علي عكور يكتب على إيقاع روحِه

الشاعر السعوديّ لـ«الشرق الأوسط»: مشروعي عصرنة قصيدة التفعيلة

الشاعر السعودي علي عكور
الشاعر السعودي علي عكور
TT

علي عكور يكتب على إيقاع روحِه

الشاعر السعودي علي عكور
الشاعر السعودي علي عكور

من وسط تغريدات الموت العاجل التي لا تكاد تُنشَر حتى تليها تغريداتٌ أخرى عن موتٍ عاجلٍ آخر، يخرج مَن يغرّد شعراً ليقول للعالم إنّ الكوكب ما زال يتسع للرقّة والحنان واللطف.
الرقة والحنان واللطف... هذه الثلاثية التي يعترف بها الشاعر السعودي علي عكور تعويذة تروّض شراسة هذا الزمن، وتهدّئ ربما من رَوع «تويتر» الذي يظهر علينا بهيئة عصفورٍ أزرق صغير، ليتحوّل في معظم الأحيان إلى سربٍ من الغربان.
امتدّت المنصة حبل خلاص بين الشاعر الشاب ومتابعيه. فهم كانوا توّاقين إلى فسحةٍ شعريّة، وهو وجد في جمهوره الافتراضي الذي يفوق 62 ألف متابع، أسرةً منتشرة في كل البلاد العربية. من خلال «تويتر» تَعرّف كثيرون إلى علي عكور.
 https://twitter.com/alakOOrali/status/1547139189438808064
اختصرت شذراته، القريبة من شعر الهايكو الياباني، المسافات بين الأوطان والأرواح. بأبياته القصيرة الدافئة، دخل إلى بيوتٍ عربيةٍ كثيرة. شاركه المتابعون والنقّاد ردود فعلهم الإيجابية، فبدأت ترتسم ملامح مشروعٍ شعريٍ في ذهنه عام 2017، كما يخبر «الشرق الأوسط».
ما سبقَ ذلك كانت فترات متقطّعة من الكتابة خلال المرحلتَين المدرسية والجامعية وما تلاهما. أما اليوم وعلى مشارف أربعينه، فأثمن ما قد يهديه علي عكور لأصدقائه وقرّائه، ديوانان شعريان بتوقيعه. الأوّل نثريّ بعنوان «كانتصارٍ صغيرٍ للبرق والرعشة»، والثاني عمودي تفعيلي هو «بريدٌ لأشجار أيلول».
يصرّ على أنّ منبع الشعر بالنسبة إليه هو التأمّل: «أنا شخص متأمّل ولا بدّ أن الشعر مرتبط بذلك. لا أخاف أن أفقد القدرة على الصياغة ولا على تنمية معجمي، لكني أخاف أن أفقد شغفي بالتأمل. أحب الغوص في عمق الأمور، في العلاقات الإنسانية، وفي عناصر الطبيعة التي أتواصل معها... قد يبدو ذلك فعلاً مجنوناً، لكني أستمتع به فعلاقتي بالطبيعة أوثَق من علاقتي بالحضارة».
شِعره شاهدٌ على ذلك، فعلي عكور معروفٌ بأنسَنةِ الطبيعة والعناصر الكَونيّة. ينفخ روحاً في الشجرة:
«وامنحني
طمأنينة الأشجار
وهي تخسرُ
ألوانها في الليل».

ثم ينقذ الوردة من المقصلة:
«أرسم الورود بلا سيقان
أهيّئها للطيران، كلما أرادوا قطفها».

بنى عكور معظم مجموعته الأولى على هذا الحوار السرّي مع الأشياء وعلى أنسنة الموجودات، عائداً بين نصٍ وآخر إلى فكرة الشجرة: «أوفَر الأشجار حظاً ما يصبح قارب نجاة، أو سريراً لعاشقَين».
ولعلّ تكرار تيمة الشجرة في شعره مرتبطٌ بصورة الجدة التي ربّتهُ وأخته وأخاه، بعد رحيل الوالد ومرض الوالدة فيما كان الأولاد بعدُ صغاراً. كانت الجدّة بمثابة الجذور التي ارتبطوا بها، والجذع الذي استندوا إليه. نمَوا في فَيء ضحكتها وقوّتها. يتحدّث عنها قائلاً: «كبرت في ظلّها وتأثرت بشخصيتها الفكاهية. منها أخذت هذا الشق وأنا أصنّف نفسي داعية بهجة، رغم أن بعض تغريداتي قد تبدو سوداويّة».
مع أنه ممتلئٌ شعراً، يتحفّظ علي عكور على لقب «شاعر»، إذ يقول: «أخاف أن أعرّف عن نفسي كشاعر، لأن ليس هناك تعريف جامع وشامل للشعر. وإذا عرّفنا الشعر، قتلناه ووضعنا له سياجاً وحدوداً. لا يهمّني التعريف بقدر ما يهمّني أن أكتب القصيدة... أن أكتب ما أظنّه شعراً».
أما بحسب رؤياه الشعرية، فهكذا يعرّف عن الشاعر الذي يسكنه:
«لو كنتُ جبلاً لانهرتُ
وحرّرتُ الحجارة من أوهامي
لكنني نهرٌ يا أمي
نهرٌ صغير
نهرٌ يغسل الحصى
ويصقل أحزانها كل حين».

لا يهجس عكور بكثافة النشر: «لا أريد أن أصدر أعمالاً متتابعة في فترة قصيرة»، يقول. ويتابع موضحاً: «يجب أن يخرج المنتَج الشعري عن حالةٍ تأمّليةٍ بطيئة، لا عن هاجس الاستهلاك ومتطلّبات السوق. فالشعر ليس مصنوعاً للإيقاع السريع الذي يتحكّم بيومياتنا حالياً».
لكن ماذا عن الحضور اللافت على «تويتر»؟ ألا تسرق وسائل التواصل الاجتماعي من سحر الشعر؟
يعترف عكور بأنّ «الشعر متضاد مع أسلوب التكنولوجيا وإيقاعها السريع، لكن لا يصلح أن نترك الساحة وننسحب. يمكن أن يحضر الشاعر على السوشيال ميديا، لكن على إيقاعه الخاص. الحضور اليومي هو الذي يسلب الشعر سحره ويحوّله إلى سلعة».
كالسحر ينزل الوحي إلى رأس علي عكور. قد يكون في جلسةٍ مع الأصدقاء، فيشرد عن الحديث ويستلّ هاتفه ليدوّن بعض الأفكار. أو قد يكون واقفاً أمام الصرّاف الآلي في الشارع، كما حدث في أحد المرات عندما كان يسحب النقود، فأخذ البطاقة ونسيَ النقود لأنّ فكرةً لمعت بذهنه في تلك اللحظة.
لا يضرب الشعر موعداً مع الشاعر، وهو ليس وظيفةً بدوامٍ جزئيّ أو كامل. أما لحظة الوحي تلك فيختصرها عكور في مجموعته النثريّة كاتباً:
«لا أعرف سلالم سرّيّة
إلى فردوس القصيدة
الشِعر رذاذٌ باردٌ، يسقط من الجنّة».

«الإلهام ثقوبٌ في سقف السماء
يصادف - أحياناً - أن أقف تحت أحدها
وأكتب مثل هذي القصيدة».

عندما يعدّد الشعراء الذين يحب، يستحضر عكور أسماءً من أزمنةٍ مختلفة: أبو تمّام، المتنبّي، الجواهري، البياتي، إيليا أبو ماضي، عمر أبو ريشة، محمود درويش، سعدي يوسف، عبد الله البردوني، أنسي الحاج، بسام حجار، سركون بولس، محمد عبد الباري، حازم التميمي، أحمد بخيت، وغيرهم. أما عندما يُسأل أن يختار كتاباً يأخذه معه إلى عزلته، فينتقي ديوان «الحماسة» لأبي تمام ومجموعة «ألف ليلة وليلة».
هو الغارق في اللغة العربية دراسةً وتدريساً وشعراً، يجد بعض الوقت للغوص أكثر في العمق الإنساني، ويعدّ حالياً لشهادة الماستر في الإرشاد النفسي.

في مجموعته الشعرية الثانية «بريد لأشجار أيلول»، يكشف علي عكور عن هوية شعرية جديدة لم يألفها قارئه. «في الديوان الثاني، قررت كتابة القصيدة العمودية التفعيلية بالشروط التي أريد وبحسب تعريفي الخاص للشعر»، يخبر «الشرق الأوسط». ويضيف: «حاولت جاهداً أن أجعل الجملة الشعرية كثيفة، وراهنت على مخيّلة القارئ».
بالفعل، حافظ عكور على إيقاعه السريع وعلى جملته القصيرة ذات المضمون اللمّاح:
«ورغبتُ عن معنىً جليلٍ
قاطفاً معنىً أجلّ
أمشي إلى الماء الذي
من فرط وحشته اضمحلّ
أرتابُ في غيمٍ على
كل الربى العطشى أطلّ
لي حين تدهمُني الرؤى
شجرٌ بدهشتي استظلّ
يروي جذور مجازه
ما قلّ من مطري ودلّ».

لم يستسهل عكور الشعر الموزون، لكنه بدا له أسهل من القصيدة النثرية. ورغم أنّ بعض قرّائه لم يكن راضياً عن تلك النقلة الصادمة، فإن البعض الآخر كان مرحّباً. أما هو فبنى حصانةً تَقيه النقد وهي تستند إلى قناعته بأنه وصل إلى الصياغة الشعرية التي يريد. «لا يشغلني سؤال: هل هذا هو الشعر الذي يريده المتلقّي؟»، ويضيف موضحاً: «أريد أن أكتب الشعر الأصيل الذي يتوافق مع تركيبتي النفسية ومع فهمي للشعر والجمال».
يكتب علي عكور على وزن روحه، محاولاً عصرنة قصيدة التفعيلة، وجعلها أقرب إلى الجيل الصاعد من القرّاء. يقول إن هذا جزء من مشروعه: «لو كانت عندي قناعة 1 في المائة بأن القصيدة العمودية استُهلكت تماماً وبألا يمكن أن نُحدث فيها صياغات جديدة، لكنتُ انسحبت. لكنني وجدت أنها تحقق لي الجديد».
لا يريد الشاعر السعودي من الشعر أضواءً، ولا ضوضاء، ولا أمسيات ولا حفلات توقيع. كل ما يريده هو الحفاظ على فسحات التأمّل وعلى بيته الصغير، الذي يلهمُه بأمانِه ودفئه، أبياتاً كثيرة.


مقالات ذات صلة

بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

يوميات الشرق بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

تقدمت كريستين باومغارتنر، الزوجة الثانية للممثل الأميركي كيفين كوستنر، بطلب للطلاق، بعد زواجٍ دامَ 18 عاماً وأثمر عن ثلاثة أطفال. وذكرت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية أن الانفصال جاء بسبب «خلافات لا يمكن حلُّها»، حيث تسعى باومغارتنر للحضانة المشتركة على أطفالهما كايدين (15 عاماً)، وهايس (14 عاماً)، وغريس (12 عاماً). وكانت العلاقة بين كوستنر (68 عاماً)، وباومغارتنر (49 عاماً)، قد بدأت عام 2000، وتزوجا عام 2004.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق متحف «المركبات» بمصر يحيي ذكرى الملك فؤاد الأول

متحف «المركبات» بمصر يحيي ذكرى الملك فؤاد الأول

افتتح متحف المركبات الملكية بمصر معرضاً أثرياً مؤقتاً، اليوم (الأحد)، بعنوان «صاحب اللقبين فؤاد الأول»، وذلك لإحياء الذكرى 87 لوفاة الملك فؤاد الأول التي توافق 28 أبريل (نيسان). يضم المعرض نحو 30 قطعة أثرية، منها 3 وثائق أرشيفية، ونحو 20 صورة فوتوغرافية للملك، فضلاً عن فيلم وثائقي يتضمن لقطات «مهمة» من حياته. ويشير عنوان المعرض إلى حمل فؤاد الأول للقبين، هما «سلطان» و«ملك»؛ ففي عهده تحولت مصر من سلطنة إلى مملكة. ويقول أمين الكحكي، مدير عام متحف المركبات الملكية، لـ«الشرق الأوسط»، إن المعرض «يسلط الضوء على صفحات مهمة من التاريخ المصري، من خلال تناول مراحل مختلفة من حياة الملك فؤاد».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق وضع تسلسل كامل لجينوم «اللبلاب» المقاوم لتغير المناخ

وضع تسلسل كامل لجينوم «اللبلاب» المقاوم لتغير المناخ

قام فريق بحثي، بقيادة باحثين من المعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية بكينيا، بوضع تسلسل كامل لجينوم حبة «فول اللبلاب» أو ما يعرف بـ«الفول المصري» أو «الفول الحيراتي»، المقاوم لتغيرات المناخ، بما يمكن أن يعزز الأمن الغذائي في المناطق المعرضة للجفاف، حسب العدد الأخير من دورية «نيتشر كومينيكيشن». ويمهد تسلسل «حبوب اللبلاب»، الطريق لزراعة المحاصيل على نطاق أوسع، ما «يجلب فوائد غذائية واقتصادية، فضلاً على التنوع الذي تشتد الحاجة إليه في نظام الغذاء العالمي».

حازم بدر (القاهرة)
يوميات الشرق «الوثائقية» المصرية تستعد لإنتاج فيلم عن «كليوباترا»

«الوثائقية» المصرية تستعد لإنتاج فيلم عن «كليوباترا»

في رد فعل على فيلم «الملكة كليوباترا»، الذي أنتجته منصة «نتفليكس» وأثار جدلاً كبيراً في مصر، أعلنت القناة «الوثائقية»، التابعة لـ«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية بمصر»، اليوم (الأحد)، «بدء التحضير لإنتاج فيلم وثائقي عن كليوباترا السابعة، آخر ملوك الأسرة البطلمية التي حكمت مصر في أعقاب وفاة الإسكندر الأكبر». وأفاد بيان صادر عن القناة بوجود «جلسات عمل منعقدة حالياً مع عدد من المتخصصين في التاريخ والآثار والأنثروبولوجيا، من أجل إخضاع البحوث المتعلقة بموضوع الفيلم وصورته، لأقصى درجات البحث والتدقيق». واعتبر متابعون عبر مواقع التواصل الاجتماعي هذه الخطوة بمثابة «الرد الصحيح على محاولات تزييف التار

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق مؤلفا «تحت الوصاية» لـ«الشرق الأوسط»: الواقع أصعب مما طرحناه في المسلسل

مؤلفا «تحت الوصاية» لـ«الشرق الأوسط»: الواقع أصعب مما طرحناه في المسلسل

أكد خالد وشيرين دياب مؤلفا مسلسل «تحت الوصاية»، أن واقع معاناة الأرامل مع «المجلس الحسبي» في مصر: «أصعب» مما جاء بالمسلسل، وأن بطلة العمل الفنانة منى زكي كانت معهما منذ بداية الفكرة، و«قدمت أداء عبقرياً زاد من تأثير العمل». وأثار المسلسل الذي تعرض لأزمة «قانون الوصاية» في مصر، جدلاً واسعاً وصل إلى ساحة البرلمان، وسط مطالبات بتغيير بعض مواد القانون. وأعلنت شركة «ميديا هب» المنتجة للعمل، عبر حسابها على «إنستغرام»، أن «العمل تخطى 61.6 مليون مشاهدة عبر قناة (DMC) خلال شهر رمضان، كما حاز إشادات عديدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي». وكانت شيرين دياب صاحبة الفكرة، وتحمس لها شقيقها الكاتب والمخرج خالد د

انتصار دردير (القاهرة)

التقاء رمضان مع الصوم الكبير يحيي المناطق اللبنانية

التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)
التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)
TT

التقاء رمضان مع الصوم الكبير يحيي المناطق اللبنانية

التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)
التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)

عندما يلتقي موسما الصوم لدى المسلمين والمسيحيين في لبنان، لا يبقى الأمر محصوراً بالطقوس الدينية، بل يتجسّد في تفاصيل الحياة داخل الأحياء المختلطة، حيث تتداخل العادات في مشهد يومي يعكس روح المشاركة.

في مناطق مثل الطريق الجديدة والمزرعة وقريطم والسوديكو، يراعي الجيران بعضهم بعضاً، من تخفيف الضجيج صباحاً إلى مراعاة أوقات الإفطار وتبادل الأطباق المنزلية. فموائد رمضان تصل إلى الجيران المسيحيين، ويبادل هؤلاء أطباقاً تتناسب مع الشهر، ولا سيما المأكولات المحضّرة بالزيت. ومرات تشمل هذه الموائد الحضور الافتراضي للأبناء المهاجرين، فينضمون إلى موائد الإفطار المختلطة عبر اتصال إلكتروني. وغالباً ما تتحوَّل السهرات المسائية إلى لقاءات مشتركة تجمع العائلات حول الشاي أو الحلويات، فيتراجع البعد الطقسي أمام البعد الاجتماعي.

العائلات اللبنانية تجتمع على موائد رمضان (الشرق الأوسط)

وتشير أنيسة مكاوي، التي تسكن في منطقة المزرعة، إلى أن هذه التفاعلات بين المجتمعين ليست طارئة. وتتابع لـ«الشرق الأوسط»: «اعتدنا على ممارسة هذه التقاليد منذ الصغر، لأننا تربينا عليها. كانت والدتي تُهدي جارتها طبق حساء العدس الأصفر، وبالتالي تردّ لها الجارة الطبق مليئاً بحلوى الصفوف أو النمورة».

هذا الالتقاء بين موسمَي الصوم يعزز روابط الجيرة، وينعكس نبضاً مفعماً بالديناميكية في المدينة ومناطق أخرى. فيجتمع اللبنانيون في المقاهي والأسواق ومعارض رمضان اليدوية، وكذلك ينتظرون قرع الأجراس عند الظهر ورفع أذان المغرب لتبادل عبارة «صوم مبارك».

وتقول نهى، ربّة منزل وجدّة لستة أحفاد، إنّ هذه المناسبة تُعيد إلى أهل المدن وسكان المناطق الجبلية التقاليد الموروثة: «في كل مرة يلتقي فيها زمن الصومين، نحيي عادات تعلّمناها من أمهاتنا وجدّاتنا. فتطفو أواصر العلاقات الاجتماعية من جديد. ويستعيد المجتمع دفئه بفضل هذه التقاليد. نعود إلى زيارات الجيران والأصدقاء والدعوات إلى موائد الإفطار. وتساعد ربّات المنازل بعضهنّ بعضاً في تحضير الأطباق، ونسترجع نبضاً نفتقده في الأيام العادية».

أطباق رمضانية تتبادلها ربات المنازل في زمن الصوم (الشرق الأوسط)

في أحياء كثيرة، تختصر لحظة الغروب مشهد التقاء موسمي الصوم بصورة سمعية وإنسانية معبّرة. بين قرع أجراس الكنائس ورفع أذان المغرب، يتشكّل إيقاع يومي يذكّر السكان بأنهم يعيشون زمنين روحيين متوازيين في مساحة واحدة. فلا يعود الصوت مجرد إعلان طقس ديني، بل علامة على تقاطع الحياة الاجتماعية. وفي الأحياء المختلطة، يعرف الجيران هذا التزامن ولا يفوتهم، فيضبطون مواعيدهم عليه، ويتبادلون التحيات أو الأطباق، وكأن الصوتين يشكّلان خلفية مشتركة ليومهم.

وتحضر هذه الثنائية السمعية في ذاكرة اللبنانيين بوصفها جزءاً من المشهد اليومي، ليتحوَّل التقاء موسمي الصوم إلى تجربة تتجاوز الرمزية الدينية، وتصبح حالة معيشة حسّية يعيشها أهل الحي الواحد.

كما يقصد بعض اللبنانيين العودة إلى أرض الوطن خلال الشهر الفضيل. فيغادرون أماكن إقامتهم في أوروبا أو كندا ليعيشوا تفاصيل هذه الفترة في بلدهم الأم. وتقول نانسي في هذا السياق: «أحجز تذكرة السفر من ألمانيا إلى لبنان قبل حلول الشهر الفضيل. وغالباً ما أتفق مع صديقات مغتربات على العودة معاً. فشهر رمضان هنا يحمل لنا ذكريات نحب استعادتها بين الجيران والأهل. وله خصوصيته التي لا نجدها في بلاد الاغتراب الأوروبية. هذا اللقاء السنوي أنتظره من عام إلى آخر بفارغ الصبر، وأخطط له قبل أشهر طويلة».


«تحدّي التاريخ» أم التربّح من الألم؟... مزاد اسكوتلندي يثير الجدل حول قيود الاستعباد

أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
TT

«تحدّي التاريخ» أم التربّح من الألم؟... مزاد اسكوتلندي يثير الجدل حول قيود الاستعباد

أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)

أثار إدراج أطواق حديدية للرقاب يُعتقد أنها استُخدمت في استعباد أفارقة في زنجبار ضمن مزاد يُقام نهاية الأسبوع في اسكوتلندا جدلاً وانتقادات أخلاقية بشأن بيع مقتنيات مرتبطة بتاريخ الاستعباد، وذلك ضمن فعالية تحمل عنوان «تحدّي التاريخ».

وتعود القطع، وفق منظمي المزاد، إلى نحو عام 1780، ويُقدَّر ثمنها بنحو ألف جنيه إسترليني.

وقال ماركوس سالتر، صاحب دار «تشيكي أوكشنز» في بلدة تين بمقاطعة روس، إن بيع القطعة يهدف إلى «مواجهة التاريخ» وليس الإساءة، مضيفاً أن دار المزادات تَحقَّقت من المنصة التي تُعرض عبرها القطعة، والتي صنّفتها أثراً تاريخياً يمكن بيعه قانونياً؛ وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية.

لكن الخطوة أثارت اعتراضات من سياسيين ونشطاء. وقالت النائبة العمالية بيل ريبيرو آدي، التي تترأس مجموعة برلمانية معنية بتعويضات الأفارقة، إن الاتجار بمثل هذه القطع يعني أن البعض «يواصلون التربّح من تجارة الرقيق».

وأضافت أن عرض القطعة في متحف قد يكون مقبولاً، بينما بيعها بوصفها مقتنيات لهواة الجمع يثير، على حد تعبيرها، شعوراً بـ«الرعب» بدلاً من التعلم من التاريخ.

كما عبَّر نايغل موراي، وهو محامٍ متقاعد يعيش في مرتفعات اسكوتلندا، عن رفضه للمزاد بعد مشاهدة الإعلان على «فيسبوك»، قائلاً إنه لن يتعامل مع دار المزادات مجدداً، واصفاً بيع القيود عبر مزاد بأنه «مقزز».

من جهته، قال سالتر إن القطعة تُباع نيابة عن تاجر احتفظ والده بها منذ نحو 50 عاماً، عادّاً أن التبرع بها لمتحف قد يؤدي إلى بقائها في المخازن دون عرضها للجمهور، مشيراً إلى أن ردود الفعل تراوحت بين المقاطعة والنقاش.

ويأتي الجدل وسط حساسية متزايدة بشأن التعامل مع المقتنيات المرتبطة بتاريخ الاستعباد. ففي عام 2024، رفض خبير برنامج «أنتيكس رودشو»، روني آرتشر-مورغان، تثمين سوار عاجي مرتبط بتاريخ مماثل.

قانونياً، قالت سيسيليا دانس، المحامية في مكتب «ويدليك بيل» بلندن، إنه لا يوجد قانون محدد يمنع بيع قطع مرتبطة بتاريخ الاستعباد، لكنها أشارت إلى أن إدارتها بما يُحقِّق المصلحة العامة - مثل التبرع بها أو إعارتها لمتاحف مع إشراك المجتمعات المتأثرة - تُعدُّ مساراً أكثر ملاءمة.

وأضافت أن سوق الفن شهدت تحولاً أخلاقياً مماثلاً تجاه الأعمال المرتبطة بنهب الحقبة النازية، ورأت أن هذا الإطار قد يمتد مستقبلاً ليشمل القطع المرتبطة بالاستعباد، في ظل تصاعد النقاش حول مخاطر تحويل المعاناة الإنسانية إلى سلعة.


منزل هتلر يتحوّل إلى مركز شرطة… خطوة لإغلاق الماضي أم جدل جديد؟

 يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
TT

منزل هتلر يتحوّل إلى مركز شرطة… خطوة لإغلاق الماضي أم جدل جديد؟

 يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)

توشك أعمال تحويل منزل الزعيم النازي أدولف هتلر في النمسا إلى مركز للشرطة على الانتهاء، غير أن هذا الاستخدام الجديد للمبنى، الذي يهدف أساساً إلى منع تحوّله إلى مقصد لعشاق النازية، ما زال يثير كثيراً من الجدل والانتقادات.

تقول سيبيل تربلميير، وهي موظفة تبلغ من العمر 53 عاماً، في حديثها لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن تحويل المنزل إلى مركز للشرطة قد يحمل نتائج متباينة، واصفة الخطوة بأنها «سيف ذو حدّين». فهي، رغم تفهمها للأسباب الكامنة وراء هذا القرار، فإنها ترى أن المبنى «كان يمكن أن يُستخدَم بطريقة مختلفة».

النمسا اشترت المبنى مقابل 810 آلاف يورو (أ.ف.ب)

يعود تاريخ المبنى إلى القرن الـ17، وفيه وُلد الديكتاتور الألماني في 20 أبريل (نيسان) 1889. ويقع المنزل في شارع تجاري بمدينة براوناو آم إن النمساوية، قرب الحدود مع ألمانيا.

وقد أعلن وزير الداخلية النمساوي أن الأعمال، التي بدأت عام 2023، ستنتهي قريباً. ويعمل العمال حالياً على تثبيت الإطارات الخارجية للنوافذ، فيما تُستبدل بالطلاء الأصفر القديم واجهةٌ حديثةٌ.

وبعد تأخر استمرَّ 3 سنوات، يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (آذار)، وفق ما أفادت به الوزارة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، على أن يبدأ مركز الشرطة عمله خلال الرُّبع الثاني من العام الحالي.

وتأمل السلطات من خلال هذه الخطوة طيّ صفحة حساسة في تاريخ البلاد، التي تُتَّهم أحياناً بعدم تحمّل مسؤوليتها كاملة عن الفظاعات التي ارتكبها النازيون خلال الهولوكوست.

مركز جذب للنازيين

يعود تاريخ المبنى إلى القرن الـ17 وفيه وُلد الديكتاتور الألماني 1889 (أ.ف.ب)

ظلّ المبنى، الذي امتلكته العائلة نفسها منذ عام 1912، مؤجّراً للدولة النمساوية منذ عام 1972، حيث حُوّل حينها إلى مركز لرعاية ذوي الإعاقة، وهي فئة تعرّضت للاضطهاد في الحقبة النازية.

ومع ذلك، بقي المنزل نقطة جذب للمتأثرين بالفكر النازي وشخصية هتلر.

وقد عارضت المالكة الأخيرة، غيرلينده بومر، تحويل المبنى، وطعنت في قرار استملاكه من قبل الدولة عبر جميع الوسائل القانونية المتاحة. واستدعى الأمر سنَّ قانون خاص عام 2016.

وبعد 3 سنوات، أقرَّت المحكمة العليا شراء المبنى مقابل 810 آلاف يورو، في حين كانت المالكة تطالب بـ1.5 مليون يورو، بينما عرضت الدولة في البداية 310 آلاف فقط. وتبلغ مساحة المنزل نحو 800 متر مربع، ويتألف من طابقين.

جدل مستمر حول الاستخدام

الكاتب لودفيك لاهر أمام المنزل في براوناو آم إن حيث وُلد هتلر (أ.ف.ب)

طُرحت مقترحات عدّة لاستخدام المبنى، في حين استُبعدت فكرة تحويله إلى موقع تذكاري، إذ أوصت لجنة من الخبراء بتجنب ذلك خشية أن يتحوَّل إلى مزار للنازيين الجدد.

كما لم يكن هدم المنزل خياراً مطروحاً، انطلاقاً من قناعة مفادها بأن على النمسا «مواجهة ماضيها»، وفق ما يؤكد المؤرخون.

وفي النهاية، استقرَّ الرأي على تحويله إلى مركز للشرطة، وهو قرار لم يحظَ بإجماع. وكان الهدف منه توجيه رسالة واضحة مفادها بأن المكان لن يكون بأي حال موقعاً لتكريم النازية.

ويقول الكاتب لودفيك لاهر، العضو في جمعية للناجين من معسكرات الاعتقال، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن تحويل المنزل إلى مركز للشرطة «يبقى إشكالياً، لأن الشرطة في أي نظام سياسي تبقى ملزمة بتنفيذ ما يُطلب منها». كما يرى أن أفضل استخدام للمكان هو تحويله إلى مركز يُعزِّز ثقافة السلام.