وودي ألن قد يترك نيويورك إلى باريس

بعد سلسلة فضائح وخيبات أمل

وودي ألن
وودي ألن
TT

وودي ألن قد يترك نيويورك إلى باريس

وودي ألن
وودي ألن

ينتقل الممثل والمخرج وودي ألن، في منتصف شهر سبتمبر (أيلول) المقبل إلى باريس للمباشرة بتصوير فيلمه الجديد (والأول له منذ عامين) الذي لم يعلن بعد عن عنوانه. ألن عادة ما يترك العنوان عالقاً في الغيب إلى أسابيع قليلة قبل التصوير لكنه عادة، كذلك، ما ينتهي من فيلم ليبدأ فيلماً آخر بعده على الفور تقريباً.
المختلف هذه المرّة أشياء عدّة أولها أن المخرج الشهير عالمياً ومنذ عقود، لن يصوّر الفيلم في مدينته المفضلة نيويورك بل في باريس. وهو رغم أنه صوّر فيها فيلماً سابقاً هو «منتصف الليل في باريس» Midnight in Paris (سنة 2010) فإنه لم يصوّر فيلماً غير ناطق بالإنجليزية مطلقاً من قبل. هذه المرّة سيحقق فيلمه بالفرنسية وبممثلين وممثلات فرنسيين.
شيء آخر مختلف هنا هو أنه إذ أعلن ذلك رسمياً في مقال نشرته صحيفة «لا جورنال ديمونش» (Le Journal du Dimanche) قبل أيام قليلة، أوحى بأنه يفكّر بالبقاء في باريس لبعض الوقت حتى من بعد انتهاء العمل على الفيلم. بما أن مرحلة ما بعد التصوير تستمر، عادة، من شهرين إلى ثلاثة، فإن احتمال بقائه في باريس لفترة إضافية يعني أنه قد يمضي بقية السنة خارجها.
يقول للصحيفة إنه زار باريس عدّة مرّات بعد تصويره «منتصف الليل في باريس» وجال فيها: «أحتفظ بذكريات عزيزة هنا في باريس منذ أن صوّرت فيلمي السابق. زرتها مراراً واكتشفت أماكن سحرية فيها في كل مرّة».
وعن الفيلم الجديد قال: «السيناريو جاهز. قسم كبير من التمويل (وهو أميركي) متوفّر، وعدد كبير من الممثلين الفرنسيين تم الاتصال بهم للاشتراك في هذا العمل».
المختلف الآخر هو أن فيلمه الجديد سيحمل الرقم 50 مخرجاً. رحلة بدأها قبل 53 سنة بفيلم «خذ المال واهرب» (Take the Money and Run). وهو يرى أن فيلمه المقبل قد يكون آخر عمل يريد تحقيقه، بعد ذلك يفكر جدياً بالاعتزال، مما يؤكد أكثر أن بقاءه في باريس قد يلتقي مع هذا القرار، رغم أنه أكد مراراً بأنه ابن نيويورك ولن يتركها. آخر هذه التأكيدات وردت في حديثه مع الإعلامي بيرس مورغن على قناة CBS حيث قال إنه يحب أوروبا لكنه لم يفكر بالانتقال إليها رغم زياراته المتعددة لها والذي نجم عنها نحو تسعة أفلام صوّرها ما بين فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا.

مع دايان كيتون في «آني هول»

- صفر جاذبية
ما يقف وراء هذا القرار ليس واضحاً إلا عبر قراءات مستنتجة أولها أن ألن بلغ من الكبر عتياً، ولد قبل 86 سنة (مواليد 30 نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1935) وهو يشعر بأنه اكتفى من الأفلام والجهد الذي بذله فيها كاتباً ومنتجاً ومخرجاً وممثلاً.
في قراءة ثانية مستوحاة من حديثه مؤخراً مع الممثل أليك بولدوين يشعر ألن أن العمل في الأفلام اليوم يختلف، على نحو سلبي، مع ما كان عليه حتى وقت قريب: «عندما بدأت العمل في السينما كنت أقوم بحضور الفيلم في أنحاء الولايات المتحدة. كان العرض يستمر لأشهر دون انقطاع. الآن تحقق فيلماً فتجد أنه قد يبقى على الشاشة لأسبوعين أو أربعة، بعد ذلك سيتحوّل إلى الإنترنت. هذا ليس الأمر ذاته... ليس أمراً ممتعاً بالنسبة لي».
هذا الحديث نشره الممثل بولدوين على «إنستغرامه» الخاص (أكثر من مليوني متابع) في الثامن والعشرين من الشهر الماضي بعد مقدّمة أدان فيها قيام دار نشر أميركية بالانسحاب من اتفاق نشر كتاب ذكريات وضعه ألن تحت عنوان «صفر جاذبية» (Zero Gravity). بدوره كان الإعلامي مورغن هاجم فيها قرار حجب الكتاب الذي تم لأسباب لها علاقة بسلسلة فضائح جنسية أثارتها أولاً زوجة ألن السابقة ميا فارو التي اتهمته، في مطلع التسعينات، بالتحرش بابنتهما. القضية راوحت مكانها لعدة سنوات قبل أن يعترف ألن بأنه يحب ابنة ميا فارو (من زواج سابق) سوون - يي بريڤن: «أنا لست والدها ولست متبنيها. بالنسبة لها كنت بمثابة الأب وتحدّثنا كثيراً قبل أن نصبح زوجين».
هذا الاعتراف لم يخدمه مطلقاً، خصوصاً أن التهمة لم تكن الوحيدة، بل واحدة من قضايا عديدة واجهته قضائياً وإعلامياً تصدّى لها بالنفي وكثير منها لم يتم إثباته وبقي عالقاً.
في عام 2020 قام بتحقيق فيلم بعنوان «مهرجان رفكِن» (Rifkin‪›‬s Festival) توارى عن العروض بعد افتتاح مهرجان سان سابستيان به. شركة MPI الأميركية منحت ذلك الفيلم عرضاً موجزاً في الصالات الأميركية بعدما أعلنت شركة أمازون التي عرضت شراء الفيلم عن انسحابها من الصفقة بناءً على فيلم تسجيلي بثّته محطة HBO تناولت فيه فضائح ألن وقضاياه السابقة.‬
ما هو اعتقاد غالب أن وودي ألن ليس بريئاً من التهم التي وُجهت إليه. ربما لم يكن مذنباً فيها بالقدر الذي انتشر الحديث فيه، لكن ليس هناك دخان من دون نار والعديد من وسائل الإعلام صدّقت الأقوال التي أدلت بها ميا فارو وابنتها ديلان فارو وعاملت ألن كما عاملت هارفي ونستين ورومان بولانسكي قبله، مما أودى بالأول إلى السجن وبالثاني إلى الهرب من أميركا إلى باريس منذ السبعينات، حيث ما زال يعيش ويعمل في أوروبا.

مشهد من فيلمه الأخير «مهرجان رفكِن»

- حب وموت وكوميديا
أفلام ألن بحد ذاتها تشي بأفكار تلتقي وتلك التهم. شخصيات ألن، كما يكتبها ويصوّرها، غير أخلاقية ولا يدّعي المخرج أنه يريد الحكم لها أو عليها. لكن منواله وكثرة تناوله العلاقات الثنائية المبنية على أنه من الصعب الثبات على حب واحد، يوعز بأنه يؤمن بذلك فعلاً لدرجة أنه لا يجد مواضيع أخرى يتحدث فيها. صحيح أنه ما زال يدير ممثليه جيداً، ولديه حس كوميدي ساخر و- أحياناً - ساحر، إلا أنه لا يبحث عن الاختلاف بقدر ما يبحث في منح مشاهديه صوراً أخرى من النماذج ذاتها. أبطاله منذ «آني هول»ـ1977) و«دواخل»(1978) ولاحقاً «مانهاتن» (1979) و«هانا وشقيقاتها» (1986) و«امرأة أخرى» (1988) وصولاً إلى «ماتش بوينت» (2006) وانتهاءً بـ«ووندر ويل» (2017) دارت حول علاقات حب غير مستقرة يتداولها أبطاله كلعبة الكراسي.
بعد بداية سريعة كممثل سنة 1965 بفيلم What‪›‬s New Pussycat وWhat‪›‬s Up‪، ‬ Tiger Lily أدرك وودي ألن أنه سوف لن يتمتع بالحرية التي يطلبها لنفسه إلا إذا أتيح له استحواذ سلطة واسعة على أعماله تشمل الكتابة والإخراج و(لاحقاً) الإنتاج. وفي البداية امتهن الكوميديا وحدها وأنجز بعض أفضل هذا النوع من الأفلام في الستينات والسبعينات ومنها «خذ المال واهرب» (1969) و«موز» (1971) و«سليبر» (1973). في عام 1975 قرر ألن دخول الدراميات العاطفية ولو ميّـزها بلكنة كوميدية خفيفة فحقق على التوالي «حب وموت» (1975) و«آني هول» (1977) و«دواخل» (1978) و«مانهاتن» (1979) و«ذكريات شهابية» (1980)‪.‬‬‬‬‬
ومع أنه عاد للكوميديا لاحقاً (خلال الثمانينات)، إلا أنها كانت كوميديات تطرح مواضيع جادة ولو متكررة. ففيلم «ذكريات شهابية» قريب من «أيام الراديو» (1983) وفي «زلينغ» (1983) بحث فيما يعتبره هويته الذاتية الضائعة كما الحال لاحقاً في «ظلال وضباب» (1991).
قلق ألن الوجودي من الحب والحياة معبّـر عنه بكثافة في «دواخل» (1978) الذي عمد فيه، وفي «سبتمبر» (1987)، إلى معالجة برغمانية (نسبة للمخرج السويدي الشهير إنغمار برغمن) شبه كاملة، كما في أفلام أخف ثقلاً مثل «مانهاتن» (1979) و«هانا وشقيقاتها» (1986) و«امرأة أخرى» (1988) كما «جرائم وجُـنح» (1986) والعديد من أعماله الأخرى.
حكاياته العاطفية التي غالباً ما تدور حول عدم وجود شيء اسمه حب أبدي مع شخص واحد بدأت في التوارد عملياً منذ سنة 1977 عندما أخرج «آني هول» (الذي قام ببطولته مع دايان كيتون)، ثم تكرر في غالب أعماله اللاحقة مثل «ماتش بوينت» (2005) و«فيكي كرستينا برشلونة» (2008) و«سوف تلتقين بغريب داكن» (2010) و«منتصف الليل في باريس».
بالنظر إلى تلك الفترة التي كان فيها وودي كثير الظهور في أفلامه، كان يداوم على لعب الدور ذاته معظم الأحيان. إنه رجل قلق، يخشى على نفسه من نفسه. وحتى المرّة الوحيدة التي وجدناه فيها بعيداً تماماً عن هذه الصورة، وكانت في فيلم نال تقديراً أقل مما كان يستحق وهو «ظلال وضباب» (1991) نجده متّهماً بريئاً (كما كانت حال أعماله الأولى) تعيد إلى الذاكرة بحثه الأساسي حول هويّته الوطنية أو الدينية. عندما قل ظهوره على الشاشة في منتصف السنوات العشر الأولى من هذا القرن، من عام 2005 بدأ ألن مشواراً جديداً ومنعشاً إلى حد بعيد: انتقل لتصوير أفلامه في أوروبا. في ذلك العام أنجز «ماتش بوينت»، الذي صوّره في بريطانيا، تبعه بفيلمين آخرين صوّرهما في بريطانيا هو Scoop وCassandra‪›‬s Dream.‬
انتقل بعد ذلك بأفلامه إلى إسبانيا (Vicky Cristina Barcelona) وفرنسا (Midnight in Paris) وإيطاليا (To Rome with Love) من بين أفلام أخرى.
فيلمه الأخير «مهرجان ريفكِن»، هو أيضاً من أعماله الأوروبية، وبعد افتتاحه في مهرجان سان سابستيان الإسباني حصد ملايين قليلة من تسويقه في دول أخرى. وخلال وجود ألن في فرنسا، سيستطيع التمتع بالعرض الفرنسي الأول لفيلمه هذا، إذ سينتقل إلى الشاشات في الشهر الحادي عشر من هذا العام. هذا وقت طويل ما بين إنجازه أي فيلم سابقاً وبين عروضه. من قبل كان التهافت على أفلامه يدفع شركات التوزيع لإطلاقه سريعاً. لكن، وكما قال آنفاً، لم يعد الحال اليوم كما كان في السابق.


مقالات ذات صلة

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

يوميات الشرق المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

عند طرزي، لا يسير التاريخ وحده. تُرافقه الصحيفة والأغنية والصورة والفيلم والإعلان...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الفنانون السعوديون المشاركون في أداء أصوات شخصيات فيلم «حكاية لعبة 5» خلال حفل «ديزني+» في الرياض (الشرق الأوسط)

«ديزني+» تقدم أول فيلم مدبلج باللهجة السعودية وتطلق تطبيقاً جديداً في المنطقة

أعلنت منصة «ديزني+» تقديم أول فيلم من إنتاج شركة «والت ديزني» مدبلج باللهجة السعودية، من خلال فيلم «حكاية لعبة 5»، وإطلاق تطبيق جديد.

مساعد الزياني (الرياض)
يوميات الشرق الممثل الأميركي أدريان برودي الحائز على جائزتَي أوسكار (رويترز)

مِن أكْل الديدان إلى العزلة في فندق... أدريان برودي يتجاوز المعقول من أجل أدواره

هو أحد أكثر نجوم هوليوود تطرُّفاً في التمثيل. لا يتوانى أدريان برودي عن وضع نفسه في مواقف وتجارب خارجة عن المألوف، كي يجهِّز نفسه لدورٍ ما.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق «مقهى العشاق»... من آخر المقاهي التي صمدت في مركز خفتت حركته (خيط أحمر)

«خيط أحمر» يسأل: ما الذي فعله «سيتي كومبلكس» بأهل طرابلس؟

مخرج فيلم «خيط أحمر» وكاتب نصه أحمد نابلسي، يرى فيما حدث في هذا «المول» رمزية لما عاشته المدينة...

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق براد بيت والكلب في البرية (الحساب الرسمي للفيلم في «إكس»)

«قلب الوحش»... كلب ينافس براد بيت على البطولة

يصعب الخروج من فيلم «قلب الوحش (Heart of the Beast)» بالحديث عن براد بيت وحده، فالنجم الأميركي يجد أمامه شريكاً يملك حضوراً لافتاً في العمل.

إيمان الخطاف (الدمام)

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
TT

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة. تكمن جدّته في تناول حياة العاملين في المهنة الصحافية أنفسهم. فأسامة مصوّر صحافي ينتقل من فاجعة إلى أخرى ليوثّقها وينقلها إلى العالم، فيما يجد نفسه، شأن كلّ فلسطيني في غزّة، مطالَباً بالاهتمام بعائلته وتأمين الأمان والطعام والشراب لها. باختصار، هو إنسان عليه أن يعيش ويبني، فيما يمضي العدو في القتل والتدمير.

لدى المخرج كثير مما يقوله في هذا الحديث عن الفيلم وظروف تصويره وإنتاجه. إنها تجربة مهمّة بذاتها، عُرضت في «مهرجان فينيسيا السينمائي»، حيث لم يتمكّن المخرج من الحضور، ومن المقرّر عرض الفيلم في الدورة المقبلة من «مهرجان الجونة السينمائي». كذلك اختير لتمثيل السينما الفلسطينية في سباق «أوسكار» أفضل فيلم دولي لعام 2027.

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

اختيارات ومخاطر

> كيف تكوّنت فكرة تصوير فيلم عن المصوّر أسامة؟

- بدأت الفكرة من حياة المصوّر أسامة العشي اليومية خلال الحرب. كان أسامة يعمل صحافياً في شمال قطاع غزّة، وفي الوقت نفسه أصبح أباً للمرة الأولى. ما جذبني لم يكن عمله صحافياً فحسب، بل الإنسان الموجود خلف الكاميرا؛ الأب والزوج والمواطن الذي يعيش الحرب نفسها التي يقوم بتغطيتها.

في البداية، كانت الفكرة بسيطة، أن أتابع أسامة داخل بيته وفي عمله، ونرى كيف يعيش الصحافي حياته عندما يترك الكاميرا ويعود إلى عائلته. لكن الأحداث نفسها هي التي كوّنت الحكاية وغيَّرت مسارها باستمرار.

لم يكن لدينا سيناريو يستطيع التنبّؤ بما سيحدث، لأننا أصلاً لم نكن نستطيع توقّع الأحداث المأساوية التي ستقع في اليوم التالي. في النهاية، ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وما كان يحدث على الأرض هي التي رسمت مسار الفيلم. كنّا نتابع أسامة وعائلته، والحرب هي التي كانت تكتب الأحداث أمامنا.

> ماذا كان يعني تصوير فيلم في غزّة خلال هذه المحنة، وما الخطر الذي كان التصوير يمثّله؟

- كان يعني ببساطة أننا نصوّر واقعاً نحن أنفسنا محاصرون داخله. نحن أشخاص موجودون في بقعة صغيرة ومحاصرة، نتعرّض للقصف ونعيش الخوف والنزوح وفقدان الأشخاص من حولنا، مثل بقية الناس. لذلك لا أحبّ أن أقدّم استمرارنا في التصوير على أنه فعل بطولي.

كانت هناك لحظات لم أستطع فيها أصلاً حمل الكاميرا، وفي أوقات أخرى كان أعضاء من الفريق يتوقّفون للاهتمام بعائلاتهم، أو نتوقّف جميعاً لأن الظروف لا تسمح بالعمل. لكن الحرب استمرّت طويلاً، ولم تتوقّف الأحداث، ومع الوقت شعرنا بأن مسؤولية تقع علينا، نحن الموجودين داخل غزّة، بأن نحفظ شيئاً من هذه الذاكرة. ليست هناك بطولة تُذكر، بل كنّا هنا ونعيش ما يحدث.

> لماذا اخترت أسامة دون سواه من المصوّرين الصحافيين؟ ولماذا تناولت مصوّراً واحداً عوضاً عن تقديم فيلم عن مجموعة منهم؟

- كنتُ أبحث عن شخص واحد أستطيع من خلاله الدخول بعمق إلى الحياة اليومية للإنسان خلال الحرب. عندما بدأنا التصوير، كان أسامة زميلاً أعرفه، ولم تكن بيننا في البداية تلك الصداقة العميقة. لكن خلال صناعة الفيلم، ومع قلّة عدد الأشخاص الذين بقوا في شمال قطاع غزّة والظروف التي كنّا نعيشها، أصبحت قريباً من أسامة وعائلته، ونشأت بيننا ألفة كبيرة، وتحوّلت العلاقة مع الوقت إلى صداقة.

كما أنّ أسامة أصبح أباً للمرة الأولى خلال الحرب، وهذا فتح أمامي مساحة إنسانية مهمّة جداً؛ صحافي يحاول القيام بعمله، وفي الوقت نفسه أب جديد يحاول حماية طفله وزوجته، ومواطن يبحث مثل الجميع عن الطعام والأمان وأبسط حاجات الحياة.

لهذا فضّلت البقاء مع شخصية واحدة بدلاً من مجموعة شخصيات. كنت أريد الذهاب إلى العمق، لا إلى العدد.

من كواليس تصوير «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

مرحلة ما بعد التصوير

> كيف كانت العلاقة المهنية مع المنتج رشيد مشهراوي؟ هل اقترح خطّة عمل أو تعديلات؟

- كان رشيد مشهراوي مُشرفاً على المشروع، لكن طبيعة التواصل بيننا خلال الحرب كانت مختلفة جداً بسبب الظروف والخطر الذي كنّا نعيشه. كنت أتواصل معه من وقت إلى آخر للاطمئنان، لكنني كنت أتجنّب الحديث بوضوح عن الفيلم أو تفاصيل ما نعمل عليه. في الحقيقة، لم تكن لديه صورة واضحة عمّا إذا كنّا لا نزال نصوّر أم لا، لأننا لم نكن نعرف إن كان هذا الفيلم سيُنجز في النهاية.

كانت الظروف في غزّة شديدة الخطورة. كنّا نعرف أنّ أي طارئ يمكن أن يحدث في أي لحظة. قد أُقتل أنا، أو يحدث شيء لأسامة، أو يُصاب أحدنا إصابة بالغة، أو نتوقّف عن العمل نهائياً. لذلك لم يكن منطقياً بالنسبة إليّ أن أتعامل مع المشروع كأنه فيلم يسير وفق خطّة وسيكتمل بالتأكيد.

بعد وقف إطلاق النار، استطعنا إيصال المواد إلى مرحلة أصبح فيها إعداد النسخة الأولى من الفيلم ممكناً. وعندما أنجزت المسودة الأولى، أرسلتها إليه، ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة تماماً من علاقتنا المهنية.

بدأ دوره يتّسع بكونه منتجاً ومشرفاً فنياً على العمل، خصوصاً في مرحلة ما بعد التصوير، من مشاهدة النسخة والعمل على البناء والترتيب والتفاصيل التي تقود إلى النسخة النهائية. ثم برزت أهمية خبرته في المرحلة التالية أيضاً. فرشيد مخرج ومنتج فلسطيني من غزّة، لديه خبرة طويلة في السينما والمهرجانات الدولية، ولذلك كان لدوره أهمية كبيرة في استكمال الفيلم ومرافقته في رحلته إلى المهرجانات والجمهور خارج غزّة.

> هل تعرّضتم لخطر ما خلال التصوير؟

- نعم، مرّات كثيرة. لم يكن الخطر حادثة منفصلة وقعت خلال صناعة الفيلم، وإنما كان جزءاً من الواقع اليومي الذي كنّا نعمل داخله.

أُصيب أحد أفراد فريق التصوير، حاتم سيلمي، خلال العمل. وفي مراحل مختلفة، اضطر بعض أعضاء الفريق إلى التوقّف للاهتمام بعائلاتهم، وكنّا نتوقّف عن التصوير عندما يشتدّ الخطر أو نُضطرّ إلى النزوح.

وفي إحدى المرّات، كان هناك تهديد خطير بجوار منزلي، وكان عليَّ إخلاء عائلتي بينما كنت بعيداً عنها. في تلك اللحظة، لم أفكّر في الفيلم أو المواد المصوَّرة؛ كان كلّ تفكيري منصبّاً على إخراج عائلتي من منطقة الخطر. ولم أتذكّر المواد الموجودة في المنزل إلا بعدما أصبحت عائلتي في مكان آمن. وبعد قصف المنزل المجاور، عدت عندما أصبح ذلك ممكناً، ووجدت أنّ المواد المصوَّرة لا تزال محفوظة.

وهناك أيضاً الخطر النفسي والإنساني، وليس الجسدي فحسب. بعد استشهاد شقيقي، توقّفت عن التصوير شهرين أو 3 تقريباً. في لحظات مثل هذه، لا تفكّر في كونك مخرجاً، وإنما في أنك إنسان فَقَدَ شخصاً من عائلته.


شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
TT

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)

«Fatherland»

★★★إخراج: بافل بافليكوفسكي

الإنتاج: بولندا، ألمانيا، إيطاليا، فرنسا (2026)

«الأوسكار»: ثالث فيلم للمخرج تختاره بولندا لتمثيلها في سباق «أفضل فيلم دولي»

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته، وآخر باطني يكشف عن غضب داخلي ناجم عن التوتّر بين الأب وابنته، إلى جانب أسباب أخرى.

يتناول الفيلم الأديب الألماني توماس مان (يؤدّيه هانز زيشلر)، الذي غادر موطنه عام 1933 مع صعود النازية. وتتمحور الأحداث حول عودته إلى ألمانيا عام 1949، عندما استجاب لدعوة لتسلّم «جائزة غوته» من مدينة فرانكفورت. ترافقه في الرحلة ابنته «إريكا» (ساندرا هولر)، التي لم تكن راغبة في الزيارة أصلاً.

تكشف المَشاهد التي تجمع الأب وابنته، سواء أكانا وحدهما أم وسط آخرين، عن توتّر بينهما، خصوصاً بعدما قرّر الأب قبول جائزة ألمانية ثانية. وهكذا يحيط الفيلم بوضعَين: شخصي؛ يتمثّل في العلاقة المتوتّرة بين مان وابنته، وعام؛ يتمثّل في ألمانيا الخارجة من حرب خسرتها.

لكن المخرج لا يدخل في التفاصيل، ولا يبني على ما يؤسّسه من أحداث بما يمكّن الفيلم من سبر أبعادها، مكتفياً بكاميرا تلاحظ ولا تشترك. أكثر من ذلك، كان التصوير بالأبيض والأسود في فيلمَيه السابقَين «آيدا» (2013) و«حرب باردة» (2018) أعلى حيويةً وفعلاً ممّا هو عليه في هذا الفيلم.

«Coward»

★★إخراج: لوكاس دونت

الإنتاج: بلجيكا، فرنسا، هولندا (2026)

«الأوسكار»: الفيلم البلجيكي المختار لسباق «أفضل فيلم دولي»

الحرب التي يختار المخرج دونت وضع حكايته فيها هي «العالمية الأولى». وقد كانت محطّ اهتمام عشرات الأفلام، بينها كلاسيكيات عدّة، كلّ منها كافٍ لدفن هذا الفيلم الجديد في خنادقها. أفلام مثل «الوهم العظيم» لجان رنوار (1937)، و«ممرات المجد» لستانلي كوبريك (1957)، و«طفولة إيفان» لآندريه تاركوفسكي (1962)، تناولت مآسيَ الحرب كما انعكست على شخصياتها في خطوط المواجهة الدامية. وكانت الحالات التي استعرضتها ترمي إلى ما هو أبعد من تمرير تجربة شخصية أو التوقّف عند ما يحدث لصاحبها دون الآخرين.

مشهد من «جبان» (ذا ريونيون)

في «جبان»، لا يهمّ كلّ هذا؛ لأن الحكاية التي يريد المخرج سردها تتناول شاباً يُدعى «بيار» (إيمانويل ماكيا)، يصفه رفاق السلاح بأنه جبان. يريد أن يبرهن على أنه ليس كذلك، لكنه لا يستطيع؛ لأنه بالفعل هكذا. لا نرى أمثلة فعلية على جبنه، ولا ينتهي الفيلم بموقف مغاير لبطله، ولا يدخل في عمق شخصيته، رغم تخصيص مشهد طويل لخوضه تجربة كان من المفترض أن يخرج منها شجاعاً، أو مختلفاً على الأقل.

الرهان هنا على الحبكة، مع الإصرار على توظيف الحرب العالمية الأولى ديكوراً.

يتحاشى الفيلم مشاهد الحرب بالمعنى المُتعارف عليه، رغم توافر مناسبات لها. وما يقدّمه منها يأتي من باب الضرورة أكثر ممّا يعبّر عن موقف أو بُعد من أي نوع. خيار المخرج الوحيد يقع بين كاميرا محمولة لتصوير المشاهد الرومانسية، وأخرى محمولة ومرتجّة لتصوير رفاق السلاح في أرض المعركة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
TT

فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)

BUNKER

★★★⭐︎

• إخراج: فلوريان زَلر

• فرنسا/ إسبانيا (2026)

• عروض: بمهرجانَي فينسيا وتورنتو

يبدأ «ملجأ» ببطله خافييه باردام وهو جالس إلى طاولة طعام يتحدّث. أتذكّر سريعاً أنها بداية فيلمه ما قبل الأخير «المحبوبة» لرودريغو سوروغويان؛ إذ يبدأ الفيلم بالبطل جالساً إلى طاولة (في مطعم آخر طبعاً) وهو يتحدّث أيضاً. لكن عند هذا الحد ينتهي التشابه بين الفيلمين اللذين ينتميان إلى نوع من الدراما التي تسبر أعماق شخصياتها. في «المحبوبة» هو مخرج يحاول دفع ابنته (فكتوريا لوينغو) لتجاوز موقفها تجاهه، وقبول الفرصة التي يتيحها لها لتصبح ممثلة أفضل. وهنا هو مهندس معماري يواجه أزمة مع زوجته (بينيلوبي كروز) تكاد تؤدي بهما إلى قطيعة.

في فيلمه الجديد يلعب باردام دور المهندس المعماري الإسباني «ميغويل» الذي يعيش مع زوجته «صوفيا» وابنتَيهما في لندن. يتلقّى عرضاً مغرياً لتصميم ملجأ عميق تحت الأرض استعداداً لمستقبل يلفّه الغموض. العارض هو واحد من رجال المؤسسات الملياردية الكبيرة (فكّر أمازون أو يوتيوب)، وهو معجب بفن «ميغويل»، ويرفع الأجر المغري إلى الضعف عندما يصل إليه نبأ تردد المهندس في قبوله. سبب التردد هو أن «صوفيا» لديها سؤال مهم حول هذا المشروع وصاحبه: ما الذي يعرفه هذا الملياردير عن المستقبل لا نعرفه بحيث يصر على بناء ذلك الملجأ المحصّن المزوّد بمؤونة كافية لسنة كاملة؟ يتنامى لدى «ميغويل» شعور بأن مشاعر زوجته نحوه بدأت تتبدد. هي رئيسة تحرير كتبت في دار نشر، وتتعامل حالياً مع مؤلف أميركي شاب وجذّاب اسمه «جيريمي» (باتريك شوازنيغر)، وهناك بوادر بداية علاقة خارج المهنة يحسب الزوج لها حساباً كبيراً.

هناك أيضاً جاره «توبي» (ستيفن غراهام) الذي يهدم جزءاً من جدار بيته، ما يجعله قادراً على رؤية ما يدور في منزل «ميغويل» الذي يستاء من ذلك، ويطالب «توبي» بسد الثغرة. سيلي ذلك تحوّل بسبب أحداث لاحقة تُساهم في تغيّر موقف «ميغويل» من كل شيء.

المعالجة الكلّية لمجمل هذه الأحداث ونتائجها جيّدة. ما زال المخرج في هذا الفيلم (الثالث له) متمكناً من إدارة الممثلين كما ظهر في فيلمَيه السابقين «الأب» (مع أنطوني هوبكنز) و«الابن» (مع زن ماغراث).

بعض ذلك يعود إلى خلفية المخرج المسرحية التي يمكن ملاحظتها جيّداً في هذا الفيلم، ليس فقط على صعيد إدارة الممثلين بفاعلية، بل كذلك باختيار سرد حكايته (أو حكاياته بالأحرى) في مشاهد داخلية غالباً، وعلى نحو لا خلل فيه مع غياب شبه دائم للمشاهد الخارجية.

BEING HEUMANN

★★

• إخراج: شيان هيدر

• الولايات المتحدة (2026)

• عروض: فيلم افتتاح «تورنتو»

«أن تكون هيومان» هو ثاني فيلم للمخرجة هيدر عن شخصيات تعاني من إعاقة. في فيلمها السابق «كودا» (CODA)، تناولت هيدر قصة فتاة شابة تنتمي إلى عائلة من الصم، وتُعدّ الوحيدة القادرة على السمع والنطق بينهم، في حين تحلم بمستقبل مهني في الغناء. هنا تعود هيدر إلى موضوع الإعاقة عبر سيرة جودي هيومان، الناشطة التي قادت في سبعينات القرن الماضي حملة للمطالبة بحقوق ذوي الإعاقة الحركية في الولايات المتحدة. الفيلم مقتبس من مذكراتها، وتؤدي شخصيتها روث ماديلي.

لقطة من «أن تكون هيومان» (آبل فيلمز)

عودة المخرجة لتقديم فيلم عن معاقين لا تخلو من الرغبة في استخدام السلّم الذي أوصلها للفوز بثلاث أوسكارات عن «كودا» سنة 2022. يكشف الفيلم الجديد رغبة هيدر في تكرار نجاح «كودا»، لكن من دون امتلاك المقومات ذاتها. فكما يعود إلى موضوع الإعاقة، يعود أيضاً إلى استثمار القضية سعياً وراء التعاطف والإعجاب، من دون معالجة درامية ناضجة أو مقنعة. ليس هناك من مشهد واحد في كلا الفيلمين بريء من الاستغلال الفوري للفكرة، ومن تنفيذ خفيف لموضوع مهم يتم تقديمه عبر أسلوب هو أقرب لمن ينقر على مفاتيح البيانو من دون تأليف معزوفة.