وأخيراً... «تويتر» لن يغرد مع ماسك

وأخيراً... «تويتر» لن يغرد مع ماسك

الاثنين - 11 ذو الحجة 1443 هـ - 11 يوليو 2022 مـ رقم العدد [ 15931]

حالة من القلق والترقب تسود الأوساط الاقتصادية والتكنولوجية وكذلك الإعلامية، عقب إعلان الملياردير الأميركي إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركتي «تيسلا» و«سبيس إكس»، إلغاء صفقة استحواذه على منصة التغريدات القصيرة «تويتر».
الأسباب التي يقدمها ماسك، تستند علناً إلى أن إدارة «تويتر» «لم تقدم بيانات كافية عن الحسابات العشوائية والمزيفة»، التي يقول ماسك وفريقه إنها تتجاوز نسبة 5 في المائة من إجمالي الحسابات على المنصة. ولكن مقابل «أسباب» ماسك يرى خبراء أن الرجل لم يكن ينوي المضي في إتمام صفقته التي دخلها، بحسب تقدير بعضهم، بحثاً عن «مزيد من الشهرة والترويج لشخصه».
إعلان ماسك إلغاء الصفقة، التي شغلت العالم منذ أبريل (نيسان) الماضي، يدفع المنصة إلى مستقبل مجهول فيما يتعلق بوضعها المالي، وذلك بعد تراجع سعر سهم الشركة بنسبة 6 في المائة يوم الجمعة الماضي، ويزيد من مخاوف موظفيها، كما يجرها إلى معركة قانونية يصفها خبراء بأنها «طويلة وقبيحة».
في مذكرة رسمية قدمها فريق محامي ماسك إلى لجنة الأوراق المالية والبورصة الأميركية، طلب ماسك رسمياً لغاء استحواذه على «تويتر» لقاء 44 مليار دولار، بسبب ما وصف بأنه «انتهاك مادي لمواد اتفاق الاستحواذ». ووفقاً للمذكرة، التي تداولت تفاصيلها وسائل الإعلام الأميركية، فإن «تويتر قدّم معلومات مضلّلة اعتمد عليها ماسك عند دخوله في الصفقة»، ولم يزوده أو مستشاريه بالبيانات المطلوبة لإجراء تقييم دقيق حول عدد الحسابات المزيفة على المنصة مع أن بنود اتفاقية الاستحواذ تنص على ذلك، و«لكن على مدار شهرين لم يحصل ماسك على المعلومات المطلوبة، وهو ما يعد انتهاكاً لشروط الاتفاق»، بحسب المذكرة.
فور إعلان ماسك إلغاء اتفاق الاستحواذ تراجع سعر سهم «تويتر» بنسبة 6 في المائة ليستقر عند 36.81 دولار مساء الجمعة، وسط توقعات بأن يستمر التراجع مع فتح باب التعاملات على السهم اليوم الاثنين، ليتواصل تهاوي الشركة منذ إعلان صفقة الاستحواذ في أبريل (نيسان) الماضي، إذ كان سعر السهم يبلغ 54.20 دولار، وهو السعر الذي اتفق عليه خلال عرض شراء ماسك للمنصة بقيمة 44 مليار دولار أميركي.
صحيفة الـ«واشنطن بوست» الأميركية، نقلت عن دان إيفس، مدير وكبير باحثي القطاع التقني في شركة ويدبوش سيكيورتي، أن «قرار ماسك يضع المنصة أمام أسوأ السيناريوهات... إذ إنه يجعل (تويتر) أشبه ببضاعة تالفة للمستثمرين»، وتوقع «استمرار تراجع أسهمها ليتراوح سعر السهم ما بين 25 إلى 30 دولاراً».
من ناحية أخرى، يثير إعلان التراجع عن الصفقة تساؤلات حول مدى صدق نوايا ماسك أساساً، وهل كان حقاً يريد الاستحواذ على «تويتر»... أم أنه كان يسعى لمزيد من الدعاية والشهرة. وهذا هو التساؤل الذي يطرحه بيل جورج، الأستاذ في معهد إدارة العمال بجامعة هارفارد. إذ قال جورج في تصريح لـ«الشرق الأوسط» معلقاً على ما حصل: «أعتقد أن ماسك كان يبحث عن مزيد من الدعاية والشهرة من خلال الصفقة، وزيادة ترديد اسمه في وسائل الإعلام... لقد وقع في فخ التملق والرغبة في إثارة الجدل حول تصريحاته الصاخبة، وهو يستمتع بذلك».
في هذه الأثناء، رغم الجدل الدائر حول إنهاء الصفقة، تجنّب رجل الأعمال الملياردير التعليق. فإن وكالة رويترز نقلت عن مصدرين حضرا مؤتمر سيليكون فالي السنوي أن «ماسك تجنب مناقشة صفقة (تويتر) المنهارة، واكتفى بتكرار مزاعم تتعلق بالحسابات المزيفة على منصة التواصل الاجتماعي»، وأشارا إلى أن الرجل «ركّز حديثه على كوكب المريخ، ومزايا زيادة معدلات المواليد، وقال إنه يسعى لإنشاء حضارة على المريخ». وفعلاً، بمراجعة حساب ماسك على «تويتر»، الذي اعتاد أن يكون ساحة رئيسية للإعلان عن الصفقة، يلفت الانتباه تجاهل ماسك التام لأخبار إلغاء الصفقة، وتركيزه على تغريدات عن معدل المواليد في الولايات المتحدة وأخبار عن شركتي «تيسلا» و«سبيس إكس».
على الجانب الآخر سارع بريت تايلور، رئيس مجلس إدارة «تويتر»، للرد على إلغاء ماسك الصفقة، وكتب تغريدة على حسابه الشخصي، قال فيها إن «مجلس الإدارة ملتزم بإتمام الصفقة وفقاً للشروط والمبلغ الذي سبق الاتفاق عليه مع ماسك، والمجلس مستعد لاتخاذ الإجراءات القانونية، أمام محكمة ديلاور». وللعلم، بموجب الاتفاق، على ماسك أن يدفع غرامة تبلغ قيمتها مليار دولار في حال إلغاء الصفقة، ولذا يرى خبراء أن قرار ماسك يمهد المسرح لمعركة قانونية تحمل مخاطر مالية لمنصة التواصل الاجتماعي وتزيد من تراجع معنويات موظفيها، وتخلق مزيداً من الفوضى حول المنصة بعد شهور من الجدل العام، أثرت على سمعتها وعلى معنويات موظفيها. وأيضاً، يرى جورج أن ماسك «يضع نفسه أمام مخاطرة قانونية كبيرة»، وأردف أنه «غير متأكد ما إذا كان الحديث عن الحسابات المزيّفة يُعد مبرّراً قانونياً لإلغاء الصفقة، فهذه مسألة قانونية ستحددها المحكمة وفقاً للحقائق وتحليل البيانات».
في أي حال، يتخوف مراقبون من تأثير الوضع الحالي على العاملين في «تويتر»، خاصة أن الشركة كانت جمّدت التعيينات فور إعلان الاستحواذ، وألغت بعض الوظائف التنفيذية استعداداً لإتمام الصفقة. وتقول صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، إن «(تويتر) على أعتاب معركة قانونية طويلة وقبيحة، وإتمام الصفقة أمر ذو أهمية قصوى بالنسبة للمنصة، التي تعاني منذ سنوات من أوضاع غير مستقرة مالياً، فلا يوجد مشترٍ محتمل للمنصة». ونقلت الصحيفة عن آن ليبتون، الأستاذة بكلية حقوق جامعة تيولاين، أن «الحسابات المزيفة تعد دليلاً قانونياً ضعيفاً لإلغاء الصفقة، لكن إذا أجبر ماسك على إتمام الصفقة، فإن مذكرة من هذا النوع قد تمكّنه من خفض السعر».
بدوره يعتقد أنس بنضريف، الصحافي المغربي المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، أن «الحديث عن إلغاء صفقات من هذا النوع واللجوء إلى القضاء، ليس أمراً جديداً، إذ سبق أن وصلت صفقات مماثلة للمحكمة، كان آخرها صفقة استحواذ على شركة فرنسية». وتابع في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «التبعات القانونية في العقد بين ماسك و(تويتر) تفرض على ماسك دفع مليار دولار غرامة حال اتفاق الطرفين على إلغاء الصفقة، وهذا لا ينطبق على الوضع الحالي، حيث ألغى ماسك الاتفاق من طرف واحد». ويعتقد بنضريف أن نتائج المعركة القانونية بين ماسك و«تويتر» متوقع صدورها خلال ست أو سبعة أشهر.
بالمناسبة، تستخدم بعض الشركات أسلوب التهديد بالانسحاب من الصفقات كوسيلة للتفاوض على السعر. وتفيد الـ«نيويورك تايمز» كمثال أن ذروة جائحة «كوفيد - 19» رفعت مجموعة لوي فيتون الفرنسية دعوة قضائية للتراجع عن الاستحواذ على شركة تيفاني، وفي النهاية اتفق الطرفان على إتمام الصفقة بعد تخفيض قيمتها بنحو420 مليون دولار.
والواقع أن الحديث عن إلغاء الصفقة أم لا بالشكل المتفق عليه، يعود إلى شهر مايو (أيار) الماضي، عندما شارك ماسك على حسابه الشخصي على «تويتر»، تقريراً يتحدث عن الحسابات المزيفة على المنصة، مصحوباً بتعليق أكد فيه أن «الصفقة معلقة مؤقتاً لحين التأكد من أن نسبة الحسابات المزيفة لا تتجاوز 5 في المائة»، وهو ما تسبب في تراجع أسهم «تويتر» بنسبة 10 في المائة، في حينها، وبعد ساعات غرد ماسك مرة ثانية مؤكداً «التزامه بإتمام الصفقة».
وفي مواجهة تغريدة التشكيك السابق، ردّ رئيس مجلس إدارة «تويتر»، حينئذٍ بقوله: «ونحن أيضاً ملتزمون بإتمام الاتفاق»، كما قال باراغ أغراوال الرئيس التنفيذي لـ«تويتر»، في سلسلة تغريدات، في مساء نفس اليوم رداً على التساؤلات التي صاحبت مغادرة اثنين من كبار مسؤولي «تويتر» التنفيذيين، وتعليق جميع التعيينات غير الضرورية، إنه «بينما أتوقع إتمام الصفقة، يجب أن نكون مستعدين لجميع السيناريوهات ونفعل ما هو مناسب لتويتر».
اليوم، يرى خبراء أن «تويتر» هو الخاسر الأكبر مما يحدث، ليس مالياً فقط بتراجع أسهمه في البورصة أو بتأثر معنويات موظفيه، بل أيضاً بدخوله في معركة قانونية ستجبره على الإفصاح عن كثير من التفاصيل حول طريقة عمله. ويقول بنضريف إن «تويتر هو الخاسر الأكبر، حيث يستمر سعر سهمه في التراجع، في حين تقفر أسعار أسهم منافسيه شركتي ميتا وغوغل»، مشيراً إلى أننا «أمام سيناريوهين في المحكمة، الأول أن يعيد الطرفان النظر في الاتفاق وحجمه، ويسيران إلى اتفاق مباشر، أو أن تحكم المحكمة لصالح (تويتر) بإتمام الصفقة، إلا إذا كان لدى ماسك دليل على أن (تويتر) أخفت عنه معلومات، أو منحته معلومات خاطئة».


أميركا إعلام تويتر

اختيارات المحرر

فيديو