«الجلبان»... محصول فرعوني يسعى العلماء إلى إعادة إحيائه

حبوب الجلبان في المتحف المصري بالتحرير (د.علاء حموية)
حبوب الجلبان في المتحف المصري بالتحرير (د.علاء حموية)
TT

«الجلبان»... محصول فرعوني يسعى العلماء إلى إعادة إحيائه

حبوب الجلبان في المتحف المصري بالتحرير (د.علاء حموية)
حبوب الجلبان في المتحف المصري بالتحرير (د.علاء حموية)

بينما كان علاء حموية، الممثل الإقليمي للمركز الدولي للبحوث في المناطق الجافة والقاحلة (إيكاردا)، يتجول قبل عدة أشهر، بين مقتنيات المتحف المصري في القاهرة، استوقفته إحدى «الفاترينات» التي كانت تحوي خلفها حبوباً غذائية كان يستهلكها المصري القديم.
لم يستغرق تأمل حموية للحبوب سوى لحظات، وكاد يطير فرحاً بهذا الاكتشاف، لأن هذه الحبوب التي يقف أمامها ما هي إلا حبوب نبات الجلبان، الذي يجري عليه «إيكاردا» منذ سنوات، مزيداً من الأبحاث لتخليصه من أحد أهم عيوبه، وهو حمض أميني سام للأعصاب (B - ODAP) يوجد في بذوره، وهي المشكلة التي تحول دون انتشاره بالشكل الذي يستحقه، كأحد النباتات «الذكية مناخياً».
ويمكن أن يؤدي التأثير التراكمي لاستهلاك أي نوع من البقوليات كمصدر أساسي للبروتين إلى مشاكل صحية، وفي حالة الجلبان، يمكن أن يسبب ذلك «اللثريات»، وهو مرض تنكس عصبي، لاحتواء بذوره على حمض أميني سام للأعصاب (B - ODAP).
ويقول حموية: «نجحت أبحاثنا في تخليص النبات من الجين المسبب لهذه المشكلة، وبذلك نكون قد تخلصنا من أبرز عيوبه، التي لم تمنع المصري القديم من استهلاكه، وكذلك شعوباً أخرى في وسط وغرب آسيا وأميركا اللاتينية، التي لا تزال تستهلكه إلى الآن».
وبخلاف هذه المشكلة التي نجح مركز «إيكاردا» في علاجها، يوضح حموية، أن «الجلبان، الذي يعرف أيضاً باسم (البازلاء العشبية)، يحمل العديد من المزايا، فهو من النباتات (الذكية مناخياً)، التي يمكنها تحمل الجفاف، ويمكن زراعته تحت الحد الأدنى من المدخلات الخارجية المطلوبة من مياه وخدمة زراعية، فضلاً عن أنه محصول متعدد الأغراض، إذ يمكن استخدام حبوبه كغذاء، والاستفادة من أوراقه كأعلاف، كما أن زراعته تحسن من خصوبة التربة من خلال مساهمتها في زيادة محتواها من النيتروجين». ويضيف: «وفقاً لهذه المزايا، وبعد أن تخلصنا من أحد أبرز عيوب هذا النبات، فإننا نسعى للتوعية بزراعته في المناطق التي لا يمكن فيها زراعة المحاصيل الحقلية الأخرى، بسبب انخفاض جودة التربة وندرة المياه، مما يوفر فرصة مناسبة للزراعة المستدامة، والأمن الغذائي للمزارعين والمستهلكين الذين يفتقرون إلى الموارد».
ويعود حموية إلى مشهد الحبوب التي شاهدها في المتحف المصري بالتحرير، ليقول: «بما أن مصر لديها تاريخ في استخدام هذا النبات، فقد آن أوان إعادة استغلاله وزراعته ضمن مشروع المليون ونصف فدان، لا سيما أن احتياجات النبات المائية محدودة للغاية». ويؤكد علي أبو سبع، المدير العام لمركز «إيكاردا»، أن المشكلة التي نجحوا في علاجها، كان يمكن أن تعوق جهود إعادة إحياء أهمية هذا النبات في مصر وغيرها من الدول، وقال في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»: «الأفضل دوماً، هو الوضوح في مثل هذه الموضوعات، بالقول بأنه كانت هناك مشكلة وحُلت، لا سيما أن هناك من كان يرى أن الأمر ليس بالخطورة التي يروج لها».
ويرى فريق من العلماء أن الحديث عن سمية النبات تحيط به مبالغات، مؤكدين أنه غير ضار كجزء من نظام غذائي عادي، وفي المقابل فهو مصدر غني بالعديد من العناصر الغذائية، ويستخدم على سبيل المثال في الخبز الهندي الخالي من الخميرة.
وإضافة لكل ذلك، فقد لا تمنحنا التغيرات المناخية «رفاهية الاختيار»، ويقول أبو سبع: «ربما سيكون مفتاح المستقبل في أكل ما نستطيع زراعته، والتخلي عما نحب أن نأكله واعتدنا عليه، فإذا لم يكن هناك إمكانية في المستقبل لزراعة الأصناف التي اعتدنا عليها، فيجب أن نعود أنفسنا على الجلبان وغيره من البدائل، لا سيما أنه من النباتات الذكية مناخياً، والتي يمكن أن تنمو في ظروف الجفاف وبأقل قدر من المياه».


مقالات ذات صلة

مصر تستعيد مجموعة قطع أثرية من آيرلندا

شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (يمين) يصافح رئيس الحكومة الآيرلندية سيمون هاريس خلال زيارة إلى دبلن (أ.ف.ب)

مصر تستعيد مجموعة قطع أثرية من آيرلندا

أعلنت وزارة الخارجية المصرية استعادة مجموعة من القطع الأثرية من آيرلندا، وذلك عقب الزيارة التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة الآيرلندية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي رئيس الوزراء المصري يستعرض إجراءات تخطيط المنطقة المحيطة بالأهرامات والمتحف المصري الكبير

رئيس الوزراء المصري يستعرض إجراءات تخطيط المنطقة المحيطة بالأهرامات والمتحف المصري الكبير

عقد الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء المصري اجتماعاً، الأحد، لاستعراض إجراءات الطرح العالمي لتخطيط المنطقة المحيطة بالأهرامات والمتحف المصري الكبير.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق إناء شرب على شكل رأس بيس من واحة الفيوم في مصر يعود إلى العصر البطلمي - الروماني (القرن الرابع قبل الميلاد - القرن الثالث الميلادي)... (جامعة جنوب فلوريدا)

كوكتيلات مخدرة وطقوس سحرية: كشف أسرار أكواب المصريين القدماء

كشف الباحثون عن استخدام أكواب خاصة لتقديم مزيج من العقاقير المخدرة، والسوائل الجسدية، والكحول.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مشهد من جامع بيبرس الخياط الأثري في القاهرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

بعد 5 قرون على إنشائه... تسجيل جامع بيبرس الخياط القاهري بقوائم الآثار الإسلامية

بعد مرور نحو 5 قرون على إنشائه، تحوَّل جامع بيبرس الخياط في القاهرة أثراً إسلامياً بموجب قرار وزاري أصدره وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
يوميات الشرق كلب ضال أمام هرم خوفو في منطقة أهرامات الجيزة (أ.ف.ب)

بفضل «أبولو»... «كلاب الأهرامات» تجذب السياح وتنشِّط المبيعات

مقطع مصور غير اعتيادي لكلب يتسلق الهرم يجذب الزوار والسائحين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

ملاهي سوريا وحاناتها تعيد فتح أبوابها بحذر بعد انتصار فصائل المعارضة

سوري يصب شراباً محلياً في سوق باب توما بدمشق (رويترز)
سوري يصب شراباً محلياً في سوق باب توما بدمشق (رويترز)
TT

ملاهي سوريا وحاناتها تعيد فتح أبوابها بحذر بعد انتصار فصائل المعارضة

سوري يصب شراباً محلياً في سوق باب توما بدمشق (رويترز)
سوري يصب شراباً محلياً في سوق باب توما بدمشق (رويترز)

احتفل سكان دمشق بسقوط نظام بشار الأسد بعد حرب وحشية استمرت 13 عاماً، لكن أصحاب أماكن السهر في المدينة اعتراهم القلق وهم يعيدون فتح أبواب حاناتهم وملاهيهم.

فقد قادت «هيئة تحرير الشام» فصائل المعارضة التي أطاحت بنظام الأسد، وكانت هناك خشية لدى بعض الناس من أن تمنع الهيئة شرب الكحول.

ظلت حانات دمشق ومحلات بيع الخمور فيها مغلقة لأربعة أيام بعد دخول مقاتلي «هيئة تحرير الشام» المدينة، دون فرضهم أي إجراءات صارمة، والآن أعيد فتح هذه الأماكن مؤقتاً.

ما يريده صافي، صاحب «بابا بار» في أزقة المدينة القديمة، من الجميع أن يهدأوا ويستمتعوا بموسم عيد الميلاد الذي يشهد إقبالاً عادة.

مخاوف بسبب وسائل التواصل

وفي حديث مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في حانته، اشتكى صافي، الذي لم يذكر اسم عائلته حتى لا يكشف عن انتمائه الطائفي، من حالة الذعر التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي.

فبعدما انتشرت شائعات أن المسلحين المسيطرين على الحي يعتزمون شن حملة على الحانات، توجه إلى مركز الشرطة الذي بات في أيدي الفصائل في ساحة باب توما.

وقال صافي بينما كان يقف وخلفه زجاجات الخمور: «أخبرتهم أنني أملك حانة وأود أن أقيم حفلاً أقدم فيه مشروبات كحولية».

وأضاف أنهم أجابوه: «افتحوا المكان، لا مشكلة. لديكم الحق أن تعملوا وتعيشوا حياتكم الطبيعية كما كانت من قبل»، فيما كانت الموسيقى تصدح في المكان.

ولم تصدر الحكومة، التي تقودها «هيئة تحرير الشام» أي بيان رسمي بشأن الكحول، وقد أغلق العديد من الأشخاص حاناتهم ومطاعمهم بعد سقوط العاصمة.

لكن الحكومة الجديدة أكدت أيضاً أنها إدارة مؤقتة وستكون متسامحة مع كل الفئات الاجتماعية والدينية في سوريا.

وقال مصدر في «هيئة تحرير الشام»، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طلب عدم كشف هويته، إن «الحديث عن منع الكحول غير صحيح». وبعد الإلحاح عليه بالسؤال شعر بالغضب، مشدداً على أن الحكومة لديها «قضايا أكبر للتعامل معها».

وأعيد فتح «بابا بار» وعدد قليل من الحانات القريبة، لكن العمل محدود ويأمل صافي من الحكومة أن تطمئنهم ببيان يكون أكثر وضوحاً وقوة إلى أنهم آمنون.

في ليلة إعادة الافتتاح، أقام حفلة حتى وقت متأخر حضرها نحو 20 شخصاً، ولكن في الليلة الثانية كانت الأمور أكثر هدوءاً.

وقال إن «الأشخاص الذين حضروا كانوا في حالة من الخوف، كانوا يسهرون لكنهم في الوقت نفسه لم يكونوا سعداء».

وأضاف: «ولكن إذا كانت هناك تطمينات (...) ستجد الجميع قد فتحوا ويقيمون حفلات والناس مسرورون، لأننا الآن في شهر عيد الميلاد، شهر الاحتفالات».

وفي سوريا أقلية مسيحية كبيرة تحتفل بعيد الميلاد، مع تعليق الزينات في دمشق.

في مطعم العلية القريب، كان أحد المغنين يقدم عرضاً بينما يستمتع الحاضرون بأطباق من المقبلات والعرق والبيرة.

لم تكن القاعة ممتلئة، لكن الدكتور محسن أحمد، صاحب الشخصية المرحة والأنيقة، كان مصمماً على قضاء وقت ممتع.

وقال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كنا نتوقع فوضى عارمة في الموقف»، فيما كانت الأضواء تنعكس على ديكورات المطعم، مضيفاً: «لكننا عدنا سريعاً إلى حياتنا، حياتنا الليلية، وحقوقنا».

حفلة مع مغنٍ

وقال مدير المطعم يزن شلش إن مقاتلي «هيئة تحرير الشام» حضروا في ليلة إعادة الافتتاح ولم يغلقوا المكان.

وأضاف: «بدأنا العمل أمس. كانت الأمور جيدة جداً. كانت هناك حفلة مع مغنٍ. بدأ الناس بالتوافد، وفي وسط الحفلة حضر عناصر من (هيئة تحرير الشام)»، وأشار إلى أنهم «دخلوا بكل أدب واحترام وتركوا أسلحتهم في الخارج».

وبدلاً من مداهمة المكان، كانت عناصر الهيئة حريصين على طمأنة الجميع أن العمل يمكن أن يستمر.

وتابع: «قالوا للناس: لم نأتِ إلى هنا لنخيف أو نرهب أحداً. جئنا إلى هنا للعيش معاً في سوريا بسلام وحرية كنا ننتظرهما منذ فترة طويلة».

وتابع شلش: «عاملونا بشكل حسن البارحة، نحن حالياً مرتاحون مبدئياً لكنني أخشى أن يكون هذا الأمر آنياً ولا يستمر».

ستمارس الحكومة الانتقالية الجديدة في سوريا بقيادة «هيئة تحرير الشام» عملها حتى الأول من مارس (آذار). بعد ذلك، لا يعرف أصحاب الحانات ماذا يتوقعون.