السجناء الهاربون من العراق يعززون قوة الإرهابيين في سوريا

مسؤولون أميركيون: انضم المئات منهم إلى «داعش».. ويلعبون أدوارا قيادية

السجناء الهاربون من العراق يعززون قوة الإرهابيين في سوريا
TT

السجناء الهاربون من العراق يعززون قوة الإرهابيين في سوريا

السجناء الهاربون من العراق يعززون قوة الإرهابيين في سوريا

أدت عمليات هروب السجناء العراقيين إلى تحرير المئات من المحاربين الذين يعدون الآن من بين القادة والجنود في الجماعات السنية المتشددة التي تمارس نشاطها في سوريا وفي العراق نفسها بصورة متزايدة.
ويعد دور السجناء السابقين في إشعال موجة جديدة من الجهاد السني عبر المنطقة بمثابة تذكير بمسألة انهيار السلطة في العراق منذ رحيل الولايات المتحدة الأميركية عن البلاد في عام 2011 وحالة الفراغ الأمني التي انتشرت عبر المنطقة، ناهيك بالتهديد المستمر للجماعات الإرهابية التي يقودها السنيون والتي كانت الولايات المتحدة تقول إنها تحاربها أثناء احتلالها للعراق.
ويعكس اقتحام السجون وهروب السجناء الطلب المتزايد على المقاتلين ذوي الخبرة، والذين يسهمون بجهود تخطيطية كبيرة من خلال الجماعات المقاتلة، ولا سيما تنظيم «داعش» للوصول خصوصا إلى الأماكن التي كانوا محتجزين فيها سويا.
وفضلا عن ذلك، فإن الجماعة التي تتمتع بخبرة استراتيجية في تهريب السجناء والتي تعتمد أساسا على «عملية تكسير الجدران» التي جرى نشرها أثناء حملة مدتها 12 شهرا، بدأت من شهر يوليو (تموز) 2012 حتى عملية الاقتحام الرئيس لسجن أبو غريب في يوليو (تموز) الماضي.
وحسب تقديرات المسؤولين الأميركيين، ففي جميع تلك العمليات انضم المئات من هؤلاء الهاربين إلى تنظيم «داعش»، حيث يلعب الكثير منهم أدوارا قيادية بارزة في التنظيم.
ويقول أحد المسؤولين الأميركيين لمكافحة الإرهاب إنه «في حين أن الجماعة كانت تحصل بالفعل على القوة أثناء تلك الفترة، فمن المحتمل أن عملية تدفق هؤلاء الإرهابيين الذين يتمتعون جميعا بخبرة تصل إلى عقود من الزمان من القتال في ميادين الحرب أدت إلى تقوية الجماعة وتعزيز دورها القيادي».
وكان من بين هؤلاء الهاربين أبو عائشة، الذي رفض ذكر اسمه بالكامل ويقود الآن مجموعة من مقاتلي تنظيم القاعدة على الجانب الغربي من الفلوجة، مسقط رأسه، التي يسيطر عليها المقاتلون السنيون المناوئون للحكومة منذ نحو ستة أسابيع. ومع تعرض الفلوجة للحصار، تسارع الحكومة الأميركية لإرسال الأسلحة والذخائر والصواريخ لمساعدة القوات الأمنية العراقية التي تتشكل أغلبيتها من الشيعة وكذلك لمقاتلي القبائل المتحالفة معها من أجل إعادة السيطرة على المدينة التي قاتلت فيها الكثير من قوات البحرية الأميركية في وقت من الأوقات وقُتلوا هناك منذ نحو عشر سنوات.
وكان أبو عائشة ميكانيكيا يعمل بتصليح العربات قبل عام 2003، إلا أنه وجد مجالا جديدا من خلال قتال الأميركيين. ويقول أبو عائشة إن الكثير من المعتقلين، بمن فيهم هو نفسه، قضوا أوقاتهم في السجن لتعلم طرق القتال، حيث درسوا القرآن والشريعة مع الاستعداد لمعاودة الجهاد بمجرد خروجهم من السجون. وجرى اعتقال أبو عائشة في بداية الأمر على أيدي الأميركيين، ثم أطلق سراحه من معسكر بوكا، الذي يعتبر أحد السجون الأميركية ذات السمعة السيئة في جنوب العراق، في عام 2008. واعتقل أبو عائشة مرة أخرى من قبل العراقيين في عام 2010. ويقول أبو عائشة: «في نهاية المطاف قامت القوات بالزج بي في سجن أبو غريب حيث قابلت بعض القادة والمقاتلين الذين أعرفهم مرة أخرى، بما في ذلك أمراء من تنظيم القاعدة، ومن العراقيين والعرب وجنسيات أخرى. وكان معظم هؤلاء السجناء في معسكر بوكا أيضا».
وفي إحدى ليالي الصيف الماضي، عندما كان أبو عائشة يجلس في زنزانته مثلما كان يفعل كل يوم منتظرا موعد إعدامه، اندلعت انفجارات وسمع دوي إطلاق النار وجاء حارس سجن معروف بالنسبة له وفتح له الباب وأخبره بأن يغادر زنزانته على الفور.
جرى أبو عائشة مع مئات من السجناء الآخرين عبر طرقات السجن حتى هرب من خلال إحدى الفتحات الناتجة عن تفجير أحد الجدران. وقفز ليستقل شاحنة من نوع «كيا» كانت بانتظاره ليتحرر من سجنه ويعود مرة أخرى إلى ميدان القتال. وقال أبو عائشة إن قادة تنظيم «داعش» طرحوا عليه خيارين، إما أن يغادر ويقاتل معهم في سوريا وإما يبقى ويقاتل في العراق. وفي إحدى المقابلات التي جرت معه مؤخرا، قال أبو عائشة: «ذهب الكثير من القادة الذين أعرفهم إلى سوريا للجهاد هناك بمجرد هروبهم من سجن أبو غريب، بينما ذهب المقاتلون الآخرون إلى هناك بعد فترة لأنهم شعروا بأنهم سيتمتعون بحرية أكثر في سوريا. وبالنسبة لي، فقد قررت البقاء مع جماعتي».
وعلاوة على ذلك، كان لعمليات هروب السجناء والفوضى التي ساعدت في إشعال الصراع في سوريا أثر في تغيير حسابات المسؤولين الغربيين تجاه الحرب هناك. وفي البداية، كان هؤلاء المسؤولون يعتبرون أن هذه الأزمة نزاع في ضوء وجود بشار الأسد.
ولكن بعد أن لعب تنظيم «داعش» دورا مهما بشكل متزايد في عملية القتال هناك، حيث كان غالبا ما يتعارك مع جماعات متمردة أكثر اعتدالا، مع إدانة تنظيم القاعدة الذي أنهى علاقاته مع «داعش» بسبب هذا الأمر، كانت القوى الغربية رافضة للتدخل بشكل أكثر من ذي قبل.
ومن جانبه، قال أسامة النجيفي رئيس مجلس النواب العراقي وواحد من أهم السياسيين السنيين بالبلاد، إن المقاتلين الهاربين «ذهبوا إلى سوريا لقيادة معظم الجماعات المقاتلة هناك. وبناء على ذلك، بدأ الشعب في التفكير إذا ما كان الأسد هو الأفضل أم تنظيم القاعدة». ألقى الكثير من المحللين الغربيين باللوم على سياسة الباب المفتوح التي تتبعها تركيا بطول حدودها الجنوبية مع سوريا، حيث أدت تلك السياسة إلى تقوية عملية نمو تنظيم «داعش» والجماعات الأخرى المتشددة، بيد أن المسؤولين التركيين دافعوا عن هذا الأمر مستشهدين بالتقارير الاستخباراتية التي تعزو نمو تلك الجماعات إلى اقتحام السجون العراقية. ويقول مسؤولون إنه من المعتقد هروب أكثر من 600 سجين في أكثر الهجمات المتطورة لاقتحام السجون، حيث يقوم حراس السجون المتورطون بالفساد بتسهيل عملية الهروب.
ويوضح المسؤولون حدوث تأثير كبير على قدرة هذه الجماعة من خلال عمليتين، على وجه الخصوص، من عمليات اقتحام السجون، كانت إحداهما في سجن أبو غريب والأخرى حدثت في سبتمبر (أيلول) 2012 في شمال مدينة تكريت. وأدت هاتان العمليتان إلى إضعاف الأمن العراقي والإسهام في توسع الجماعة في سوريا.
ووفقا لما ذكره تشارلز ليستر، الباحث في مركز بروكينغز - الدوحة في قطر، فإنه خلال عملية اقتحام سجن تكريت، على سبيل المثال، هرب 47 معتقلا من المحكوم عليهم بالإعدام، وظهر أن ذلك الأمر كان من العوامل التي ساعدت في إعادة إنعاش جماعة «داعش» وتصعيد العمليات على مدار عام 2013.
وقال المسؤولون الأميركيون إن أكثر من 50 سجينا هربوا خلال عملية اقتحام سجن أبو غريب وحدها. وأضافوا أيضا أن «معظم» الهاربين جرى اعتقالهم في الأساس من قبل القوات العراقية، بيد أنهم اعترفوا بأن أعدادا كبيرة منهم قد اعتقلوا أثناء العمليات الأميركية في العراق قبل مغادرة الجيش الأميركي للبلاد نهاية عام 2011.
وشاكر وهيب، الذي قد يكون من أخطر الأشخاص الذين ظهروا مؤخرا بتنظيم القاعدة، واحد من هؤلاء المعتقلين. وكان وهيب يدرس علوم الكومبيوتر بإحدى الجامعات في الأنبار عندما غزا الأميركيون العراق، مما دفعه إلى تغيير هذا المجال وسرعان ما لجأ إلى محاربة الأميركيين. واعتقل وهيب وسُجن في معسكر بوكا قبل أن يستحوذ عليه العراقيون. وهرب وهيب من السجن في تكريت في أواخر عام 2012.
وفي العراق، صار وهيب من الشخصيات الجهادية المشهورة، حيث كان يشار إليه بأنه خليفة أبو مصعب الزرقاوي، القائد بتنظيم القاعدة المعروف بوحشيته وعنفه والذي قتلته القوات الأميركية في عام 2006. وادعى المسؤولون العراقيون أكثر من مرة بأنهم قتلوا وهيب، بيد أنه يعد الآن من أحد القادة البارزين المقاتلين في الفلوجة. وفي الصيف الماضي ظهر وهيب في مقطع فيديو مروع حيث أعدم ثلاث سائقين شيعيين على الطريق السريع في صحراء محافظة الأنبار، كما أنه اتهم بالضلوع في هجوم استهدف 14 سائقا شيعيا من سائقي الشاحنات في العراق والذين وُجدوا مقطوعي الرأس.
وبالنسبة للجماعات المقاتلة الأكثر اعتدالا داخل سوريا، ساعدت عملية هروب السجناء في إثارة نظريات المؤامرة بأن تنظيم «داعش»، الذي يحارب مؤخرا مع الجماعات هناك، يعد بمثابة ورقة رهان لحكومة الأسد.
وفي حين أنه لا يوجد أي دليل يدعم هذا الأمر، يقول البعض إنهم يعتقدون أن الحكومة السورية ساعدت في التخطيط لعمليات الهروب، مع مساعدة الحكومة العراقية برئاسة رئيس الوزراء نوري المالكي التي تتضامن بشكل كبير مع الأسد.
وقال عبد الجبار أوسو، أحد قادة المتمردين في حلب والذي يحارب مع تنظيم «داعش»: «من خلال فعل هذا الأمر (جلب الكثير من المقاتلين الأجانب إلى الأراضي السورية) قامت حكومة المالكي بمساعدة نظام الأسد عن طريق دعمه في ادعائه بأنه يحارب الإرهاب داخل سوريا».
ومن جانبه قال أحمد العبود، أحد قادة مقاتلي المعارضة، إنه «عندما سمع شعبنا بأمر هروب السجناء في العراق أدركنا حينها أننا سنواجه المزيد من المصاعب». ويضيف العبود: «لقد كنا نواجه دائما المصاعب في تهريب الأسلحة الخفيفة من العراق إلى سوريا، لكن تنظيم (داعش) يمكنه الحصول بكل سهولة على أرتال كاملة من المركبات والأسلحة والمقاتلين وتهريبها إلى الداخل السوري».
ولم توفر الحكومة العراقية المعلومات الكافية بشأن كيفية حدوث عمليات هروب السجناء، على الرغم من اتفاق الكثيرين على أن هؤلاء السجناء تلقوا مساعدة من داخل السجون للهروب. ويقول أعضاء البرلمان العراقي إنهم عندما حاولوا مناقشة موضوع هروب السجناء من سجن أبو غريب جرى إسكاتهم من قبل الأجهزة الأمنية ومسؤولي الحكومة الكبار. وقال شوان محمد، عضو البرلمان وأحد أعضاء فريق التحقيق: «للأسف، لم تسمح لنا الحكومة حتى بالاقتراب من السجن لمدة تقترب من الأسبوع». غير أنه لم ينخرط جميع السجناء الهاربين في القتال، حيث يعمل أحمد الديلمي (31 عاما)، الذي فر هاربا من سجن أبو غريب، كمزارع في محافظة ديالى، أحد معاقل تنظيم القاعدة، باستخدام هوية مزورة. ومثل الكثير من السنة في العراق، يشرح الديلمي أسباب التمرد الحالي من جانب المتشددين السنة بقوله إن ذلك يأتي كرد فعل لسياسات الحكومة التي يسيطر عليها الشيعة، بما في ذلك المداهمات الأمنية الواسعة التي نتج عنها الزج بالكثير من السنة بغير ذنب في غياهب السجون. واختتم الديلمي حديثه قائلا: «الكثير من أصدقائي يتحلون بالطيبة، غير أنهم تحولوا إلى أشخاص خطيرين وقادة في تنظيم القاعدة بسبب ممارسات الحكومة. إنه الظلم الذي أدى إلى ظهور (القاعدة)».

* خدمة «نيويورك تايمز»



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.