جورجيت صايغ لـ«الشرق الأوسط»: أنا منفصلة عن هذا الزمن

تتذكر الرحابنة ودروساً تعلمتها منهم

قدمت جورجيت صايغ مع الراحل ملحم بركات «بِلغِي كِل مواعيدي»
قدمت جورجيت صايغ مع الراحل ملحم بركات «بِلغِي كِل مواعيدي»
TT

جورجيت صايغ لـ«الشرق الأوسط»: أنا منفصلة عن هذا الزمن

قدمت جورجيت صايغ مع الراحل ملحم بركات «بِلغِي كِل مواعيدي»
قدمت جورجيت صايغ مع الراحل ملحم بركات «بِلغِي كِل مواعيدي»

بقامتها المنمنمة، وحضورها خفيف الظل، أطلَّت الفنانة جورجيت صايغ على محبيها بعد طول غياب. والمناسبة تكريمها من خلال مهرجان «الفن الجميل»، الذي ينظمه دكتور هراتش ساغبازاريان سنوياً.
عندما تحدثك عن هذه الإطلالة يتملكها شغف الفن من جديد. وتؤكد أنها شاركت في هذا التكريم، وقبلته بكل حب، لأنه ينبع من مواطن لبناني، عنوانه الوفاء.
جورجيت صايغ هي واحدة من فنانات الزمن الجميل، اللاتي رغم مرور سنوات طويلة على غيابها لا تزال تملك شعبية لا يُستهان بها. أغانيها: «ياما سوا» و«دلوني عالعينين السود» و«بنت المعاون» و«بويا بويا» و«بلغي كل مواعيدي» مع الراحل ملحم بركات، لا تزال أجيال من اللبنانيين ترددها حتى اليوم.
وتعلق صايغ في حديث لـ«الشرق الأوسط» عن مناسبة تكريمها: «ما يقوم به دكتور هراتش ترفع له القبعة. وأنا ممتنة له كثيراً، لأنه مقاوم من نوع آخر ووفيّ لزمن الفن الجميل بكل أبعاده.
سعدت بالتعرف إليه أكثر من اللفتة التكريمية التي حظيت بها؛ فتكريمي الحقيقي هو عندما تلتفت إلينا الدولة كفنانين لا ضمان شيخوخة عندنا، ومن دون اهتمام معنوي ومادي واجتماعي. والأمثلة كثيرة عن فنانين زملاء قسى عليهم الزمن، ولم يجدوا في آخر أيامهم من يدعمهم ويساعدهم. أما التكريم الأكبر والأحب إلى قلبي؛ فهو عندما تعيد لنا دولتنا الكريمة لبنان الذي نعرفه. لبنان السبعينات الذي كانت بلدان العالم تتغنى وتتمثل به.
في الحقيقة أي تكريم آخر لا يهمني، بقدر عودة بلدي إلى ما كان عليه».
وتسترجع صايغ فترة لبنان العزّ، وتتحدث عن الرسالة التي حملها الفنانون في تلك الحقبة؛ فكانوا يرفعون اسم بلادهم عالياً أينما حلوا. «لقد تعاملت مع الرحابنة عاصي ومنصور وإلياس لنحو 11 عاماً. ومشيت معهم مشواراً طويلاً، علموني خلاله أن الكرامات أساسية للنجاح».
وماذا تعلمت منهم؟ «أصول الفن والغناء والحضور على المسرح. فأكثر ما يهمهم عند إطلالة الفنان على المسرح هو التمتع بخفة الظل. وورثت عنهم (السرسبة)، أي هاجس القلق الذي كان يلازمني، وأضطر إلى السؤال عن أفراد عائلتي في كل دقيقة، كي أطمئن عنهم. فهم كانوا يقدسون عائلاتهم ويعطونها الكثير. وكانت هذه العادة تتملكهم؛ فورثتها عنهم بشكل غير مباشر».

صايغ ومايا يزبك في حفل تكريمها في مهرجان «الزمن الجميل»

تقول صايغ إن أجمل أيام حياتها أمضتها مع الرحابنة، الإخوة الثلاثة؛ فالنجاحات التي حققتها معهم لا تُعدّ ولا تحصى. «إنهم لن يتكرروا؛ لا اليوم ولا بعد ألف عام. لقد كانوا نوابغ في التفكير وعظماء في الفعل». وعما يزعجها اليوم على الساحة، تقول: «التواضع هو ما نفتقده اليوم عند أهل الفن. الراحلان وديع الصافي وصباح، كذلك إيلي شويري والراحل نصري شمس الدين، وكل فرد من فرقة الرحابنة يتمتع بهذه الصفة، لأنها قاعدة أساسية عندهم».
برأي جورجيت صايغ، فإن الفنان اليوم يطير عن الأرض إذا ما حققت واحدة من أغنياته النجاح. «هذا خطأ، ولطالما كان يردد علينا الرحابنة أن التواضع أساس نجاح الفنان، وإلا وقع وفشل. سعيدة كوني عملت في زمن العمالقة والفن النظيف والجميل».
يطول حديث صايغ عن تلك الحقبة مع الرحابنة، وتستذكرها بحماس وتصفها بعصر الأمان والحب؛ فكل درجة من درجات هياكل بعلبك تحمل لها الذكرى الحلوة، مع أنها كانت تصيب الفرقة بالتعب عند التمارين من كثرة الصعود والنزول عليها. «العمل كان جدياً وشاقاً يهدّ الروح، ولكننا كنا سعداء بما نقوم به كعائلة واحدة موحدة، لا غيرة ولا حسد بين أفرادها. فالعمل مع الرحابنة يشعر صاحبه بالأمان، وكأنه محاط بملائكة، فلا يعود يخاف من أي شيء، ومحميّ من أي شر».
قلَّ تواصلها اليوم مع الرحابنة، فكانت قبل الجائحة على اتصال مع فيروز وهدى حداد وكذلك مع غسان الرحباني نجل الراحل إلياس. وعما إذا شاهدت الصور التي نشرتها ريما الرحباني مؤخراً، وتبين فيروز مع أولادها؛ هالي وزياد وريما، ترد: «لا أحب وسائل التواصل الاجتماعي، وكل مظاهر التكنولوجيا والحداثة. امتنعت عن استخدامها منذ البداية، فرفضتها قولاً وفعلاً».
تعيش جورجيت صايغ منفصلة عن هذا العالم، لماذا؟ «انزويت، وهو أسوأ ما يمكن أن يعيشه شخص ما. لم أفكر ببناء عائلة صغيرة لي، وأن أرزق بالأولاد مع أني أحب الأطفال كثيراً.
مر الوقت بسرعة وانشغلت بالفن، صحيح أنني محاطة بأبناء إخوتي، ولكن الولد من صلبك عزيز أيضاً. جرفني الفن وخفت من الزواج في تلك المرحلة بسبب مصادفتي الكثير من حالات الفشل بين أصدقاء ومعارف. لو فكرت بهدوء لكنت اتخذت القرار المناسب، وبنيت عائلة حلوة؛ فهي غلطة كبيرة اقترفتها بحق نفسي. هذا هو القلق الذي حدثتك عنه، كان يمنعني من القيام بأشياء كثيرة».
لا يهم جورجيت صايغ أن تفتح حسابات إلكترونية، وتجمع آلاف المتابعين حولها، لأنها كما تقول: «يكفيني أن ألتقي بشخص أو اثنين على الطريق، ويسلمان علي ويبثان لي إعجابهما بي وجهاً لوجه؛ فالشعور يكون أقوى، والفرح يلامس قلبي عن قرب، وقد عودت نفسي على ذلك، ولا يهمني هذا الموضوع بتاتاً».
انفصال صايغ عن هذا الزمن هل تعوضه باسترجاع ذكرياتها؟ ترد: «لا... أبداً، لا أحب العودة إلى الوراء، ولا بالمسرح، ولا بالغناء. حتى إن هذه الأفكار لا تخطر على بالي. عندي من الهموم ما يكفيني كي لا أتذكر تلك الحقبة».
مقتنعة جورجيت صايغ بأن لكل زمن رجاله، وأن لكل نجاح عمراً محدداً. فالفن يتجدد برأيها مع مواهب جديدة، وعلى الفنان ألا يستهلك نفسه حتى النهاية.
وعليه أن ينسحب بهدوء وفي الوقت المناسب.
وماذا عن إطلالتك على مسرح مهرجان «الفن الجميل»؛ ألم تحرّك الحنين عندك للغناء من جديد؟ «دائماً أغني وأعتلي المسارح، ولكن من دون شوشرة وإعلام وتصوير، فأعود بأفكاري قليلاً إلى الوراء». وتختم هذا الموضوع: «آخ..! هذا يكفي».
لا تُعتبر مهنة الفن ناكرة للجميل بل تعمر طويلاً، فهي حتى بعد انسحابها عن الساحة يتعرف إليها الناس ويفرحون بملاقاتها. «هناك أحد المعجبين من مصر اتصل بي من فترة قصيرة بعد أن حصل على رقم هاتفي من صديق لي. هو لا يزال يافعاً في السادسة عشرة من عمره. تعجبت مما يكنه لي من متابعة وإعجاب، وهو في هذه السن؛ فهو نموذج عن التعويض الذي يكافئني به رب العالمين عن حبي لعملي بين وقت وآخر، فلقد سعدت باتصال هذا الشاب كثيراً».
بدايات صايغ مع الغناء حدثت بالصدفة؛ إذ كانت تنوي دخول مسرح الرحابنة من باب الدبكة اللبنانية. ولكن شاءت الصدف أن يستمع الأخوان الرحباني إلى صوتها وتوجيهها نحو الغناء. «تخلفت عن موعدي معهما بداية بسبب قسوة والدي، ومن ثم، وبعدما شعرت منه بالموافقة ذهبت إلى الموعد، ومن هناك انطلقت مسيرتي الغنائية. فالرحابنة وجدوا قامتي القصيرة والصغيرة لا تصلح للدبكة، وبذلك تحولتُ إلى الغناء».
رفيقتها اليوم السيجارة، مع أنها بدأت في تدخينها في عمر متأخر: «لم تكن تعني لي السيجارة أي شيء، بل مرة نهرني الراحل عاصي الرحباني، عندما رآني مرتبكة بتدخين سيجارة مجاراة لأصدقائي في الفرقة.
سألني يومها لماذا أدخن السيجارة؟ فأجبته بأن أصدقائي يلحّون علي لأقوم بذلك؛ فقال لي: وحتى لو قدموا لك كوباً من السمّ هل ستشربينه؟ عندها استوعبت نصيحته ورميت السيجارة إلى غير رجعة. وفيما بعد تعلقتُ بها عندما تحداني شخص كنت مغرمة به؛ فأنَّبني عندما رآني أدخن سيجارة، وقام بتهديدي فيما لو أعدتُ الكرَّة. ومن باب النكايات، بقيت أدخن السجائر، وما زلت حتى اليوم».
وتخبرنا صايغ أنها كانت تحب دائماً أن تدندن وتغني، ولكنها توقفت عن ذلك بعد وفاة شقيقتها التي كانت تحبها كثيراً. وتتوجه بنصيحة ذهبية إلى أهل الفن، مختتمة حديثها: «(خلّيكن عالأرض)، واتصفوا بالتواضع... افرحوا لنجاحات بعضكم البعض، ودعوا المحبة تسكن قلوبكم».


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
TT

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)

في فيلمه الروائي الأول «حين يسقط الضوء» يقترب المخرج الألماني ساشا فايدر من أكثر اللحظات إنسانية وهشاشة في حياة أي أسرة، وهي لحظة انتظار الفقد. لا يذهب الفيلم إلى الميلودراما ولا يعتمد على مشاهد صاخبة أو انفعالات حادة، بل يختار منطقة الصمت الذي يسبق الوداع، والإنكار الذي يسبق الاعتراف.

تدور أحداث الفيلم، الذي عرض للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، في أطراف العاصمة الألمانية، حيث يعيش «إيلاي»، فتى في السادسة عشرة، حياة تبدو عادية في ظاهرها، يعمل في مركز لوجيستي، يؤدي خدمة مجتمعية، يلتقي أصدقاءه عند البحيرة، ويتصرف كما لو أن العالم يسير بإيقاعه الطبيعي، لكن داخل البيت، هناك زمن آخر، والدته «ماريا» ترقد في أيامها الأخيرة، جسدها يضعف بهدوء، بينما يرفض الابن أن يمنح الفكرة اسمها الحقيقي.

الفيلم لا يلاحق المرض بوصفه حدثاً طبياً، بل يلاحق أثره النفسي، «إيلاي» لا يبكي ولا ينهار، بل يتعامل بشكل مغاير، يسهر ليلاً، يتجول في المدينة بلا هدف، كأنه يحاول أن يهرب من جدران البيت التي تذكّره بما يحدث. في لحظة اندفاع، يسرق كلباً في تصرف يبدو عبثياً، لكنه في العمق محاولة للتشبث بالحياة، أو لإثبات أن شيئاً ما زال تحت سيطرته.

ركز العمل على جوانب إنسانية عدة - الشر(الشركة المنتجة)

لا يقتصر البناء الدرامي على علاقة الأم بابنها، بل يمنح مساحة شديدة الأهمية لشخصية «آنا»، الممرضة المكسيكية التي تتولى رعاية ماريا في أيامها الأخيرة، فهي عنصر توازن إنساني بين طرفين يتعاملان مع الموت بطريقتين متناقضتين.

«ماريا» تقترب من النهاية بهدوء مستسلم، و«إيلاي» يهرب منها بإنكار صامت، بينما تقف «آنا» في المنتصف، تعرف الحقيقة، تعترف بها، لكنها تحاول أن تجعلها أقل قسوة، فهي الشاهد الأكثر قرباً على التحول البطيء في الجسد، وعلى التصدع الذي يصيب الابن من الداخل.

يقول المخرج الألماني ساشا فايدر لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة الفيلم انطلقت من تجربة شخصية، بعد وفاة والدته التي كانت لحظة فاصلة في حياته، لكنها لم تتحول إلى حكاية مباشرة على الشاشة، مشيراً إلى أن ما شغله لم يكن حدث الرحيل ذاته، بل الأيام التي سبقته، حين يعيش الإنسان بين تصديق الحقيقة ورفضها في الوقت نفسه.

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

وأوضح أن فقدان والدته جعله يعيد التفكير في معنى الزمن، لأن الساعات الأخيرة لا تُقاس بالدقائق، بل بثقلها العاطفي، معتبراً أن أصعب ما مرَّ به لم يكن إعلان الوفاة، بل الشعور بالعجز أمام معاناة شخص يحبه، وهو إحساس حاول أن ينقله إلى شخصية «إيلاي» من دون مبالغة أو خطاب مباشر.

وأضاف أن الإنكار في الفيلم ليس موقفاً فكرياً، بل رد فعل إنساني غريزي، لأن كثيرين، خاصة في سن المراهقة، لا يعرفون كيف يواجهون فكرة الفقد، فيختارون الهروب أو التصرف بعدوانية صامتة، مشيراً إلى أن «إيلاي» لا يرفض أمه، بل يرفض فكرة غيابها، ولهذا يتمسك بإيمانه بأن الموت ليس نهاية حاسمة.

وفاة والدة المخرج سبب إلهامه بفكرة العمل (الشركة المنتجة)

وأشار فايدر إلى أنه تعمَّد الابتعاد عن المشاهد العاطفية التقليدية، لأن الحزن الحقيقي غالباً ما يكون هادئاً وأكثر اللحظات صدقاً في حياته لم تكن تلك التي انفجر فيها بالبكاء، بل تلك التي شعر فيها بفراغ داخلي عميق، لا يجد له تفسيراً. لذلك ترك مساحات واسعة للصمت في الفيلم، معتبراً أن الصمت أحياناً أبلغ من أي حوار.

وتحدث المخرج عن علاقته بوالدته، قائلاً إنها «لم تكن فقط مصدر إلهام، بل كانت سبباً في إعادة صياغة نظرته إلى الحياة»، لافتاً إلى أن السينما منحته فرصة لفهم مشاعره بدلاً من الهروب منها، وأن «حين يسقط الضوء» هو محاولة لمصالحة داخلية أكثر منه استعادة لذكرى شخصية.

يؤكد ساشا فايدر أن العمل مع ممثلين غير محترفين كان أحد أكبر التحديات في فيلمه، إذ يعتمد بشكل أساسي على اختيار وجوه من الشارع بدلاً من الأسماء المعروفة، وهي عملية لا تتم بسرعة، بل تمتد لما يقارب سنة ونصف إلى عامين، وتتطلب قدراً كبيراً من الصبر والمثابرة.

المخرج الألماني (مهرجان برلين)

ويشير فايدر إلى أن اختيار الممثلين يتم عبر عملية منظمة تشمل تجارب أداء وبروفات متعددة، إلى جانب فريق متخصص في البحث عن مواهب جديدة في أماكن مختلفة، من الشارع إلى المؤسسات مثل المستشفيات، حيث تم اختيار إحدى المشاركات في الفيلم. بعد ذلك يخضع المتقدمون لاختبارات وتدريبات قبل أن يُحسم القرار النهائي بناء على مدى الانسجام بينهم وقدرتهم على الاندماج في العالم الذي يبنيه الفيلم، وهو مسار يتطلب دقة وحساسية كبيرة في التعامل مع أشخاص يخوضون تجربتهم التمثيلية الأولى.


خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
TT

خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)

أكد الممثل المصري، خالد سرحان، أن وجوده في الدراما الرمضانية بتجربتين مختلفتين أمر لم يكن مخططاً له في البداية، لكنه جاء بالمصادفة، لحماسه للمشاركة في «المداح 6»، و«وننسى اللي كان»، مع اختلاف طبيعة الدورين اللذين يقدمهما.

وعن مشاركته في مسلسل «وننسى اللي كان»، قال خالد سرحان، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العمل عُرِض عليَّ من السيناريست عمرو محمود ياسين، الذي أحب الاشتراك في التجارب التي يكتبها، كما اشتركتُ من قبل مع ياسمين عبد العزيز في عدة أعمال بين السينما والتلفزيون، وتربطنا نجاحات متميزة».

وأضاف أن «ياسمين ممثلة محترفة، ولديها حضور جماهيري كبير بالعالم العربي، والتمثيل أمامها يكون فرصة لتقديم تجربة متماسكة فنيّاً، وهو ما يعززه وجود المخرج محمد الخبيري الذي يمتلك رؤية إخراجية واعية للتعامل مع سيناريو العمل».

وأوضح أنه وجد في المسلسل تجربة درامية تتوفَّر فيها عناصر النجاح، على جميع المستويات منذ قراءة السيناريو للمرة الأولى، مشيراً إلى أن شخصية شاهر الجبالي التي يقدمها من الأدوار المركَّبة التي جلس للنقاش بشأنها مع المؤلف.

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

وأضاف أنه حاول العمل على الدور من عدة جوانب، بهدف إبراز سلسلة من الصراعات النفسية والمهنية المعقدة التي يمر بها في حياته وتنعكس على تصرفاته وسلوكياته بشكل واضح، لافتاً إلى أن الدور بعيد عن التصنيف التقليدي للشر أو الخير، لكونه يتحرك بدوافع إنسانية متناقضة تتقاطع فيها الرغبة في السيطرة مع الخوف من الخسارة والانكسار.

وأكد أنه كان حريصاً على التحضير للدور من الناحية الجسدية، بما يتناسب مع طبيعته، مما دفعه لاتباع حمية غذائية، وإنقاص وزنه، لكونه يرتدي بدلة رسمية، ويظهر في مناسبات اجتماعية وفنية عدة، بجانب العمل على فهم الدوافع الموجودة لدى الشخصية للقرارات التي يتخذها حتى يقدمها، حتى لو كان غير مقتنع على المستوى الشخصي بالمبررات التي تسوقها لنفسها.

وحول المشاهد الصعبة في التصوير، قال خالد سرحان إن «العمل مليء بالمشاهد المهمة التي تشكل محوراً مهمّاً في الأحداث، لكن المناقشات التي سبقت التصوير وروح التفاهم والتناغم بين فريق العمل ساعدت على التعامل مع جميع الصعوبات بشكل سهل، حتى مع استمرار التصوير لساعات طويلة يومياً».

ولفت إلى أنه، بالرغم من كون العمل سيعرض في 30 حلقة، فإن الأحداث مليئة بالمفاجآت التي ستظهر تباعاً، مع تصاعد درامي لن يجعل المشاهد يشعر بالملل، مؤكداً أن «الواقعية والمحافظة على الإيقاع اللذين تميز بهما السيناريو من أهم نقاط قوة العمل»، على حد تعبيره.

الملصق الترويجي لمسلسل «المداح 6 » (حسابه على «فيسبوك»)

وقال خالد إن وجوده في «المداح 6» أمر طبيعي لاستكمال دور «حسن» الذي يعتز به كثيراً، وبالنجاح الذي حققه في الأجزاء السابقة مع الجمهور، لكن هذه المرة التحولات الحادة التي يمر بها، والتي ستتصاعد خلال الحلقات المقبلة تحمل كثيراً من المفاجآت.

وأضاف أن فريق كتابة العمل نجح في تقديم «ملحمة درامية» متميزة فنياً، عبر التطرق إلى مساحات مختلفة درامياً، وتكثيف للأحداث وتناول عميق، وهو أمر جعله لا يشعر بالتردد في الموافقة على استكمال الدور بعد الإعلان عن تقديم الجزء الجديد.

وأوضح أن «من أسباب تميُّز الجزء السادس التصاعد الدرامي الذي كتب به السيناريو، والتصرف في الأحداث بناء على تراكمات الأجزاء السابقة، مع إدراك عمق التفاصيل في كل دور، وعودة شخصيات مؤثرة، على غرار دور (سميح) الذي يقدمه فتحي عبد الوهاب، وشكّل نقطة قوة مؤثرة في العمل».

وفسَّر خالد سرحان تعاطف الجمهور مع شخصية «حسن»، لكون الأمر مرتبطاً بتركيبته الإنسانية الملتبسة، وباعتباره شخصاً مأزوماً ويعيش صراعات إنسانية داخلية تصل لدرجة التناقض، وهو ما يجعله قريباً من الجمهور.


الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
TT

الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)

أفاد مشاركون في برنامج تجريبي للدراجات الكهربائية في نيوزيلندا بأنّ ركوب الدراجات حسَّن صحتهم البدنية والنفسية، وساعدهم في إدارة حالات مرضية مزمنة مثل السكري، والربو، والشعور بالأرق، وفق دراسة أجراها باحثون من جامعة أوتاغو في ويلينغتون النيوزيلندية.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة الرئيسية والمحاضِرة في قسم الصحة العامة بكلية الطب في جامعة أوتاغو، الدكتورة إيما أوزبورن، إنّ «المشاركين وجدوا أنّ ركوب الدراجات الكهربائية حسَّن صحتهم النفسية والبدنية بشكل عام»، وأضافت في بيان، الجمعة: «كما ساعد ركوب الدراجات في التخفيف من عوارض بعض الأمراض المزمنة، بما في ذلك داء السكري من النوع الثاني، والنقرس، وارتفاع ضغط الدم، والأرق، والربو، وآلام المفاصل، وخصوصاً آلام الورك والركبة».

وبالنسبة إلى مشاركين عدّة، كانت فوائد الصحة النفسية شديدة الأهمية. علَّق أحدهم قائلاً: «تمنحك هذه التجربة لحظات من الراحة لا تفكر فيها بالعمل، ولا بمشكلات العالم. بالطبع تحصل على فوائد بدنية، ولكن الأهم هو تأثيرها في صحتي النفسية».

استكشف الباحثون تأثير ركوب الدراجات الكهربائية في 26 شخصاً ممّن سجلوا للمشاركة في برنامج «هيكو (HIKO)» التجريبي للدراجات الكهربائية في واينويوماتا، بمنطقة ويلينغتون، عام 2023.

ووفق الدراسة التي نُشرت نتائجها في «المجلة الطبية النيوزيلندية»، وُزّعت على المشاركين في البرنامج دراجات كهربائية وخوذات وملابس عاكسة للضوء، وتلقّوا تدريباً على مهارات ركوب الدراجات ودعماً فنّياً، قبل أن تُجرى معهم مقابلات في بداية البرنامج، ثم على فترات بعد 6 أشهر و12 شهراً.

وكانت لدى بعض المشاركين أهداف صحّية محدّدة عند انضمامهم إلى البرنامج، مثل إنقاص الوزن أو الإقلاع عن التدخين. ووجد أحدهم أنّ ركوب الدراجة الكهربائية مكّنه من الإقلاع عن التدخين دون زيادة في الوزن: «لقد ساعدني ذلك في تبنّي نمط حياة صحي، وساعدني على التخلُّص من الرغبة الشديدة في التدخين».

ووجد كثيرون أنّ ركوب الدراجات الكهربائية وسيلة جيدة للحفاظ على النشاط في منتصف العمر وكبار السنّ. قال أحد راكبي الدراجات: «ركبتاي على وشك الانهيار؛ لذا فهذه وسيلة للحفاظ عليهما من دون إجهاد الجسم كثيراً».

من جهتها، تقول الأستاذة المساعدة كارولين شو، من قسم الصحة العامة، وهي إحدى مؤلّفي البحث، إنه رغم جهود الحكومة لزيادة مستويات النشاط البدني لدى النيوزيلنديين، فإنّ مقدار التمارين التي يمارسها الناس مستمر في الانخفاض.

وتوضح أنّ «التحوّل إلى الدراجات الكهربائية للتنقل أو قضاء الحاجات اليومية يُعدّ وسيلة سهلة لزيادة النشاط البدني وتحسين الصحة العامة».

وأضافت أنّ بإمكان المتخصصين في الرعاية الصحية أن يلعبوا دوراً مهمّاً في التوصية بالدراجات الكهربائية لمرضاهم؛ إذ أبدى عدد ممّن سجّلوا في البرنامج التجريبي استعدادهم للمشاركة عندما اقترحها عليهم شخص مُلمّ بحاجاتهم الصحية.

لكنها تشير إلى أنّ الحكومات ستحتاج إلى اتخاذ إجراءات إذا ما أُريد أن يرتفع معدل استخدام الدراجات إلى مستوى يؤثر إيجاباً في مستوى النشاط البدني بين عامة السكان.