إيلي مكرزل إعلامي لبناني يتخذ من «السوشيال ميديا» منبره بعد سداد الأفق

إيلي مكرزل
إيلي مكرزل
TT

إيلي مكرزل إعلامي لبناني يتخذ من «السوشيال ميديا» منبره بعد سداد الأفق

إيلي مكرزل
إيلي مكرزل

عُمر إيلي مكرزل 31 عاماً، وهو محاكاة لشباب لبناني يرفض اليأس. دفعه الظرف إلى دراسة المحاسبة والعمل في مصرف، وظل الداخل يتنفس الشغف. لا غبطة تضاهي وقوفه أمام الكاميرا ومحاورته ضيوفاً من المشاهير، آمنوا بحلمه وأتوا إلى برامجه عبر «السوشيال ميديا» تشجيعاً لنُبل الأمل. بدايته شاقة، وكم طرق أبواباً سُد بعضها وتعذر دخول بعضها الآخر! إصراره سر النجاح.
أحب الكتابة منذ المراهقة، ولفته مقدمو البرامج ومعدوها. في عام 2019، عُرض من كتابته مسلسل قصير بعنوان «لولا»، فيه حمل البطلة رغبته: «جعلتها تقدم برنامجاً فنياً اجتماعياً يتطرق للسياسة. أسقطتُ عليها حلمي».
إيلي مكرزل ليس مقدم برامج مشهوراً في لبنان. هو طموح و«مقاتل». لا يمل من المحاولة ولا يكف عن مواجهة الصعب. اسمه في طور التكون، لكنه يجيد ترك انطباع حسن. لم يدرِ من أين يبدأ حين ألح عليه إحساسٌ بضرورة الانطلاق. حلت على بيروت مآسٍ وفواجع، وتجمدت منذ الـ2019 الحياة. بعد محاولات خائبة، أتته فرصة بمثابة مُتنفس.
يومها، لم تغلق قناة «مريم تي في» نوافذها في وجهه. اقترح على إدارتها تقديم برنامج فني، ففضلت الاجتماعي لخصوصيتها الدينية. ورغم أنه من خارج ملعبه، صمم على المحاولة. يخبر «الشرق الأوسط» عن تجربته مع قوة الإرادة: «كان اسم البرنامج (نقاط على الحروف) وهو خطوة في طريق وعرة سُدت من جهاتها. قدمته بحماسة، لكنني لم أشعر بانتمائي إلى هذه الفئة. أخافني أن يتفوق تمكن الضيف على تمكني. أردتُ مواصلة السعي نحو برنامج آخر».
ينتظر إيلي مكرزل هدوء العصف اللبناني ليلتحق بالجامعة ويتخصص في المهنة - العشق: الإعلام. وحتى تُفرَج، يستفيد من خبرة مدربين، ينتقد نفسه ويدون بالقلم والورقة الملاحظات لحفظها وتفادي تكرارها.
من فرصة التلفزيون اليتيمة، إلى «السوشيال ميديا»، حيث يجتهد لكسب الفرص. حين لمح جدراناً شاهقة بين الطموح والواقع، وجرت رياح بما لا تشتهي سفنه، رأى في الإبحار منفرداً خلاصه. وهو يطور شيئاً فشيئاً قناته في «يوتيوب»، حيث يعرض برامجه. بدأ باستضافة شخصيات يحاورها في الفن ويوميات لبنان، ثم انتقل إلى برنامج مختلف. «بلا نق» اسمه، وهو مستوحى من عادة اللبنانيين التذمر وشكوى المرارة. ضيفان في كل حلقة، وحديث بلا تكلف.
نجوم كثيرون لم يتجاوبوا مع بريده الإلكتروني، وآخرون اعتذروا. الأمر نفسه حين سعى خلف «سبونسر» لبرنامجه، فأعيته السبل. تمادي الانهيار ذريعة جاهزة لرفضٍ جاهزٍ. كما يصدف أن تكون حجة الفنانين واحدة: «لستُ أطل حالياً في مقابلات!». متلوعاً، يتابع: «تواصلت مع نحو مائة شخصية من المشاهير، تسع فقط استجابوا. أتفهم حسابات الرافضين؛ لستُ اسماً معروفاً بعد وبرنامجي لا يُعرض على شاشة. ما لا أتفهمه هو الكذب».
اعتذرت نجمة هو من المعجبين بها عن عدم الإطلالة، وكان ذلك في رمضان، مفضلة الانتظار إلى ما بعد شهر المنافسة، وفق زعمها. بشيء من العتب، يقول إنها في الأسبوع المقبل أطلت بمقابلة صُورت قبل يوم من عرضها. «أتقبل الصراحة، ففي النهاية يبحث المشاهير عن صورتهم المثلى. أقدر مَن شكلوا دعماً ولم يترددوا في التشجيع: كارول عبود، أسعد رشدان، برناديت حديب، يزبك وهبي، وكثيرون. منحوني دفعاً وثقة».
لعدم القدرة على استئجار استوديو، صور إيلي مكرزل برنامجه في منزل صديق، وحين عُرض، «بحثتُ عن الأخطاء وعما لا ينبغي أن أرضى به. أشاهد نفسي بعين ناقد قاسٍ ولا أرحمها. أصل إلى تجربة برنامج (بلا نق) وقد راكمتُ حداً من المعرفة يخولني التأكد من أنني في مكاني».
صور 15 حلقة خلال يومين، «كانا من أجمل أيام حياتي». ثلاثون ضيفاً، اثنان في كل منها، يحرص المقدم الشاب على صدقيته معهم. ثمة دائماً مفاجآت تطرأ، يصفها بالمُحفزة. فهي تلقنه التعامل مع الحياة بجدية ومع الشغف بإصرار. ولعله ممن يرغبون في التفرغ لمهنة تسكنه؛ فعلى صعيد الوقت، هناك المطلوب منه، وعلى صعيد الماديات، هناك ما لا يكفي: «حتى الآن، أستطيع تغطية التكاليف. لاحقاً، لا أدري. المسألة تزداد تعقيداً».
يملك اندفاعاً يجعله واثقاً بنفسه وهو يقول: «بإمكاني الجلوس وراء (لابتوبي) للخروج فوراً بفكرة برنامج أتحمل العمل عليها بمفردي. هذا المجال يأخذني إلى آفاق واسعة». مع ذلك، لا يخفي أن الإحباط يحاول التلصص. أكثر من مرة يتساءل: «ماذا أفعل؟ لِمَ استمرار المعاناة حيث الاصطدام والرفض؟»، فيأتيه الجواب من حيث يصدر السؤال: «يكفي أنني أفعل ما أحبه».
وهو ليس من المهووسين بالنجومية، «ولا أهدف للشهرة وأن أسير في الشارع فتُوجه الأصابع إلي. أجد سعادتي أمام الكاميرا ولو تابعني مائة شخص فقط. الشهرة سهلة اليوم، لا تشترط بالضرورة محتوى عميقاً. مثل فقاعة تنتفخ ثم لا يبقى لها أثر. يكفيني أن نجوماً، بعضهم من الصف الأول، بدأوا يعرفون اسمي قبل التعريف على نفسي. ربما أصل وقد أتعثر، أضع الاحتمالين أمامي لصد الخيبة».


مقالات ذات صلة

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

إعلام تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية دون تسجيل إصابات

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 26 مارس 2026 (أ.ب)

ترمب يغازل مذيعة «فوكس نيوز» بعد سؤال عن أوضاع إيران

أثنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مظهر مذيعة شبكة «فوكس نيوز» مباشرةً بعد سؤاله عن أحوال المدنيين في إيران التي مزقتها الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم العربي اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

لوَّحت الحكومة المصرية، الأربعاء، باتخاذ «كل ما تتيحه نصوص القوانين واللوائح لضبط الأداء الإعلامي لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول العربية الشقيقة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية الرسمية المصرية حذرت من الفتنة (الشرق الأوسط)

مصر تحذر من محاولات تقويض علاقاتها بالدول العربية عبر السجالات الإعلامية

حذرت مصر من محاولات بث الفرقة وتقويض العلاقات المصرية - العربية عبر وسائل الإعلام على وقع الحرب الإيرانية.

أحمد عدلي (القاهرة )

يايسله: الأهلي جاهز... لكن مواجهة ضمك صعبة

ماتياس يايسله (الشرق الأوسط)
ماتياس يايسله (الشرق الأوسط)
TT

يايسله: الأهلي جاهز... لكن مواجهة ضمك صعبة

ماتياس يايسله (الشرق الأوسط)
ماتياس يايسله (الشرق الأوسط)

أكد الألماني ماتياس يايسله، مدرب فريق الأهلي، جاهزية فريقه للعودة إلى منافسات الدوري السعودي للمحترفين لكرة القدم، وذلك قبل مواجهة ضمك المرتقبة على ملعب مدينة الملك عبد الله الرياضية بجدة، مشيراً إلى أهمية تحقيق نتيجة إيجابية أمام الجماهير الأهلاوية بعد فترة التوقف الدولية.

وقال يايسله خلال المؤتمر الصحافي الذي يسبق المواجهة: «نحن متحمسون للعودة إلى المنافسات بعد (أيام فيفا)، ونتطلع لتحقيق نتيجة إيجابية على أرضنا وبين جماهيرنا».

وتحدث مدرب الأهلي عن وضع الفريق من الناحية الطبية، موضحاً تطلعه إلى استعادة العناصر الغائبة في أسرع وقت، حيث قال: «أتمنى أن نستعيد خدمات اللاعبين المصابين في أسرع وقت».

وعن تأثير فترة التوقف الأخيرة على الفريق، خصوصاً بعد الخسارة أمام القادسية في الدوري والخروج من كأس الملك أمام الهلال، أوضح يايسله أن التوقف لم يكن مثالياً من وجهة نظره، مبيناً أن الفريق كان بحاجة إلى الاستمرار في نسق المباريات، وقال: «فترة التوقف كان لها جانب سلبي على الفريق وتسببت في بعض الإصابات، وكنت أتمنى بعد مباراة الهلال أن تكون هناك مباراة حتى يرجع الفريق لوضعه الطبيعي».

وفي ما يتعلق بمواجهة ضمك، شدد يايسله على أن اللقاء لن يكون سهلاً، خصوصاً في ظل الظروف الفنية والبدنية التي تحيط بالفريق بعد عودة عدد من اللاعبين من مشاركاتهم الدولية، وقال: «مباراة ضمك ستكون صعبة، حيث هناك 6 لاعبين كانوا مشاركين مع منتخبات بلادهم».

وحول سؤال لـ«الشرق الأوسط» يتعلق برأيه في وضع المنتخب السعودي، وما إذا كانت المشكلة ترتبط بعدم حصول اللاعبين على دقائق لعب كافية، فضّل يايسله الابتعاد عن الخوض في التفاصيل، مكتفياً بالقول: «أنا مدرب للنادي الأهلي، وأتمنى التوفيق للمنتخب السعودي في كأس العالم».

ويدخل الأهلي المواجهة المقبلة وسط رغبة في استعادة توازنه والعودة إلى طريق الانتصارات، مستفيداً من عاملي الأرض والجمهور، في وقت يتطلع فيه يايسله إلى استعادة الاستقرار الفني والبدني للفريق خلال المرحلة الحاسمة من الموسم.


خيسوس: مشكلة تجديد عقد غريب مع الإدارة... واللاعب يهمني

خورخي خيسوس (الشرق الأوسط)
خورخي خيسوس (الشرق الأوسط)
TT

خيسوس: مشكلة تجديد عقد غريب مع الإدارة... واللاعب يهمني

خورخي خيسوس (الشرق الأوسط)
خورخي خيسوس (الشرق الأوسط)

أكد خورخي خيسوس، مدرب نادي النصر، أن المنتخب السعودي تطور بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أن الاحتكاك بمدربين كبار ولاعبين على مستوى عالٍ أسهم في رفع جودة اللاعب السعودي.

وقال خيسوس رداً على سؤال «الشرق الأوسط» بشأن مستقبل المنتخب السعودي في كأس العالم، خلال المؤتمر الصحافي لمواجهة النصر والنجمة اليوم الخميس: «وفق رأيي؛ أنا أعرف كرة القدم السعودية جيداً، واللاعب السعودي تطور بشكل ملحوظ مع المدربين الكبار واحتكاكه بلاعبين كبار. المنتخب السعودي اليوم أفضل من السابق، وأعتقد أنه سيقدم أداءً جيداً في كأس العالم، لكن من الصعب تحقيق البطولة».

وعن إمكانية قبوله تدريب المنتخب السعودي في كأس العالم لو طُلب منه ذلك، قال خيسوس: «في كرة القدم لا يوجد (لو)، والحقيقة يجب أن تكون ملموسة. قبل عامين استُدعيت لتدريب المنتخب السعودي، لكنني وقعت مع الهلال. أما الآن فتركيزي منصب على تحقيق الدوري مع نادي النصر، وأطلب من جماهيرنا دعم الفريق في المرحلة المقبلة؛ إذ تفصلنا خطوات قليلة عن تحقيق الدوري بعدما كان النصر بعيداً عن المنافسة».

وتطرق المدرب البرتغالي إلى ملف عبد الرحمن غريب، موضحاً أن قضية تجديد عقده شأن إداري، وقال: «مشكلة تجديد عقد عبد الرحمن غريب مع الإدارة، لكن بالنسبة إليّ اللاعب مهم في الحاضر والمستقبل، ولدينا ثقة كبيرة به، وأي شيء متعلق بالمال عمل إداري».

وأضاف خيسوس أن إعداد الفريق لمواجهة النجمة لم يقتصر على فترة التوقف، بل جاء امتداداً للعمل طيلة الموسم، موضحاً: «تجهيزنا للمباراة ليس في فترة التوقف فقط، بل على مدى موسم كامل. وفي الفترة الأخيرة تدربنا بـ10 لاعبين فقط بسبب ارتباط الآخرين مع منتخباتهم. نريد الفوز غداً، وتتبقى لنا 8 نهائيات».

وعن البرتغالي جواو فيليكس، قال: «أعرف جواو فيليكس جيداً، وأعرف قيمته وإمكاناته؛ لذلك أصررت على النادي لاستقطابه. هو الأكثر صناعة للأهداف في الدوري، وما زال الموسم مستمراً».

وشدد خيسوس على أهمية الحفاظ على الصدارة، قائلاً: «الأهم هو المحافظة على الصدارة، ونحن أكثر فريق تسجيلاً للأهداف. نحتاج إلى المحافظة على اللاعبين، وأتمنى أن نبتعد عن الإصابات؛ لأن لدينا ضغط مباريات في الأيام المقبلة، ونحتاج إلى جميع اللاعبين».

وبشأن الإصابات، أوضح: «لدينا تدريب اليوم، ومن المفترض عودة رونالدو وماني، فيما يعاني سيماكان من إصابة خفيفة، وسيتدرب معنا. أما كومان، فيشعر بإرهاق، وسنقيّم حالته خلال تدريب اليوم».

وأشار خيسوس إلى عودته للحديث مع الإعلام بعد فترة انقطاع، قائلاً: «لم نجتمع مع الإعلاميين منذ 20 يوماً، واليوم نعود بعد هذا الانقطاع».

وختم حديثه بالإشارة إلى سامي النجعي وعبد الملك الجابر، قائلاً: «من الصعب أن يكونا ضمن خياراتنا في الفترة المقبلة؛ لأنهما لم يلعبا مدة طويلة، وعليهما مساعدة الفريق من خلال تجهيز نفسيهما للموسم المقبل».


المصريون في البيت... ملل وخناقات و«كوميكس»

محال مصرية مغلقة وسط القاهرة (محافظة القاهرة)
محال مصرية مغلقة وسط القاهرة (محافظة القاهرة)
TT

المصريون في البيت... ملل وخناقات و«كوميكس»

محال مصرية مغلقة وسط القاهرة (محافظة القاهرة)
محال مصرية مغلقة وسط القاهرة (محافظة القاهرة)

«إنت أكيد متجوز عليا»، اتهام وجَّهته المصرية هند إبراهيم (اسم مستعار)، ربة المنزل الثلاثينية، إلى زوجها؛ بسبب تحججه بالذهاب إلى أحد المقاهي مساءً بشكل يومي وغيابه حتى منتصف الليل، رغم قرار إغلاق المقاهي عند التاسعة.

الاتهام نتج عنه شجار محتدم بين الزوجين، ولم تهدأ الزوجة إلا بعد أن قام الزوج بتصوير مقطع فيديو لنفسه داخل المقهى «المُظلم» رفقة أصدقائه، حيث تكون جلستهم خِلسةً؛ تحايلاً على القرار الحكومي.

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية، فيكون الغلق في العاشرة مساءً».

القرار استبشرت به هند؛ لجمع شمل الأسرة، لكن الزوج أبى الجلوس في المنزل بداعي الملل، خصوصاً أنَّه اعتاد الخروج يومياً، ما أغضب زوجته، متسائلة في غضب: «هل أنا بُعبع لكي يرفض الجلوس معي؟!»، لافتة إلى استمرار شكها في خيانته لها رغم فيديو المقهى.

في زاوية من منزله الكائن بمحافظة المنوفية (دلتا النيل)، يجلس محمد رأفت (45 عاماً)، وهو محاسب وأب لثلاثة أبناء، واضعاً يداً على خده وبالأخرى ممسكاً بـ«ريموت» التلفاز متجولاً بين قنواته.

يصف محمد حاله مثل «الأسير»، مبيناً أن «جلسة الصالة» بعد التاسعة تحوَّلت إلى مشاحنات متكررة مع أبنائه حول الأنوار المضاءة من دون فائدة، أو استهلاك الإنترنت المتزايد، أو الدخول في سجالات لا تنتهي مع زوجته.

يقول رأفت بضيق لـ«الشرق الأوسط»: «قبل الإغلاق كنت أهرب إلى المقهى من ضجيج الدروس الخصوصية وطلبات المنزل التي لا تنتهي، أما اليوم فأنا في مواجهة مباشرة مع زوجتي وأبنائي».

بعد «الريموت»، يمسك الأب بهاتفه بوصفه طوق نجاة آخر من الملل، يفرّ به من الصالون الصاخب إلى عالم «فيسبوك» الافتراضي، تتبدَّل ملامحه من الضيق إلى ابتسامة خافتة وهو يقرأ منشوراً يقول: «واضح إن الإغلاق الحكومي خلى كل واحد يقابل الحكومة الداخلية بتاعته وجهاً لوجه... البيوت داخلة على دوري أبطال العالم في الخناقات الزوجية».

بين «شكوك» الزوجة، والزوج «الأسير»، يأتي المشهدان ليسجِّلا تداعيات «الإغلاق المبكر»، الذي فتح الباب لقصص تُكتَب وراء جدران المنازل، بطلها «الملل»، وذروة أحداثها «الخناقات»، وتروي تفاصيلها «الكوميكس».

فمع تطبيق القرار الحكومي وجد المصريون أنفسهم أمام واقع جديد يفرض عليهم البقاء في المنازل لفترات أطول، ما انعكس مباشرة على الحياة الأسرية والاجتماعية، والحالة النفسية بتداخل مشاعر متعددة.

حظر فتح المحال في التاسعة مساء أثار انعكاسات اجتماعية على الأسر المصرية (محافظة الإسكندرية)

الدكتورة زينب أحمد نجيب، الخبيرة الاجتماعية واستشارية العلاقات الأسرية والإنسانية وتطوير الذات، توضِّح أن «قرار الإغلاق المبكر فرض واقعاً جديداً داخل البيوت المصرية، فمن ناحية أتاح للأسر فرصةً نادرةً لقضاء وقت أطول معاً؛ ما يعزِّز الروابط العائلية، لكن في المقابل كشف هذا التغيير المفاجئ عن خلافات كامنة وزاد من التوتر بين الأزواج، خصوصاً مع عدم استعدادهم للتكيُّف مع البقاء الطويل بالمنزل»، وتُبيِّن أنَّ إغلاق المقاهي والمحال مبكراً حرم كثيرين من متنفسهم اليومي، وأدى إلى ضغوط نفسية واجتماعية واضحة، حيث يشعرون بالاختناق والقلق لأنَّهم لم يألفوا التقييد، بل اعتادوا براح الليل.

تضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الوجود الطويل داخل البيت بدأ يكشف عن صدوع مخفية في العلاقات الأسرية كانت تُغطَّى بالانشغال بالخارج، كما أنَّه لا يمكن فصل الأثر الاجتماعي عن الواقع الاقتصادي، فالوجود المستمر داخل المنزل في ظلِّ الأزمات المالية يزيد من سقف الطلبات المنزلية التي قد لا تُلبَّى، مما يولِّد عنفاً أسرياً ناتجاً عن العجز والضغط، هذا السيناريو يعيد للأذهان فترة جائحة (كورونا) وما تبعها من ارتفاع ملحوظ في معدلات الطلاق والنزاعات العائلية؛ بسبب تراجع الدخل المباشر لبعض الأسر نتيجة الإغلاق».

بدوره، قال الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، لـ«الشرق الأوسط»، إن تقارير منظمة الصحة العالمية خلال جائحة «كورونا»، أشارت إلى أنَّ الاحتباس المنزلي القسري رفع معدلات العنف الأسري بنسب مُقلقة. واليوم، يواجه المواطن المصري خطراً مماثلاً؛ ففقدان حرية الحركة ليلاً قد يؤدي إلى اعتلال الحالة المزاجية، والإصابة بحالات من الكآبة النفسية، وبالتالي تحوُّل المنزل من مكان للراحة إلى ساحة لـ«الاحتكاك».

ويتابع: «المواطن الذي اعتاد تفريغ طاقته في الفضاء العام (المقاهي والشوارع)، يجد نفسه فجأة داخل بيته لساعات طويلة، هذا الفراغ يدفع رب الأسرة أحياناً للتدخل في أدق تفاصيل المنزل، وفقاً للمثل الشعبي (الفاضي يعمل قاضي)، وهو ما يفتح أبواباً للصراعات واختلاق مشكلات أسرية غير مُبرَّرة».

قرار الإغلاق المبكر للمقاهي فرض واقعاً جديداً داخل البيوت المصرية (محافظة الدقهلية)

تأثيرات أخرى يلفت إليها هندي، قائلاً: «نحن كذلك أمام خطر اختلال الساعة البيولوجية، فالقلق الناتج عن الحرمان من الخروج، يولِّد أرقاً وصعوبات في النوم؛ ما يدفع بالجلوس الطويل أمام الشاشات بديلاً للخروج، ما قد يرفع معدلات الإدمان الإلكتروني، وزيادة الخيانة الزوجية الافتراضية، علاجاً لحالة الملل الجماعي، مع ازدياد معدلات التدخين بوصفه آليةً لتفريغ القلق».

لمواجهة الأبواب المغلقة، وتداعياتها الاجتماعية والنفسية، فتح المصريون نافذةً للتكيُّف معها على منصات التواصل الاجتماعي، عبر تدوينات ساخرة وتوظيف «الكوميكس»، المستلهمة من الدراما الكوميدية.

وتوقَّع كثير من المتفاعلين «اشتعالاً» في العلاقات الزوجية نتيجة وضع «البنزين» بجوار «النار»، وأن تنتهي المشاحنات في مراكز الشرطة، في تعبير ساخر عن حالة الضيق التي خلَّفها القرار.

السخرية من الرجل المطرود من مقهاه، والزوجة التي فقدت هدوء المنزل، دارت حولها كثير من المنشورات، وبمسحة سياسية أشار آخرون إلى أنَّ الأمن الاجتماعي داخل البيت لا يقل أهمية عن الأمن الخارجي.

كما تضررت الكثيرات من أعباء إضافية بعودة الأزواج في التاسعة، ونقل طلبات المقهى إلى داخل المنزل، أو بتدخل الزوج في أدق أمور المنزل.

وللنجاة من هذا الفخِّ النفسي والاجتماعي، يوضِّح استشاري الصحة النفسية أنه يجب على المصريين إعادة هندسة وقتهم ومجهودهم داخل المنزل، من خلال إدارة ذكية للعقل عبر تبني سلوكيات تفاؤلية، وتنظيم أنشطة منزلية تعوض الفقد الاجتماعي، حتى لا يتحوَّل قرار بسيط إلى أزمة اكتئاب جماعي.

بينما توضِّح خبيرة العلاقات الأسرية أن «التحدي الحقيقي أن تتحوَّل الفترة الحالية إلى فرصة لتعزيز الروابط الأسرية، عبر تنظيم أنشطة جماعية داخل المنزل، ومشاركة الأبناء في أنشطة بسيطة، واحترام المساحة الشخصية لكل فرد، فالأزمة قد تكون اختباراً صعباً، لكنها أيضاً فرصة لإعادة اكتشاف التواصل الأسري وتقوية الروابط الضعيفة».