ليبيا.. لغز تمدد «داعش»

التهم مدنًا وبلدات {بتواطئ إخواني} .. وعينه على مثلث النفط

ليبيا.. لغز تمدد «داعش»
TT

ليبيا.. لغز تمدد «داعش»

ليبيا.. لغز تمدد «داعش»

هي خطة مُحكمة من جانب تحالفات المتطرفين، لإطالة أمد الأزمة الليبية وتشتيت الجيش، وصولا إلى نهاية المدة القانونية للبرلمان الشرعي التي يمكن أن تكون في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. خلال الأيام الأخيرة أخذ تنظيم داعش يتمدد وينتشر ويستعد للسيطرة على الهلال النفطي الليبي الواقع بين سرت وبنغازي بطول نحو 500 كيلومتر على البحر المتوسط. فجأة بدأت قوات من ميليشيات المتطرفين الأخرى تتسرب إلى طرابلس لتعزيز سيطرتها على العاصمة قبل دخول الجيش إليها.

الواقع على الأرض أكبر مما يمكن تصوره. حتى ما قاله رئيس الحكومة المؤقتة، عبد الله الثني، عن وجود أمر مريب وراء ملابسات انتشار «داعش» في سرت وما حولها هذا الأسبوع، لا يقارن بالمجريات الخطيرة، وفقا لإفادات من مصادر عسكرية. فقد بدأ الجيش الليبي يستغيث بالمجتمع الدولي لمساعدته في كبح جماح التمدد والانتشار لهذا التنظيم الدموي الذي أصبح يهدد باقتحام بلدة هراوة المجاورة لسرت، بالإضافة إلى هيمنته على منطقة النوفلية في اتجاه بنغازي.
وتقع كل هذه البلدات في منطقة الهلال النفطي. مصادر في القوات الجوية الليبية تقول لـ«الشرق الأوسط» إن الطائرات الحربية القليلة التي يملكها الجيش تتعامل بصعوبة مع مقاتلي التنظيم، ورغم تمكنها من رصد تجمعاته على مشارف عدة بلدات ليبية، فإن مسألة توجيه ضربات له أمر ما زال صعب المنال. في درنة لم يتمكن الجيش من دخول المدينة رغم حصاره لها منذ أكثر من ستة أشهر. يقول أحد شيوخ القبائل في «هراوة»: «ربما لن يسمع أحد عن بلدتنا إلا بعد أن يرتكب داعش مجازر فيها.. سبق وفرَّ إلى هنا عدة مئات من العمال العرب الذين كانوا في مدينة سرت، خوفا من بطش التنظيم. نخشى ارتكاب داعش لمذابح بحق هؤلاء العمال وغالبيتهم من المصريين».
على الجانب الآخر تسعى قبائل ليبية إلى رفع الغطاء الاجتماعي عن أبنائها المتورطين في القتال مع التنظيمات المتطرفة، بما فيها «داعش». ويحذّر الدكتور صلاح الدين عبد الكريم، المستشار في الجيش الليبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من خطورة التطورات التي تشهدها البلاد خلال الفترة الأخيرة، بعد أن تمكن «داعش» من إتمام سيطرته على سرت، والنوفلية، وهي مناطق رئيسية للنفط الليبي، وتقع إلى الغرب من مدينة بنغازي.
الدكتور عبد الكريم يتهم مقاتلي مصراتة، أو ما يعرف بقوات «فجر ليبيا» التي تديرها جماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة، بالتنسيق مع تنظيم داعش، لكي يحتل هذا التنظيم المناطق التي تقوم قوات فجر ليبيا بإخلائها، من أجل تشتيت جهود الجيش وفتح أكثر من جبهة أمامه سعيا لإرهاقه بعد أن تمكن من تحقيق إنجازات على الأرض في الشهور الماضية.
يضيف مستشار الجيش أن قوات مصراتة (فجر ليبيا) تريد تركيز وجودها في طرابلس لمواجهة القوات المسلحة الليبية التي تستعد لتحرير العاصمة من المتطرفين والميليشيات المسلحة، ولهذا تقوم بإخلاء المواقع التي كانت تحتلها في سرت والهلال النفطي، وتسليمها لقوات «داعش»، مشيرا إلى أنه جرى رصد أرتال لميليشيات مصراتة في الأيام الأخيرة وهي «تتسرب ساعة بعد ساعة إلى العاصمة طرابلس، فرادى، حتى لا يكتشفها الجيش وحتى لا تتعرض لقصف من القوات العسكرية».
قوات فجر ليبيا تقوم أيضا - وفقا لعبد الكريم - بتعزيز مواقعها في مصراتة لمواجهة التقدم الذي أحرزه الجيش الوطني في الأسابيع الماضية، لكنه أوضح أن التطور الخطير هو قيام قوات مصراتة بترك الساحة في سرت وما حولها لـ«داعش» الذي يسعى بدوره للسيطرة على النفط، ويقول: «لا بد من تعزيز التحالف الإقليمي لمساعدة الجيش. لو وصل تنظيم داعش لمنابع النفط ستكون كارثة. لا بد من تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك لإنقاذ ليبيا من التنظيمات المتطرفة».
وجود «داعش» في ليبيا يتركز في ثلاث مناطق هي درنة وسرت في الشرق، وصبراتة القريبة من الحدود الليبية التونسية من ناحية الغرب، ومحيط مدينة سبها في الجنوب. وينخرط في هذا التنظيم مقاتلون عرب وأجانب، وارتكب خلال الشهور الماضية مذابح ضد عمال مصريين وأفارقة، ويحظى بغطاء من جانب عدة تنظيمات متطرفة أخرى بما فيها جماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة، وهي تنظيمات تقول عنها السلطات الليبية إنها تغض الطرف عن تحركات «داعش» وتسهل وصول الأسلحة والمقاتلين إليه عبر الممرات التي تهيمن عليها سواء الممرات البرية عبر الصحراء أو الموانئ البحرية، إلى جانب ثلاثة مطارات على الأقل موجودة قرب طرابلس وفي مصراتة وفي تمنهد في الجنوب.
ومنذ مطلع هذا العام اضطر مئات المقاتلين الدواعش خاصة الأجانب للهروب من درنة بسبب حصار الجيش لهذه المدينة منذ عدة أشهر، واشتراك هؤلاء المقاتلين في مواجهة ضد الجيش في بنغازي والفرار إلى مناطق سرت والنوفلية إلى الغرب من بنغازي.
يقول الشيخ القبلي، عبد الناصر العبيدي، أحد قيادات لجنة المصالحة الليبية، والذي يقيم على مشارف درنة، في رده على أسئلة: «الشرق الأوسط» بشأن «داعش» إن «الدواعش جزء من الليبيين.. هم مجموعة من الشباب يتبنون مثل هذا الفكر، وليسوا جميعهم من خارج البلاد كما تقول بعض وسائل الإعلام. أنا أسكن في مدينة القبة القريبة من درنة وليس لي تعامل مع داعش. كل منا في حاله. لكن إذا جرى التوصل إلى مصالحة بين الليبيين فإن هذه التنظيمات المتطرفة ستختفي».
الشيخ العبيدي يشغل أيضا موقع «المنسق العام لمجلس حكماء مدينة القبة»، وهي مدينة شهدت تفجيرات بسيارات مفخخة على يد «داعش» خلال الفترة الأخيرة. وعما إذا كان تنظيم «داعش» يمثل قوة كبيرة في درنة على سبيل المثال، قال إنه «يوجد تهويل إعلامي كبير بهذا الخصوص.. الجيش قادر على سحقهم في لحظات في حال دخل إلى درنة، لكنه حتى الآن لم يقرر دخولها بسبب وجود سكان ومدنيين، ويكتفي بفرض حصار عليها».
وفيما يتعلق بما إذا كانت هناك صلة بين «داعش» في سرت و«داعش» في درنة، قال إن العلاقة المشتركة بينهما ربما لا تزيد عن اسم «داعش» فقط، لأن درنة محاصرة من كل الجهات على يد الجيش.. من الغرب والشرق. أحيانا يقوم «داعش» بعملية تفجير أو ما أشبه ذلك.
ووقعت هذه التطورات الخاصة بتمدد «داعش» وانتشاره في منطقة الهلال النفطي رغم الجهود التي يبذلها السيد برناردينو ليون، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، ومساعي دول الجوار للمصالحة بين أطراف النزاع في ليبيا. لكن الشيخ العبيدي، والكثير من زعماء القبائل الليبية ينظرون بتشكك لموقف المجتمع الدولي تجاه بلادهم.
يقول العبيدي عن السيطرة المفاجئة لـ«داعش» على سرت: «لا أعرف كيف أفسر الموضوع». لكنه يرى أن هناك خطوات يمكن اتباعها للتخلص من «داعش» في ليبيا ومن المتطرفين.. «هذا ممكن.. أولا الناس الذين جاءوا من الخارج والتحقوا بداعش ووجدوا من يحميهم، ويوفر لهم الغطاء للإقامة والتحرك.. نحن نسعى لرفع الغطاء الاجتماعي عمن يوفر الحماية لهؤلاء المتطرفين الأجانب».
ويوضح أنه توجد منذ فترة مشاورات قبلية عن أن كل من يثبت أنه يحمي «داعش» من أبناء القبائل لا بد من رفع الالتزام القبلي تجاهه، بحيث لا يتم المطالبة بدماء مثل هؤلاء أو الثأر لهم في حال تعرضهم للقتل. بهذا يمكن تحجيم «داعش» خاصة أن هذا التنظيم يعتمد على منح المقاتلين الذين يعملون معه أموالا.. «كلها أموال تأتي من الخارج. هناك أناس ضعفاء تجاه المادة، خاصة أولئك الذين تقل أعمارهم عن 20 سنة، ونعدهم أطفالا، وصبية.. أمام الأموال يمكن أن يقوموا بأي شيء».
وعن علاقة «داعش» بالقبائل الليبية، يرى الشيخ العبيدي، أن «داعش» لا يشكل أي شيء في وسط القبائل لأنه لم يتغلغل فيها.. «نحن نعد هذا التنظيم جسما غريبا وكل الناس ضده. بمجرد اجتماع الليبيين مع بعهم في مؤتمر أو اجتماع للمصالحة خال من أي أجندات خارجية، وهدفه الوطن، فهذا يمكن أن يؤدي للقضاء على داعش».
ويشير إلى أن آخر الإجراءات التي قامت بها لجنة الحكماء والمصالحة المحلية، هي الاتفاق على أنه لا بد أن تكون المصالحة من الداخل الليبي، وليس بعقد لقاءات في الخارج.. «الناس تقول ما حكَّ جسمك مثل ظفرك. لا نريد اجتماعات في الخارج تحيط بها الشكوك عن تمويلات ومصالح لا تهدف لتحقيق المصلحة الليبية».
وعن التطورات الجديدة يقول إن لجنة الحكماء والمصالحة تتواصل في الوقت الحالي مع كل القبائل بما فيها قبائل الغرب، و«الكل يمد يده للسلام والرغبة الحقيقية في التوصل للمصالحة بعد أن جرب الجميع ويلات الحرب.. كل واحد أخذ نصيبه من الحرب.. من قتل وتشريد وغيره. ولذلك الكل يسعى للخير والسلام». ويضيف أنه سيكون هناك اجتماع قريب في الغرب وبالتحديد في مدينة «جادو» في جبل نفوسة.. «سوف يشارك فيه جميع ممثلي القبائل الليبية، من دون استثناء».
وعن الطريقة التي ينظر بها لجهود السيد ليون، يقول الشيخ العبيدي إن هذه الجهود «فيها أشياء غير واضحة، ويتحدث مع الطرفين.. مع الجسم الشرعي والجسم غير الشرعي، وهناك من يفسر أن هذا الأمر وراءه أجندة خفية غير واضحة. نحن ضد الاجتماعات التي تعقد خارج ليبيا. نحن نريد حوارا في داخل ليبيا يحضره الجميع من أولياء الدم ومن المتضررين وغير المتضررين». ويوضح أنه «حين تكون اللقاءات في الخارج، فإن كل مجموعة تقوم بحشد من يسير معها في نفس الخط، بينما نحن أمام قضية وطن ومصير دولة».
مصادر في الجيش الليبي، رغم هذا، تكشف عن صعوبات تواجه القوات المسلحة في الحرب ضد المتطرفين والتي بدأت منذ منتصف العام الماضي، لعدة أسباب على رأسها استمرار الحظر الدولي على مد الجيش بالسلاح، واتساع مساحة الأراضي الليبية التي تحتاج إلى قدرات أكبر من العتاد لمطاردة المتطرفين الذين يتحركون في مجموعات بسيارات الدفع الرباعي عبر الدروب الصحراوية.
مستشار الجيش، الدكتور عبد الكريم، يكشف عن نوايا «داعش» للسيطرة على النفط للحصول على أموال للإنفاق على التنظيم المتطرف في ليبيا. يقول: الآن يمكن الحديث عن أنه أصبحت توجد خطورة كبيرة.. هؤلاء الدواعش سيتجهون للنفط الليبي. برميل البترول يبيعونه بـ25 دولارا في السوق السوداء. أحد أسباب انخفاض أسعار النفط في السوق الدولية هو «داعش» في العراق حيث يبيعه لشركات تركية، ويريدون تكرار التجربة في ليبيا، لأن بيع بترول ليبيا سيكون أسهل بكثير بالنسبة لهم، حيث لا تمر شحنات النفط عبر دول أخرى كما هو الحال في العراق، ولكن عبر البحر المتوسط مباشرة.
وعن إتمام «داعش» سيطرته على سرت التي بدأ نشاطه فيها منذ أواخر العام الماضي، يضيف عبد الكريم قائلا إن الأمر يتطور سريعا وإنه حان الوقت للاستعانة بقوات عربية مشتركة، لمساعدة الجيش الليبي في بسط سلطة الدولة على أراضيها. يتخوف الكثير من القادة الليبيين من وجود خطة للمتطرفين بمساعدة بعض الأطراف الإقليمية والدولية لتعطيل حسم الجيش لعملياته ضد الميليشيات المسلحة وصولا إلى شهر أكتوبر المقبل، وهو موعد انتهاء عمل البرلمان الحالي المعترف به دوليا، وهو البرلمان الداعم لحملة الجيش ضد المتطرفين والمنبثقة عنه حكومة السيد الثني. الثني نفسه اتهم قبل يومين قوات «فجر ليبيا» بتسليم مدينة سرت إلى «داعش»، ووصف ذلك بأنه «تواطؤ كبير جدا».
اتهامات الثني لفجر ليبيا التي يهيمن عليها قادة من جماعة الإخوان ومن مدينة مصراتة، تأتي رغم أن الكثير من القوات المحسوبة على المدينة، صاغت اتفاقات للتهدئة مع قبائل في محيط العاصمة طرابلس منذ مطلع الشهر الماضي.
المستشار عبد الكريم، من جانبه، يرى أن الهدف من اتفاقات مصراتة هو كسب الوقت.. «قاموا بالإفراج عن بعض الأسرى لإرضاء بعض العائلات. هذه محاولة لكسب الوقت للوصول إلى يوم 21 أكتوبر 2015، وهو اليوم الذي يروجون له على أنه نهاية المدة القانونية للبرلمان، رغم أن الإعلان الدستوري يقول إنه لا بد أن يسلم البرلمان سلطته إلى مجلس منتخب آخر».
يتابع موضحا أن قوات فجر ليبيا وقادة من مصراتة والإخوان، بدأوا يتحدثون عن قرب انتهاء مدة البرلمان الحالي رغم أنه لا يوجد تاريخ محدد لنهاية عمله. ويضيف: الآن السيد ليون، وفجر ليبيا، يريدون الوصول إلى هذه النتيجة. ويشير إلى أن المجتمع الدولي الذي يرفض تسليح الجيش الوطني يغض الطرف عن الطيران الذي يأتي بمدد للإرهابيين في ليبيا، من تركيا إلى مطار مصراتة.. «ويغض الطرف أيضا عن المراكب التي تحمل الإرهابيين والإمدادات للمتطرفين، وهو يرى هذه المراكب وهي تأتي من تركيا للسواحل الليبية أمام أعين الأساطيل الغربية في البحر المتوسط».
من جانبه يوضح الشيخ محمد الشحومي، أمين سر اللجنة التحضيرية لملتقى القبائل الليبية، أن ثورة المصريين على حكم جماعة الإخوان، في 30 يونيو (حزيران) 2013. قلبت الموازين في المنطقة، خاصة في ليبيا، ويضيف أن «فشل المخطط الدولي لتمكين الإخوان من السلطة في مصر وليبيا، غيَّر الكثير من الاستراتيجيات»، مشيرا إلى أن الاستراتيجية الجديدة أصبحت تتلخص في أنه «لا بد من السيطرة على ليبيا من أجل العودة للسيطرة على مصر».
وسبق لمصر توجيه ضربات لمواقع لتنظيم «داعش» قرب مدينة درنة، كما أن لها علاقات تعاون رسمية مع السلطات الشرعية والجيش الوطني، لكن بعض القادة الليبيين يتحدثون عن الحاجة لمزيد من الدعم المصري للحرب على الإرهاب في بلادهم. يقول الشيخ الشحومي لـ«الشرق الأوسط»: «مصر هي القلب. من يسيطر على مصر يسيطر على المنطقة كلها. في الحقيقة ما يحدث في ليبيا من صراع هو من أجل السيطرة على مصر، والليبيون يخوضون الآن قتالا من أجل مصر».
وللشيخ الشحومي نظرة مختلفة فيما يتعلق بالاتفاقات التي عقدتها ميليشيات محسوبة على مصراتة خلال الأسابيع الماضية. فبينما يرى البعض، مثل الدكتور عبد الكريم، أنها محاولة لكسب الوقت، يقول الشحومي إن هذه الاتفاقات بين مصراتة وبعض القبائل في الغرب تعكس درجة من الوعي لتصحيح المسار، مشيرا إلى أن قوات مثل كتيبة «الحلبوص» و«حطين» و«المجدوب»، إضافة إلى مجلس بلدية مصراتة المنتخب، أصدرت بيانات تحمل توجهات عن رغبتها في الخروج من تحت عباءة الإخوان المسلمين.
وأعطت بوادر حسن نية من جانب مصراتة بعض الأمل في إمكانية التوصل إلى مصالحة وطنية شاملة يمكنها تعضيد الجيش في حربه ضد «داعش» والمتطرفين الذين يصرون على مواصلة حمل السلاح والهجوم على رموز السلطات الشرعية. ويقوم عدد من وجهاء مصراتة منذ أيام بهدم منصات كانت منصوبة في شوارع المدينة، وتحرض ضد الجيش والبرلمان، ويسيطر عليها قادة من جماعة الإخوان، بالتزامن مع تراجع ميليشيات محسوبة على المدينة عن خوض المعارك ضد الجيش في المنطقة الغربية.
لكن الانسحاب المفاجئ لكتائب أخرى تابعة لمصراتة من سرت وما حولها، واتجاهها إلى طرابلس، أعاد الشكوك مرة ثانية في نوايا هذه الميليشيات. تبدو هذه الخطوة، وفقا لشهادات من قادة في الجيش وقادة من القبائل، نذير خطر. يقول أحد شيوخ بلدة «هرواة» التي تقع على البحر المتوسط على بعد نحو 65 كيلومترا إلى الشرق من مدينة سرت، في اتصال مع «الشرق الأوسط»: «الدواعش يحاصرون البلدة منذ أيام.. خاطبنا العمليات الجوية في الجيش لسرعة التدخل. الأمور خطيرة في المنطقة الوسطى».
بالإضافة إلى مسؤولي الجيش يشعر الكثير من قادة القبائل بالقلق من تعاطي المجتمع الدولي مع القضية الليبية وتمدد «داعش». من بين هؤلاء الشيخ عادل الفايدي، منسق مؤتمر القبائل الليبية. يقول في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» بهذا الخصوص إن تركيز الليبيين في الوقت الحالي ينصب على دعم البرلمان والجيش في هذه المرحلة الحرجة من أجل التخلص من «الإرهاب الأسود» الذي يضرب البلاد، مشيرا إلى قيام المتطرفين بأعمال وحشية من الابتزاز إلى الاختطاف وقطع الرؤوس.
وهو يتفق مع وجهة نظر الشيخ العبيدي بشأن رفع الغطاء الاجتماعي عن أي شخص يتعاون مع الميليشيات ومع «هذه التنظيمات الإرهابية والأجسام الغريبة». ورغم تأكيده على دعمه لها، إلا أنه يرى أن ما تقوم به السلطات الشرعية حتى الآن ما زال دون المستوى، خاصة فيما يتعلق بإيجاد حلول وفرص عمل للشباب الذين انخرطوا في تلك الميليشيات سواء بدمجهم في الجيش أو في الشرطة أو غيرهما. ويضيف أن استمرار الأحوال على ما هي عليه دون تقدم يجعل الأمور تمضي من سيئ إلى أسوأ.
وعن موقف دول الجوار من القضية الليبية، يعبّر الشيخ الفايدي عن تفاؤله بالاجتماعات التي عقدت حول مشكلة الإرهاب في ليبيا، منذ أواخر العام الماضي، لكنه يقول إنه، للأسف، لم ينتج عنها شيء ذو شأن. يقول: «لقد أثلج صدورنا ما نتج عن لقاء السادة وزراء خارجية دول الجوار الليبي، من مقررات، وبالأخص ما يتعلق بتجفيف منابع دعم الإرهاب في ليبيا، لكن للأسف لم يجففوا أي شيء، وربما تسببوا في زيادة هذه المنابع أكثر من السابق».



يون سوك ــ يول... رئيس كوريا الجنوبية أثار زوبعة دعت لعزله في تصويت برلماني

تحت ضغط الفضائح والخلافات انخفضت شعبية يون، وقبل أقل من شهر أظهر استطلاع للرأي أن شعبيته انخفضت إلى 19 % فقط
تحت ضغط الفضائح والخلافات انخفضت شعبية يون، وقبل أقل من شهر أظهر استطلاع للرأي أن شعبيته انخفضت إلى 19 % فقط
TT

يون سوك ــ يول... رئيس كوريا الجنوبية أثار زوبعة دعت لعزله في تصويت برلماني

تحت ضغط الفضائح والخلافات انخفضت شعبية يون، وقبل أقل من شهر أظهر استطلاع للرأي أن شعبيته انخفضت إلى 19 % فقط
تحت ضغط الفضائح والخلافات انخفضت شعبية يون، وقبل أقل من شهر أظهر استطلاع للرأي أن شعبيته انخفضت إلى 19 % فقط

تشهد كوريا الجنوبية، منذ نحو أسبوعين، تطورات متلاحقة لا تلوح لها نهاية حقيقية، شهدت اهتزاز موقع رئيس الجمهورية يون سوك - يول بعد إعلانه في بيان تلفزيوني فرض الأحكام العرفية، وتعليق الحكم المدني، وإرساله قوة عسكرية مدعومة بالهيلوكوبترات إلى البرلمان. ثم اضطراره للتراجع عن قراره في وجه معارضة عارمة. بيد أن تراجع الرئيس خلال ساعات قليلة من هذه المغامرة لم يزد المعارضة إلا إصراراً على إطاحته، في أزمة سياسية غير مسبوقة منذ التحوّل الديمقراطي في البلاد عام 1980 بعد فترة من الحكم التسلطي. ولقد تطوّرت الأوضاع خلال الأيام والساعات الأخيرة من الاحتجاجات في الشوارع إلى تصويت برلماني على عزل يون. وبعدما أقر البرلمان عزل الرئيس ردّ الأخير بتأكيد عزمه على المقاومة والبقاء... في أزمة مفتوحة لا تخلو من خطورة على تجربة البلاد الديمقراطية الطريّة العود.

دبلوماسي مخضرم خدم في كوريا الجنوبية قال، قبل بضعة أيام، معلقاً على الأزمة المتصاعدة: «إذا تم تمرير اقتراح العزل، يمكن وقف (الرئيس) يون (سوك - يول) عن مباشرة مهام منصبه لمدة تصل إلى 180 يوماً، بينما تنظر المحكمة الدستورية في القضية. وفي هذا (السيناريو)، يتولى رئيس الوزراء هان دوك سو منصب الرئيس المؤقت، وتُجرى انتخابات جديدة في غضون 60 يوماً».

وبالفعل، دعا هان دونغ - هون، زعيم حزب «قوة الشعب»، الحاكم، إلى تعليق سريع لسلطات الرئيس مستنداً - كما قال - إلى توافر «أدلة موثوقة» على أن يون سعى إلى اعتقال القادة السياسيين بعد إعلانه الأحكام العرفية الذي لم يدُم طويلاً. ومما أورده هان - الذي كان في وقت سابق معارضاً للمساعي الرامية إلى عزل يون - إن «الحقائق الناشئة حديثاً قلبت الموازين ضد يون، بالتالي، ومن أجل حماية كوريا الجنوبية وشعبنا، أعتقد أنه من الضروري منع الرئيس يون من ممارسة سلطاته رئيساً للجمهورية على الفور». وتابع زعيم الحزب الحاكم أن الرئيس لم يعترف بأن إعلانه فرض الأحكام العرفية إجراء غير قانوني وخاطئ، وكان ثمة «خطر كبير» من إمكانية اتخاذ قرار متطرف مماثل مرة أخرى إذا ظل في منصبه.

بالتوازي، ذكرت تقارير إعلامية كورية أن يون يخضع حالياً للتحقيق بتهمة الخيانة إلى جانب وزير الدفاع المستقيل كيم يونغ - هيون، (الذي ذُكر أنه حاول الانتحار)، ورئيس أركان الجيش الجنرال بارك آن - سو، ووزير الداخلية لي سانغ - مين. وحقاً، تمثل الدعوة التي وجهها هان، وهو وزير العدل وأحد أبرز منافسي يون في حزب «قوة الشعب»، تحولاً حاسماً في استجابة الحزب الحاكم للأزمة.

خلفية الأزمة

تولى يون سوك - يول منصبه كرجل دولة جديد على السلطة، واعداً بنهج عصري مختلف في حكم البلاد. إلا أنه في منتصف فترة ولايته الرئاسية الوحيدة التي تمتد لخمس سنوات، شهد حكمه احتكاكات شبه دائمة مع البرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة، وتهديدات «بالإبادة» من كوريا الشمالية، ناهيك من سلسلة من الفضائح التي اتهم وعائلته بالتورّط فيها.

وعندما حاول يون في خطابه التلفزيوني تبرير فرض الأحكام العرفية، قال: «أنا أعلن حالة الطوارئ من أجل حماية النظام الدستوري القائم على الحرية، وللقضاء على الجماعات المشينة المناصرة لنظام كوريا الشمالية، التي تسرق الحرية والسعادة من شعبنا»، في إشارة واضحة إلى الحزب الديمقراطي المعارض، مع أنه لم يقدم أي دليل على ادعائه.

إلا أن محللين سياسيين رأوا في الأيام الأخيرة أن الرئيس خطّط على الأرجح لإصدار مرسوم «الأحكام العرفية الخرقاء» أملاً بحرف انتباه الرأي العام بعيداً عن الفضائح المختلفة والإخفاق في معالجة العديد من القضايا المحلية. ولذا اعتبروا أن عليه ألا يطيل أمد حكمه الفاقد الشعبية، بل يبادر من تلقاء نفسه إلى الاستقالة من دون انتظار إجراءات العزل، ومن ثم، السماح للبلاد بانتخاب رئيس جديد.

بطاقة هوية

ولد يون سوك - يول، البالغ من العمر 64 سنة، عام 1960 في العاصمة سيول لعائلة من الأكاديميين اللامعين. إذ كان أبوه يون كي - جونغ أستاذاً للاقتصاد في جامعة يونساي، وأمه تشوي سيونغ - جا محاضرة في جامعة إيوها للنساء قبل زواجها. وحصل يون على شهادته الثانوية عام 1979، وكان يريد في الأصل أن يدرس الاقتصاد ليغدو أستاذاً، كأبيه، ولكن بناءً على نصيحة الأخير درس الحقوق، وحصل على شهادتي الإجازة ثم الماجستير في الحقوق من جامعة سيول الوطنية - التي هي إحدى «جامعات النخبة الثلاث» في كوريا مع جامعتي يونساي وكوريا - وأصبح مدّعياً عاماً بارزاً قاد حملة ناجحة لمكافحة الفساد لمدة 27 سنة.

ووفق وسائل الإعلام الكورية، كانت إحدى محطات حياته عندما كان طالب حقوق عندما لعب دور القاضي في محاكمة صورية للديكتاتور (آنذاك) تشون دو - هوان، الذي نفذ انقلاباً عسكرياً وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة. وفي أعقاب ذلك، اضطر يون إلى الفرار إلى الريف مع تمديد جيش تشون الأحكام العرفية ونشر القوات والمدرّعات في الجامعة.

بعدها، عاد يون إلى العاصمة، وصار في نهاية المطاف مدعياً عاماً، وواصل ترقيه الوظيفي ما يقرب من ثلاثة عقود، بانياً صورة له بأنه حازم وصارم لا يتسامح ولا يقدّم تنازلات.

مسيرته القانونية... ثم الرئاسة

قبل تولي يون سوك - يول رئاسة الجمهورية، كان رئيس مكتب الادعاء العام في المنطقة المركزية في سيول، وأتاح له ذلك محاكمة أسلافه من الرؤساء. إذ لعب دوراً فعالاً في إدانة الرئيسة السابقة بارك غيون - هاي التي أُدينت بسوء استخدام السلطة، وعُزلت وأودعت السجن عام 2016. كذلك، وجه الاتهام إلى مون جاي - إن، أحد كبار مساعدي خليفة الرئيسة بارك، في قضية احتيال ورشوة.

أما على الصعيد السياسي، فقد انخرط يون في السياسة الحزبية قبل سنة واحدة فقط من فوزه بالرئاسة، وذلك عندما كان حزب «قوة الشعب» المحافظ - وكان حزب المعارضة يومذاك - معجباً بما رأوه منه كمدّعٍ عام حاكم كبار الشخصيات، وأقنع يون، من ثم، ليصبح مرشح الحزب لمنصب رئاسة الجمهورية.

وفي الانتخابات الرئاسية عام 2022 تغلّب يون على منافسه الليبرالي لي جاي - ميونغ، مرشح الحزب الديمقراطي، بفارق ضئيل بلغ 0.76 في المائة... وهو أدنى فارق على الإطلاق في تاريخ الانتخابات في البلاد.

الواقع أن الحملة الانتخابية لعام 2022 كانت واحدةً من الحملات الانتخابية القاسية في تاريخ البلاد الحديث. إذ شبّه يون غريمه لي بـ«هتلر» و«موسوليني». ووصف حلفاء لي الديمقراطيون، يون، بأنه «وحش» و«ديكتاتور»، وسخروا من جراحة التجميل المزعومة لزوجته.

إضافة إلى ذلك، شنّ يون حملته الانتخابية بناء على إلغاء القيود المالية والموقف المناهض للمرأة. لكنه عندما وصل إلى السلطة، ألغى وزارة المساواة بين الجنسين والأسرة، قائلاً إنها «مجرد مقولة قديمة بأن النساء يُعاملن بشكل غير متساوٍ والرجال يُعاملون بشكل أفضل». وللعلم، تعد الفجوة في الأجور بين الجنسين في كوريا الجنوبية الأسوأ حالياً في أي بلد عضو في «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية».

أيضاً، أدى استخدام يون «الفيتو» تكراراً إلى ركود في العمل الحكومي، بينما أدت تهم الفساد الموجهة إلى زوجته لتفاقم السخط العام ضد حكومته.

تراجع شعبيته

بالتالي، تحت ضغط الفضائح والخلافات، انخفضت شعبية يون، وقبل أقل من شهر أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «غالوب كوريا» أن شعبيته انخفضت إلى 19 في المائة فقط. وتعد «كارثة» الأحكام العرفية الحلقة الأخيرة في سلسلة من الممارسات التي حددت رئاسة يون وأخطائها.

إذ ألقي باللوم على إدارة يون في التضخم الغذائي، وتباطؤ الاقتصاد، والتضييق المتزايد على حرية التعبير. وفي أواخر 2022، بعدما أسفر تدافع حشود في احتفال «الهالوين» (البربارة) في سيول عن سقوط 159 قتيلاً، تعرضت طريقة تعامل الحكومة مع المأساة لانتقادات واسعة.

زوجته في قلب مشاكله!

من جهة ثانية، كانت كيم كيون - هي، زوجة الرئيس منذ عام 2012، سبباً آخر للسخط والانتقادات في وسائل الإعلام الكورية الجنوبية. فقد اتهمت «السيدة الأولى» بالتهرب الضريبي، والحصول على عمولات لاستضافة معارض فنية عن طريق عملها. كذلك واجهت اتهامات بالانتحال الأدبي في أطروحتها لنيل درجة الدكتوراه وغيرها من الأعمال الأكاديمية.

لكن أكبر فضيحة على الإطلاق تورّطت فيها كيم، كانت قبولها عام 2023 هدية هي حقيبة يد بقيمة 1800 جنيه إسترليني سراً من قسيس، الأمر الذي أدى إلى مزاعم بالتصرف غير اللائق وإثارة الغضب العام، لكون الثمن تجاوز الحد الأقصى لما يمكن أن يقبله الساسة في كوريا الجنوبية وشركاؤهم قانونياً لهدية. لكن الرئيس يون ومؤيديه رفضوا هذه المزاعم وعدوها جزءاً من حملة تشويه سياسية.

أيضاً أثيرت تساؤلات حول العديد من القطع الثمينة من المجوهرات التي تملكها «السيدة الأولى»، والتي لم يعلَن عنها كجزء من الأصول الرئاسية الخاصة. وبالمناسبة، عندما فُتح التحقيق في الأمر قبل ست سنوات، كان زوجها رئيس النيابة العامة. أما عن حماته، تشوي يون - سون، فإنها أمضت بالفعل حكماً بالسجن لمدة سنة إثر إدانتها بتزوير وثائق مالية في صفقة عقارية.

يُضاف إلى كل ما سبق، تعرّض الرئيس يون لانتقادات تتعلق باستخدام «الفيتو» الرئاسي في قضايا منها رفض مشروع قانون يمهد الطريق لتحقيق خاص في التلاعب المزعوم بالأسهم من قبل زوجته كيم كيون - هي لصالح شركة «دويتشه موتورز». وأيضاً استخدام «الفيتو» ضد مشروع قانون يفوّض مستشاراً خاصاً بالتحقيق في مزاعم بأن مسؤولين عسكريين ومكتب الرئاسة قد تدخلوا في تحقيق داخلي يتعلق بوفاة جندي بمشاة البحرية الكورية عام 2023.

وهكذا، بعد سنتين ونصف السنة من أداء يون اليمين الدستورية عام 2022، وعلى أثر انتخابات رئاسية مثيرة للانقسام الشديد، انقلبت الأمور ضد الرئيس. وفي خضم ارتباك الأحداث السياسية وتزايد المخاوف الدولية يرزح اقتصاد كوريا الجنوبية تحت ضغوط مقلقة.

أمام هذا المشهد الغامض، تعيش «الحالة الديمقراطية» في كوريا الجنوبية أحد أهم التحديات التي تهددها منذ ظهورها في أواخر القرن العشرين.