إشارات نادرة من طهران إلى «تصنيع سلاح نووي»... وإسرائيل تهدد برد عسكري

منظّر استراتيجي إيراني: لا أحد يستطيع إيقافنا إذا أردنا تطوير القنبلة

صورة نشرها موقع «سنتكوم» من اجتماع كوريلا وكوخافي في تل أبيب
صورة نشرها موقع «سنتكوم» من اجتماع كوريلا وكوخافي في تل أبيب
TT

إشارات نادرة من طهران إلى «تصنيع سلاح نووي»... وإسرائيل تهدد برد عسكري

صورة نشرها موقع «سنتكوم» من اجتماع كوريلا وكوخافي في تل أبيب
صورة نشرها موقع «سنتكوم» من اجتماع كوريلا وكوخافي في تل أبيب

بعد ساعات من إشارة إيرانية نادرة إلى امتلاكها القدرات «الفنية» على صنع قنبلة نووية، قال المنظر الاستراتيجي الإيراني، محمد جواد لاريجاني، إنه «إذا قررت إيران صنع سلاح نووي؛ فلا أحد يستطيع إيقافه»، وذلك في وقت تمسك فيه رئيس الأركان الإسرائيلي أفيف كوخافي بإعداد رد عسكري على البرنامج النووي الإيراني.
وقال لاريجاني؛ أحد أبرز المنظرين الاستراتيجيين الإيرانيين، للتلفزيون الإيراني إن «إيران لا تسعى لإنتاج أسلحة دمار شامل وفقاً لفتوى المرشد الإيراني علي خامنئي، لكنها إذا أرادت القيام بهذا العمل، فلا أحد يستطيع إيقافها».
وقلل لاريجاني؛ الذي شغل مناصب في الجهازين الدبلوماسي والقضائي في السابق، من إمكانية القضاء على القدرات النووية الإيرانية بقصف منشآت تخصيب اليورانيوم.
جاءت تصريحات لاريجاني بعدما قال كبير مستشاري المرشد الإيراني في السياسة الخارجية، كمال خرازي، في تصريحات صحافية إن طهران «قادرة فنياً على صنع قنبلة نووية، لكنها لم تتخذ قراراً بعد لتنفيذ ذلك».
ومثلت تصريحات خرازي إشارة نادرة إلى أن إيران ربما تكون مهتمة بحيازة أسلحة نووية، رغم النفي الإيراني السابق احتمال تغيير مسار برنامجها النووي. وقال خرازي: «خلال أيام قليلة تمكنا من تخصيب اليورانيوم لما يصل إلى 60 في المائة، ويمكننا بسهولة إنتاج يورانيوم مخصب لنسبة 90 في المائة... إيران لديها السبل الفنية لصنع قنبلة نووية؛ لكنها لم تتخذ بعد قرار صنعها».
وأشار خرازي إلى تهديد إسرائيل بمهاجمة المواقع النووية الإيرانية إذا فشلت الدبلوماسية في احتواء طموحات طهران النووية. وقال إن بلاده أجرت مناورات موسعة بهدف ضرب العمق الإسرائيلي في حال «استهداف منشآتنا الحساسة».
خرازي الذي يرأس «اللجنة الاستراتيجية العليا للسياسات الخارجية»، الخاضعة لمكتب خامنئي، كرر التأكيد على رفض طهران المطلق أن تتفاوض على برنامجها الصاروخي وسياستها الإقليمية كما يطالب الغرب وحلفاؤه في الشرق الأوسط.
وأضاف أن «أي استهداف لأمننا من دول الجوار سيقابل برد مباشر على هذه الدول وإسرائيل».
من جانبه، حذر قائد الوحدة البحرية في «الحرس الثوري»، العميد علي رضا تنغسيري، اليوم «العدو من مغبة القيام بأي تحرك طائش يريد إثارة الفتنة أو الاعتداء على النظام»، مضيفاً أنه «سيتلقى صفعة لن ينهض بعدها من مكانه أبداً، وستجعله قواتنا يعض أصابع الندم هو ومن يقف وراءه».
وعادة ما يستخدم المسؤولون الإيرانيون تسمية «العدو» للإشارة إلى الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل.
وجاءت المواقف الإيرانية، بعدما قال بايدن في جولته الإقليمية إن واشنطن لن تسمح بوجود فراغ إقليمي تملأه روسيا أو الصين أو إيران، متعهداً بأن تستخدم بلاده كل عناصر «قوتها» لمنع إيران من حيازة السلاح النووي.

تحديات إيران

بعد ساعات قليلة من تلويح خرازي، صرح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي، مساء الأحد، بأن إسرائيل لديها «التزام أخلاقي» بإعداد رد عسكري على البرنامج النووي الإيراني.
وقال كوخافي: «إعداد الجبهة الداخلية لحرب مهمة يجب تسريع وتيرته في السنوات المقبلة، خصوصاً على ضوء احتمال أنه سوف يكون مطلوباً منا التحرك ضد التهديد النووي»؛ بحسب صحيفة «تايمز أوف إسرائيل». وأضاف: «الجيش يواصل الإعداد بقوة لهجوم على إيران، ويجب أن يقوم بالإعداد لكل تطور ولكل سيناريو».
أتى خطاب كوخافي في مراسم تغيير قائد قيادة الجبهة الداخلية بالجيش، بعد ساعات من حضوره اجتماعاً مشتركاً بين قادة الجيش الإسرائيلي، والقائد العام لـ«القيادة المركزية الأميركية في المنطقة (سنتكوم)»، الجنرال مايكل إريك كوريلا، الذي زار إسرائيل لأول مرة بعد تولي منصبه في مطلع أبريل (نيسان) الماضي.
وأفاد موقع «سنتكوم»، في بيان مساء الأحد، بأن كوريلا التقى قيادة الجيش الإسرائيلي، لمناقشة أهمية نظام دفاع جوي وصاروخي متكامل، فضلاً عن الحاجة المستمرة لتعاون أمني إقليمي قوي.
بدوره؛ كتب وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس على «تويتر» أن مناقشاته مع كوريلا ركزت على «التحديات الإقليمية؛ بما في ذلك أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار عبر الوكلاء، أو للملاحة البحرية».
https://twitter.com/gantzbe/status/1548710775258243072?s=20&t=WXSi1J6ygYic2Vr1hEvXEA
وأبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي، يائير لبيد، أمس، تمسك بلاده بـ«حق التصرف الكامل» ضد البرنامج النووي الإيراني على الصعيدين الدبلوماسي والعسكري،، قائلاً إنه أوضح لبايدن معارضة إسرائيل الاتفاق النووي.
والشهر الماضي، أعطى الجيش الإسرائيلي؛ الذي يملك إمكانات متقدمة، مؤشرات على قدرته على الوصول لمناطق استراتيجية من خلال الإعلان عن تدريبات على ضربات جوية في البحر المتوسط ونشر غواصة عسكرية في البحر الأحمر.
لكن بعض المحللين الأمنيين يتساءلون عما إذا كانت إسرائيل تمتلك قدرات عسكرية تمكنها من إلحاق ضرر دائم بمواقع تبعد عنها بُعد المنشآت النووية المتفرقة والمحمية بدفاعات قوية التي تمتلكها طهران، أو إذا كان بوسعها مواجهة قتال متعدد الجبهات مع القوات الإيرانية وجماعات مسلحة متحالفة معها يمكن أن يلي أي خطوة عدائية من جانبها.

تخصيب متسارع

عادت إيران إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المائة في يناير (كانون الثاني) العام الماضي، قبل أيام من دخول بايدن إلى مكتبه البيضاوي، وعادت بذلك إلى أعلى مستوى بلغته قبل توقيع الاتفاق النووي في 2015، لكن في أبريل من العام نفسه وصلت طهران لأول مرة منذ تخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء 60 في المائة، وهي الخطوة التي يعدّها الخبراء نحو 99 في المائة من عملية الوصول إلى نسبة 90 في المائة المطلوبة لصنع الأسلحة.
أظهر أحدث تقرير فصلي منفصل صادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مايو (أيار) الماضي أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب لنسبة نقاء تبلغ 60 في المائة، وصل إلى 43.1 كيلوغرام.
انسحب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب في 2018 من الاتفاق النووي المبرم 2015 مع القوى العالمية والذي حدت بموجبه إيران أنشطة تخصيب اليورانيوم مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية التي فرضت عليها. ورداً على انسحاب واشنطن وإعادة فرض عقوبات صارمة بدأت طهران في خرق القيود النووية التي فرضتها الاتفاقية.
وأوشك أطراف الاتفاق النووي على التوصل إلى اتفاق في مارس (آذار) الماضي عندما وجه الاتحاد الأوروبي الدعوة إلى وزراء خارجية الدول الموقعة على الاتفاق النووي للتوجه إلى فيينا لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاق بعد محادثات غير مباشرة على مدى 11 شهرا بين طهران وإدارة بايدن.
لكن المحادثات تعثرت بسبب مطالب روسية في اللحظة الأخيرة، وأخرى إيرانية بإلغاء إدراج «الحرس الثوري» في قائمة أميركية للمنظمات الإرهابية الأجنبية. وأوضحت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن أنه لا خطط لديها لرفع اسم «الحرس الثوري» الإيراني من القائمة، وهي خطوة إذا تمت فستكون ذات تأثير عملي محدود على الأرجح؛ لكنها ستغضب كثيراً من المشرعين الأميركيين.

تلويح في ظل فتوى

ليست المرة الأولى التي تتحدث فيها إيران عن إمكانية رفع تخصيب اليورانيوم إلى 90 في المائة، لكن تصريحات كل من خرازي ولاريجاني جاءت غداة انتهاء زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى المنطقة. وأثارت مواقف الرئيس الأميركي خلال الأيام الأخيرة، خصوصاً اتفاقه مع دول المنطقة على منع إيران من تطوير أسلحة نووية، والتصدي لزعزعة استقرار المنطقة، غضباً لدى المسؤولين الإيرانيين.
https://twitter.com/aawsat_News/status/1546856683900702727?s=20&t=WXSi1J6ygYic2Vr1hEvXEA
في يوليو (تموز) من العام الماضي، قال الرئيس الإيراني السابق، حسن روحاني قبل أسابيع من انتهاء ولايته الثانية، إن إيران «يمكنها تخصيب اليورانيوم بنسبة 90 في المائة إذا احتاجت ذلك». وقبل ذلك، في يناير من العام الماضي، قال المتحدث باسم المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، إن بلاده يمكنها «بسهولة» رفع تخصيب اليورانيوم إلى 90 في المائة.
وذهب وزير الأمن السابق، محمود علوي، في فبراير (شباط) 2021 أبعد من ذلك؛ عندما قال في مقابلة تلفزيونية إن الضغط الغربي قد يدفع بطهران إلى سلوك «قط محاصر» في السعي لامتلاك أسلحة نووية.
وصرح علوي في مقابلة تلفزيونية بأن «المرشد (خامنئي) قال بوضوح في فتواه إن الأسلحة النووية تناقض الشريعة، وإن الجمهورية الإسلامية تعدّها محرمة دينياً، ولا تسعى لحيازتها، لكن قطاً محاصراً يمكن أن يتصرف بشكل مخالف لما يفعله عندما يكون طليقاً، وإذا دفعت (الدول الغربية) إيران في ذلك الاتجاه، فلن يكون الذنب ذنب إيران» حسب «رويترز».
وعلى خلاف النفي الرسمي، يتحدث بعض المحللين الإيرانيين المحسوبين على الدوائر الأمنية في طهران عن إمكانية تغيير مسار البرنامج النووي الإيراني، والتوجه إلى صنع قنبلة نووية، بدافع «الردع».
وفي 21 يونيو (حزيران) الماضي، نقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن قائد «الحرس»، حسين سلامي، قوله: «في المستقبل القريب سنكون بين القوى العالمية»، وجاء ذلك بالتزامن مع تغريدات مكثفة لمغردين تابعين لـ«الحرس الثوري» تلمح إلى إمكانية صنع القنبلة النووية، مستندين في ذلك على الأزمة التي تواجه أوكرانيا بعد تخليها عن الأسلحة النووية.
وفي فبراير الماضي، أثار وثائقي بثته «الخدمة الفارسية» لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)» عن فتوى خامنئي بشأن الأسلحة النووية، غضب وسائل إعلام «الحرس الثوري».
ويتتبع وثائقي «الفتوى النووية» كيفية ظهورها في خطابات المسؤولين الإيرانيين، في أعقاب تسريب وجود منشأة «نطنز» ومفاعل «أراك» في 2002، ويرى الوثائقي أن الخطابات الأولى للمرشد الإيراني كانت تقتصر على رفض المزاعم الغربية حول البرنامج النووي، قبل أن يحل محلها مضمون آخر بشأن عدم الاتساق بين الأسلحة النووية والمبادئ العقائدية للنظام.
ويعيد الوثائقي التذكير بخطاب خامنئي؛ صاحب كلمة الفصل في النظام الإيراني، غداة الغزو الأميركي للعراق في 21 مارس (آذار) 2003، ويقول فيه: «أن يقولوا إن الجمهورية الإسلامية تسعى وراء الأسلحة الكيماوية والقنبلة الذرية؛ فهو كذب من الأساس... نحن لسنا أهل القنبلة... مبادئنا لا تتفق مع ذلك».
ويوضح الوثائقي الصلة بين ما قاله خامنئي و«دعاية عالمية» للمسؤولين الإيرانيين عن وجود «فتوى تحريم السلاح النووي»، مشيراً على وجه خاص إلى ما قاله الرئيس السابق حسن روحاني عندما كان يشغل منصب الأمين العام لمجلس الأمن القومي. ويرى الوثائقي أن «الولادة الرسمية» لـ«الفتوى النووية» تعود إلى ديسمبر (كانون الأول) 2004 في مفاوضات الترويكا الأوروبية وإيران، التي اقتبس فيها روحاني عبارات من خطاب خامنئي في صلاة الجمعة على أساس أنها «فتوى».
وخلص الوثائقي إلى «انطباع شريحة واسعة من القوى في السلطة بأن الفتوى نوع من المصلحة السياسية»، مرجحاً أن «الفتوى من الممكن أن تكون قائمة في حياة خامنئي؛ لكن لا توجد ضمانات لبقائها مستقبلاً».



ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

في لحظةٍ تتقاطع فيها حسابات الحرب مع رهانات السياسة، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف تهديداته مرةً أخرى ضد إيران، ملوّحاً بإصدار أوامر للجيش الأميركي بإطلاق النار وتدمير القوارب الإيرانية التي تعيق حركة الملاحة في مضيق هرمز، وإزالة الألغام من الممر المائي.

ويزيد البعد الزمني من تعقيد المشهد؛ فترمب الذي تعهد بتجنب «الحروب الطويلة»، يواجه ضغوطاً داخلية متزايدة لإنهاء الأزمة بسرعة، خاصة مع اقتراب الانتخابات الفصلية للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوتر في مضيق هرمز.

وفي المقابل، تبدو إيران أكثر استعداداً لتحمل تكلفة الوقت؛ ما يمنحها أفضلية نسبية في معركة الإرادات.

ورغم هذه التحديات، لا تزال واشنطن تراهن على أن مزيج الضغط والمرونة قد يفضي إلى اتفاق. ووفقاً للخبراء، فإن ترمب لا يسعى فقط إلى صفقة مع إيران، بل إلى «رواية انتصار» تصاحب الاتفاق؛ إذ لن يُقاس نجاحه بمضمون الاتفاق فحسب، بل بقدرته على تقديمه بوصفه إنجازاً وانتصاراً يتفوق على إرث أوباما واتفاقية عام 2015 النووية مع إيران.

ومع ذلك، يظل الطريق إلى هذا الهدف مليئاً بالتحديات، من تعقيدات الملف النووي إلى توازنات الداخل الإيراني، مروراً بحسابات السياسة الأميركية.

غضب ترمب ونفاد صبره

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية 18 أبريل (أ.ب)

ويأتي تهديد ترمب بإطلاق النار على القوارب الإيرانية، في ظل غياب مؤشرات واضحة بشأن استئناف محادثات السلام التي استضافتها باكستان سابقاً خلال الأيام المقبلة، مع عدم صدور أي تصريحات حول ترتيبات محتملة لزيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى باكستان.

وبدا غضب ترمب ونفاد صبره واضحين في تغريدة أخرى، سخر فيها من الصعوبات التي تواجهها إيران في تحديد قيادتها، مشيراً إلى اقتتال داخلي بين متشددين يتكبدون خسائر فادحة في ساحة المعركة، ومعتدلين وصفهم بأنهم «ليسوا معتدلين على الإطلاق».

ولوّح بأن الولايات المتحدة تسيطر سيطرةً تامة على مضيق هرمز، وأنه لا يمكن لأي سفينة الدخول أو المغادرة دون موافقة البحرية الأميركية، مؤكداً أن الحصار على المضيق «محكم تماماً» إلى أن تتمكن إيران من «إبرام صفقة».

وفسّر محللون هذا التحول في الخطاب الرئاسي الأميركي بوصفه انتقالاً من خطاب الردع إلى خطاب يضع قواعد اشتباك ميدانية دقيقة، تستهدف ضبط السلوك الإيراني في الممرات البحرية دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

كما رأوا أن ربط ترمب، في تغريداته على «تروث سوشيال»، بين السيطرة الكاملة على مضيق هرمز وإبقائه مغلقاً حتى توافق إيران على صفقة، يمثل رسالة تجمع بين الضغط العسكري والابتزاز التفاوضي.

وأثار ترمب جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الأميركية بإعلانه عدم وجود جدول زمني لإنهاء وقف إطلاق النار مع إيران؛ إذ عدَّه البعض تراجعاً عن نهج التصعيد، في حين رآه آخرون مرونة تكتيكية ضمن استراتيجية تفاوضية أوسع.

صيغة توازن دقيقة

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ب)

ويبدو أن ترمب يسعى إلى المناورة بين ضغوط الداخل وحسابات الخارج؛ بحثاً عن صيغة توازن دقيقة تمكّنه من الخروج من المواجهة مع إيران دون أن يظهر بمظهر المتراجع، خصوصاً بعد تمديد هدنة وقف إطلاق النار، والتراجع عن بعض تهديداته السابقة، والجدل المستمر حول جدوى الحصار الأميركي في مضيق هرمز لإجبار إيران على تقديم تنازلات.

وتقول أليس إيفرز، الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية، إن «جميع خيارات ترمب تنطوي على مخاطر عالية في بيئة تصعيدية صفرية، حيث يسعى كل طرف إلى إجبار الآخر على التراجع». وتضيف أن هذا النمط من التصعيد المتبادل يجعل أي تهدئة مؤقتة مجرد استراحة تكتيكية لا تحولاً استراتيجياً.

ويشير تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية إلى أن إدارة ترمب انتقلت من خطاب التهديد بالحسم العسكري إلى ما يشبه «نمط الانتظار»، حيث جرى تمديد الهدنة دون سقف زمني واضح، مع الإبقاء على أدوات الضغط الأساسية، وعلى رأسها الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية.

ولا يعكس هذا التحول رغبة في تجنب التصعيد فحسب، بل محاولة لصياغة مسار تفاوضي يمنح ترمب فرصة إعلان «انتصار سياسي» في حال التوصل إلى اتفاق.

ووفق هذه القراءة، لا ترى واشنطن في التصعيد الإيراني، بما في ذلك هجمات «الحرس الثوري» على الملاحة في مضيق هرمز، خروجاً عن السيطرة بقدر ما تعدّه جزءاً من «لعبة التفاوض بالقوة». فإيران، التي تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، تسعى إلى تحسين شروطها عبر استعراض قدرتها على تهديد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، في حين تراهن الولايات المتحدة على أن استمرار الضغط سيدفع طهران إلى تقديم تنازلات أوسع.

إيران مختلفة

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

غير أن هذا الرهان يصطدم بواقع أكثر تعقيداً. فإيران اليوم ليست كما كانت خلال مفاوضات عام 2015، حين وقّعت الاتفاق النووي مع إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما؛ إذ راكمت مخزوناً كبيراً من اليورانيوم عالي التخصيب، ورفعت مستوى خبرتها التقنية في المجال النووي وتخصيب اليورانيوم محلياً؛ ما يجعل العودة إلى القيود السابقة أكثر صعوبة.

وتشير تقارير إلى أن طهران قد تكون مستعدة لتقديم «ضمانات إضافية»، لكنها ترفض بشكل قاطع التخلي الكامل عن حقها في التخصيب.

ويبرز هنا التحدي الأكبر أمام ترمب: كيف يمكنه تحقيق اتفاق «أفضل» من اتفاق 2015 الذي انتقده لسنوات قبل أن ينسحب منه في 2018؟ وتكمن الإجابة، وفق مقربين من الإدارة، في إعادة تعريف «الأفضل»، عبر التركيز على فرض قيود أطول زمناً، وتشديد آليات التفتيش، وربما انتزاع تنازلات تتعلق بمستوى التخصيب ومصير المخزون الحالي.

غير أن هذه المقاربة تنطوي على مفارقة؛ إذ إن بعض الخيارات المطروحة اليوم، مثل الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة أو تقديم تخفيف مرحلي للعقوبات، تشبه إلى حد بعيد التنازلات التي انتقدها ترمب سابقاً في اتفاق 2015. وأشارت صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن الإدارة الأميركية تواجه «المعضلات ذاتها» التي واجهتها إدارة أوباما، مثل رفع العقوبات وحدود التخصيب.

الانقسامات الداخلية الإيرانية

في السياق ذاته، تلعب الانقسامات داخل إيران دوراً محورياً في الحسابات الأميركية؛ إذ ترى واشنطن أن طهران تشهد صراعاً بين تيار براغماتي يسعى لتخفيف الضغوط والانخراط في تسوية، وتيار آخر متشدد يدفع نحو التصعيد العسكري والمواجهة.

وانعكس ذلك، حسب صحيفة «ذا هيل»، في عدم قدرة الوفد الإيراني على تقديم موقف موحد؛ ما أسهم في تعثر المحادثات في باكستان.

غير أن هذا التفسير لا يخلو من حسابات سياسية؛ فتصوير إيران كطرف «منقسم» يمنح الإدارة الأميركية هامشاً للمناورة؛ إذ يبرر استمرار الضغط من جهة، ويفتح الباب أمام التفاوض مع التيار البراغماتي من جهة أخرى، كما يسمح بطرح أي تقدم، حتى إن كان محدوداً، بوصفه نتيجة مباشرة لهذه الاستراتيجية.

في المقابل، يرى خبراء أن هذا الرهان قد يكون مبالغاً فيه؛ إذ يظهر التاريخ أن النظام الإيراني، رغم خلافاته الداخلية، قادر على التماسك في القضايا الاستراتيجية الكبرى. كما أن استمرار الضغوط قد يعزز نفوذ التيار المتشدد بدلاً من إضعافه؛ ما قد يعقّد فرص التوصل إلى اتفاق.

وتقول سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد «بروكينغز»، إن الإيرانيين قد يقبلون بتنازلات في مستويات التخصيب أو الجداول الزمنية، لكنهم لن يتخلوا عن حقهم في التخصيب، وهي العقدة الأساسية التي بقيت قائمة منذ عام 2015.


انخفاض عدد عمليات عبور هرمز وازدياد الحوادث الأمنية

صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

انخفاض عدد عمليات عبور هرمز وازدياد الحوادث الأمنية

صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)

انخفضت عمليات عبور السفن عبر مضيق هرمز، بشكل حاد منذ الأحد الماضي، بسبب الحصار الإيراني والأميركي، في حين تضاعفت الحوادث الأمنية التي تشمل السفن، وفق بيانات جمعتها «وكالة الصحافة الفرنسية».

كانت إيران قد أعلنت، الجمعة الماضي، إعادة فتح المضيق، قبل أن تغلقه مجدداً بعد بضع ساعات، السبت، مشيرة إلى استمرار الحصار الأميركي على موانئها.

وبعد بلوغ ذروة في عمليات العبور شملت 26 ناقلة، في 18 أبريل (نيسان) الحالي، انخفض العدد إلى أدنى مستوى منذ بدء الحرب، وفق بيانات من شركة «كبلر».

وفي الفترة من 19 أبريل إلى 22 منه، لم يَعبر المضيق سوى 18 سفينة، بمعدل 4.5 سفينة يومياً. وبالمقارنة، عبَرَ، بين الأول من مارس (آذار) و17 أبريل، نحو تسع سفن يومياً.

صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)

وكان يجري تسجيل نحو 120 عملية عبور يومية، خلال وقت السلم، وفق موقع المعلومات البحرية «لويدز ليست». وبالتالي، انخفضت حركة العبور حالياً بأكثر من 96 في المائة عن المستويات الطبيعية.

في الوقت نفسه، ازداد عدد الحوادث التي أبلغت عنها السفن في المنطقة. وسجلت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية «يو كاي إم تي أو» و/أو شركة الأمن «فانغارد تك» سبع حوادث أو هجمات منذ السبت. وأكدت المنظمة البحرية الدولية خمساً من تلك الحوادث.

ومنذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، جرى تسجيل 38 حادثة من قِبل «يو كاي إم تي أو» و«فانغارد» و/أو المنظمة البحرية الدولية.


تقرير: إصابة مجتبى خامنئي «بالغة»... لكنه بكامل وعيه

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)
جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)
TT

تقرير: إصابة مجتبى خامنئي «بالغة»... لكنه بكامل وعيه

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)
جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

أفادت صحيفة «نيويورك تايمز»، الخميس، بأن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي أُصيب بجروح بالغة جراء الضربة الجوية الأميركية - الإسرائيلية التي اغتيل فيها والده وسلفه علي خامنئي، لكن لا يزال بكامل وعيه.

وأوردت الصحيفة نقلاً عن مسؤولين إيرانيين لم تُسمّهم قولهم إن المرشد الإيراني الجديد فوّض «أقله في الوقت الراهن» سلطة اتخاذ القرار إلى جنرالات «الحرس الثوري».

ولم تسجَّل أي إطلالة علنية لمجتبى خامنئي منذ أن خلف والده، وهو اكتفى بإصدار بيانات مكتوبة؛ ما أثار تكهّنات حول وضعه الصحي وما إذا كان لا يزال على قيد الحياة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ولفتت «نيويورك تايمز» النظر إلى أن خامنئي الابن «بكامل وعيه» و«منخرط»، على رغم «إصابته بجروح بالغة» في ضربة 28 فبراير (شباط) الجوية.

وتابعت الصحيفة: «أجريت ثلاث عمليات جراحية لإحدى ساقيه»، وأنه «بصدد تركيب طرف اصطناعي. كما خضع لعملية جراحية في إحدى يديه، وهو يستعيد وظائفها تدريجياً».

وتحدثت عن تعرّضه لـ«حروق شديدة في الوجه والشفتين؛ وهو ما يصعّب عليه التحدّث»، كما أنه «سيحتاج في نهاية المطاف إلى جراحة تجميلية».

وأشارت الصحيفة إلى محدودية التواصل المباشر مع خامنئي لأسباب أمنية، إذ ما زال متوارياً عن الأنظار، ولا تُنقل عنه سوى رسائل مكتوبة بخط يده.

وأضافت أن قادة «الحرس الثوري» لا يزورونه، لكن الرئيس مسعود بزشكيان، وهو أيضاً جرّاح قلب، شارك في الإشراف على علاجه.

وذكرت أن جنرالات «الحرس» كانوا ينظرون إلى الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل بصفتها «تهديداً لبقاء النظام»، إلا أن هذا التهديد «تم احتواؤه» الآن.

وقالت إن هؤلاء يتولّون أيضاً مسؤولية الاستراتيجية العسكرية، لا سيما الحصار المفروض على مضيق هرمز.