلى أن أرجنتو وضع تيمة وحفظها من الهوان بابتكار المشاهد التي تستطيع أن تدعمها من دون خلل. النسخة الحديثة تحكي الحكاية ذاتها، لكنها تتطلع دوماً للتوسع خارجها. نتيجة ذلك تختلف المفادات بأسرها. في نسخة أرجنتو العامل السياسي، كون الأحداث تقع في إطار أكاديمية ألمانية، يبقى موحياً به. في نسخة غوادنينو فإن الرابط بين الأكاديمية ورسالة سياسية ضد الألمان مجرد انتهاز فرصة للنيل منهم بأسلوب حكايات هوليوودية سابقة.
عنصر آخر تدفع لتحبيذ نسخة أرجنتو على نسخة غوادانينو، أن الأول وضع كل فيلمه من منظور حلم سوريالي قد تفيق منه لتجد أنك كنت ترتعش خوفاً من وهم. هنا لا يوجد غطاء من هذا النوع ولا من نوع آخر بل سرد لمشاهد يراد لها أن تكون غريبة لمجرد أنها تنفيذ لتلك الغاية. القتل هنا مباح لذاته والرغبة في منحه لمسة فنية تفشل في نتائجها.

عمياء في خطر
فيلم أرجنتو الجديد، «نظارات داكنة»، لا يخرج كثيراً عن أفلام المخرج السابقة. في الواقع لا يأتي بجديد فعلي فوق ما سبق شرحه. الشخصيات التي يتمحور الفيلم حولها كانت وردت في أفلامه السابقة: وهي تشمل شخصية رجل متعب بما في داخله من هواجس وعاجز عاطفياً وذهنياً عن فعل الشيء الصحيح. وفتاة بريئة يلاحقها قاتل شرس. لن تكون الضحية الوحيدة، إذ إن القاتل منصرف إلى قتل نساء أخريات. هنا فرصة المخرج لدم مباح.
يختار أرجنتو حكاية المرأة التي فقدت بصرها إثر محاولة القاتل، ولأسباب تتعلّق بهوسة، صدمها بسيارته. هذا نراه في مطلع الفيلم الذي هو أحد أكثر مشاهد الفيلم عنفاً. بعد ذلك يمضي المخرج وقتاً لا بأس بمدّته ينصرف فيه لمواكبة بطلته (إيلينيا باستوراللي) في محاولتها التأقلم مع وضعها الجديد تساعدها في ذلك مشرفة متخصصة (آسيا أرجنتو). ينجح المخرج بعد ذلك في التقاط خط التشويق مجدداً لأن القاتل أدرك أن من حاول قتلها ما زالت حيّة وسيعمد للنيل منها. لكن هذا التشويق مرحلي بدوره وكتابته تقليدية كذلك إخراجه.
يتضح هنا أن أرجنتو لم يحد كثيراً عن بداياته. ليس أن شخصياته متكررة فقط، بل كذلك دوافعها ومفاهيمها وما تقوم تلك الشخصيات عليه من سلوكيات تبعاً لحالاتها النفسية. بذلك، يمكن، وإلى حد بعيد، اعتبار أن أفلام هذا المخرج ما هي إلا تكرار دائم لمقوّلات ظهرت في فيلمه الأول أو كما قال مدير التصوير الراحل فيتور ستورارو عنه (وهو صوّر له أول أفلامه): «الفيلم الأول هو الأساس لكل أفلام أرجنتو اللاحقة».



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز