تعميق الشراكة السعودية ـ الأميركية في قطاعات حيوية

توقيع 13 اتفاقية ومذكرة تعاون مشترك شملت الطاقة والفضاء والصحة والأمن السيبراني بحضور وزراء من الجانبين

الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي أثناء توقيع الاتفاق مع نظيره الأميركي ( واس)
الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي أثناء توقيع الاتفاق مع نظيره الأميركي ( واس)
TT

تعميق الشراكة السعودية ـ الأميركية في قطاعات حيوية

الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي أثناء توقيع الاتفاق مع نظيره الأميركي ( واس)
الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي أثناء توقيع الاتفاق مع نظيره الأميركي ( واس)

دشنت السعودية وأميركا مرحلة جديدة أكثر عمقاً في التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين شملت مجالات الطاقة والاستثمار والاتصالات والفضاء والصحة بـ18 اتفاقية ومذكرات للتعاون المشترك، وذلك على هامش زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى المملكة.
ووقع الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي ووزراء الاستثمار والاتصالات والصحة في البلاد مع نظرائهم في الولايات الأميركية الاتفاقيات ومذكرات التعاون المشترك، والتي تأتي في ضوء ما توفره (رؤية المملكة 2030) بقيادة الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء، من فرص واسعة للاستثمار في القطاعات الواعدة، وبما يعود بالنفع على البلدين والشعبين الصديقين. ومن بين الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين، 13 اتفاقية وقعتها وزارة الطاقة، ووزارة الاستثمار، والهيئة الملكية للجبيل وينبع، وعدد من شركات القطاع الخاص، مع مجموعة من الشركات الأمريكية الكبرى كشركة «بوينغ لصناعة الطيران»، و«ريثيون للصناعات الدفاعية»، و«شركة ميدترونيك»، وشركة «ديجيتال دايجنوستيكس»، وشركة «إيكفيا في قطاع الرعاية الصحية»، وعدد آخر من الشركات الأمريكية المتخصصة في مجالات الطاقة والسياحة والتعليم والتصنيع والمنسوجات.
- قمة بين التحديات
وأكد وزير الاستثمار المهندس خالد الفالح أن انعقاد القمتين السعودية الأمريكية، والخليجية الأمريكية بحضور الأردن والعراق ومصر يأتي في مرحلة مفصلية عامرة بالأحداث والتحديات، لافتا إلى التحديات التي يواجهها العالم كجائحة كورونا وما نتج عنها من آثار على الاقتصاد العالمي من تباطؤ الاستثمارات وتأثُّر سلاسل التوريد وكذلك ما يشهده العالم من اضطرابات جيوسياسية، ربما كان أبرزها المشكلة الروسية الأوكرانية، كان لها انعكاساتها على الأمن الغذائي، وتأثيرها الواضح في أسواق الطاقة، وكان التضخم القياسي الذي يشهده العالم إحدى نتائجها.
وأفاد الفالح بأن المذكرات والاتفاقيات الثلاث عشرة التي تم توقيعها تشمل قطاعات صناعات الطيران، والصناعات الدفاعية، والصناعة والتصنيع بشكلٍ عام، والصحة، والطاقة، بما في ذلك الطاقة المتجددة، والتعليم، والسياحة، مفصحا أن حجم الاستثمارات خلالها يزيد على 3 مليارات دولار.
وأكّد المهندس الفالح أن المملكة تسعى من خلال هذه المذكرات والاتفاقيات إلى تعزيز نمو وتطور عدد من القطاعات، مُشيراً إلى أن هناك اليوم أكثر من 740 شركة أمريكية مُسجلة كمؤسسات أجنبية تعمل في المملكة، وأنه يعمل بها أكثر من 67 ألف شخص، العديد منهم سعوديون.
وفيما يخص القطاعات، بيّن الفالح أن قطاعات الصناعات التحويلية، وتقنيات المعلومات والاتصالات، والقطاعات المهنية والعلمية والتقنية، هي أكبر القطاعات من حيث عدد الشركات الأميركية المسجلة في المملكة، موضحا أن حجم الاستثمارات الأميركية في السعودية بلغ أكثر من 11 مليار دولار في عام 2020، فيما بلغ حجم حيازات المملكة في سندات الخزانة الأميركية 115.7 مليار دولار في أبريل (نيسان) من العام الحالي.
- قطاع مالي حيوي
من جانبه، أكد معالي وزير المالية محمد الجدعان على أهمية تطوير العلاقات المالية والمصرفية وتعزيز التعاون بين بلاده والولايات المتحدة في ‏إطار الشراكة والمصالح المشتركة، لافتا إلى أن هناك فرصا هائلة للمستثمرين لتعزيز التعاون في ‏التجارة والخدمات المالية.
وأبان الجدعان أن رؤية المملكة 2030 تشتمل على العديد من الفرص الاقتصادية والاستثمارية التي من الممكن أن تعزز الشراكة بين البلدين عبر إتاحة الفرص السعودية الواعدة للشركات الأمريكية للعمل في القطاعات الحيوية مثل البنية التحتية والتأمين والمصارف والتمويل وإدارة الأصول، إضافة إلى مجال الخدمات والتكنولوجيات المالية، بما يمكّنها من الإسهام في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، في ظل العلاقة القوية التي ‏تربط البلدين.

السعودية والولايات المتحدة تبرمان 13 اتفاقية شراكة اقتصادية خلال القمة المشتركة المنعقدة في جدة (الشرق الأوسط)

- استكشاف الفضاء
وجاء من أبرز الاتفاقيات، توقيع الهيئة السعودية للفضاء مع وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، اتفاقية (أرتميس) لاستكشاف القمر والمريخ مع وكالة (ناسا)، للانضمام للتحالف الدولي في مجال الاستكشاف المدني واستخدام القمر والمريخ والمذنبات والكويكبات للأغراض السلمية.
وتنسجم هذه الاتفاقية مع الأولويات الوطنية للابتكار التي أعلنت عنها السعودية نهاية يونيو (حزيران)، التي تتضمن اقتصاديات المستقبل، حيث يمثل الفضاء الفرصة التريليونة القادمة للعالم بحلول 2040، وبإمكانه دعم النمو في قطاعات متعددة، إضافة إلى توفير الآلاف من الوظائف.
وتم التوقيع على الاتفاقية بحضور رئيس مجلس إدارة الهيئة السعودية للفضاء المهندس عبد الله السواحة، وسفيرة السعودية لدى أميركا الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان، وتتضمن الاتفاقية 13 بندًا، تهدف في مجملها إلى تعزيز حضور المملكة دوليًا والمساهمة الفاعلة في المشاريع الدولية المشتركة، وترسيخ مكانة المملكة كدولة رائدة في مجال «الفضاء الجديد» من خلال مساهمتها في أنشطة الفضاء الناشئة من خلال المهمات العلمية والاستكشافية وتعزيز اقتصاد الفضاء، وتطوير القدرات البحثية ورأس المال البشري.
ويأتي انضمام المملكة إلى اتفاقية «أرتميس» ضمن أوائل الدول في العالم تأكيدًا لالتزامها بالاستكشاف والاستخدام السلمي والمسؤول المستدام للفضاء، وتعزيزاً لطموح المملكة في مجال الفضاء من خلال مساهمتها في أنشطة الفضاء الناشئة عبر المهمات العلمية والاستكشافية، وفي إطار خطتها للتنويع الاقتصادي التي تهدف إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتوفير آلاف الوظائف للشباب السعودي.
- صحة وطاقة نظيفة
ووقع البلدان، اتفاقية شراكة في مجالات الطاقة النظيفة، تتضمن تحديد مجالات ومشروعات التعاون في هذا المجال، وتعزيز جهود البلدين في نشر الطاقة النظيفة والعمل المناخي بما في ذلك التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
كما وقعت وزارتا الصحة السعودية والأمريكية مذكرة تعاون مشترك في مجالات الصحة العامة، والعلوم الطبية والبحوث، تهدف إلى دعم وتعزيز العلاقات القائمة في مجالات الصحة العامة بين الأفراد والمنظمات والمؤسسات، وتوحيد الجهود لمواجهة قضايا الصحة العامة والتحديات الطبية والعلمية والبحثية، وتبادل المعلومات والخبراء والأكاديميين، إضافة إلى التدريب المشترك للعاملين في المجالات الصحية والطبية، والتطبيق السليم لنظم المعلومات الصحية، والبحث والتطوير والابتكار الصحي.
- الأمن السيبراني
من جانب آخر، أعلنت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني توقيع مذكرة تفاهم مع وزارة الأمن الوطني في الولايات المتحدة الأميركية ممثلة بوكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية للتعاون في مجالات الأمن السيبراني بين الطرفين، وتهدف المذكرة إلى تعزيز التعاون الثنائي في مجالات الأمن السيبراني من أجل حماية الفضاء السيبراني والمصالح الحيوية في السعودية والولايات المتحدة ، حيث تأتي امتداداً للتعاون القائم بين البلدين، وتضمنت مجالات عدة؛ من أبرزها مشاركة معلومات التهديدات السيبرانية بين البلدين، وتبادل أفضل الممارسات والخبرات في هذا المجال.
وتأتي المذكرة في إطار جهود الهيئة الوطنية للأمن السيبراني الرامية إلى تعزيز موقع المملكة الرائد دولياً عبر توطيد التعاون والتكامل مع الجهات المماثلة خارج المملكة لتبادل الخبرات، وتأسيس آليات للتعاون وصناعة الشراكات الدولية في مجالات الأمن السيبراني بما يحقق فضاءً سيبرانياً سعودياً آمناً وموثوقاً يمكّن من النمو والازدهار.
- اتصالات وذكاء اصطناعي
كما وقعت الشركة السعودية للذكاء الاصطناعي «سكاي» رائدة الذكاء الاصطناعي وشركة الاتصالات السعودية «إس تي سي» والممكّن الرقمي الرائد ومقدّم منصة وتقنيات الذكاء الاصطناعي شركة «داتا روبوت»، اتفاقية شراكة استراتيجية وذلك لابتكار وتمكين منظومة للذكاء الاصطناعي في المملكة.
وتخطّط «داتا روبوت» لتأسيس مقر إقليمي لها في المملكة العربية السعودية بهدف إنشاء مركز تطوير للذكاء الاصطناعي ومركز إقليمي للبحث والتطوير، وهو ما سيدعم نشر قدرات البحث والتطوير في المملكة لتنمية الممتلكات الفكرية المطورة محليًا والحلول المبتكرة بشكل مشترك ونشرها لبقية دول المنطقة، شاملًا تقديم الحلول التي تركز على مجالات مهمة مثل التكنولوجيا الخضراء والاقتصاد الدائري للكربون والنفط والغاز والرعاية الصحية؛ وتطوير استراتيجية للوصول إلى السوق لتمكين توزيع الحلول المدعومة بالذكاء الاصطناعي والخدمات المدارة من المملكة إلى السوق المحلية وبقية دول المنطقة والعالم.
إلى ذلك، وقعت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، مذكرة تفاهم مع شركة IBM الرائدة في مجال التقنية الرقمية، وذلك لتأهيل 100 ألف شاب وفتاة على مدى خمس سنوات، ضمن ثماني مبادرات مبتكرة من خلال اتفاقيات مستقبلية تهدف إلى تعزيز مكانة المملكة مركزاً محورياً للتقنية والابتكار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وأكد عصام الذكير وكيل الوزارة للتعاون الدولي والشراكات، أن المذكرة تأتي تفعيلًا لرحلة المملكة نحو بناء حاضر مترابط ومستقبل مبتكر، إضافة إلى تمكين الفرص التي توفرها الثورة الصناعية الرابعة، ومن خلال اتفاقية إطارية مستقبلية، ستعمل IBM على تقديم برامج لتدريب وتطوير الكفاءات الوطنية في مجالات تقنية متعددة تستهدف رفع القدرات الرقمية لـ100 ألف سعودي وسعودية على مدى خمس سنوات، الأمر الذي سيعزز من ريادة المملكة التي تحتل المرتبة التاسعة عالميًا في مجال القدرات الرقمية بحسب المنتدى الاقتصادي العالمي.
وتتضمن المذكرة تنفيذ مبادرات منها مبادرة للذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة، ومبادرات في الأمن السيبراني والبحث المشترك، ومسرّعات للابتكار، ومعمل للسياسات، إضافةً إلى سحابة IBM ومركز للتقنية المفتوحة ذو قابلية للتشغيل البيني للبرمجيات. ومن المتوقع أن يصل عدد مشاريع الذكاء الاصطناعي التي ستنفذ مع الجهات العاملة في القطاع العام ما يقارب 66 مشروعًا، وتستهدف المذكرة خلال خمس سنوات إقامة 100 ورشة عمل مع الجهات الحكومية بالاعتماد على منهجية «التصميم التفكيري»، وتدريب 600 من موظفي وموظفات القطاع العام في المسرّعة التي سيتم إنشاؤها بموجب المذكرة.
كما سيعمل الجانبان معًا على إجراء العديد من الأبحاث والدراسات المشتركة بما يسهم في جهود الطرفين لتعزيز عملية التحوّل الرقمي، وتسريع نمو الاقتصاد الرقمي، بما يخدم الوطن والمواطن، ويرسخ لمكانة المملكة لكونها صاحبة أكبر اقتصاد رقمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتتمتع بأعلى تمركز للقدرات الرقمية في المنطقة.
- تمديد التأشيرات
في حين أعلنت بعثة الولايات المتحدة لدى المملكة، عن تمديد مدة صلاحية تأشيرات الزيارة (بي 1/بي2) للمواطنين السعوديين من خمس سنوات إلى عشر سنوات، ابتداءً من 1 أغسطس (آب) 2022.
وأوضحت البعثة الأمريكية في بيان صحفي، أنه تم التوصل إلى اتفاق لتمديد مدة صلاحية تأشيرات الزيارة وذلك من خلال التعاون الوثيق مع حكومة المملكة وعلى أساس المعاملة بالمثل، لتسهيل السياحة والأعمال بين البلدين.
من ناحية أخرى، وقعت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات مذكرة تعاون مع الإدارة الوطنية للاتصالات والمعلومات الأمريكية (NTIA)، تتضمن تعاون البلدين في مجالات تقنيات الجيل الخامس والجيل السادس، وذلك بهدف تسريع نمو الاقتصاد الرقمي وتعزيز وتيرة البحث والتطوير والابتكار في المنظومة الرقمية بالمملكة.


مقالات ذات صلة

سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

خاص جانب من منافسات كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض (واس)

سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

بلغ حجم سوق الألعاب الإلكترونية في السعودية نحو 2.39 مليار دولار خلال عام 2025، في وقت تشهد فيه الصناعة تحولاً متسارعاً مدفوعاً بنمو قاعدة اللاعبين.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد ميناء الجبيل التجاري الواقع شرق السعودية (واس)

السعودية: بدء تشغيل محطة الحاويات بميناء الجبيل باستثمارات تتجاوز نصف مليار دولار

أعلنت الهيئة العامة للموانئ (موانئ) بدء تشغيل محطة الحاويات بميناء الجبيل التجاري، باستثمارات ضخمة تتجاوز قيمتها ملياري ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص مستثمران يراقبان تحركات سهم «أرامكو» في السوق السعودية (رويترز)

خاص السوق السعودية تختتم مارس بصعود قوي وسط الصراعات الجيوسياسية

شهد شهر مارس (آذار) أداءً استثنائياً لسوق الأسهم السعودية، حيث واصلت ارتفاعها وسط تراجع معظم بورصات المنطقة، مدفوعاً بقدرة «أرامكو» على استمرار تدفقات النفط.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد سعوديات يمارسن أعمالهن في سوق العمل السعودية (واس)

السعوديات يقدن استقرار البطالة بنهاية 2025

في مشهد يعكس التحولات العميقة التي تشهدها سوق العمل في المملكة، برزت السعوديات بوصفهن عاملاً رئيساً في استقرار معدلات البطالة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض

صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي بالسعودية ينمو 90 % نهاية 2025

نما صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى السعودية بنحو 90 في المائة خلال الربع الأخير من 2025، في وقت تمضي فيه المملكة قدماً في تحسين بيئة الاستثمار.

عبير حمدي (الرياض)

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.


بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
TT

بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

شهدت الأوساط المالية العالمية، يوم الأربعاء، تحولاً دراماتيكياً في المعنويات، حيث تحولت حمى البيع التي سيطرت على شهر مارس (آذار) إلى «طوفان من الشراء».

وجاء هذا التحول مدفوعاً بتصريحات متفائلة من البيت الأبيض تشير إلى قرب نهاية الصراع في إيران، مما أدى إلى موجة صعود جماعي في بورصات آسيا وأوروبا و«وول ستريت»، فيما سجلت أسعار الطاقة تراجعاً ملحوظاً، رغم بقاء حالة الحذر من تعقيدات «ما بعد الحرب».

فقد أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شرارة التفاؤل بتصريحاته من المكتب البيضاوي، مؤكداً أن العمليات العسكرية في إيران قد تنتهي «قريباً جداً»، ربما في غضون أسبوعين أو ثلاثة. ومع إعلان البيت الأبيض عن خطاب مرتقب لترمب للأمة فجر الخميس (01:00 بتوقيت غرينتش)، سارعت الأسواق إلى تسعير نهاية قريبة للأزمة.

ورغم أن الأسواق تفاعلت إيجاباً، فإن تصريح ترمب بأن القوات الأميركية لن تعمل على «فتح مضيق هرمز» وترك المهمة لدول أخرى، أثار تساؤلات حول أمن الملاحة المستقبلي، خاصة أن خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الشريان الحيوي.

متداول يقدم عرضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

آسيا وأوروبا... انتفاضة خضراء

في آسيا، كان المشهد احتفالياً بامتياز؛ حيث قاد مؤشر «كوسبي» في سيول الارتفاعات بقفزة تجاوزت 8 في المائة، مدعوماً بصعود صاروخي لأسهم «سامسونغ» (13 في المائة) و«إس كيه هاينكس» (11 في المائة)، فيما أغلق مؤشر «نيكي» الياباني مرتفعاً بنسبة 5.2 في المائة.

وانتقلت العدوى الإيجابية إلى أوروبا، حيث ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 2.1 في المائة. وكان قطاع الطيران والمصارف الرابح الأكبر؛ فقفزت أسهم «إير فرانس» بنسبة 7.9 في المائة و«لوفتهانزا» بنسبة 6.7 في المائة، مستفيدة من هبوط أسعار الوقود. كما شهدت الأسواق اليونانية خبراً إيجابياً بعودتها إلى مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق المتقدمة بحلول مايو (أيار) 2027، مما دفع بورصة أثينا للصعود بنسبة 3.4 في المائة.

مؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

كما ارتفعت السندات الحكومية في بريطانيا وأوروبا على نحو متسارع، ما دفع العوائد إلى التراجع. وانخفضت عوائد السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات لليوم الثالث على التوالي، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين قبل أن تقلص بعض خسائرها، فيما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.27 في المائة.

تذبذب «برميل الحرب»

لم تكن أسعار النفط العالمية بمعزل عن ضجيج الطائرات وصداها في أروقة السياسة؛ فقد عاش الذهب الأسود يوماً عاصفاً من التداولات المتذبذبة، ليهبط خام برنت دون حاجز الـ100 دولار للبرميل متراجعاً بنسبة 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكثر من أسبوع قبل أن يقلص خسائره ويسجل 102.88 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.05 في المائة.

لكن رغم انخفاض عقود نفط برنت قرب 100 دولار للبرميل، فإن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليميين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026.

فالتقديرات الصادرة من عدة جهات ترجح سيناريوهات صعود حاد، قد تدفع الخام إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع أخرى وغياب حل فوري للأزمة. فيما تتمسك إدارة ترمب وحدها بالتوقعات الهبوطية للخام هذا العام.

وكالة الطاقة تحذر

وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط تتصاعد وتطول أوروبا. وقال رئيس الوكالة فاتح بيرول إن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط سترتفع خلال أبريل (نيسان)، وستطول أوروبا مع تراجع الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وأضاف بيرول: «فاقد النفط في أبريل سيكون ضعف الخسارة في مارس، إلى جانب فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال... المشكلة الأكبر حالياً هي نقص وقود الطائرات والديزل. نرى ذلك في آسيا، لكن قريباً، أعتقد في أبريل أو مايو، سيصل التأثير إلى أوروبا»، وفق «رويترز».

متداول عملات يتفاعل بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) (أ.ب)

الذهب يتنفس الصعداء

لم تكن سوق المعادن النفيسة بعيدة عن موجة التفاؤل التي اجتاحت الأسواق؛ فقد قفزت أسعار الذهب بنسبة 2 في المائة لتلامس أعلى مستوياتها في أسبوعين عند 4755.50 دولار للأوقية، مستفيدة من تراجع مؤشر الدولار وهبوط عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات. يأتي هذا الارتفاع بمثابة رحلة استشفاء للمعدن الأصفر بعد أن سجل في مارس الماضي أسوأ أداء شهري له منذ نحو 17 عاماً، بفعل الضغوط التضخمية الهائلة والرهانات على سياسات نقدية متشددة.

ويرى المحللون أن تحول السردية في السوق من الذهب كتحوط ضد التضخم إلى الذهب كملاذ آمن تأثر مباشرة بتلميحات الرئيس ترمب حول قرب نهاية الحرب؛ حيث أدى احتمال خفض التصعيد إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة السبائك التي لا تدر عائداً.

ورغم القفزة الحالية، ظل المستثمرون في حالة ترقب لخطاب البيت الأبيض المرتقب.

شاشة تعرض معلومات مالية في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

تأثير الحرب على «الفيدرالي» وقرارات الفائدة

أعادت هذه التطورات ترتيب أوراق السياسة النقدية الأميركية؛ فبعد أن كان المستثمرون قد استبعدوا تماماً أي خفض للفائدة هذا العام بسبب التضخم الناتج عن الحرب، عادت الآمال مجدداً لإمكانية التيسير النقدي إذا ما انتهى الصراع بسرعة. وتترقب الأسواق الآن بيانات الوظائف غير الزراعية ومبيعات التجزئة للحصول على قراءة أدق لمدى صمود الاقتصاد الأميركي في وجه صدمة الطاقة الإيرانية.