جورجيت صايغ لـ«الشرق الأوسط»: أنا منفصلة عن هذا الزمن

تتذكر الرحابنة ودروساً تعلمتها منهم

قدمت جورجيت صايغ مع الراحل ملحم بركات «بِلغِي كِل مواعيدي»
قدمت جورجيت صايغ مع الراحل ملحم بركات «بِلغِي كِل مواعيدي»
TT

جورجيت صايغ لـ«الشرق الأوسط»: أنا منفصلة عن هذا الزمن

قدمت جورجيت صايغ مع الراحل ملحم بركات «بِلغِي كِل مواعيدي»
قدمت جورجيت صايغ مع الراحل ملحم بركات «بِلغِي كِل مواعيدي»

بقامتها المنمنمة، وحضورها خفيف الظل، أطلَّت الفنانة جورجيت صايغ على محبيها بعد طول غياب. والمناسبة تكريمها من خلال مهرجان «الفن الجميل»، الذي ينظمه دكتور هراتش ساغبازاريان سنوياً.
عندما تحدثك عن هذه الإطلالة يتملكها شغف الفن من جديد. وتؤكد أنها شاركت في هذا التكريم، وقبلته بكل حب، لأنه ينبع من مواطن لبناني، عنوانه الوفاء.
جورجيت صايغ هي واحدة من فنانات الزمن الجميل، اللاتي رغم مرور سنوات طويلة على غيابها لا تزال تملك شعبية لا يُستهان بها. أغانيها: «ياما سوا» و«دلوني عالعينين السود» و«بنت المعاون» و«بويا بويا» و«بلغي كل مواعيدي» مع الراحل ملحم بركات، لا تزال أجيال من اللبنانيين ترددها حتى اليوم.
وتعلق صايغ في حديث لـ«الشرق الأوسط» عن مناسبة تكريمها: «ما يقوم به دكتور هراتش ترفع له القبعة. وأنا ممتنة له كثيراً، لأنه مقاوم من نوع آخر ووفيّ لزمن الفن الجميل بكل أبعاده.
سعدت بالتعرف إليه أكثر من اللفتة التكريمية التي حظيت بها؛ فتكريمي الحقيقي هو عندما تلتفت إلينا الدولة كفنانين لا ضمان شيخوخة عندنا، ومن دون اهتمام معنوي ومادي واجتماعي. والأمثلة كثيرة عن فنانين زملاء قسى عليهم الزمن، ولم يجدوا في آخر أيامهم من يدعمهم ويساعدهم. أما التكريم الأكبر والأحب إلى قلبي؛ فهو عندما تعيد لنا دولتنا الكريمة لبنان الذي نعرفه. لبنان السبعينات الذي كانت بلدان العالم تتغنى وتتمثل به.
في الحقيقة أي تكريم آخر لا يهمني، بقدر عودة بلدي إلى ما كان عليه».
وتسترجع صايغ فترة لبنان العزّ، وتتحدث عن الرسالة التي حملها الفنانون في تلك الحقبة؛ فكانوا يرفعون اسم بلادهم عالياً أينما حلوا. «لقد تعاملت مع الرحابنة عاصي ومنصور وإلياس لنحو 11 عاماً. ومشيت معهم مشواراً طويلاً، علموني خلاله أن الكرامات أساسية للنجاح».
وماذا تعلمت منهم؟ «أصول الفن والغناء والحضور على المسرح. فأكثر ما يهمهم عند إطلالة الفنان على المسرح هو التمتع بخفة الظل. وورثت عنهم (السرسبة)، أي هاجس القلق الذي كان يلازمني، وأضطر إلى السؤال عن أفراد عائلتي في كل دقيقة، كي أطمئن عنهم. فهم كانوا يقدسون عائلاتهم ويعطونها الكثير. وكانت هذه العادة تتملكهم؛ فورثتها عنهم بشكل غير مباشر».

صايغ ومايا يزبك في حفل تكريمها في مهرجان «الزمن الجميل»

تقول صايغ إن أجمل أيام حياتها أمضتها مع الرحابنة، الإخوة الثلاثة؛ فالنجاحات التي حققتها معهم لا تُعدّ ولا تحصى. «إنهم لن يتكرروا؛ لا اليوم ولا بعد ألف عام. لقد كانوا نوابغ في التفكير وعظماء في الفعل». وعما يزعجها اليوم على الساحة، تقول: «التواضع هو ما نفتقده اليوم عند أهل الفن. الراحلان وديع الصافي وصباح، كذلك إيلي شويري والراحل نصري شمس الدين، وكل فرد من فرقة الرحابنة يتمتع بهذه الصفة، لأنها قاعدة أساسية عندهم».
برأي جورجيت صايغ، فإن الفنان اليوم يطير عن الأرض إذا ما حققت واحدة من أغنياته النجاح. «هذا خطأ، ولطالما كان يردد علينا الرحابنة أن التواضع أساس نجاح الفنان، وإلا وقع وفشل. سعيدة كوني عملت في زمن العمالقة والفن النظيف والجميل».
يطول حديث صايغ عن تلك الحقبة مع الرحابنة، وتستذكرها بحماس وتصفها بعصر الأمان والحب؛ فكل درجة من درجات هياكل بعلبك تحمل لها الذكرى الحلوة، مع أنها كانت تصيب الفرقة بالتعب عند التمارين من كثرة الصعود والنزول عليها. «العمل كان جدياً وشاقاً يهدّ الروح، ولكننا كنا سعداء بما نقوم به كعائلة واحدة موحدة، لا غيرة ولا حسد بين أفرادها. فالعمل مع الرحابنة يشعر صاحبه بالأمان، وكأنه محاط بملائكة، فلا يعود يخاف من أي شيء، ومحميّ من أي شر».
قلَّ تواصلها اليوم مع الرحابنة، فكانت قبل الجائحة على اتصال مع فيروز وهدى حداد وكذلك مع غسان الرحباني نجل الراحل إلياس. وعما إذا شاهدت الصور التي نشرتها ريما الرحباني مؤخراً، وتبين فيروز مع أولادها؛ هالي وزياد وريما، ترد: «لا أحب وسائل التواصل الاجتماعي، وكل مظاهر التكنولوجيا والحداثة. امتنعت عن استخدامها منذ البداية، فرفضتها قولاً وفعلاً».
تعيش جورجيت صايغ منفصلة عن هذا العالم، لماذا؟ «انزويت، وهو أسوأ ما يمكن أن يعيشه شخص ما. لم أفكر ببناء عائلة صغيرة لي، وأن أرزق بالأولاد مع أني أحب الأطفال كثيراً.
مر الوقت بسرعة وانشغلت بالفن، صحيح أنني محاطة بأبناء إخوتي، ولكن الولد من صلبك عزيز أيضاً. جرفني الفن وخفت من الزواج في تلك المرحلة بسبب مصادفتي الكثير من حالات الفشل بين أصدقاء ومعارف. لو فكرت بهدوء لكنت اتخذت القرار المناسب، وبنيت عائلة حلوة؛ فهي غلطة كبيرة اقترفتها بحق نفسي. هذا هو القلق الذي حدثتك عنه، كان يمنعني من القيام بأشياء كثيرة».
لا يهم جورجيت صايغ أن تفتح حسابات إلكترونية، وتجمع آلاف المتابعين حولها، لأنها كما تقول: «يكفيني أن ألتقي بشخص أو اثنين على الطريق، ويسلمان علي ويبثان لي إعجابهما بي وجهاً لوجه؛ فالشعور يكون أقوى، والفرح يلامس قلبي عن قرب، وقد عودت نفسي على ذلك، ولا يهمني هذا الموضوع بتاتاً».
انفصال صايغ عن هذا الزمن هل تعوضه باسترجاع ذكرياتها؟ ترد: «لا... أبداً، لا أحب العودة إلى الوراء، ولا بالمسرح، ولا بالغناء. حتى إن هذه الأفكار لا تخطر على بالي. عندي من الهموم ما يكفيني كي لا أتذكر تلك الحقبة».
مقتنعة جورجيت صايغ بأن لكل زمن رجاله، وأن لكل نجاح عمراً محدداً. فالفن يتجدد برأيها مع مواهب جديدة، وعلى الفنان ألا يستهلك نفسه حتى النهاية.
وعليه أن ينسحب بهدوء وفي الوقت المناسب.
وماذا عن إطلالتك على مسرح مهرجان «الفن الجميل»؛ ألم تحرّك الحنين عندك للغناء من جديد؟ «دائماً أغني وأعتلي المسارح، ولكن من دون شوشرة وإعلام وتصوير، فأعود بأفكاري قليلاً إلى الوراء». وتختم هذا الموضوع: «آخ..! هذا يكفي».
لا تُعتبر مهنة الفن ناكرة للجميل بل تعمر طويلاً، فهي حتى بعد انسحابها عن الساحة يتعرف إليها الناس ويفرحون بملاقاتها. «هناك أحد المعجبين من مصر اتصل بي من فترة قصيرة بعد أن حصل على رقم هاتفي من صديق لي. هو لا يزال يافعاً في السادسة عشرة من عمره. تعجبت مما يكنه لي من متابعة وإعجاب، وهو في هذه السن؛ فهو نموذج عن التعويض الذي يكافئني به رب العالمين عن حبي لعملي بين وقت وآخر، فلقد سعدت باتصال هذا الشاب كثيراً».
بدايات صايغ مع الغناء حدثت بالصدفة؛ إذ كانت تنوي دخول مسرح الرحابنة من باب الدبكة اللبنانية. ولكن شاءت الصدف أن يستمع الأخوان الرحباني إلى صوتها وتوجيهها نحو الغناء. «تخلفت عن موعدي معهما بداية بسبب قسوة والدي، ومن ثم، وبعدما شعرت منه بالموافقة ذهبت إلى الموعد، ومن هناك انطلقت مسيرتي الغنائية. فالرحابنة وجدوا قامتي القصيرة والصغيرة لا تصلح للدبكة، وبذلك تحولتُ إلى الغناء».
رفيقتها اليوم السيجارة، مع أنها بدأت في تدخينها في عمر متأخر: «لم تكن تعني لي السيجارة أي شيء، بل مرة نهرني الراحل عاصي الرحباني، عندما رآني مرتبكة بتدخين سيجارة مجاراة لأصدقائي في الفرقة.
سألني يومها لماذا أدخن السيجارة؟ فأجبته بأن أصدقائي يلحّون علي لأقوم بذلك؛ فقال لي: وحتى لو قدموا لك كوباً من السمّ هل ستشربينه؟ عندها استوعبت نصيحته ورميت السيجارة إلى غير رجعة. وفيما بعد تعلقتُ بها عندما تحداني شخص كنت مغرمة به؛ فأنَّبني عندما رآني أدخن سيجارة، وقام بتهديدي فيما لو أعدتُ الكرَّة. ومن باب النكايات، بقيت أدخن السجائر، وما زلت حتى اليوم».
وتخبرنا صايغ أنها كانت تحب دائماً أن تدندن وتغني، ولكنها توقفت عن ذلك بعد وفاة شقيقتها التي كانت تحبها كثيراً. وتتوجه بنصيحة ذهبية إلى أهل الفن، مختتمة حديثها: «(خلّيكن عالأرض)، واتصفوا بالتواضع... افرحوا لنجاحات بعضكم البعض، ودعوا المحبة تسكن قلوبكم».


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».


«مهرجانات بعلبك الدولية» تعلن عن حفل موسيقي - سينمائي في عيدها الـ70

مصدر هذه الصورة (فيسبوك غابرييل يارد)
مصدر هذه الصورة (فيسبوك غابرييل يارد)
TT

«مهرجانات بعلبك الدولية» تعلن عن حفل موسيقي - سينمائي في عيدها الـ70

مصدر هذه الصورة (فيسبوك غابرييل يارد)
مصدر هذه الصورة (فيسبوك غابرييل يارد)

الصيف المقبل تحتفي «مهرجانات بعلبك الدولية» بمرور 70 سنة على انطلاقتها، بحفل موسيقي-سينمائي تشهده القلعة الرومانية المهابة يوم 24 يوليو (تموز) المقبل، استذكاراً لهذه المناسبة الكبيرة، وتكريماً للموسيقي الموهوب اللبناني-الفرنسي غابرييل يارد الذي أنجز أجمل الموسيقات التصويرية.

وهي من المرات القليلة التي يعلن فيها عن حفل الافتتاح للمهرجانات بهذا الشكل المبكر، حيث تجمع الليلة الأولى، في إنتاج مشترك، مهرجان بعلبك مع مهرجان أبو ظبي، والأوركسترا الكبيرة لبودابست، وعازفين أوروبيين منفردين، وجوقة الجامعة الأنطونية، وغابرييل يارد عزفاً على البيانو.

وأعلن عن الحفل في مؤتمر صحافي شارك فيه وزير الثقافة غسان سلامة، ورئيسة مهرجانات بعلبك نايلة دي فريج، ومؤسسة «مجموعة أبو ظبي للثقافة والفنون» هدى الخميس كانو، كما شارك الفنان غابرييل يارد الذي قال في كلمته: «إنّ تقديم أيّ فنّان لعرض في مهرجانات بعلبك الدولية، يُعدّ حلماً لأنّها من أعرق المهرجانات في العالم، وهو الأوّل في منطقة الشرق الأوسط. وبالنسبة لي، بصفتي مؤلف موسيقي لبناني، فإنّ العزف في قلب تلك المعابد العريقة للمرّة الأولى هو فرح عظيم وشرف كبير!»، وأضاف: «رغم أنّ مصطلح (المقاومة الثقافية) قد يبدو مستهلكاً، فإنّه ينطبق تماماً على مهرجانات بعلبك ومنظميه، الذين يُصرّون على الاحتفال بالذكرى السبعين، رغم كلّ الصعاب!».

وقالت دي فريج: «إنّ جمال معبدي باخوس وجوبيتر وهيبتهما يوفّران إطاراً رائعاً، لكنهما لا يكفيان وحدهما. فهما يتطلّبان عروضاً قادرة على مجاراة هذه العظمة ليتحقّق لهما السحر».

يقدم هذا الحفل الموسيقي الكبير مصحوباً بمقاطع سينمائية تُعرض على جدران المعبد العريقة. حيث يتم تزامناً مع العزف الحي عرض مقتطفات من أفلام يارد على جدران معبد باخوس المعمّرة، مما يولّد تجربة فريدة تتفاعل فيها الصورة مع الموسيقى.

وفي كلمته الافتتاحية أكد وزير الثقافة، غسان سلامة، دعمه المطلق لمهرجانات بعلبك الدولية، مُسلّطاً الضوء على دورها التاريخي رمزاً للتميز الفنّي والصمود والفخر الوطني».

غابرييل يارد في إحدى حفلاته (فيسبوك)

أما الموسيقي غابرييل يارد، الذي يعتبر أحد أكبر المؤلّفين المعاصرين، فمنذ باكورة مسيرته، وجد في بعلبك مصدر إلهام له، ما شجعه على أن يكون جزءاً من الاحتفالية السبعينية. ويُعدّ يارد الفنان اللبناني الوحيد الذي نال جائزتي الأوسكار والسيزار، وقد رُشِّح مرات عدة لجوائز السيزار، كما حصد العديد من الجوائز والتكريمات في مختلف أنحاء العالم، وفي جعبته أعمالِ عظيمة، وموسيقى تصويرية لأكثر من 70 فيلماً في السينما الفرنسية والأميركية.

وقالت عنه هدى الخميس كانو في كلمتها في المؤتمر: «تسمو موسيقى غابرييل يارد بأرواحنا، وتحلّق بنا في فضاءات الإبداع، ببَصْمَته المُتَفرِّدة، ونبضِ إيقاعِهِ، بإحساسه العميق، بما تحفظُهُ الذاكرة، وما يستعيدهُ الحنين والألفة، مُتجذّراً في روحِ لبنانَ وقِيَمِ المشرِق».

حفل هبة طوجي في مهرجانات بعلبك الدولية العام الماضي (خاص - الشرق الأوسط)

مهرجانات بعلبك الدولية، هي أم المهرجانات العربية، وكانت رائدة يوم انطلقت لأول مرة عام 1956 بعروض دولية للموسيقى الكلاسيكية والمسرح، وسرعان ما أصبحت الأبرز في المنطقة، مدفوعة برؤية الرئيس كميل شمعون وزوجته زلفا، وبمساندة رعاةٍ محبّين للفن والجمال.

ومنذ عام 1957، أدى إدخال عرض لبناني بمشاركة فيروز والأخوين رحباني إلى ولادة «الليالي اللبنانية»، التي أصبحت تقليداً، وكشفت على مرّ السنوات عن مواهب لبنانية كبيرة. وتعاقب منذ ذلك الحين على المهرجان فنانين دوليين ومحليين، في حوارٍ جمع بين الموسيقى الكلاسيكية والمسرح والرقص والأوبرا والجاز.

وبعد التوقف الذي فرضته الحرب الأهلية اللبنانية، استأنفت المهرجانات نشاطها عام 1997، محافظًة على التزامها بالتميّز، ومستلهمة روح المثابرة والاستمرار، رغم المحن التي يمرّ بها البلد.