تعميق الشراكة السعودية ـ الأميركية في قطاعات حيوية

توقيع 13 اتفاقية ومذكرة تعاون مشترك شملت الطاقة والفضاء والصحة والأمن السيبراني بحضور وزراء من الجانبين

الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي أثناء توقيع الاتفاق مع نظيره الأميركي ( واس)
الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي أثناء توقيع الاتفاق مع نظيره الأميركي ( واس)
TT

تعميق الشراكة السعودية ـ الأميركية في قطاعات حيوية

الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي أثناء توقيع الاتفاق مع نظيره الأميركي ( واس)
الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي أثناء توقيع الاتفاق مع نظيره الأميركي ( واس)

دشنت السعودية وأميركا مرحلة جديدة أكثر عمقاً في التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين شملت مجالات الطاقة والاستثمار والاتصالات والفضاء والصحة بـ18 اتفاقية ومذكرات للتعاون المشترك، وذلك على هامش زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى المملكة.
ووقع الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي ووزراء الاستثمار والاتصالات والصحة في البلاد مع نظرائهم في الولايات الأميركية الاتفاقيات ومذكرات التعاون المشترك، والتي تأتي في ضوء ما توفره (رؤية المملكة 2030) بقيادة الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء، من فرص واسعة للاستثمار في القطاعات الواعدة، وبما يعود بالنفع على البلدين والشعبين الصديقين. ومن بين الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين، 13 اتفاقية وقعتها وزارة الطاقة، ووزارة الاستثمار، والهيئة الملكية للجبيل وينبع، وعدد من شركات القطاع الخاص، مع مجموعة من الشركات الأمريكية الكبرى كشركة «بوينغ لصناعة الطيران»، و«ريثيون للصناعات الدفاعية»، و«شركة ميدترونيك»، وشركة «ديجيتال دايجنوستيكس»، وشركة «إيكفيا في قطاع الرعاية الصحية»، وعدد آخر من الشركات الأمريكية المتخصصة في مجالات الطاقة والسياحة والتعليم والتصنيع والمنسوجات.
- قمة بين التحديات
وأكد وزير الاستثمار المهندس خالد الفالح أن انعقاد القمتين السعودية الأمريكية، والخليجية الأمريكية بحضور الأردن والعراق ومصر يأتي في مرحلة مفصلية عامرة بالأحداث والتحديات، لافتا إلى التحديات التي يواجهها العالم كجائحة كورونا وما نتج عنها من آثار على الاقتصاد العالمي من تباطؤ الاستثمارات وتأثُّر سلاسل التوريد وكذلك ما يشهده العالم من اضطرابات جيوسياسية، ربما كان أبرزها المشكلة الروسية الأوكرانية، كان لها انعكاساتها على الأمن الغذائي، وتأثيرها الواضح في أسواق الطاقة، وكان التضخم القياسي الذي يشهده العالم إحدى نتائجها.
وأفاد الفالح بأن المذكرات والاتفاقيات الثلاث عشرة التي تم توقيعها تشمل قطاعات صناعات الطيران، والصناعات الدفاعية، والصناعة والتصنيع بشكلٍ عام، والصحة، والطاقة، بما في ذلك الطاقة المتجددة، والتعليم، والسياحة، مفصحا أن حجم الاستثمارات خلالها يزيد على 3 مليارات دولار.
وأكّد المهندس الفالح أن المملكة تسعى من خلال هذه المذكرات والاتفاقيات إلى تعزيز نمو وتطور عدد من القطاعات، مُشيراً إلى أن هناك اليوم أكثر من 740 شركة أمريكية مُسجلة كمؤسسات أجنبية تعمل في المملكة، وأنه يعمل بها أكثر من 67 ألف شخص، العديد منهم سعوديون.
وفيما يخص القطاعات، بيّن الفالح أن قطاعات الصناعات التحويلية، وتقنيات المعلومات والاتصالات، والقطاعات المهنية والعلمية والتقنية، هي أكبر القطاعات من حيث عدد الشركات الأميركية المسجلة في المملكة، موضحا أن حجم الاستثمارات الأميركية في السعودية بلغ أكثر من 11 مليار دولار في عام 2020، فيما بلغ حجم حيازات المملكة في سندات الخزانة الأميركية 115.7 مليار دولار في أبريل (نيسان) من العام الحالي.
- قطاع مالي حيوي
من جانبه، أكد معالي وزير المالية محمد الجدعان على أهمية تطوير العلاقات المالية والمصرفية وتعزيز التعاون بين بلاده والولايات المتحدة في ‏إطار الشراكة والمصالح المشتركة، لافتا إلى أن هناك فرصا هائلة للمستثمرين لتعزيز التعاون في ‏التجارة والخدمات المالية.
وأبان الجدعان أن رؤية المملكة 2030 تشتمل على العديد من الفرص الاقتصادية والاستثمارية التي من الممكن أن تعزز الشراكة بين البلدين عبر إتاحة الفرص السعودية الواعدة للشركات الأمريكية للعمل في القطاعات الحيوية مثل البنية التحتية والتأمين والمصارف والتمويل وإدارة الأصول، إضافة إلى مجال الخدمات والتكنولوجيات المالية، بما يمكّنها من الإسهام في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، في ظل العلاقة القوية التي ‏تربط البلدين.

السعودية والولايات المتحدة تبرمان 13 اتفاقية شراكة اقتصادية خلال القمة المشتركة المنعقدة في جدة (الشرق الأوسط)

- استكشاف الفضاء
وجاء من أبرز الاتفاقيات، توقيع الهيئة السعودية للفضاء مع وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، اتفاقية (أرتميس) لاستكشاف القمر والمريخ مع وكالة (ناسا)، للانضمام للتحالف الدولي في مجال الاستكشاف المدني واستخدام القمر والمريخ والمذنبات والكويكبات للأغراض السلمية.
وتنسجم هذه الاتفاقية مع الأولويات الوطنية للابتكار التي أعلنت عنها السعودية نهاية يونيو (حزيران)، التي تتضمن اقتصاديات المستقبل، حيث يمثل الفضاء الفرصة التريليونة القادمة للعالم بحلول 2040، وبإمكانه دعم النمو في قطاعات متعددة، إضافة إلى توفير الآلاف من الوظائف.
وتم التوقيع على الاتفاقية بحضور رئيس مجلس إدارة الهيئة السعودية للفضاء المهندس عبد الله السواحة، وسفيرة السعودية لدى أميركا الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان، وتتضمن الاتفاقية 13 بندًا، تهدف في مجملها إلى تعزيز حضور المملكة دوليًا والمساهمة الفاعلة في المشاريع الدولية المشتركة، وترسيخ مكانة المملكة كدولة رائدة في مجال «الفضاء الجديد» من خلال مساهمتها في أنشطة الفضاء الناشئة من خلال المهمات العلمية والاستكشافية وتعزيز اقتصاد الفضاء، وتطوير القدرات البحثية ورأس المال البشري.
ويأتي انضمام المملكة إلى اتفاقية «أرتميس» ضمن أوائل الدول في العالم تأكيدًا لالتزامها بالاستكشاف والاستخدام السلمي والمسؤول المستدام للفضاء، وتعزيزاً لطموح المملكة في مجال الفضاء من خلال مساهمتها في أنشطة الفضاء الناشئة عبر المهمات العلمية والاستكشافية، وفي إطار خطتها للتنويع الاقتصادي التي تهدف إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتوفير آلاف الوظائف للشباب السعودي.
- صحة وطاقة نظيفة
ووقع البلدان، اتفاقية شراكة في مجالات الطاقة النظيفة، تتضمن تحديد مجالات ومشروعات التعاون في هذا المجال، وتعزيز جهود البلدين في نشر الطاقة النظيفة والعمل المناخي بما في ذلك التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
كما وقعت وزارتا الصحة السعودية والأمريكية مذكرة تعاون مشترك في مجالات الصحة العامة، والعلوم الطبية والبحوث، تهدف إلى دعم وتعزيز العلاقات القائمة في مجالات الصحة العامة بين الأفراد والمنظمات والمؤسسات، وتوحيد الجهود لمواجهة قضايا الصحة العامة والتحديات الطبية والعلمية والبحثية، وتبادل المعلومات والخبراء والأكاديميين، إضافة إلى التدريب المشترك للعاملين في المجالات الصحية والطبية، والتطبيق السليم لنظم المعلومات الصحية، والبحث والتطوير والابتكار الصحي.
- الأمن السيبراني
من جانب آخر، أعلنت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني توقيع مذكرة تفاهم مع وزارة الأمن الوطني في الولايات المتحدة الأميركية ممثلة بوكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية للتعاون في مجالات الأمن السيبراني بين الطرفين، وتهدف المذكرة إلى تعزيز التعاون الثنائي في مجالات الأمن السيبراني من أجل حماية الفضاء السيبراني والمصالح الحيوية في السعودية والولايات المتحدة ، حيث تأتي امتداداً للتعاون القائم بين البلدين، وتضمنت مجالات عدة؛ من أبرزها مشاركة معلومات التهديدات السيبرانية بين البلدين، وتبادل أفضل الممارسات والخبرات في هذا المجال.
وتأتي المذكرة في إطار جهود الهيئة الوطنية للأمن السيبراني الرامية إلى تعزيز موقع المملكة الرائد دولياً عبر توطيد التعاون والتكامل مع الجهات المماثلة خارج المملكة لتبادل الخبرات، وتأسيس آليات للتعاون وصناعة الشراكات الدولية في مجالات الأمن السيبراني بما يحقق فضاءً سيبرانياً سعودياً آمناً وموثوقاً يمكّن من النمو والازدهار.
- اتصالات وذكاء اصطناعي
كما وقعت الشركة السعودية للذكاء الاصطناعي «سكاي» رائدة الذكاء الاصطناعي وشركة الاتصالات السعودية «إس تي سي» والممكّن الرقمي الرائد ومقدّم منصة وتقنيات الذكاء الاصطناعي شركة «داتا روبوت»، اتفاقية شراكة استراتيجية وذلك لابتكار وتمكين منظومة للذكاء الاصطناعي في المملكة.
وتخطّط «داتا روبوت» لتأسيس مقر إقليمي لها في المملكة العربية السعودية بهدف إنشاء مركز تطوير للذكاء الاصطناعي ومركز إقليمي للبحث والتطوير، وهو ما سيدعم نشر قدرات البحث والتطوير في المملكة لتنمية الممتلكات الفكرية المطورة محليًا والحلول المبتكرة بشكل مشترك ونشرها لبقية دول المنطقة، شاملًا تقديم الحلول التي تركز على مجالات مهمة مثل التكنولوجيا الخضراء والاقتصاد الدائري للكربون والنفط والغاز والرعاية الصحية؛ وتطوير استراتيجية للوصول إلى السوق لتمكين توزيع الحلول المدعومة بالذكاء الاصطناعي والخدمات المدارة من المملكة إلى السوق المحلية وبقية دول المنطقة والعالم.
إلى ذلك، وقعت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، مذكرة تفاهم مع شركة IBM الرائدة في مجال التقنية الرقمية، وذلك لتأهيل 100 ألف شاب وفتاة على مدى خمس سنوات، ضمن ثماني مبادرات مبتكرة من خلال اتفاقيات مستقبلية تهدف إلى تعزيز مكانة المملكة مركزاً محورياً للتقنية والابتكار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وأكد عصام الذكير وكيل الوزارة للتعاون الدولي والشراكات، أن المذكرة تأتي تفعيلًا لرحلة المملكة نحو بناء حاضر مترابط ومستقبل مبتكر، إضافة إلى تمكين الفرص التي توفرها الثورة الصناعية الرابعة، ومن خلال اتفاقية إطارية مستقبلية، ستعمل IBM على تقديم برامج لتدريب وتطوير الكفاءات الوطنية في مجالات تقنية متعددة تستهدف رفع القدرات الرقمية لـ100 ألف سعودي وسعودية على مدى خمس سنوات، الأمر الذي سيعزز من ريادة المملكة التي تحتل المرتبة التاسعة عالميًا في مجال القدرات الرقمية بحسب المنتدى الاقتصادي العالمي.
وتتضمن المذكرة تنفيذ مبادرات منها مبادرة للذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة، ومبادرات في الأمن السيبراني والبحث المشترك، ومسرّعات للابتكار، ومعمل للسياسات، إضافةً إلى سحابة IBM ومركز للتقنية المفتوحة ذو قابلية للتشغيل البيني للبرمجيات. ومن المتوقع أن يصل عدد مشاريع الذكاء الاصطناعي التي ستنفذ مع الجهات العاملة في القطاع العام ما يقارب 66 مشروعًا، وتستهدف المذكرة خلال خمس سنوات إقامة 100 ورشة عمل مع الجهات الحكومية بالاعتماد على منهجية «التصميم التفكيري»، وتدريب 600 من موظفي وموظفات القطاع العام في المسرّعة التي سيتم إنشاؤها بموجب المذكرة.
كما سيعمل الجانبان معًا على إجراء العديد من الأبحاث والدراسات المشتركة بما يسهم في جهود الطرفين لتعزيز عملية التحوّل الرقمي، وتسريع نمو الاقتصاد الرقمي، بما يخدم الوطن والمواطن، ويرسخ لمكانة المملكة لكونها صاحبة أكبر اقتصاد رقمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتتمتع بأعلى تمركز للقدرات الرقمية في المنطقة.
- تمديد التأشيرات
في حين أعلنت بعثة الولايات المتحدة لدى المملكة، عن تمديد مدة صلاحية تأشيرات الزيارة (بي 1/بي2) للمواطنين السعوديين من خمس سنوات إلى عشر سنوات، ابتداءً من 1 أغسطس (آب) 2022.
وأوضحت البعثة الأمريكية في بيان صحفي، أنه تم التوصل إلى اتفاق لتمديد مدة صلاحية تأشيرات الزيارة وذلك من خلال التعاون الوثيق مع حكومة المملكة وعلى أساس المعاملة بالمثل، لتسهيل السياحة والأعمال بين البلدين.
من ناحية أخرى، وقعت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات مذكرة تعاون مع الإدارة الوطنية للاتصالات والمعلومات الأمريكية (NTIA)، تتضمن تعاون البلدين في مجالات تقنيات الجيل الخامس والجيل السادس، وذلك بهدف تسريع نمو الاقتصاد الرقمي وتعزيز وتيرة البحث والتطوير والابتكار في المنظومة الرقمية بالمملكة.


مقالات ذات صلة

السعوديات يقدن استقرار البطالة بنهاية 2025

الاقتصاد سعوديات يمارسن أعمالهن في سوق العمل السعودية (واس)

السعوديات يقدن استقرار البطالة بنهاية 2025

في مشهد يعكس التحولات العميقة التي تشهدها سوق العمل في المملكة، برزت السعوديات بوصفهن عاملاً رئيساً في استقرار معدلات البطالة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض

صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي بالسعودية ينمو 90 % نهاية 2025

نما صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى السعودية بنحو 90 في المائة خلال الربع الأخير من 2025، في وقت تمضي فيه المملكة قدماً في تحسين بيئة الاستثمار.

عبير حمدي (الرياض)
عالم الاعمال «دراية المالية» الوسيط المالي الأكبر في السعودية

«دراية المالية» الوسيط المالي الأكبر في السعودية

تصدرت شركة «دراية المالية» مؤسسات السوق المالية في المملكة العربية السعودية من حيث إجمالي قيم التداولات المحلية والأجنبية خلال عام 2025.

خاص صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)

خاص ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.

موفق محمد (دمشق)
الاقتصاد مسافرون في مطار الملك عبد العزيز بجدة (واس)

الخدمات في صدارة المشهد الاقتصادي... السعودية تواصل توسيع نفوذها الدولي

كشفت بيانات حديثة عن أداء قوي لقطاع تجارة الخدمات في السعودية خلال الربع الرابع من عام 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الذهب يتراجع 14 % في مارس رغم الحرب... فهل تخلَّى عن وظيفته التقليدية؟

داخل أحد متاجر الذهب في السعودية (تصوير: تركي العقيلي)
داخل أحد متاجر الذهب في السعودية (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الذهب يتراجع 14 % في مارس رغم الحرب... فهل تخلَّى عن وظيفته التقليدية؟

داخل أحد متاجر الذهب في السعودية (تصوير: تركي العقيلي)
داخل أحد متاجر الذهب في السعودية (تصوير: تركي العقيلي)

رغم التوترات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، كان أداء الذهب مخالفاً للقواعد الاقتصادية، فقد سجَّل أكبر تراجع شهري منذ أكتوبر (تشرين الأول) في 2008، بانخفاض أكثر من 14 في المائة خلال مارس وحده، في أكبر تراجع شهري منذ أكثر من 17 عاماً، وهو ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان المعدن النفيس تخلَّى عن وظيفته التقليدية كـ«ملاذ آمن» في وقت الأزمات، أم أن تحولات أعمق في سلوك المستثمرين والسياسات النقدية بدأت تعيد رسم خريطة الأصول الآمنة.

وقد تقاطع هذا المشهد غير المألوف عادة مع ارتفاع لافت للدولار الأميركي بواقع 2 في المائة منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي؛ رغم أن المعدن الأسود احتفظ بمكاسب تقارب 5 في المائة منذ بداية الربع الأول. ولكن ما الأسباب التي دفعت إلى هذه المعادلة الجديدة؟

يرى رئيس قسم خدمات الاستثمار في بنك «يونيون بانكير بريفيه» فهد إقبال، أن الضغوط التي تعرض لها الذهب تعود إلى عاملين رئيسيين، في مقدمتها توجه المستثمرين خلال فترات الاضطراب إلى تسييل الأصول التي حققت أداءً قوياً.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الذهب الذي كان من بين أفضل الأصول أداءً خلال العامين الماضيين، أصبح هدفاً طبيعياً لعمليات البيع بهدف تعويض خسائر أو تلبية متطلبات الهامش؛ مشيراً إلى أن هذه الديناميكية ليست جديدة؛ إذ تكررت في أزمات سابقة مثل عامي 2008 و2020.

أما العامل الثاني -حسب إقبال- فيتمثل في ارتفاع تكاليف الطاقة، والذي عزز توقعات التضخم، ودفع الأسواق إلى تسعير احتمالات رفع أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية، ما شكَّل ضغطاً مباشراً على الذهب بوصفه أصلاً لا يدر عائداً.

داخل أحد متاجر الذهب في السعودية (تصوير: تركي العقيلي)

الدولار وعوائد السندات

من جهته، أرجع الرئيس الأول لإدارة الأصول في «أرباح المالية» محمد الفراج، التراجع إلى تضافر مجموعة من العوامل الاقتصادية، في مقدمتها الارتفاع القوي في عوائد السندات الأميركية التي باتت توفر بديلاً استثمارياً أكثر جاذبية مقارنة بالذهب.

وأشار لـ«الشرق الأوسط» إلى أن توقعات تشديد السياسة النقدية من قبل «الاحتياطي الفيدرالي» عززت من قوة الدولار، ما جعل الذهب أكثر تكلفة لحائزي العملات الأخرى، ودفع المستثمرين إلى البيع لجني الأرباح بعد موجات الصعود السابقة.

وأوضح الفراج أن هذا الهبوط يمكن اعتباره «تصحيحاً صحياً وطبيعياً» ضمن دورة السوق؛ خصوصاً بعد الارتفاعات القياسية التي سجلها الذهب في الأعوام الماضية، لافتاً إلى أن التراجعات التي تتراوح بين 10 و20 في المائة غالباً ما تسهم في إعادة التوازن بين العرض والطلب.

بدوره، قال رئيس تداول المبيعات العالمية في شركة «إي دي إس إس» نيل كين، إن أحد أبرز أسباب التراجع يتمثل في التحول المفاجئ في توقعات الأسواق بشأن أسعار الفائدة. وأوضح أن الأسواق انتقلت من ترقب خفض الفائدة إلى تسعير سلسلة من الزيادات المحتملة، ما غيَّر بشكل جذري من جاذبية الذهب، مضيفاً أن هذا العامل، إلى جانب قوة الدولار، شكَّل ضغطاً مزدوجاً على المعدن النفيس.

وأشار كين لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المستثمرين يلجأون في أوقات تراجع الأصول عالية المخاطر إلى تسييل مراكزهم الرابحة، بما في ذلك الذهب، لتغطية خسائرهم في استثمارات أخرى، وهو ما ساهم في تسريع وتيرة الهبوط.

حساسية الأسواق للتوترات الجيوسياسية رغم أن التوترات الجيوسياسية عادة ما تدعم الذهب، فإن الأسواق بدت أقل تفاعلاً مع التطورات الأخيرة، وهو ما يثير تساؤلات حول تغير سلوكها.

وفي هذا السياق، يرى كين أن الأسواق أصبحت أقل انفعالاً بالتصريحات السياسية المتضاربة، ولكنها لا تزال تضع الجيوسياسية في صلب حساباتها، مؤكداً أن أي انفراج دبلوماسي قد يحدث تحركات حادة في مختلف الأصول.

لكن آراء الخبراء حول طبيعة هذا التراجع تباينت؛ إذ يرى الفراج أنه تصحيح صحي ضمن دورة السوق، في حين يعتبر كين أن ما يحدث قد يتجاوز ذلك، في ظل ما وصفه بـ«صدمة تضخمية» مستمرة، وضغوط على أسواق الأسهم العالمية. أما إقبال، فيؤكد أن التراجع الحالي لا يعني فقدان الذهب لمكانته كملاذ آمن؛ بل يعكس ضغوطاً مرتبطة بالسيولة، دون تغيير النظرة الإيجابية طويلة الأجل تجاه المعدن.

رغم الأداء الأخير، يتفق معظم المحللين على أن الذهب لم يفقد دوره التاريخي، ولكنه أصبح أكثر حساسية للمتغيرات النقدية وسلوك المستثمرين. ويشير كين إلى أن الذهب بات في بعض الفترات يتصرف بشكل أقرب إلى الأصول عالية المخاطر، نتيجة المكاسب الكبيرة التي حققها في السنوات الأخيرة، وزيادة نشاط المضاربين في سوق المعادن.

في المقابل، يؤكد إقبال أن الذهب لا يزال يحتفظ بجاذبيته في بيئات الركود التضخمي والتباطؤ الاقتصادي، وهي عوامل لم تختفِ من المشهد العالمي.

مجموعة من متاجر الذهب في السعودية (تصوير: تركي العقيلي)

العملات الرقمية... منافس حقيقي أم مبالغة؟

على صعيد آخر، يبرز التساؤل حول دور العملات الرقمية، وعلى رأسها «البتكوين»، كبديل محتمل للذهب في أوقات الأزمات. ويرى الفراج أنه رغم تنامي حضورها، فإنها لا تزال تعاني من تقلبات تحدّ من قدرتها على منافسة المعدن اللامع الذي يتمتع بسيولة عالية وتاريخ طويل كأداة تحوط.

ويتفق كين مع هذا الطرح؛ مشيراً إلى أن العملات الرقمية لا تزال أقرب إلى الأصول المضاربية، ولا توجد مؤشرات حالياً على قدرتها على إزاحة الذهب من موقعه في أوقات الأزمات.

في ظل هذا المشهد المعقد، يبقى مسار الذهب مرهوناً بعدة عوامل، في مقدمتها توجهات السياسة النقدية الأميركية، وتحركات الدولار، إلى جانب تطورات المشهد الجيوسياسي.

ويرجح المحللون أن أي تراجع في توقعات رفع الفائدة أو حدوث انفراج دبلوماسي قد يمنح الذهب فرصة للتعافي، في حين أن استمرار الضغوط الحالية قد يبقيه تحت الضغط على المدى القصير.


ارتفاع أسعار الوقود بالولايات المتحدة لأعلى مستوى منذ عام 2022

شاشة تعرض أسعار البنزين في محطة وقود بولاية كاليفورنيا يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
شاشة تعرض أسعار البنزين في محطة وقود بولاية كاليفورنيا يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
TT

ارتفاع أسعار الوقود بالولايات المتحدة لأعلى مستوى منذ عام 2022

شاشة تعرض أسعار البنزين في محطة وقود بولاية كاليفورنيا يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
شاشة تعرض أسعار البنزين في محطة وقود بولاية كاليفورنيا يوم 3 مارس 2026 (رويترز)

ارتفعت أسعار الوقود في الولايات المتحدة، لتتخطى 4 دولارات في المتوسط للغالون الواحد من البنزين العادي، فيما يعدّ أعلى مستوى لها منذ عام 2022، في الوقت الذي يستمر فيه ارتفاع أسعار الوقود عالمياً بسبب حرب إيران.

ووفق إحصاء نادي السيارات «إيه إيه إيه»، فإن متوسط سعر غالون البنزين العادي يبلغ في الوقت الحالي 4.02 دولار، بزيادة أكثر من دولار على سعره قبل اندلاع الحرب.

وكانت آخر مرة دفع فيها سائقو السيارات بالولايات المتحدة هذا المبلغ بصورة مجمعة، في محطات الوقود قبل نحو 4 أعوام، مع بداية الحرب الروسية - الأوكرانية.

يذكر أن هذا السعر هو متوسط وطني، بما يعني أن السائقين في بعض الولايات يدفعون منذ فترة ما يزيد على 4 دولارات للغالون.

يذكر أن أسعار النفط الخام - المكون الرئيسي للبنزين - ارتفعت بشكل كبير وتذبذبت سريعاً، منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً مشتركة ضد إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.


المصانع الصينية تسجل أسرع معدل توسع في عام وسط ضغوط الحرب والطاقة

موظف يتفقد لوحة دوائر كهربائية في مصنع بمدينة شنتشن بمقاطعة قوانغدونغ الصينية (رويترز)
موظف يتفقد لوحة دوائر كهربائية في مصنع بمدينة شنتشن بمقاطعة قوانغدونغ الصينية (رويترز)
TT

المصانع الصينية تسجل أسرع معدل توسع في عام وسط ضغوط الحرب والطاقة

موظف يتفقد لوحة دوائر كهربائية في مصنع بمدينة شنتشن بمقاطعة قوانغدونغ الصينية (رويترز)
موظف يتفقد لوحة دوائر كهربائية في مصنع بمدينة شنتشن بمقاطعة قوانغدونغ الصينية (رويترز)

أظهر مسح رسمي يوم الثلاثاء، أن نشاط المصانع في الصين نما خلال مارس (آذار) بأسرع وتيرة في 12 شهراً، مدفوعاً بتحسن الطلب المحلي والخارجي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة من اضطرابات سلاسل التوريد وتقلبات أسعار الطاقة الناجمة عن حرب الشرق الأوسط.

قفز مؤشر مديري المشتريات الصناعي إلى 50.4 نقطة من 49 نقطة في فبراير (شباط)، متجاوزاً التوقعات عند 50.1 نقطة، ليعود إلى منطقة التوسع بعد أشهر من الانكماش. ويعكس هذا التحسن ارتياحاً مؤقتاً لصانعي السياسات، لكنه لا يلغي المخاوف من أن ارتفاع أسعار النفط قد يعرقل استمرار النمو.

وقال تشي وي تشانغ، كبير الاقتصاديين في شركة «بينبوينت» لإدارة الأصول: «التوقعات للربع الثاني غير واضحة، بالنظر إلى التأثير السلبي الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة»، مضيفاً أن السوق تزداد قلقاً من تباطؤ النمو العالمي وتعطيل سلاسل التوريد.

واستمر قطاع التصدير في دفع النمو خلال يناير (كانون الأول) وفبراير، بعد أن حققت الصين فائضاً تجارياً قياسياً بلغ 1.2 تريليون دولار العام الماضي، بدعم الطلب العالمي على الإلكترونيات وأشباه الموصلات. وأكدت وزارة التجارة أن الزخم سيستمر رغم الاضطرابات الجيوسياسية.

كما ارتفع مؤشر مديري المشتريات للقطاعات غير الصناعية -الخدمات والبناء- إلى 50.1 نقطة من 49.5 نقطة، مما يعكس تحسناً نسبياً في الأنشطة الاقتصادية غير التصنيعية.

ويرى محللو بنك «إيه إن زد» أن بيانات مؤشر مديري المشتريات تشير إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول سيتجاوز على الأرجح 4.5 في المائة، وهو الحد الأدنى لهدف بكين لهذا العام. لكن استمرار الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة يضعان علامات استفهام حول قدرة الاقتصاد على الحفاظ على هذا الزخم.