العلاج بالموسيقى... وداوِني باللحن والأغنية

مايك ماسي لـ«الشرق الأوسط»: «بالموسيقى شُفيت من القلق والتنمّر»

الفنان مايك ماسي
الفنان مايك ماسي
TT

العلاج بالموسيقى... وداوِني باللحن والأغنية

الفنان مايك ماسي
الفنان مايك ماسي

تَحضر إلى ذاكرة الفنان مايك ماسي صورتُه طفلاً يهرب إلى الحمّام ما إن يزدحم البيت بالضيوف. يقفل الباب على نفسه ويضع في رأسه دلواً، ثم يبدأ بالغناء و«الرندحة». يفرّ من الضوضاء إلى عزلته الموسيقيّة، يواجه على طريقته ما اكتشف لاحقاً أنها حالة نفسيّة تُعرف بالقلق الاجتماعي (social anxiety).
ذاك الطفل الذي كبر ليصبح مؤلّفاً موسيقياً ومغنياً، رافقته النغمات درعاً واقياً من حالته النفسيّة تلك، ومن عالم رشقَه بالتنمّر حيناً وبأصوات القصف أحياناً. فخلال الحرب اللبنانية، كان يختار مايك لنفسه زاوية في الملجأ ويضع السمّاعات على رأسه ويشغّل الـ«ووكمان»، ليردّ عن أذنيه دويّ القذائف والصواريخ.
مشى مايك ماسي يداً بيَد مع الموسيقى، إلى أن شعر في أحد الأيام بأنها هي يده، لا بل كل كيانه. تَنفّسَها تحت الماء. يخبر «الشرق الأوسط» كيف كان يغطس في بحر قريته أنفة (شمالي لبنان)، يُسكِت صخب الخارج ويغنّي ليشعر بالطمأنينة والأمان.

الصوت قد يخون لكنه لا يكذب

كبر مايك وكبرت الموسيقى معه. يقول إنها، ومنذ أولى سنوات طفولته، شكّلت لغة شفاء بالنسبة إليه، من دون أن يكون واعياً لذلك آنذاك. أما اليوم فهو مُدرِكٌ تماماً أن الموسيقى علاج.
إلى جانب مشروعه الفنيّ، يحترف تدريب الصوت وبات يعرف كيف يُخرج من الأوتار الصوتيّة ما تخبّئه القلوب والنفوس من توتّر ومتاعب. يقول: «قرّبني عملي في التدريب الصوتي من الشقّ العلاجي للموسيقى. الصوت لا يكذب وهو يعبّر عن كل ما عاشه الإنسان على المستوى النفسي. وغالباً ما نشهد في جلسات التدريب تلك، على لحظاتٍ يكتشف فيها المتدرّبون ذواتهم من خلال أصواتهم».
حين كان يُسأل صغيراً: «شو بدّك تصير لمّا تكبر؟»، لم يكن جواب مايك «طبيب أو طيّار أو مدرّس»، «لم أفكّر يوماً بأن أصير سوى موسيقيّ. لا ذكرى في رأسي غير مشروع اللحن والصوت والغناء»، يقول. حتى عندما كانت تعطيه أمّه 2000 ليرة ليشتري «منقوشة» في المدرسة، كان يكدّس مصروفه الصغير ألفاً فوق ألف، ليبتاع بها الألبومات والـCD.
تَداوى مايك ماسي بالموسيقى وهو يحاول أن يداوي بها الآخرين، أكان من خلال ورشات التدريب الصوتي التي يُديرها، أو من خلال أعماله الموسيقية وأغنياته التي تحمل الكثير من الروحانيّة والعمق الإنساني، باعتراف عددٍ من الفنانين المحترفين وأصحاب الاختصاص. يوضح أنه لا يفتعل تلك الموسيقى الروحيّة: «تأتي لا شعورياً، ربما بسبب ما أحمل من موروثٍ موسيقيّ». وقد زخر ألبومه «نسيج» بهذا البُعد الروحي، لِما يضمّ من ألحان وأشعار صوفيّة.

يشعر مايك بالامتنان للموسيقى ويقول: «ليست الموسيقى كياناً منفصلاً عنّي، بل كأنني فُتاتٌ منها». أما إحدى أقصى لحظات الفرح بالنسبة إليه، فهي اكتشافه ردود فعل متابعيه على أغانيه، وقولهم له إنّ لموسيقاه أثراً إيجابياً عليهم. وهنا يكمن البُعد العلاجي الذي لا يتقصّده، إنما يصلُه عبر رسائل مثل: «أغنيتك ساعدتني على تخطّي مشكلة معيّنة كنت أمرّ بها».
وتعليقاً على موضوع العلاج بالموسيقى، يقول ماسي إنّ «لكل إنسان الموسيقى التي تداويه وتُشعره بالراحة. الأمر نسبيّ، فلكلٍ منّا أذواقه. قد يكون الهارد روك مثلاً علاجاً بالنسبة للبعض». أما الموسيقى التي يعدها علاجه الخاص والتي تنقله إلى مكانٍ آخر وتُحيي فيه الشغف والدهشة، فهي الموسيقى الكلاسيكية وتحديداً موسيقى «الباروك baroque» التي سحرته منذ المراهقة.

العلاج بالموسيقى تقنيّة مُعتَرف بها
كان كريم قصيباتي في الثانية من عمره يوم أُصيب بجلطة دماغية أدخلَته غيبوبة طويلة، لم يبدأ الاستفاقة منها إلا في سنته السادسة. مع بدء عودته إلى الحياة محمّلاً بآثارٍ صحية ثقيلة لتلك الجلطة، تعلّق كريم بالموسيقى. تخبر والدته ميّادة «الشرق الأوسط» كيف عشق أغاني «ديزني» واعتاد أن يردّد «Small World» عشرات المرات خلال اليوم الواحد، رغم صعوبة النطق لديه.
لاحظت الوالدة أنّ أكثر ما يُفرح ابنها هو عالم الأغاني، فوجدت في الموسيقى علاجاً له. لم تكتفِ ميّادة برؤيته يشارك في مسرحيات المدرسة ضمن مشاهد موسيقية، فأدخلته إلى معهد يعتمد تلك التقنية العلاجية. بين الاستماع إلى الموسيقى، والغناء، والعزف على الآلات الإيقاعية، تدور حياة كريم الذي تخطّى الـ30 من عمره وهو يتحدّى يومياً وضعه الصحي بالبسمة والنغمة.

«مع مرور الوقت وتَراكُم ساعات العلاج، بدأنا نلاحظ تحسُّناً في ذاكرة كريم وفي مقدرته على الحفظ»، تقول والدته. وتضيف أن ثقته بنفسه ازدادت وهو لم يشعر يوماً بأنه مختلف عن الآخرين: «الموسيقى منحته طاقة إيجابية وجعلته سعيداً رغم المعاناة».
تشرح الدكتورة ريم ديب لـ«الشرق الأوسط»، وهي التي أشرفت على علاج كريم بالموسيقى في الأكاديمية التي تديرها «كيز آند كوردز»، أن «لا شيء يحفّز الدماغ البشري وينشّطه كما تفعل الموسيقى». ديب الأستاذة الجامعية والعازفة والسوبرانو، المتخصصة في العلاج بالموسيقى، توضح أنّ الموسيقى قد تشكّل علاجاً للحالات النفسية والأمراض الجسدية. لكنها تركّز على أهمية التمييز بين دراسة الموسيقى والعلاج بها.
تقول: «للدراسة هدف واحد هو التعلّم، أما العلاج فلا يتطلّب معرفة موسيقية وله أهداف صحية يجب تحقيقها، مثل التخفيف من التوتّر، والمساعدة على التركيز، وتحسين النطق أو الحركة الجسدية، وتحفيز الذاكرة... كل ذلك، مع الحفاظ على الطابع الترفيهي للعلاج الذي يشكّل فرصة للاستمتاع والاستفادة في آنٍ معاً».

علمياً، يُعد العلاج بالموسيقى تقنيّة مُثبتة ومُعترفاً بها للمساعدة في التعامل مع حالاتٍ نفسيّة، تبدأ بالاكتئاب والقلق والتوتّر، وتصل إلى التوحّد، والفصام، واضطراب ما بعد الصدمة، وسواها من الحالات الدقيقة. يُعتمد العلاج بالموسيقى أيضاً للمساعدة في مداواة الجسد والذاكرة: من أمراض القلب وضغط الدم، وصولاً إلى السرطان وألزهايمر. وقد أثبتت أحدث الدراسات أنّ المرضى الذين يستمعون إلى موسيقى يحبّونها بعد خضوعهم لجراحة معيّنة، يتماثلون للشفاء أسرع ممن لا يفعلون ذلك.
تذكّر ديب بأنّ هذه التقنيّة موروثة من الحضارات القديمة كالحضارتين الفرعونيّة واليونانيّة، وهي ارتدت طابعاً رسمياً يوم اعتُمدت عام 1945 في مداواة الجنود الأميركيين العائدين من الحرب العالمية الثانية. أما عن الأساليب المعتمدة في العلاج، فتوضح أنها تتنوّع بين الاستماع إلى الموسيقى، والعزف على الآلات الإيقاعية لا سيّما الـ«درامز» (drums)، مروراً بالغناء، وتأليف اللحن والكلام. مع العلم بأنّ الموسيقى المعتمدة في الجلسات، يمكن أن تتراوح بين الكلاسيكيّة الهادئة والروك الأكثر صخباً، فلكل حالة مزاجها الموسيقي الخاص.
شهد عدد من الدول العربية مؤخراً لجوءاً متزايداً إلى العلاج بالموسيقى، فيما يبدو وعياً إلى فاعليّة هذه التقنيّة، على أن تترافق مع العلاجات الصحية والنفسية الموازية وتكون مكمّلة لها.


مقالات ذات صلة

بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

يوميات الشرق بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

تقدمت كريستين باومغارتنر، الزوجة الثانية للممثل الأميركي كيفين كوستنر، بطلب للطلاق، بعد زواجٍ دامَ 18 عاماً وأثمر عن ثلاثة أطفال. وذكرت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية أن الانفصال جاء بسبب «خلافات لا يمكن حلُّها»، حيث تسعى باومغارتنر للحضانة المشتركة على أطفالهما كايدين (15 عاماً)، وهايس (14 عاماً)، وغريس (12 عاماً). وكانت العلاقة بين كوستنر (68 عاماً)، وباومغارتنر (49 عاماً)، قد بدأت عام 2000، وتزوجا عام 2004.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق متحف «المركبات» بمصر يحيي ذكرى الملك فؤاد الأول

متحف «المركبات» بمصر يحيي ذكرى الملك فؤاد الأول

افتتح متحف المركبات الملكية بمصر معرضاً أثرياً مؤقتاً، اليوم (الأحد)، بعنوان «صاحب اللقبين فؤاد الأول»، وذلك لإحياء الذكرى 87 لوفاة الملك فؤاد الأول التي توافق 28 أبريل (نيسان). يضم المعرض نحو 30 قطعة أثرية، منها 3 وثائق أرشيفية، ونحو 20 صورة فوتوغرافية للملك، فضلاً عن فيلم وثائقي يتضمن لقطات «مهمة» من حياته. ويشير عنوان المعرض إلى حمل فؤاد الأول للقبين، هما «سلطان» و«ملك»؛ ففي عهده تحولت مصر من سلطنة إلى مملكة. ويقول أمين الكحكي، مدير عام متحف المركبات الملكية، لـ«الشرق الأوسط»، إن المعرض «يسلط الضوء على صفحات مهمة من التاريخ المصري، من خلال تناول مراحل مختلفة من حياة الملك فؤاد».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق وضع تسلسل كامل لجينوم «اللبلاب» المقاوم لتغير المناخ

وضع تسلسل كامل لجينوم «اللبلاب» المقاوم لتغير المناخ

قام فريق بحثي، بقيادة باحثين من المعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية بكينيا، بوضع تسلسل كامل لجينوم حبة «فول اللبلاب» أو ما يعرف بـ«الفول المصري» أو «الفول الحيراتي»، المقاوم لتغيرات المناخ، بما يمكن أن يعزز الأمن الغذائي في المناطق المعرضة للجفاف، حسب العدد الأخير من دورية «نيتشر كومينيكيشن». ويمهد تسلسل «حبوب اللبلاب»، الطريق لزراعة المحاصيل على نطاق أوسع، ما «يجلب فوائد غذائية واقتصادية، فضلاً على التنوع الذي تشتد الحاجة إليه في نظام الغذاء العالمي».

حازم بدر (القاهرة)
يوميات الشرق «الوثائقية» المصرية تستعد لإنتاج فيلم عن «كليوباترا»

«الوثائقية» المصرية تستعد لإنتاج فيلم عن «كليوباترا»

في رد فعل على فيلم «الملكة كليوباترا»، الذي أنتجته منصة «نتفليكس» وأثار جدلاً كبيراً في مصر، أعلنت القناة «الوثائقية»، التابعة لـ«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية بمصر»، اليوم (الأحد)، «بدء التحضير لإنتاج فيلم وثائقي عن كليوباترا السابعة، آخر ملوك الأسرة البطلمية التي حكمت مصر في أعقاب وفاة الإسكندر الأكبر». وأفاد بيان صادر عن القناة بوجود «جلسات عمل منعقدة حالياً مع عدد من المتخصصين في التاريخ والآثار والأنثروبولوجيا، من أجل إخضاع البحوث المتعلقة بموضوع الفيلم وصورته، لأقصى درجات البحث والتدقيق». واعتبر متابعون عبر مواقع التواصل الاجتماعي هذه الخطوة بمثابة «الرد الصحيح على محاولات تزييف التار

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق مؤلفا «تحت الوصاية» لـ«الشرق الأوسط»: الواقع أصعب مما طرحناه في المسلسل

مؤلفا «تحت الوصاية» لـ«الشرق الأوسط»: الواقع أصعب مما طرحناه في المسلسل

أكد خالد وشيرين دياب مؤلفا مسلسل «تحت الوصاية»، أن واقع معاناة الأرامل مع «المجلس الحسبي» في مصر: «أصعب» مما جاء بالمسلسل، وأن بطلة العمل الفنانة منى زكي كانت معهما منذ بداية الفكرة، و«قدمت أداء عبقرياً زاد من تأثير العمل». وأثار المسلسل الذي تعرض لأزمة «قانون الوصاية» في مصر، جدلاً واسعاً وصل إلى ساحة البرلمان، وسط مطالبات بتغيير بعض مواد القانون. وأعلنت شركة «ميديا هب» المنتجة للعمل، عبر حسابها على «إنستغرام»، أن «العمل تخطى 61.6 مليون مشاهدة عبر قناة (DMC) خلال شهر رمضان، كما حاز إشادات عديدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي». وكانت شيرين دياب صاحبة الفكرة، وتحمس لها شقيقها الكاتب والمخرج خالد د

انتصار دردير (القاهرة)

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
TT

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)

في تجربة فنية ثرية تعيد تأمل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، افتتحت الفنانة التشكيلية المصرية نازلي مدكور معرضها الجديد بعنوان «أنشودة الأرض... سيرة فنية»، مُقدِّمةً رحلةً بصريةً تختزل عقوداً من البحث والتجريب.

منذ بدايات نازلي الأولى، ظهرت في أعمالها عناصر البيئة المصرية من صحارى مترامية، وواحات هادئة، ونخيل، وبيوت طينية، لكنها لم تقدِّمها بوصفها صوراً منقولة، بل مادة حية أعادت اكتشافها وفق رؤيتها الخاصة وإحساسها الداخلي.

ويضم هذا المعرض المستمر في «قاعة الزمالك للفن» حتى 7 مايو (أيار) 2026، أكثر من 100 عمل فني، تمتد من بدايات الفنانة في ثمانينات القرن الماضي حتى أحدث إنتاجها خلال العامين الأخيرين.

معرض «أنشودة الأرض» يُعدُّ استعادياً؛ فهو يُقدِّم خلاصة تجربة الفنانة المصرية، ويجمع 4 مراحل رئيسية من مسيرتها تحت سقف واحد.

تميل نازلي مدكور إلى ألوان قريبة من تدرجات الأرض وملامسها (الشرق الأوسط)

وتتمثَّل المرحلة الأولى من حياة نازلي الفنية في الانشغال بالمنظر الطبيعي، حيث كانت تنظر إليه من الخارج، وتتأمله بوصفه مشهداً بصرياً قائماً، ثم تعيد صياغته عبر تغييرات وتكوينات جديدة تحمل رؤيتها الخاصة.

تقول نازلي مدكور لـ«الشرق الأوسط»: «كنت خلال تلك المرحلة أسافر كثيراً إلى أمكنة مختلفة في مصر، لا سيما الواحات وسيناء وسيوة؛ لأتشبع بالطبيعة المصرية ومشاهدها، وحتى ألتقي أيضاً الناس الذين يعيشون في تلك البيئات المختلفة».

في حين تمثلت المرحلة التالية من رحلة نازلي الفنية في حضور المرأة داخل اللوحة، واندماجها مع مشاهد الطبيعة، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى مرحلة جديدة أصبحت خلالها تنظر إلى المنظر الطبيعي من الداخل لا من الخارج: «خلال هذه المرحلة تكوّن لدي مخزون بصري ووجداني، وأصبحت أعمل من داخل الاستوديو، مستندة إلى إحساسي الأعمق بالأماكن؛ فصار تجسيدي لها نابعاً من الذاكرة والانفعال».

نازلي تعيد اكتشاف الطبيعة وفق رؤيتها الخاصة وإحساسها الداخلي (الشرق الأوسط)

وتمثل تجربة نازلي مدكور في الآونة الأخيرة عودة إلى المنظر الطبيعي، لكنها عودة مختلفة في الرؤية والمعالجة، بما يسمح للجمهور بإجراء مقارنة بين الأعمال، وهي مقارنة تكشف عن حجم التحول والنضج عبر كل هذه السنوات.

ويكتسب المعرض أهميةً إضافيةً مع صدور كتاب يوثِّق هذه الرحلة الفنية، يبدأ بحوار مع الفنانة حول مسيرتها، ويضم دراستين نقديتين لكل من الناقد المصري عز الدين نجيب، والناقد العراقي فاروق يوسف.

كما يستعيد المعرض جانباً من تعاونها مع دار نشر أميركية متخصصة في الكتب الفنية، اختارتها لإنجاز رسوم كتاب «ليالي ألف ليلة وليلة» للأديب المصري نجيب محفوظ.

وتقول: «كانت تلك تجربتي الأولى في رسم الكتب، وقدمت فيها شخصيات الرواية بروح مستلهَمة من المنمنمات العربية القديمة، وحققت نجاحاً كبيراً».

أعمال تجمع بين التجريد والتشخيص في أحدث معارض نازلي مدكور (الشرق الأوسط)

وفي المعرض الجديد؛ تُعرَض الرسومات الأصلية للكتاب إلى جانب نسخة من الإصدار نفسه.

وتكشف الأعمال المعروضة قدرة الفنانة على الحفاظ على موضوعاتها الأثيرة، مثل الربيع والطبيعة والمرأة، من دون الوقوع في أسر التكرار، إذ ظلت منفتحةً على التجريب، سواء في اللون أو الحركة أو البناء التشكيلي أو الخامات المُستخدَمة.

ويستكشف المتأمل للأعمال في المراحل الفنية المختلفة أنَّها لا تتوقف عند أسلوب واحد أو صيغة جاهزة. تقول نازلي: «يشكِّل التجريب عنصراً أساسياً في حياة الفنان، ولا ينبغي أن يقتصر على البدايات، أو على مرحلة محددة من المسيرة الإبداعية؛ فالفنان لا يمكن أن يتوقف عند صيغة واحدة يظل يكررها لسنوات طويلة».

نازلي مدكور تستعيد مسيرتها الفنية في معرض جديد بالقاهرة (الشرق الأوسط)

ومن أبرز ما يؤكده تأثير التجريب في أعمالها، هو إدخالها عناصر جديدة فيها باستمرار، سواء في اللون أو الحركة أو البناء التشكيلي أو غير ذلك من أدوات التعبير.

كما اقتحمت خامات جديدة وملامس متنوعة، واستخدمت عناصر طبيعية مثل الرمال وورق البردي والحبال ومزق الأقمشة، مضيفة: «الفنان ينضج من خلال هذه المغامرة المستمرة؛ لأنَّ التجريب لا يطوِّر العمل وحده، بل يطوِّر صاحبه أيضاً».

يبرز المعرض كذلك حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد؛ حيث يلحظ المتلقي عدداً من التناقضات البصرية والوجدانية، مثل الجمع بين البنية القوية والعفوية، أو بين الهندسة الصارمة والانسيابية الحرة.

وهنا تؤكد أن «هذا التداخل يمثل عنصراً مهماً؛ لأنه يولّد الطاقة والحركة داخل اللوحة، ويمنحها حيوية خاصة تنعكس على إحساس المشاهد بها».

الفنانة المصرية نازلي مدكور (الشرق الأوسط)

وترى الفنانة أن هذا التداخل يعكس طبيعة الإنسان نفسه، بوصفه كائناً مشحوناً بالتناقضات، وهي تناقضات قد تخلق المشكلات، لكنها تقود أيضاً إلى حلول جديدة.

لكن لا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ تمزج أعمالها بين النزعة التجريدية والاتجاه التشخيصي؛ وهو ما تبرره قائلة: «يميل التشخيص إلى سرد الحكاية بصرياً، بينما يتيح التجريد مساحة أوسع لنقل المشاعر والانفعالات، وهو ما أريد أن أجمع بينهما في أعمالي».

وتتجلى في اللوحات حالة واضحة من التلاحم بين الأشكال والأرضيات، حيث تبدو العناصر في اندماج عضوي داخل نسيج واحد؛ من دون فواصل حادة بين الكتل والخلفيات، بما يضفي على الأعمال تماسكاً وحيوية في آنٍ واحد.

وتختم مدكور: «أنظر إلى العالم بوصفه منظومةً متكاملةً ومصيراً مشتركاً؛ لذلك أتعامل مع الإنسان داخل اللوحة بالخشونة نفسها التي تحضر في الطين وعناصر الطبيعة، كما أميل إلى ألوان قريبة من تدرجات الأرض وملامسها».


قرية في ألاسكا تُعيد إحياء سياحة الدببة القطبية... بشروط صارمة

في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)
في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)
TT

قرية في ألاسكا تُعيد إحياء سياحة الدببة القطبية... بشروط صارمة

في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)
في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)

تطمح قرية نائية للسكان الأصليين في ألاسكا إلى استعادة مكانتها وجهةً أولى لمُشاهدة الدببة القطبية، بعد تراجع هذا النشاط خلال السنوات الماضية. ففي نهاية كلّ صيف، تتجمَّع الدببة البيضاء الضخمة قرب قرية كاكتوفيك الواقعة على حافة القارة داخل محميّة القطب الشمالي، لتتغذَّى على بقايا الحيتان وتنتظر تجمّد البحر، في مشهد كان يجذب أكثر من ألف سائح سنوياً.

وإنما جائحة «كوفيد-19» وقرار فيدرالي بوقف الجولات البحريّة أدّيا إلى شبه توقُّف هذه السياحة، وسط مخاوف من تأثير تدفُّق الزوار على نمط حياة السكان وسلوك الدببة. اليوم، يسعى قادة القرية إلى إعادة إحياء هذا النشاط، مع وضع ضوابط جديدة توازن بين الفوائد الاقتصادية وحماية البيئة والمجتمع المحلّي.

كائن يملك هذا العالم منذ زمن بعيد (أ.ف.ب)

ووفق «الإندبندنت»، يؤكد رئيس مؤسّسة «كاكتوفيك إينوبيات»، تشارلز لامب، أنّ السياحة يمكن أن توفّر دخلاً مهماً، لكن إدارتها يجب أن تختلف عمّا كانت عليه سابقاً. فخلال العقود الماضية، أدَّى تزايد أعداد الزوار، خصوصاً بعد تصنيف الدببة القطبية مهدَّدة بالانقراض عام 2008، إلى ضغط كبير على القرية الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 250 شخصاً، ممّا تسبَّب في إرباك الحياة اليومية للسكان، وتراجع استفادتهم الاقتصادية.

كما أسهمت القيود التنظيمية ودخول شركات سياحية كبرى في تقليص دور السكان المحلّيين، في حين اشتكى الأهالي من سلوك بعض السياح، ومن ازدحام الرحلات الجوّية الذي أثَّر حتى في تنقّلاتهم الأساسية.

ومع توقُّف الجولات القاربية منذ 2021، بدأت الدببة تستعيد حذرها الطبيعي من البشر، بعدما أدّى الاعتياد السابق إلى زيادة المخاطر، حتى إنّ دوريات الحماية اضطرّت أحياناً إلى قتل عدد من الدببة سنوياً.

وتعمل القرية، حالياً، بالتعاون مع السلطات الأميركية، على إعادة إطلاق السياحة ربما بحلول 2027، ضمن إطار يضمن سلامة الجميع، مثل تحديد مدّة بقاء القوارب قرب الدببة، وتشجيع زيارات أطول وأكثر احتراماً لثقافة السكان.

ويرى القائمون على المبادرة أنّ السياحة المستقبلية يجب أن تمنح الزوار تجربة أعمق، تتيح لهم فهم الحياة في القطب الشمالي، لا مجرّد مشاهدتها من قرب.


«هجرة» السعودي ينال جائزة أفضل فيلم في «أسوان السينمائي»

فيلم «هجرة» حصد جائزة مهرجان أسوان (إدراة المهرجان)
فيلم «هجرة» حصد جائزة مهرجان أسوان (إدراة المهرجان)
TT

«هجرة» السعودي ينال جائزة أفضل فيلم في «أسوان السينمائي»

فيلم «هجرة» حصد جائزة مهرجان أسوان (إدراة المهرجان)
فيلم «هجرة» حصد جائزة مهرجان أسوان (إدراة المهرجان)

حصد فيلم «هجرة» السعودي، جائزة أفضل فيلم في «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة» بدورته العاشرة، التي أُقيمت من 20 إلى 25 أبريل (نيسان) الحالي، وتحمل اسم رائدة السينما عزيزة أمير، ووصل عدد الأفلام المشارِكة في دورة هذا العام إلى 73 فيلماً من 34 دولة.

ويحكي فيلم «هجرة» عن رحلة نسائية إلى الحج، في إطار دراما مشوقة تنسجها نساء في السعودية خلال رحلة عبر الصحراء إلى مكة، حيث تختفي طفلة وتنطلق جدتها في رحلة إلى الشمال للبحث عنها. وهو من تأليف وإخراج شهد أمين، وتمثيل براء عالم، ونواف الظفيري، وخيرية نظمي، وهو إنتاج مشترك بين المملكة العربية السعودية والعراق والمملكة المتحدة.

وحصد الفيلم جوائز عدة سابقاً في مهرجات مختلفة من بينها جائزة «نتباك» لأفضل فيلم آسيوي في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي 2025، وجائزة اليسر من لجنة التحكيم في «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي 2025»، وكذلك جائزة أفضل فيلم سعودي من جوائز فيلم العلا في «مهرجان البحر الأحمر»، وجائزة أفضل فيلم من «مهرجان مالمو للسينما العربية» عام 2026.

واستقبل «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة» أكثر من 800 فيلم في هذه الدورة، من بينها أفلام تُعرَض لأول مرة دولياً أو أفريقياً، ومنها أفلام شاركت في مهرجانات كبرى مثل كان، وفينيسيا، وبرلين، وروتردام، وفق إدارة المهرجان الذي يترأسه السيناريست محمد عبد الخالق، ويديره حسن أبو العلا، وتشغل منصب رئيسة مجلس الأمناء السفيرة ميرفت التلاوي، ونائبة رئيس مجلس الأمناء الدكتورة عزة كامل.

جانب من حفل ختام المهرجان (إدارة المهرجان)

ووفق بيان للمهرجان بعد حفل ختام دورته العاشرة، الجمعة، فقد حصد جائزة لجنة التحكيم الفيلم الهولندي «عاملها كسيدة»، وذهبت جائزة أفضل مخرج لفيلم «ابنة الكوندور»، وهو إنتاج مشترك بين بوليفيا، وبيرو، وأوروغواي، وفاز بجائزة أفضل ممثل نواف الظفيري عن فيلم «هجرة»، ومُنحت جائزة أفضل ممثلة إلى نينكي بلاس عن فيلم «عاملها كسيدة»، كما فاز بجائزة أفضل سيناريو فيلم «البيت البرتغالي» وهو إنتاج إسبانيا والبرتغال، ومنحت لجنة التحكيم تنويهاً خاصاً لفيلم «كومبارسا»، وهو إنتاج مشترك بين غواتيمالا والولايات المتحدة الأميركية.

وقالت المنتجة المغربية فاطمة النوالي آزر، عضوة لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الطويلة إن فيلم «هجرة» يمثل طفرةً مهمةً في السينما السعودية لموضوعه الشيق والإنساني والنسوي، بالإضافة للتقنيات التي تشير إلى رؤية متمكنة لمخرجة الفيلم. وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «لجنة التحكيم أجمعت على منح الفيلم جائزة الأفضل لرؤيته المختلفة والمميزة، وهو يؤكد وجود طفرة في التقنيات، وجرأة في التناول في السينما السعودية، وهو ما يظهر في أمثلة ونماذج كثيرة».

في حين أشارت المخرجة عزة كامل، نائبة رئيس «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة» إلى الحالة المختلفة التي يقدِّمها فيلم «هجرة». وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «إن هذا الفيلم أثبت مدى التطور والطفرة الرائعة في السينما السعودية كتابةً وإخراجاً وتمثيلاً، كما أثبت النظرية التي تقول إن تناول الموضوعات المحلية بإخلاص وبراعة هو أقرب طريق للوصول إلى العالمية، ولذلك حصد هذا الفيلم جوائز عدة في مهرجانات شتى حول العالم».

وفاز فيلم «المينة» بجائزة أفضل فيلم قصير وهو إنتاج المغرب وإيطاليا وفرنسا وقطر، كما فاز الفيلم الإيطالي «النموذج الكينيبالي» بجائزة لجنة التحكيم.

فيلم «هجرة» السعودي تمَّ عرضه في مهرجانات عدة (إدارة مهرجان أسوان)

وفاز بجائزة الاتحاد الأوروبي الفيلم التونسي «دنيا»، بينما فاز فيلم «رحلة لم تكتمل» بجائزة أحسن فيلم عمل جماعي بمسابقة أفلام الورش، وذهبت جائزة أحسن إخراج لفيلم «الخير والبركة»، وفاز فيلم «الأم» بجائزة أحسن تمثيل لممثلة.

وفاز بجائزة أحسن فيلم بأفلام ذات أثر «تهويدة ما بعد النوم»، إخراج عبد الرحمن بركات، ومنحت لجنة التحكيم جائزة أحسن فكرة لفيلم «ياللا عجل»، إخراج سارة إلياس، كما فاز فيلم «الدرج» إخراج مايك يوناني بجائزة لجنة التحكيم.

فيلم «هجرة» يحكي عن رحلة حج (مهرجان أسوان)

وحصد المركز الأول في مسابقة أفلام الجنوب فيلم «مسافات» للمخرجة ليزا كمال، وفاز فيلم «بيدي» للمخرج عبد الله حسن بالمركز الثاني، وذهب المركز الثالث لفيلم «مبقاش براح» للمخرجة ميرا ممدوح.

وجاءت الدورة العاشرة من «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، برعاية وزارات الثقافة، والسياحة، والتضامن الاجتماعي، والمجلس القومي للمرأة، ومحافظة أسوان، وبالشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وبرعاية البنك الأهلي المصري، ونقابة السينمائيين، ومؤسسة «دروسوس»، وشركة «مصر للطيران»، وشركة «ريد ستار».