الإعلام الليبي ضحية «تغير الأجندات» و«فوضى السياسة»

القنوات الرسمية عاجزة أمام منافسة البث من الخارج

رامي المنصوري
رامي المنصوري
TT

الإعلام الليبي ضحية «تغير الأجندات» و«فوضى السياسة»

رامي المنصوري
رامي المنصوري

قبل قرابة سنة ونصف السنة، سأل زياد الورفلي، مراسل «قناة الغد» التلفزيونية بالعاصمة الليبية طرابلس، رئيس حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، خلال مؤتمر صحافي، عن موقفه من هانيبعل نجل الرئيس الراحل معمر القذافي الموقوف في لبنان، ولكن عقب انقضاء المؤتمر اختفى زياد.
كانت طرابلس في تلك الفترة منفتحة على ما يعتقد أنه «عهد جديد»، إذ لم يمض على تولي الدبيبة مهامه سوى بضعة أيام. ولرفع الحرج عن نفسه، اجتهد الدبيبة ومعه المجلس الرئاسي، بالتوسط لدى المجموعات المسلحة، ونجح المسعى فأطلق سراح زياد بعد قرابة ثلاثة أيام من إخفائه قسراً، غير أن هذه الحادثة ظلت شاخصة أمام أعين كل من يمتهن الإعلام في ليبيا. وبقدر ما شكلت عملية خطف مراسل تلفزيوني لتوه عقب مشاركته أمسية حضرها رئيس الوزراء، واقعاً مأساوياً للأسرة الإعلامية في ليبيا، فإنها كشفت للإعلاميين في حينه عن أزمة مستحكمة تتمثل في كيفية الخلاص من إرث الماضي، وتحرير الإعلام من صناعة الخوف والجهوية والسلطوية.
ما يجدر ذكره، أنه ينسب للاحتلال الإيطالي تدشين أول إذاعة في ليبيا، وذلك عام 1939 في طرابلس، ولاحقاً، عام 1957 أسست أول إذاعة ليبية محلية، وفيما بعد ألقى القذافي خطاب الإطاحة بملك البلاد الراحل محمد إدريس السنوسي من خلالها. وفيما يلي، يرصد عدد من الاختصاصيين والمشتغلين بالإعلام الليبي، في لقاءات مع «الشرق الأوسط» جانباً من المعضلة التي يعيشها الإعلام الليبي، والتي قالوا إنها كلفت كثيرين من أقرانهم حياتهم. وأوضح هؤلاء مدى تشعب خارطة الفضائيات، كل حسب ميول «الممول» وقناعاته، سواءً كان جهة حكومية أو رجال أعمال، ومدة تأثرها ذلك بالفوضى السياسية في البلاد. بعيداً عن «اللون الواحد» الذي كان تابعاً بشكل مباشر لرقابة السلطة في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، قال الكاتب الليبي عيسى عبد القيوم، إن «ليبيا شهدت طفرة كبيرة، وانتعاشاً واسعاً للقطاع الخاص بعد ثورة 17 فبراير (شباط) عام 2011، لكن بشكل أكبر من حجم وقدرات الكوادر المحلية. وهو ما أدى إلى استقطاب العناصر الجيدة إليه... وتسبب ذلك في تركها للإعلام الرسمي ما دفعه للتخبط وانعكس ذلك على هبوط مستوى ما يقدمه من محتوى».
وفي الوقت ذاته، دفعت الحسابات الجهوية، وأيضاً الاختلافات السياسية، كثيرين إلى الاتجاه لإنشاء قنوات فضائية، إما بمساعدة رجال أعمال محليين أو عرب، أو الاعتماد إلى بعض الدول المهتمة بما يحدث في الداخل الليبي. إلا أنه سرعان ما انعكس الوضع الأمني المتردي على هذه القنوات، إذ قصفت مقار بعضها، وأغلقت فيما بعد لنقص التمويل أحياناً. وللعلم، تعرض مقر قناة «العاصمة»، التي أسست في سبتمبر (أيلول) 2011 وكانت تبث من طرابلس، للقصف الصاروخي ثلاث مرات بين العامين 2013 و2014، ووصل الأمر إلى تفجير المقر والاستيلاء على محتوياته وخطف مالك القناة.
لمحة من الماضي
أحمد بوغرسة، المذيع في قناة «المسار»، يتذكر في لقاء مع «الشرق الأوسط» فترة ما قبل 2011، فيقول إن «الإعلام الليبي منذ تلك الأحداث يختلف عما كان عليه في السابق؛ خصوصاً ما واكب ذلك من انطلاق قنوات من دول بعينها كانت صوتاً للثورة والثوار... وصفت بأنها جبهة إعلامية تقارع إعلام النظام آنذاك. ثم توسعت الدائرة لتضم عشرات القنوات بعضها يبث محلياً؛ وكثير منها، وهي المؤثرة نظراً لإمكانياتها اللامحدودة، يأتي من خارج الوطن».
وبالفعل، دفع الإعلاميون والصحافيون الليبيون ثمناً باهظاً، قبل أن يلوح الأمل في الأفق. غير أن المنتج المتاح ما كان كما يرجون، لا سيما أن منظمة «مراسلون بلا حدود» صنفت البلاد في المرتبة 165 من بين 180 بلداً في مؤشر حرية الصحافة. ومع انطلاق العديد من القنوات، التي أسست في أعقاب «أحداث فبراير» بدأ الخطاب الإعلامي ينقسم. وحسب كلام بوغرسة «حتى المؤسسات التي كان شعارها الوطن وحريته أصبحت تدعو لأفكار أشخاص ومنظمات وجماعات متهمة من الشعب بشق الصف».
وبلهجة طغى عليها الأسى، يتابع بوغرسة - وهو معلق أيضاً على برامج وثائقية - «للأسف انحرف المسار... ومع الوقت باتت الأجندات تلعب دوراً واضحاً، وعلا خطاب الكراهية لتفريق الليبيين من خلال المصطلحات التي تستخدمها بعض القنوات التي تبث من الخارج». ويلفت بوغرسة، إلى أن بداية «الحالة السائبة» في بعض الإعلام الآتي من الخارج، تضمنت «التشكيك في شرعية بعض المؤسسات القيادية بالدولة، ووصل الأمر إلى استضافة شخصيات وصفوا بالمحللين السياسيين والخبراء والمهتمين كانوا يتراشقون بألفاظ نابية، ويرمون التهم، ويعملون على إقصاء شخصيات سياسية وعسكرية حتى نجحوا في كثير من الأحيان بخداع الليبيين من خلال تزوير الحقائق».
... والحاضر
وبين دهاليز ما حدث في الماضي، إلى تفاصيل الواقع، يلخص رامي المنصوري، المذيع في قناة «ليبيا الحدث»، التي تبث من مدينة بنغازي، جانباً من الصورة الراهنة، فيشرح «الإعلام في ليبيا حالياً موجه... وغالبية المؤسسات والقنوات تلعب دوراً معيناً في دعم حكومات أو جهات بعينها»، لكنه يلفت في حديثه إلى «الشرق الأوسط» إلى نقطة تتعلق بالتمويل، هي أنه «لا يوجد دعم حقيقي للإعلام المحلى التابع للدولة، لذا فأغلب القنوات التلفزيونية تعتبر خاصةً، ومنها ما يتلقى دعماً خارجياً». وحقاً، تتنوع الرسالة التي تقدمها كل قناة ليبية بحسب الممول. كذلك يتسم خطابها بالجرأة والمصارحة أو الممالأة إذا كانت تبث من خارج الوطن أو داخله، أو حسب قربها من المجموعات المسلحة، أبو بعدها عنها. ولذا نجد قناة «التناصح» المحسوبة على التيار الإسلامي ويمتلكها سهيل نجل المفتي السابق الصادق الغرياني، قادت جبهة التحريض من تركيا على خصومها بمعسكر شرق البلاد.
من ناحية أخرى، بين القنوات التي كان يعول عليها الليبيون وتبث من داخل البلاد، قناتا «ليبيا الوطنية» و«ليبيا الحدث». الأولى تبث من طرابلس، وقد أسست عام 2012 باعتبارها قناة الدولة الرئيسة، لتحل محل «تلفزيون الجماهيرية»، وشارك الدبيبة مطلع أبريل (نيسان) الماضي، في إطلاقها ثانية بعد تطويرها. أما الثانية، فتبث من بنغازي وتتبنى وجهة نظر جبهة شرق ليبيا. وبجانب هاتين القناتين تأتي قنوات مثل «ليبيا الأولى» و«المستقبل» و«ليبيا بانوراما» و«ليبيا الرياضية» بالإضافة إلى «النبأ»، التي أسست 2013 لدعم «المؤتمر الوطني العام» (المنتهية ولايته)، وقد تعرض مكتبها في طرابلس للقصف في يناير (كانون الثاني) 2016، وبعد اقتحامها وإغلاقها لاتهامها يومذاك بـ«نشر الفتنة»، استأنفت بثها... قبل أن تتوقف ثانية. بوغرسة، يتحدث عن عملية فرز لمحتوى ما تقدمه غالبية القنوات الخاصة، فيقول «بعضها تساقط من أعين المشاهدين كأوراق الخريف بعدما فضحت ألاعيبها... وأخرى أغلقت بسبب تغير أجندات مصالح مموليها»، إلا أنه يستدرك فينوه إلى بروز قنوات معدودة «منها من لعب دوراً وطنياً وكان واضحاً منذ انطلاقته في محاربة خطاب الكراهية، بجانب استمرار بعض القنوات في خطابها المعادي لمناطق معينة».
قنوات بالجملة
وراهناً من أبرز القنوات التي تبث من خارج ليبيا «الوسط» و«ليبيا الأحرار» و«قناة ليبيا» و«المسار» و«سلام» و«فبراير»... والأخيرتان يشرف عليهما وليد اللافي وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية بحكومة الدبيبة. وهذا بجانب «قناتي» و«218» اللتين توقفتا عن البث الأسبوع الماضي لظروف وصفتها إدارتهما بـ«المالية».
وأمام الانقسام حول رسالة الإعلام الخاص في ليبيا بالنظر إلى مصادر تمويله والفوضى السياسية، يرى عبد القيوم - الذي سبق أن قدم برنامج بـ«الحبر الأزرق» على قناة «ليبيا» التي كان يمولها السفير عارف النايض قبل خفوت دورها - أن «معظمه تقريباً ممول من دول وجماعات خارجية، وهو يبث من خارج الوطن... ويتوقع أن يتأثر بخيارات الممول وينحاز بصورة ما إلى أجندة، أو المرشح المفضل لدى الدول الممولة حال أجريت الانتخابات العامة». ثم يشير إلى أن الإعلام التابع لتيار «الإسلام السياسي»، ظل – حسب وصفه – «كما هو مستغرقاً في الآيديولوجية التي قادته إلى الغرق في بحر الفبركة واستخدام الدين مما جعله أداة سلبية في المناسبات الوطنية». وحول اختفاء بث بعض القنوات الليبية، وظهور أخرى بشكل مفاجئ، يرجع بوغرسة الأمر إلى أن «تغير المصالح في المنطقة ونقص التمويل يدفع بعض القنوات إلى الإغلاق، وإنشاء أخرى... ولكن في المجمل توجد قنوات قليلة، حتى وإن كانت خاصةً، تعمل منذ تأسيسها على التهدئة وتبني لغة الحوار ونبذ الاقتتال والدفع باتجاه المصالحة الوطنية».
معاناة الإعلام الحكومي
انقسام الإعلام الحكومي، الذي تمثل في وجود قناتين في وقت سابق تحملان الاسم ذاته هو «الرسمية» -واحدة تدعم معسكر شرق ليبيا والثانية تابعة لغربه– أدى إلى عجزه عن منافسة القنوات الآتية من الخارج. وحول هذا الواقع يقول بوغرسة «كانت طامة كبرى... عندما أنشئت قنوات حكومية في شرق البلاد وغربها؛ لكن في مجملها وبساطة إمكانياتها لم تستطع مواجهة القنوات الخاصة، لذا كان وجودها والعدم سواء». وإكمالاً لطرح بوغرسة بشأن القنوات الحكومية، يتوقع عيسى عبد القيوم «ألا يرتقي الإعلام المحلي الممول من الدولة إلى مستوى احترافي في تغطية المناسبات السياسية، ومنها الانتخابات بالنظر إلى شح موارده، وبتأثير مباشر من الانقسام السياسي بين الشرق والغرب»، ويرى أن «الأمر سيشكل حجر عثرة أمام انتقال الإعلاميين على شطري معادلة متابعة أي حدث كبير كالاستحقاقات العامة غرب ليبيا وشرقها». من جهته، يدافع رامي المنصوري عن قناة «ليبيا الحدث» التي يعمل فيها، والمحتوى الذي تقدمه خاصةً خلال تغطية الحرب على تنظيم «داعش» ببنغازي منذ عام 2014. بيد أنه، مع ذلك، يعتقد أن الإعلام الليبي بصفة عامة «لم يؤد رسالته بالشكل المطلوب المتمثلة في نشر السلام، وذلك بسبب حدة التنازع السياسي... ولذا أصبح لدينا اهتمام أكثر بإعلام المنوعات والترفيه». وأمام تكلس الإعلام الرسمي، يراهن عبد القيوم، على مواقع التواصل الاجتماعي وصحافة المواطن كوسيلة مهمة لجس نبض الشارع وربما لدفع الإعلام الرسمي والخاص إلى «التخفيف من انحيازاته وتزييفه للواقع بالنظر إلى سرعة النشر والتكذيب التي يتمتع بها إعلام الإنترنت الشعبي». وللعلم، قبل سنة أمر عبد الحميد الدبيبة، بتشكيل لجنة لـ«إصلاح الإعلام»، على أن تتولى حصر جميع القنوات الليبية الخاصة المرئية والمسموعة العاملة بالداخل والخارج، ومخاطبة الجهات المختصة لتزويدها بالمستندات المتعلقة بها من حيث قانونية عملها. وعلى النقيض من التلفزيون، تتمتع المحطات الإذاعية الليبية بشعبية أكبر مقارنة بالإذاعات الدولية وذلك بسبب تركيزها على المحتوى المحلي، ومحدودية بث موجات «إف إم»، ولم تسلم هي الأخرى من هجمات المجموعات المسلحة، مما دفع غالبيتها تجنب بث المحتوى السياسي وإغلاق بعضها بالكامل.



زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
TT

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)

سيرته الإعلامية ومشواره المهني لا يشبهان أحداً سواه. منذ خطواته الأولى في عالم الإعلام، اختار الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان أن يسلك طريق الاختلاف، فغرّد خارج السّرب وترك بصمة غير تقليدية في الإعلام المرئي والمسموع. وتمكّن من تكريس هوية خاصة به.حتى منشوراته، ومنها «أسعد الله مساءكم»، و«لبنان فلبنان»، و«لبنان على ال اشة»، عكست حبّه العميق للبنان والشاشة، فطعّمها بذكرياته ومشاهداته وتعلّقه بالوطن، لتتحوّل مع الوقت إلى مرجع للذاكرة الجماعية.

«الإعلامي الأميز عربياً»

في كل لقاء مع زافين، لا بدّ من اكتشاف جديد عنه. وأخيراً، من أخباره أنه تُوّج بلقب «الإعلامي الأميز عربياً» لعام 2025، إثر استفتاء شمل 18600 مشارك من مختلف أنحاء العالم العربي، أجراه فريق هيئة «الملتقى الإعلامي العربي». وهذا لقب لا يُعدّ جديداً على مسيرته، إذ سبق أن صنّفته مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن الـ43 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم العربي. كما احتل المرتبة الثالثة على قائمة «الشخصيات الـ30 الأكثر تأثيراً على تويتر» في لبنان. وهذا، إلى جانب عشرات الجوائز التكريمية التي حصدها عن برامجه التلفزيونية، لا سيما فئة البرامج الحوارية الاجتماعية.

شغفه بالعمل الإخباري

على الصعيد المهني، يقول زافين إن أجمل تجاربه الإعلامية، والأقرب إلى قلبه على امتداد 35 سنة، تبقى التجربة الإخبارية. ويوضح: «أحِب العمل الإخباري وكل ما يتعلّق بتلفزيون الواقع. ولقد أحببت كثيراً فترة عملي مراسل أخبار، وأيضاً في التحقيقات الاستقصائية، والحوارات السياسية، وإذاعة الأخبار... إذ إنني عندما اخترت دراسة الصحافة كان العمل الإخباري هدفي الأول».

اختبر الزمن... ولم يبدّل مبادئه

يعزو زافين قيومجيان «استمراريته» الناجحة إلى جرأته الدائمة على التغيير. وبحسب رأيه: «إذا لم يبدّل الإنسان قشرته الخارجية يذبُل ويموت، وشرط البقاء هو الحفاظ على المبادئ. التغيير يمكن أن يصيب الشكل لكن لا يجوز أن يمسَّ المضمون. وبالتالي، فإن قاعدتي الذهبية ترتكز على (ثلاثية) الحرفية والاحترام والقيَم».

وحقاً، يقتنع بنفسه ويدعو الآخرين إلى الإيمان بذواتهم، بحثاً عن الأفضل على الدوام. ثم يعلّق: «أنا لا أكتفي بالنتيجة الإيجابية... لأنني أرغب بما هو أفضل. أن تكون إعلامياً مخضرماً، وتواكب الأجيال يعني أن تنجح في اختبار الزمن والعمر. قلّة فقط تملك هذه القدرة لأن الثمن المدفوع يكون مرتفعاً».

حوار رئيس الجمهورية

من جهة ثانية، كان زافين أول إعلامي لبناني يُجري حواراً حصرياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون. وعنه يكشف: «كنت أرغب في هذه المقابلة عن سابق تصوّر وتصميم. وفعلاً، طلبت موعداً من القصر الجمهوري... ومشكورين، كان لي ما أردته. والحقيقة أن الرئيس يدرك طبيعة حواراتي وبساطة أسلوبي البعيد عن الادعاء». ثم يضيف: «كانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها وجهاً لوجه وفي مناسبة غير عامة. قرأت الصدق في عينيه، وإصراره على العبور بلبنان إلى ضفة الازدهار والسلام. إنه يتمتع بتواضع وإرادة قوية لإجراء الإصلاحات اللازمة، وهو شخص لطيف وصادق جداً».

يقدم اليوم على شاشة "الجديد" برنامج "سيرة وكمّلت" (إنستغرام)

محطات وشخصيات صنعت الذاكرة

طوال مسيرته الإعلامية، التقى زافين شخصيات سياسية وفنية كثيرة تركت - كما يقول - أثرها في تجربته، من بينها الرئيسان الراحلان إلياس الهراوي ورفيق الحريري في ميدان السياسة، وفي المجال الفني الفنانتان إليسا ونوال الزغبي.

ويتابع: «تعرّفت إلى الهراوي والحريري عن قرب عندما كنت مراسلاً إخبارياً في القصرين الجمهوري والحكومي، ولمست وطنيتهما. فقد آمنا بلبنان وعَملا على نقله من زمن الحرب إلى زمن السلم... أنا أحب الأشخاص الذين يُحدثون تحوّلات ويوسّعون هامش الحرية. أما بالنسبة لأهل الفن فإن إليسا ونوال كسرتا القوالب التقليدية وصنعتا قوانين جديدة تشبه شخصيتيهما».

مهنياً، يعدّ زافين المديرَ العام السابق لـ«تلفزيون لبنان»، فؤاد نعيم، الداعمَ الأكبر له، مستطرداً: «لقد آمن بي وغامر معي في نقل الإعلام من التقليدي إلى الحديث. اكتشفني ووضع يده على روحي، ولولاه لكانت حياتي بالتأكيد أصعب».

الإنسانية: المدرسة الأولى... والأخيرة

في الواقع، تنقّل زافين قيومجيان بين أكثر من محطة تلفزيونية، من «تلفزيون لبنان» إلى «المستقبل» وصولاً إلى «الجديد». وذاع صيته عربياً بوصفه أحد أوائل مَن قدَّموا برامج حوارية جريئة على شاشة فضائية عربية، كاشفاً المسكوت عنه، وغائصاً في عمق البيوت ومشاكلها. وعن هذا الجانب يعلّق: «منذ بداياتي رغبت في تناول هذا النوع من القصص من دون أحكام مسبقة. أنا لا أركّز على الأرقام بل على التجربة الإنسانية. ولا يهمّني عدد الضحايا بقدر ما يهمّني ما عاشته الضحية. إنما أنتمي إلى المدرسة الإنسانية، وأعتزّ بذلك».

النجاح... قدرة على التأقلم

في مرحلة سابقة، غاب صاحب السؤال الشهير «شو حسّيت؟» (بماذا شعرت؟) عن وسائل التواصل الاجتماعي، مفضّلاً الانتقال من الانتشار الواسع إلى جمهور أصغر. وبالفعل، قدّم بودكاست «100 ع 100» بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). وشارك في مناظرات شبابية «30 - 31»، قبل أن يطلّ اليوم في «سيرة وكمّلت» على شاشة «الجديد»، ولعلها النُّسخة المعاصرة من برنامجه الشهير «سيرة وانفتحت». وهو أيضاً يشارك في برنامج «بونجورين» عبر إذاعة «صوت كل لبنان».

وهنا يقول: «لم أعد بحاجة لإثبات مكاني. أعمل بدافع الشغف. الإذاعة نابعة من حبّي للتواصل مع جيل لا يزال وفياً لها، وفي المقابل أحرص على التواصل مع جمهور أصغر سناً». وفي هذا السياق، كونه أستاذاً جامعياً في الإعلام في الـ«LAU»- حيث تلقى تعليمه الجامعي - يبقى زافين على تماسٍ مباشر مع جيل الشباب. ويوضح: «مهما كانت خبرتي طويلة، أدرك ضرورة الإصغاء إلى الأصغر سناً، تماماً كالفنان النجم الذي يتعاون مع ملحّن مغمور... هذه التنازلات ضرورية لأنها تحمل تحدّيات التجديد».

الشاشة الصغيرة... الرهان المستمر

رغم تنوّع منصّاته، يعود زافين دائماً إلى التلفزيون، مؤمناً بدوره الجامع. ويقول: «أريد أن أشارك في الولادة الجديدة للتلفزيون. صحيح أن الناس استعاضت عنه بالهواتف، لكن الشاشة الصغيرة تبقى التجربة المشتركة الوحيدة للعائلة. طبعاً لن أعيده إلى عصره الذهبي... لكنني سأعمل على تطويره. هذه الولادات تحتاج إلى إعلاميين مخضرمين يكونون جسر عبور بين جيل وآخر».

إعادة الشريط المهني بقالب حديث

ويُسعد زافين اللقاء بالقول عن مرحلته الحالية إنها «مراهقة الخمسين» الإعلامية (جَهْلة الخمسين المهنية)، وفق تعبيره. وفيها يعيد تقديم القصص الاجتماعية التي اشتهر بها بشروط جديدة... ويختتم: «أشعر بالحنين إلى الإعلام التقليدي، وأحاول عبر الإذاعة والبودكاست والتدريس الجامعي الابتعاد عن ضغوط الإعلام السائد، وتحسين قواعد اللعبة الإعلامية على طريقتي».


ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)
TT

ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)

يبدو أن منصات التواصل الاجتماعي تمر بـ«أزمة»، إذ بدا الدور الأصيل لها -وهو التواصل، وبناء الروابط الاجتماعية- يتلاشى، ليبرز الترفيه، ومتابعة الفيديوهات الخاصة بأشخاص «غرباء» باعتبار أنه احتياج أوّلي للمُستخدمين.

هذا الاتجاه يطرح تساؤلات بشأن ماذا سيحدث لاستراتيجيات عمل الناشرين حين يصبح الفيديو لغة المنصات الأولى؟ وكان معهد رويترز لدراسة الصحافة قد لفت في التقرير السنوي «لاتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026»، أخيراً، إلى أن وسائل التواصل باتت أقل «اجتماعية»، بسبب تحوّل جذري في سلوك المستخدمين إزاء منصات «السوشيال ميديا» التقليدية، مع تراجع المحتوى الآتي من دائرة الأصدقاء لصالح موجز تقوده توصيات الذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو.

الدكتور أنس النجداوي، مدير جامعة أبوظبي-فرع دبي، وأستاذ الأعمال الرقمية المشارك، مستشار قناتي «العربية» و«الحدث» للتكنولوجيا ووسائل التواصل، يرى أن منصّات التواصل الاجتماعي تُغير خوارزمياتها بشكل مستمر، غير أن ما برز خلال العامين الماضيين هو انتقال اهتمام هذه المنصات من «مَن تتابع؟» إلى «ماذا يشدّ انتباهك ويبقيك وقتاً أطول على المنصة؟».

وأوضح النجداوي لـ«الشرق الأوسط» أنه «في السابق كانت منصات (السوشيال ميديا) تقوم بتحليل الرسم البياني الاجتماعي، أو Social Graph Analysis لمعرفة شبكة علاقات المستخدم، والأصدقاء، والحسابات التي يتابعها، ومن خلال هذه البيانات تبني ملف اهتمام يحدد سلوك المستخدم بدقة... غير أن الفيديو القصير هو الآن الأداة الأقوى لرفع مؤشر البقاء داخل التطبيق، لأنه سريع، ومتلاحق، ويدفع المستخدم من مقطع إلى آخر، وهو ما يترجم إلى أرباح إعلانية أعلى». وأردف: «وفي المقابل، تصبح النصوص الطويلة، والروابط الخارجية عبئاً، لأنها تخرج المستخدم من المنصة، فتتراجع فرص انتشارها».

عن انعكاس هذا التغير على استراتيجيات عمل الناشرين، يرى النجداوي أن «المؤسسات الصحافية والإعلامية أمام أزمة، لأن النموذج المعتاد للوصول للجمهور تغيّر... ذلك أننا نعيش الآن عصر (الزيرو كليك)، أي أن الروابط لم تعد مُجدية، وزيارات المواقع الصحافية انخفضت، ما يعكس ضرورة أن تغير نموذج العمل». وأوضح من ثم أن هذا التحوّل صنع ما يُسمّى بـ«النيوز إنفلونسر».

وتابع الدكتور النجداوي بقلق قائلاً إن «السرعة يمكن أن تدفع البعض للتبسيط المُخِلّ، أو للإثارة، ما يعني أن مُجاراة الخوارزميات يمكن أن تدفع الناشرين لتقديم محتوى بلا تأثير حقيقي، أو معلومة واضحة، فالمعادلة صارت صعبة؛ كيف تصنع فيديو يناسب الخوارزمية من دون أن تخسر التحقق، والدقة، والثقة؟».

من جهة ثانية، وفق بيانات وفرها «تشارتبيت» لصالح تقرير «رويترز» تراجع متوسط الإحالات إلى مواقع الأخبار من «فيسبوك» بنحو 43 في المائة خلال العامين الماضيين ونصف العام، بينما انخفضت الإحالات من «إكس» بنسبة 46 في المائة، في مؤشر على أن الانتشار عبر الروابط لم يعد يضمن حركة زيارات كما كان سابقاً.

وهنا علّق محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي بدولة الإمارات المتحدة، قائلاً إن الاستثمار في منصات الفيديو مثل «يوتيوب» و«تيك توك» بات خياراً أكثر جدوى من الاعتماد المفرط على الوصول من خلال المنصات التقليدية للتواصل الاجتماعي، أو «غوغل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «صحيح أن (غوغل ديسكوفر) كان مصدراً ضخماً للزيارات، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جذرية، وبات من الصعب الاعتماد عليه، لا سيما أنه يخضع بالكامل لخوارزميات تتغير باستمرار، وقد ترفع أو تخفض الزيارات بشكل حاد خلال أيام». وتابع أن «سياسة (غوغل) أصبحت واضحة في استهداف إبقاء المستخدم داخل منظومتها عبر ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما يقلل من قيمة الزيارة نفسها، ويضعف العائد التحريري والاقتصادي للناشر».

أيضاً اعتبر عاطف أن «يوتيوب» و«تيك توك» باتتا بيئة استهلاك حقيقية للجمهور اليومي، و«الاستثمار فيهما، لا يعني فقط تحقيق مشاهدات، بل بناء حضور متكرّر، وهوية بصرية، ونمط سردي يتعرف عليه الجمهور بسهولة». وحسب رأيه فإن «الاستراتيجية الأكثر واقعية في 2026 هي التحول من عقلية مصادر الزيارات إلى عقلية أماكن وجود الجمهور، لأن الفيديو القصير أصبح اللغة السائدة... بل حتى (غوغل) نفسها باتت تكافئه داخل (ديسكوفر)، لذلك الاستثمار في الفيديو لم يعد خياراً إضافياً».

واختتم موضحاً أن «إدراج الفيديو القصير ضمن منتجات المؤسسات الصحافية بات ضرورة، لضمان الوصول إلى فئات عمرية جديدة من الجمهور... لكن الفيديو القصير يعد تحدياً أمام الناشرين، لأنه يفرض منطقاً مختلفاً بالكامل في السرد الصحافي. وعلينا أن نقر بأن الجمهور بات أسرع في سلوكه التفاعلي، فهو لا يمنح أكثر من ثوانٍ قليلة قبل اتخاذ قرار المشاهدة، أو التمرير، ما يجعل نوع المحتوى وزاوية تقديمه عاملين حاسمين في النجاح».


الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.