الكتاب العربي... هل تعدُّد صيغ النشر يدفع به إلى العالمية؟

من الورقي إلى الـ«بودكاست»

نسرين كريدية المديرة العامة لدار «النهضة»
نسرين كريدية المديرة العامة لدار «النهضة»
TT

الكتاب العربي... هل تعدُّد صيغ النشر يدفع به إلى العالمية؟

نسرين كريدية المديرة العامة لدار «النهضة»
نسرين كريدية المديرة العامة لدار «النهضة»

هناك أكثر من مليوني بودكاست في العالم، لا يزيد عدد المسجَّل باللغة العربية منها على خمسة آلاف، حسب التقديرات الأولية. وهذا واقع تتوجب معالجته، واستدراك التأخير في رفد المحتوى الصوتي، بما يغني الذائقة العربية وحاجة الشباب بشكل خاص، الذين يعدون من أكثر المقبلين على البودكاست. النمو العالمي سريع بشكل لافت، فقد ازداد عدد البودكاستات، خلال السنتين الأخيرتين بنسبة عشرين في المائة. وسجلت في عام 2021 فقط، 45 مليون حلقة صوتية. الغالبية الساحقة من المستمعين تتراوح أعمارهم بين 18 و44 عاماً تبعاً لدراسة أميركية، أحصت بودكاستات في أكثر من 100 لغة بينها العربية، فوجدت أن الإقبال في غالبيته هو من فئة الشباب، ويتركّز على الموسيقى والمواضيع الصحية والسياسية وتقنية المعلومات، ويلجأ المستخدمون بشكل خاص إلى البودكاست في أثناء المشي، وممارسة الرياضة، لعدم تضييع الوقت. لكن للكتاب أيضاً حصة وللمحاضرات والمقالات والندوات.
لهذا تسعى «دار النهضة» في بيروت، المعروفة بتاريخها الطويل والعريق، إلى شراكات تتيح لها، تطوير صناعة الكتاب وفتح النوافذ على إمكانيات جديدة، ومنها المجال السمعي. وتقول مديرة الدار نسرين كريدية لـ«الشرق الأوسط»، إن النشر في منطقتنا، بشكل عام، بدأ يعيش مرحلة مفصلية، منذ دخول «أمازون» على خط الكتاب العربي. وتضيف أن «الثورة في عالم الكتب سريعة جداً. فإلى جانب الكتاب الورقي، باتت هناك كتب إلكترونية، وأخرى تفاعلية، وغيرها صوتية، وكذلك البودكاست، وهو ليس كتاباً صوتياً بالمعنى الحرفي. نحن كدار نشر نحتاج إلى أن نواكب هذا التطور، لنتمكن من الاستمرار».
في العادة يقدم المؤلف مخطوطته للناشر، الذي يحوّلها إلى كتاب ورقي يبيعه من خلال المعارض والمكتبات، ثم يوزع الكتاب في صيغته الإلكترونية على المنصات. «لكننا شعرنا بأن التغيير قد بدأ بالفعل، بعد أن أخذت منصة (أمازون-كيندل) بنشر الكتب العربية بصيغة (إي بوب). وهي صيغة مختلفة تماماً عن كتاب (بي دي إف) الموجود على مواقع كثيرة، واعتدنا استخدامه مقرصناً أو في متاجر البيع».

                حكمت البعيني مدير شركة«فيوتشر تن إكس» كتاب «إي بوب» غيّر المعادلة

لا بد من التمييز بين كتاب «بي دي إف» و«إي بوب»، فهذا الأخير كتاب تفاعلي. «وهو الذي نحرص على إنتاجه لأنه يمكن التعامل معه كأنه كتاب ورقي»، تقول كريدية. ويمكن التحكم به سواء بتغيير الخط، أو تكبيره وتصغيره، وقراءة الهامش، ووضع خط تحت الأسطر التي نريدها. أي إنه كتاب إلكتروني، أخرجَنا من صيغة الجمود التي فرضها علينا الكتاب الـ«بي دي إف». وعلى عكس ما يعتقده البعض، فإن الكتاب الورقي هو الذي يتعرض للقرصنة اليوم، بينما يتمتع الكتاب الإلكتروني بدرجة حماية عالية، وهو ما يجب أن يشجع على اعتماده. فلا وسيلة لسرقته إلا بتصويره صفحة صفحة، وهذا مرهق جداً.
تنصح مديرة «دار النهضة» في بيروت الكتّاب العرب باغتنام الفرصة، ودخول عالم النشر الإلكتروني والبودكاست من أوسع الأبواب ليحققوا لأنفسهم أكبر انتشار ممكن. وهي لهذا الغرض، أطلقت مبادرة مع شركة «فيوتشر تن إكس» في دبي تحت عنوان «الكتاب العربي الرقمي – نحو العالمية»، وبدأ النشاط الأول بلقاء افتراضي على تطبيق «زوم» تحدث خلاله مدير عام الشركة حكمت البعيني، عن ضرورة تحويل الكتب إلى ملفات صوتية. فالمؤلف من مصلحته ألا ينشر بصيغة واحدة، قد يختار الكتاب الورقي وإلى جانبه (إي بوب)، وأيضاً صوتياً على بودكاست، هذا يسهّل وصول الكاتب إلى كل بيت، ويردم المسافات الجغرافية ويختصر الزمن. فالهدف الرئيسي من النشر هو إيصال المعلومة لأكبر عدد ممكن من الأشخاص. وهو تماماً ما يشدد عليه البعيني: «ما نريده من المبادرة ألا يبقى الكتاب حكراً على فئة معينة، بل يصبح النشر والقراءة في متناول أكبر عدد من الكتاب والقراء. إذا لم تكن لدى الكاتب إمكانات كبيرة يمكن الاكتفاء بالنشر الإلكتروني، ووضع الكتاب على عدد من المنصات مثل (أمازون) و(نيل وفرات) وغيرها».
البعيني نفسه خاض التجربة وحوّل كتابيه «ألف فكرة وفكرة»، و«جدلية القوة والمحبة في الثورة» إلى بودكاستات. يشرح البعيني أنه سجّل كتابه «ألف فكرة وفكرة» في أكثر من 400 بودكاست، ويتبقى نحو 600 سوف يتم إنجازها. والبودكاست عبارة عن تسجيل رقمي، يمكن لأي شخص أن يُنتجه وينشره ثم يضعه على منصات منها «أنغامي» و«غوغل» وغيرها. ولا يحتاج المرء إلى خبرة كبيرة للإنتاج، ولا كثير من التمرين والتركيز للسماع، ولا إنترنت قوي لتنزيله. لذا يشجع البعيني من لديه كتاب يستحق أن يحوَّل إلى بودكاست، أن يسعى إلى ذلك.
يقول البعيني إن «قلة المحتوى الصوتي بالعربية يؤثر على الثقافة وعلى اللغة. لا بد من مبادرات لاستدراك تأخرنا في مجال الكتب الصوتية والبودكاست والكتب الإلكترونية. لذلك فإن هدفنا، هو تحويل المؤلف العربي إلى كاتب عالمي، بعد أن صارت لنا خبرة بالكتب الصوتية والورقية والإلكترونية». ويرى البعيني أن المؤلفات والمقالات والمقابلات الإذاعية أصبحت أكثر انتشاراً على شبكات البودكاست لسهولة الوصول إليها عبر الإنترنت. من جهتها ترى كريدية أنه ما عاد يجوز أن يحصر الكاتب العربي نفسه في الكتاب الورقي لأن عمليات البيع والشراء على المنصات الإلكترونية أصبحت أسهل وأقل كلفة وأكثر انتشاراً بين القراء في كل العالم. لهذه الأسباب انطلقت مبادرة «الكتاب العربي الرقمي – نحو العالمية».

الفرق بين الكتاب الصوتي والبودكاست
ثمة فرق بين البودكاست والكتاب الصوتي. الكتاب الصوتي كتاب كامل، يسجَّل صوتياً، أما البودكاست فلا يُنصح بأن يوضع عليه الكتاب كاملاً، إذ يخضع في غالب الأحيان، لإعادة كتابة، وللتقطيع والتجزئة، بحيث لا يتعدى البودكاست الواحد الدقائق القليلة. هذه الوجبة الثقافية السريعة، قد لا تروق لكتاب كثيرين، لكنّ منتجي البودكاست يرون أن كل بودكاست طويل سيوقِع السامع في الضجر. وهذا يضع علامات استفهام كبيرة، حول مرونة الأدباء بشكل خاص، ومدى قبولهم لخضوع كتبهم لهذا النوع من الجراحة التي قد تودي بروح الكتاب. هنا يتحدث البعيني كمنتج، مشجعاً على قبول الشروط الجديدة لأن «البودكاست مجال توزيعه أسهل، ويمكن لصاحبه أن يضعه على (فيسبوك)، أو يرسله عبر (واتساب)، ويستخدم بمتعة أكبر. فتنزيل الكتب الطويلة لا يزال متعذراً، مما يعيق الانتشار، علماً بأن قصص الأطفال، هي من بين أكثر الكتب حيوية وانتشاراً وليونة في التعامل معها على المنصات الافتراضية وعلى البودكاست، حيث يتم تحويلها من صيغة إلى أخرى وتقدم بطرق مختلفة في وقت واحد».

تدجين التقنيات
الصعوبات التي حالت طويلاً دون دخول الكتاب العربي عالم النشر الإلكتروني ذُلّلت في معظمها، والتعامل مع الخط العربي تطوَّر. «أمازون» نفسها مهتمة بتذليل الصعاب، وقد قام بجهد تقني كبير. استفاد اللبنانيون، حين أوفدت الشركة ممثلين عنها إلى لبنان، ودربوا الناشرين. تقول كريدية: «لا تعارض اليوم بين الخط العربي والنشر الإلكتروني. رأينا مع (أمازون) كيف أن علينا أن نعتمد خطاً معيناً وأموراً تقنية محددة، كما أننا حين نواجه مشكلات نتواصل معهم، وهم دائماً ما يتعاونون ويُجيبون عن كل استفسار، والمراسلات معهم شبه يومية». تكمل كريدية: «الكتاب على (أمازون) بالعربية يجعله متوفراً في كل العالم. بمقدور الكاتب أن يوكل مهمة النشر الإلكتروني إلى دار نشر، كما يمكنه أن يقوم بالمهمة بنفسه، وإن واجه صعوبات، فتقنيو (أمازون) دائماً موجودون لمساعدة الكاتب المبتدئ، وهذا أمر مشجع. ثم إن دور النشر العربية المتمرسة، بمقدورها أن تقوم بهذه الخدمة لو طلب الكاتب منها ذلك. المهم أن يتمكن الكاتب من تحضير نصه مرتباً جيداً على (وورد)، ومن ثم يحوله إلى (إي بوب). وبمجرد صدور الكتاب ورقياً، بمقدور دار النشر أن تضعه على (أمازون) مباشرةً، لكنّ الأمر مختلف بالنسبة للمنصات الأخرى التي يرسل لها الكتاب، وهي التي تتكفل بوضعه بعد فترة من الزمن تبعاً لبرمجتها الخاصة».

البيع على وجوه
«التكلفة الأساسية هي في التنفيذ، أما حين يصبح الكتاب على المنصات، يبداً البيع والربح، وجميع المنصات تأخذ النسبة نفسها؛ ما يقارب خمسين في المائة. ولكل منصة سياستها في البيع. مع (المنهل) يمكن للقارئ أن يشتري مواضيع أو مقاطع. على (أبجد) يستطيع الاشتراك شهرياً... لذلك من المهم للكاتب أن يضع كتابه على كل المنصات، لأن لكل منها أسلوبها مع الكتاب والقارئ، ولكل منها روحها، وجمهورها» تشرح كريدية.
هل أخذ الكتاب العربي طريقه إلى الانتشار العالمي، وحُلّت مشكلة التوزيع التي كانت دائماً حجر عثرة؟ لا تزال الخطوات بطيئة، رغم أن التقنيات أصبحت متوفرة. ما يحتاج إليه العرب اليوم، هو المزيد من الجرأة والمغامرة، من الكاتب كما الناشر، أما القارئ فيبدو أنه مستعد لاستقبال كل جديد، حين يكون اقتصادياً، وسريعاً، وممتعاً.



حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.