الإعلام الليبي ضحية «تغير الأجندات» و«فوضى السياسة»

القنوات الرسمية عاجزة أمام منافسة البث من الخارج

رامي المنصوري
رامي المنصوري
TT

الإعلام الليبي ضحية «تغير الأجندات» و«فوضى السياسة»

رامي المنصوري
رامي المنصوري

قبل قرابة سنة ونصف السنة، سأل زياد الورفلي، مراسل «قناة الغد» التلفزيونية بالعاصمة الليبية طرابلس، رئيس حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، خلال مؤتمر صحافي، عن موقفه من هانيبعل نجل الرئيس الراحل معمر القذافي الموقوف في لبنان، ولكن عقب انقضاء المؤتمر اختفى زياد.
كانت طرابلس في تلك الفترة منفتحة على ما يعتقد أنه «عهد جديد»، إذ لم يمض على تولي الدبيبة مهامه سوى بضعة أيام. ولرفع الحرج عن نفسه، اجتهد الدبيبة ومعه المجلس الرئاسي، بالتوسط لدى المجموعات المسلحة، ونجح المسعى فأطلق سراح زياد بعد قرابة ثلاثة أيام من إخفائه قسراً، غير أن هذه الحادثة ظلت شاخصة أمام أعين كل من يمتهن الإعلام في ليبيا. وبقدر ما شكلت عملية خطف مراسل تلفزيوني لتوه عقب مشاركته أمسية حضرها رئيس الوزراء، واقعاً مأساوياً للأسرة الإعلامية في ليبيا، فإنها كشفت للإعلاميين في حينه عن أزمة مستحكمة تتمثل في كيفية الخلاص من إرث الماضي، وتحرير الإعلام من صناعة الخوف والجهوية والسلطوية.
ما يجدر ذكره، أنه ينسب للاحتلال الإيطالي تدشين أول إذاعة في ليبيا، وذلك عام 1939 في طرابلس، ولاحقاً، عام 1957 أسست أول إذاعة ليبية محلية، وفيما بعد ألقى القذافي خطاب الإطاحة بملك البلاد الراحل محمد إدريس السنوسي من خلالها. وفيما يلي، يرصد عدد من الاختصاصيين والمشتغلين بالإعلام الليبي، في لقاءات مع «الشرق الأوسط» جانباً من المعضلة التي يعيشها الإعلام الليبي، والتي قالوا إنها كلفت كثيرين من أقرانهم حياتهم. وأوضح هؤلاء مدى تشعب خارطة الفضائيات، كل حسب ميول «الممول» وقناعاته، سواءً كان جهة حكومية أو رجال أعمال، ومدة تأثرها ذلك بالفوضى السياسية في البلاد. بعيداً عن «اللون الواحد» الذي كان تابعاً بشكل مباشر لرقابة السلطة في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، قال الكاتب الليبي عيسى عبد القيوم، إن «ليبيا شهدت طفرة كبيرة، وانتعاشاً واسعاً للقطاع الخاص بعد ثورة 17 فبراير (شباط) عام 2011، لكن بشكل أكبر من حجم وقدرات الكوادر المحلية. وهو ما أدى إلى استقطاب العناصر الجيدة إليه... وتسبب ذلك في تركها للإعلام الرسمي ما دفعه للتخبط وانعكس ذلك على هبوط مستوى ما يقدمه من محتوى».
وفي الوقت ذاته، دفعت الحسابات الجهوية، وأيضاً الاختلافات السياسية، كثيرين إلى الاتجاه لإنشاء قنوات فضائية، إما بمساعدة رجال أعمال محليين أو عرب، أو الاعتماد إلى بعض الدول المهتمة بما يحدث في الداخل الليبي. إلا أنه سرعان ما انعكس الوضع الأمني المتردي على هذه القنوات، إذ قصفت مقار بعضها، وأغلقت فيما بعد لنقص التمويل أحياناً. وللعلم، تعرض مقر قناة «العاصمة»، التي أسست في سبتمبر (أيلول) 2011 وكانت تبث من طرابلس، للقصف الصاروخي ثلاث مرات بين العامين 2013 و2014، ووصل الأمر إلى تفجير المقر والاستيلاء على محتوياته وخطف مالك القناة.
لمحة من الماضي
أحمد بوغرسة، المذيع في قناة «المسار»، يتذكر في لقاء مع «الشرق الأوسط» فترة ما قبل 2011، فيقول إن «الإعلام الليبي منذ تلك الأحداث يختلف عما كان عليه في السابق؛ خصوصاً ما واكب ذلك من انطلاق قنوات من دول بعينها كانت صوتاً للثورة والثوار... وصفت بأنها جبهة إعلامية تقارع إعلام النظام آنذاك. ثم توسعت الدائرة لتضم عشرات القنوات بعضها يبث محلياً؛ وكثير منها، وهي المؤثرة نظراً لإمكانياتها اللامحدودة، يأتي من خارج الوطن».
وبالفعل، دفع الإعلاميون والصحافيون الليبيون ثمناً باهظاً، قبل أن يلوح الأمل في الأفق. غير أن المنتج المتاح ما كان كما يرجون، لا سيما أن منظمة «مراسلون بلا حدود» صنفت البلاد في المرتبة 165 من بين 180 بلداً في مؤشر حرية الصحافة. ومع انطلاق العديد من القنوات، التي أسست في أعقاب «أحداث فبراير» بدأ الخطاب الإعلامي ينقسم. وحسب كلام بوغرسة «حتى المؤسسات التي كان شعارها الوطن وحريته أصبحت تدعو لأفكار أشخاص ومنظمات وجماعات متهمة من الشعب بشق الصف».
وبلهجة طغى عليها الأسى، يتابع بوغرسة - وهو معلق أيضاً على برامج وثائقية - «للأسف انحرف المسار... ومع الوقت باتت الأجندات تلعب دوراً واضحاً، وعلا خطاب الكراهية لتفريق الليبيين من خلال المصطلحات التي تستخدمها بعض القنوات التي تبث من الخارج». ويلفت بوغرسة، إلى أن بداية «الحالة السائبة» في بعض الإعلام الآتي من الخارج، تضمنت «التشكيك في شرعية بعض المؤسسات القيادية بالدولة، ووصل الأمر إلى استضافة شخصيات وصفوا بالمحللين السياسيين والخبراء والمهتمين كانوا يتراشقون بألفاظ نابية، ويرمون التهم، ويعملون على إقصاء شخصيات سياسية وعسكرية حتى نجحوا في كثير من الأحيان بخداع الليبيين من خلال تزوير الحقائق».
... والحاضر
وبين دهاليز ما حدث في الماضي، إلى تفاصيل الواقع، يلخص رامي المنصوري، المذيع في قناة «ليبيا الحدث»، التي تبث من مدينة بنغازي، جانباً من الصورة الراهنة، فيشرح «الإعلام في ليبيا حالياً موجه... وغالبية المؤسسات والقنوات تلعب دوراً معيناً في دعم حكومات أو جهات بعينها»، لكنه يلفت في حديثه إلى «الشرق الأوسط» إلى نقطة تتعلق بالتمويل، هي أنه «لا يوجد دعم حقيقي للإعلام المحلى التابع للدولة، لذا فأغلب القنوات التلفزيونية تعتبر خاصةً، ومنها ما يتلقى دعماً خارجياً». وحقاً، تتنوع الرسالة التي تقدمها كل قناة ليبية بحسب الممول. كذلك يتسم خطابها بالجرأة والمصارحة أو الممالأة إذا كانت تبث من خارج الوطن أو داخله، أو حسب قربها من المجموعات المسلحة، أبو بعدها عنها. ولذا نجد قناة «التناصح» المحسوبة على التيار الإسلامي ويمتلكها سهيل نجل المفتي السابق الصادق الغرياني، قادت جبهة التحريض من تركيا على خصومها بمعسكر شرق البلاد.
من ناحية أخرى، بين القنوات التي كان يعول عليها الليبيون وتبث من داخل البلاد، قناتا «ليبيا الوطنية» و«ليبيا الحدث». الأولى تبث من طرابلس، وقد أسست عام 2012 باعتبارها قناة الدولة الرئيسة، لتحل محل «تلفزيون الجماهيرية»، وشارك الدبيبة مطلع أبريل (نيسان) الماضي، في إطلاقها ثانية بعد تطويرها. أما الثانية، فتبث من بنغازي وتتبنى وجهة نظر جبهة شرق ليبيا. وبجانب هاتين القناتين تأتي قنوات مثل «ليبيا الأولى» و«المستقبل» و«ليبيا بانوراما» و«ليبيا الرياضية» بالإضافة إلى «النبأ»، التي أسست 2013 لدعم «المؤتمر الوطني العام» (المنتهية ولايته)، وقد تعرض مكتبها في طرابلس للقصف في يناير (كانون الثاني) 2016، وبعد اقتحامها وإغلاقها لاتهامها يومذاك بـ«نشر الفتنة»، استأنفت بثها... قبل أن تتوقف ثانية. بوغرسة، يتحدث عن عملية فرز لمحتوى ما تقدمه غالبية القنوات الخاصة، فيقول «بعضها تساقط من أعين المشاهدين كأوراق الخريف بعدما فضحت ألاعيبها... وأخرى أغلقت بسبب تغير أجندات مصالح مموليها»، إلا أنه يستدرك فينوه إلى بروز قنوات معدودة «منها من لعب دوراً وطنياً وكان واضحاً منذ انطلاقته في محاربة خطاب الكراهية، بجانب استمرار بعض القنوات في خطابها المعادي لمناطق معينة».
قنوات بالجملة
وراهناً من أبرز القنوات التي تبث من خارج ليبيا «الوسط» و«ليبيا الأحرار» و«قناة ليبيا» و«المسار» و«سلام» و«فبراير»... والأخيرتان يشرف عليهما وليد اللافي وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية بحكومة الدبيبة. وهذا بجانب «قناتي» و«218» اللتين توقفتا عن البث الأسبوع الماضي لظروف وصفتها إدارتهما بـ«المالية».
وأمام الانقسام حول رسالة الإعلام الخاص في ليبيا بالنظر إلى مصادر تمويله والفوضى السياسية، يرى عبد القيوم - الذي سبق أن قدم برنامج بـ«الحبر الأزرق» على قناة «ليبيا» التي كان يمولها السفير عارف النايض قبل خفوت دورها - أن «معظمه تقريباً ممول من دول وجماعات خارجية، وهو يبث من خارج الوطن... ويتوقع أن يتأثر بخيارات الممول وينحاز بصورة ما إلى أجندة، أو المرشح المفضل لدى الدول الممولة حال أجريت الانتخابات العامة». ثم يشير إلى أن الإعلام التابع لتيار «الإسلام السياسي»، ظل – حسب وصفه – «كما هو مستغرقاً في الآيديولوجية التي قادته إلى الغرق في بحر الفبركة واستخدام الدين مما جعله أداة سلبية في المناسبات الوطنية». وحول اختفاء بث بعض القنوات الليبية، وظهور أخرى بشكل مفاجئ، يرجع بوغرسة الأمر إلى أن «تغير المصالح في المنطقة ونقص التمويل يدفع بعض القنوات إلى الإغلاق، وإنشاء أخرى... ولكن في المجمل توجد قنوات قليلة، حتى وإن كانت خاصةً، تعمل منذ تأسيسها على التهدئة وتبني لغة الحوار ونبذ الاقتتال والدفع باتجاه المصالحة الوطنية».
معاناة الإعلام الحكومي
انقسام الإعلام الحكومي، الذي تمثل في وجود قناتين في وقت سابق تحملان الاسم ذاته هو «الرسمية» -واحدة تدعم معسكر شرق ليبيا والثانية تابعة لغربه– أدى إلى عجزه عن منافسة القنوات الآتية من الخارج. وحول هذا الواقع يقول بوغرسة «كانت طامة كبرى... عندما أنشئت قنوات حكومية في شرق البلاد وغربها؛ لكن في مجملها وبساطة إمكانياتها لم تستطع مواجهة القنوات الخاصة، لذا كان وجودها والعدم سواء». وإكمالاً لطرح بوغرسة بشأن القنوات الحكومية، يتوقع عيسى عبد القيوم «ألا يرتقي الإعلام المحلي الممول من الدولة إلى مستوى احترافي في تغطية المناسبات السياسية، ومنها الانتخابات بالنظر إلى شح موارده، وبتأثير مباشر من الانقسام السياسي بين الشرق والغرب»، ويرى أن «الأمر سيشكل حجر عثرة أمام انتقال الإعلاميين على شطري معادلة متابعة أي حدث كبير كالاستحقاقات العامة غرب ليبيا وشرقها». من جهته، يدافع رامي المنصوري عن قناة «ليبيا الحدث» التي يعمل فيها، والمحتوى الذي تقدمه خاصةً خلال تغطية الحرب على تنظيم «داعش» ببنغازي منذ عام 2014. بيد أنه، مع ذلك، يعتقد أن الإعلام الليبي بصفة عامة «لم يؤد رسالته بالشكل المطلوب المتمثلة في نشر السلام، وذلك بسبب حدة التنازع السياسي... ولذا أصبح لدينا اهتمام أكثر بإعلام المنوعات والترفيه». وأمام تكلس الإعلام الرسمي، يراهن عبد القيوم، على مواقع التواصل الاجتماعي وصحافة المواطن كوسيلة مهمة لجس نبض الشارع وربما لدفع الإعلام الرسمي والخاص إلى «التخفيف من انحيازاته وتزييفه للواقع بالنظر إلى سرعة النشر والتكذيب التي يتمتع بها إعلام الإنترنت الشعبي». وللعلم، قبل سنة أمر عبد الحميد الدبيبة، بتشكيل لجنة لـ«إصلاح الإعلام»، على أن تتولى حصر جميع القنوات الليبية الخاصة المرئية والمسموعة العاملة بالداخل والخارج، ومخاطبة الجهات المختصة لتزويدها بالمستندات المتعلقة بها من حيث قانونية عملها. وعلى النقيض من التلفزيون، تتمتع المحطات الإذاعية الليبية بشعبية أكبر مقارنة بالإذاعات الدولية وذلك بسبب تركيزها على المحتوى المحلي، ومحدودية بث موجات «إف إم»، ولم تسلم هي الأخرى من هجمات المجموعات المسلحة، مما دفع غالبيتها تجنب بث المحتوى السياسي وإغلاق بعضها بالكامل.



وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
TT

وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)

وليد عبود، صاحب خبراتٍ متراكمة في عالم الإعلام اللبناني، ويمثّل نموذجاً للمهني المتمرّس. ولقد تنقّل بين صروحٍ عديدة، منذ كان طالباً في كليات الإعلام والأدب والحقوق، حيث كان شغفه الأول الثقافة، إلا أن عالم السياسة سرعان ما جذبه، ليصبح أحد أبرز المحاورين التلفزيونيين في لبنان. وعبود راهناً يشغل منصب رئيس تحرير نشرات الأخبار في قناة «إم تي في» المحلية، ويقدّم 3 برامج حوارية هي: «أبيض وأسود» على منصة «هلا أرابيا»، و«الحكي يوصل» على منصة «صوت كل لبنان»، و«مع وليد عبود» على شاشة «تلفزيون لبنان».

بالنسبة لمسيرته، فإنه استقى خبراته الأولى من عمله في «دار الصياد» عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، ويومذاك تولّى مهام التحرير في نشرة دورية كانت تُرسل إلى أصحاب القرار في لبنان والعالم العربي. بعدها تنقّل بين عدد من الصحف اللبنانية والعربية، من بينها «المسيرة» و«الحياة» و«نداء الوطن» و«النهار»، حيث كتب مقالات ثقافية.

وفي «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (إل بي سي آي)، شارك في إعداد برامج ثقافية مثل «كبارنا». أما تجاربه السياسية الأولى فانطلقت عبر برنامج «ع صوت عالي» على شاشة «تلفزيون لبنان» خلال مرحلة إدارتها من قِبل فؤاد نعيم.

ومع الراحل جبران تويني، خاض تجربة تلفزيونية جديدة من خلال إعداد برنامج «فخامة الرئيس» على شاشة «إل بي سي آي»، ليتولى بعدها برنامج «رئاسيات». ويعلقّ وليد عبود على تلك الحقبة بالقول: «تعاوني مع الراحل جبران تويني ترك أثره الإيجابي في مشواري المهني. كان قامة سياسية وإعلامية لا يمكن أن تمر مرور الكرام».

في انتقاله إلى «إم تي في» عام 1989، بدأ إعداد برنامج «سجّل موقف». وبقي فيها حتى عام 2001، حين استدعته «إل بي سي آي» للعمل في إدارة تحرير نشرات الأخبار، وهي مرحلة أكسبته خبرة واسعة. ثم عاد مجدداً إلى «إم تي في» لتولّي رئاسة تحرير نشرات الأخبار حتى اليوم، إلى جانب تقديمه برنامج «بموضوعية» حتى عام 2018. ويؤكد أن مجمل هذه المحطات صقل تجربته المهنية، التي تجاوزت اليوم 46 عاماً من العمل الإعلامي.

«تلفزيون لبنان» وعوْدٌ على بدء

على الرغم من التجارب الكثيرة واللامعة التي خاضها عبود في صروح إعلامية عدّة، فإنه لفت متابعيه أخيراً بانضمامه إلى عائلة «تلفزيون لبنان». كانت عودة إلى واحدة من أقدم تجاربه الإعلامية في عام 1994، حيث يقدّم عبره مساء كل أربعاء برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال عن هذه الخطوة: «لا شك أن هذه المحطة تسمها العراقة والتاريخ المضيء، وقد تربّينا على شاشتها. ومجرّد أن يُوضع اسمي إلى جانب الرعيل الأول من الإعلاميين أمثال عادل مالك وكميل منسّى وجان خوري، فهذا يشكل حافزاً وفخراً كبيرين لي». وأضاف مستعيداً لحظة دخوله إلى مبنى التلفزيون: «ممرّ طويل يقود إلى الاستوديوهات، وعلى جدرانه صور هؤلاء الإعلاميين، إلى جانب صورة الرئيس الراحل كميل شمعون وهو يضع حجر الأساس لتلفزيون لبنان. هناك اجتاحتني مشاعر الحنين إلى زمن الإعلام اللبناني الذهبي والرائد، حين كان لبنان بين أوائل الدول العربية التي تخطو هذه الخطوة الكبرى في المنطقة. وكذلك استعدت ذكرياتي مع هذه الشاشة المرتبطة بوجداني».

من ناحية ثانية، خيار العودة إلى «تلفزيون لبنان» لم يكن مجرد محطة عابرة في مسيرة عبود، بل جاء نتيجة مجموعة اعتبارات مهنية وواقعية. وهو يوضح أن تعذّر تقديم برنامج تلفزيوني على محطة محلية منافسة دفعه إلى اختيار هذه العودة، بوصفه الخيار الأنسب والأكثر انسجاماً مع المرحلة.

ومن خلال هذا المنبر، قدّم برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود»، الذي يُعرض مساء كل أربعاء، ويستضيف شخصيات سياسية بارزة. وقد استهلها مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. وأشار إلى أنها كانت أولى إطلالاتهما الإعلامية فشكّلت نقطة تحوّل في مسار البرنامج، إذ أسهمت المقابلتان في تثبيت حضوره وتعزيز انتشاره. وهو يرى أن «تلفزيون لبنان»، في ظل إدارته الجديدة، بدأ يخطو باتجاه رؤية مستقبلية أكثر تنظيماً ووضوحاً، ما انعكس إيجاباً على موقع البرنامج داخل المشهد الإعلامي.

إعلامي متميز... وخبرات متراكمة (إم تي في)

الذاكرة الإعلامية

قال عبود إن تجربة العودة إلى تلفزيون لبنان «أعادت إليَّ شيئاً من الذاكرة الإعلامية الأولى، لكنها في الوقت نفسه أتاحت لي مساحة عمل مختلفة، تجمع بين الخبرة المتراكمة والفرصة المتجددة لإعادة تقديم نفسي ضمن سياق وطني جامع».

وفي سياق كلامه عن تجربته الطويلة مع قناة «إم تي في»، استعاد عبود محطات من إدارة نشرات الأخبار، معتبراً أن العلاقة بين الإعلامي والمحطة تقوم أساساً على الانسجام في الرؤية والخط التحريري. وأردف: «نحن مَن نشبه المحطة وليس العكس»، موضحاً أن نجاح التجربة الإعلامية «يرتبط بمدى التقاطع بين قناعة الإعلامي ونهج المؤسسة، وإلا فإن الخلافات تصبح نتيجة طبيعية».

وعلى الصعيد الشخصي، قال إن «الحروب الإعلامية» ليست من طبعه، فهو يميل إلى تجنّب المواجهات المباشرة. ويفضّل التركيز على العمل والمضمون. ويرى أن بيئة التفاهم داخل أي مؤسسة إعلامية تُسهّل تجاوز التحديات، وتُقلّل من حدّة الإشكالات، في حين أن غياب التفاهم هو ما يخلق الأزمات، ويؤدي إلى المغادرة أو الاختلاف.

النقد ضرورة من أجل التطور

أما في ما يتعلق بالنقد، فيشدّد وليد عبود على أنه «عنصر أساسي في المهنة وليس تهديداً لها، بل لعله أداة تطوير حقيقية». ويضيف أن «كل إعلامي، سواء كان في موقع التحرير أو التقديم، يتعرّض للنقد بشكل دائم، سواء من سياسيين أو جمهور أو زملاء في المهنة، والمهم هو كيفية التعامل معه». وبالنسبة له، النقد لا يُقابل بالانزعاج، بل بالاستفادة؛ لأنه يكشف نقاط الضعف التي قد لا تكون واضحة خلال عمل يومي يستمر 18 ساعة متتالية. ويؤكد أنه بعد كل حلقة من برنامجه يطلب آراء المشاهدين بصدق؛ لأن المديح لا يهمّه بقدر ما يهمّه النقد البنّاء الذي يساعده على التطوير.

ويشرح من ثم أن مسيرته الإعلامية الطويلة علّمته أن كل يوم يحمل تجربة جديدة، وأن العمل المتواصل لساعات قد يرافقه بعض الهفوات، لكن التحدي الحقيقي هو في تقليل الأخطاء وتحاشي تكرارها. ومن ثم، يرى أن المعيار ليس في غياب الخطأ، بل في القدرة على ضبط نسبته مقارنة بمحطات أخرى.

الإعلامي يبقى في الذاكرة

واختتم عبود اللقاء معه بالتأكيد على أن «الإعلام مهنة متعبة»، ولا يعرف كيف انخرط فيها بهذا الشغف الكبير، ثم إنه كان يخطط لمسار أكاديمي في الأدب والفلسفة، لكن الإعلام جذبه بشكل غير متوقع. وتابع أنه يؤمن بأن «الإعلامي الحقيقي يبقى حاضراً في ذاكرة الناس إذا استطاع أن يترك بصمة واضحة، وأن هذه المهنة، رغم صعوبتها، تبقى وفية لصاحبها بقدر وفائه لها». ويعود ليصف الإعلام بأنه «عالم ساحر وجميل، لكن الأهم ألا ينقلب السحر على ساحره في اللحظات المفصلية».


هل يعرقل الذكاء الاصطناعي التواصل بين الصحافيين ومصادر المعلومات؟

الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
TT

هل يعرقل الذكاء الاصطناعي التواصل بين الصحافيين ومصادر المعلومات؟

الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)

أثار تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على استنساخ وانتحال صفة الصحافي، مخاوف من عرقلة التواصل بين الإعلاميين ومصادر المعلومات؛ بسبب «التشكك في وجودهم وإنسانيتهم»، وفي حين رأى خبراء أنَّ الذكاء الاصطناعي يُسهم في تسهيل العمل الإعلامي، فإنَّهم شدَّدوا على «ضرورة التواصل الإنساني المباشر لتقليل التأثيرات السلبية للتكنولوجيا».

تقرير نشره معهد «نيمان لاب» المتخصِّص في دراسات الصحافة، نهاية الشهر الماضي، أفاد بإحجام المصادر عن الرد على رسائل الصحافيين عبر البريد الإلكتروني؛ اعتقاداً منهم أنَّها مرسلة من روبوتات الذكاء الاصطناعي.

واستند التقرير إلى تجربة الصحافي الأميركي، غابي بولارد، الذي ذكر أنَّ بعض مصادر المعلومات باتت تتخوَّف من ورود رسائل احتيال عبر البريد الإلكتروني، ما يدفعهم لتجاهل الردِّ على استفسارات الصحافيين.

أيضاً لفت التقرير إلى أن «المخاوف المتعلقة بتراجع الثقة في الإعلام، وانتشار المعلومات المضللة، أضيفت إليها مخاوف جديدة تتعلق بإمكانية أن تعرقل التكنولوجيا عنصراً أساسياً من العمل الصحافي، وهو التواصل مع المصادر لجمع المعلومات، بحجة التشكك في وجود الصحافي من الأساس». وأشار إلى ما تُسمى «نظرية الإنترنت الميت» التي تفترض أنَّ معظم الموجودين على الإنترنت ليسوا حقيقيين.

الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل، قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط»: «إن الذكاء الاصطناعي يؤثر في عمل الصحافي سلباً وإيجاباً... ومع تطور النماذج اللغوية الضخمة بات من الصعب التفريق بين ما تنتجه وما ينتجه الإنسان، لا سيما مع قدرة التكنولوجيا على استنساخ وانتحال صفات أشخاص حقيقيين».

وأضافت حمود أن «ما يحدث قد يعرقل قدرة الصحافي على التواصل مع مصادر المعلومات». ولذا فهي تقترح أن «يحرص الصحافي على التواصل الإنساني في محاولة لإثبات وجوده، والحد من مخاوف المصادر، جنباً إلى جنب مع العمل على الترويج الذاتي، ورسم صورة ذهنية لحضوره على منصات التواصل المختلفة».

وتؤكد على «ضرورة إعادة النظر في كيفية التعاطي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، وطريقة العمل والتواصل الصحافي في ضوئها، مع وضع سياسات شاملة لذلك».

في الواقع، تطرَّق تقرير «نيمان لاب» إلى حلول عدة للحدِّ من تأثير الذكاء الاصطناعي على التواصل مع مصادر المعلومات، من بينها «التواصل من بريد إلكتروني مرتبط بالمؤسسة الإعلامية، والحرص على إيجاد فرص للتواصل الإنساني المباشر للحدِّ من تشكك المصادر في وجود الصحافي». بيد أنَّه في الوقت ذاته لفت إلى ما يكتنف ذلك من تحديات ترتبط ببطء عملية التواصل في عصر رقمي لا يمنح رفاهية الوقت.

هنا يرد الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، بالقول: «إن الذكاء الاصطناعي لا يعرقل عمل الصحافي بشكل مباشر، لكنه يفرض تحديات جديدة تُغيِّر طريقة الوصول إلى المعلومات».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «المعلومات أصبحت متاحة جداً وبوفرة؛ لكن يتعذَّر التحقق منها بسهولة، ما أدّى إلى تضخم هائل في المحتوى؛ ما يجعل التحقُّق من دقته أكثر صعوبة، خصوصاً مع انتشار تقنيات التزييف العميق، التي تتيح إنتاج مواد مزيفة يصعب تمييزها».

من ناحية ثانية، يشير فتحي إلى أن «الذكاء الاصطناعي يوفِّر في المقابل أدوات قوية تساعد الصحافي على البحث السريع، وتحليل البيانات، والوصول إلى معلومات من مصادر متعددة خلال وقت قياسي.

وبالتالي، فإنَّ التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى المعلومات؛ بل في التحقُّق منها وفهم سياقها الحقيقي... وبالتالي، بات من الضروري تعزيز المهارات المهنية، وعلى رأسها التحقُّق من الأخبار باستخدام أدوات متعددة، وبناء شبكة مصادر موثوقة جداً، وتقديم محتوى إخباري تحليلي وإنساني لا تستطيع الآلة إنتاجه بالعمق البشري نفسه».

ويضيف فتحي: «إن تطوير المهارات الرقمية، والتعامل الذكي مع أدوات الذكاء الاصطناعي، يمنحان الصحافي ميزةً تنافسيةً عن أقرانه؛ لكنهما لا يلغيان وظيفته أو عمله، بل سيظلُّ الصحافي القادر على الجمع بين الدقة والمصداقية والرؤية الإنسانية، هو الأكثر قدرةً على البقاء في المنافسة».


«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
TT

«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)

في الصين، لا تبدو المعركة في سوق البث التدفّقي مجرد سباق على الاشتراكات أو ساعات المشاهدة، بل هي صراع على شكل الصناعة الثقافية نفسها.

وفي قلب هذا الصراع تقف منصة «آي كيوي آي» (iQIYI)، التي توصف غالباً بـ«نتفليكس الصين»، كونها واحدةً من أكبر منصات الترفيه الرقمي في البلاد، بقاعدة مستخدمين نشطة تجاوزت خمسمائة مليون شخص شهرياً، ونحو مائة مليون مشترك مدفوع. غير أن المنصة باتت الآن في مواجهة مفتوحة مع مشاهديها، إثر إعلانها عن مشروع لبناء قاعدة بيانات فنية مدارة بالذكاء الاصطناعي، ما فجّر جدلاً واسعاً لم تهدأ أصداؤه بعد.

سوق ضخمة ومنصة تبحث عن البقاء

لفهم ما يجري، لا بد من وضع الأرقام في سياقها؛ إذ إن «آي كيوي آي»، التي يرعاها عملاق التكنولوجيا «بايدو»، سجّلت خلال عام 2025 إيرادات سنوية بلغت نحو 27.29 مليار يوان (ما يعادل نحو أربعة مليارات دولار)، وسط تراجع نسبته سبعة في المائة مقارنةً بالعام السابق، وخسائر صافية ناهزت 206 ملايين يوان، وهذا بعدما كانت قد حقّقت ربحاً صافياً بلغ 764 مليون يوان في عام 2024.

للعلم، تعتمد المنصة نموذجاً مختلطاً يجمع بين الاشتراكات المدفوعة والإعلانات وتوزيع المحتوى، ما يجعلها هشّةً في مواجهة أي تراجع في الإنفاق الإعلاني. وفي هذا السياق، يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أكثر من مجرّد أداة تقنية، أي يغدو محاولة لتقليص الكلفة وتسريع الإنتاج. ولقد أقرّ الرئيس التنفيذي غونغ يو، صراحةً، بقلقه من استدامة النموذج التقليدي العالي الكلفة، مشيداً بإمكانات الذكاء الاصطناعي في فتح آفاق إبداعية جديدة.

قاعدة المواهب الفنية

يوم 20 أبريل (نيسان) 2026، وبمناسبة مؤتمر «آي كيوي آي» المنعقد في العاصمة الصينية بكين، كشف الرئيس التنفيذي غونغ يو النقاب عن مشروع سماه «قاعدة المواهب الفنية بالذكاء الاصطناعي». وذكر أن 117 فناناً صينياً وقّعوا اتفاقيات تُجيز للمنصة استخدام ملامحهم وأصواتهم وبياناتهم الحيوية لبناء شخصيات رقمية، يمكن توظيفها في أعمال درامية وسينمائية مولّدة بالذكاء الاصطناعي، دون أن يطأ الممثل الأصلي أرض التصوير. وكذلك أعلن عن أول فيلم روائي طويل مُولَّد بالكامل بالذكاء الاصطناعي تعتزم المنصة إطلاقه قريباً. وفي تصريح، سرعان ما أثار موجة غضب عارمة، ذهب غونغ يو إلى أن التصوير قد يصبح عن قريب تراثاً ثقافياً ينتمي إلى الماضي.

"آي كيوي آي"... ترفع مستوى المنافسة (آي كيو آي)

اشتعال الجدل

لحظات بعد هذا الإعلان، اشتعلت منصة «ويبو» الصينية بهاشتاغ «آي كيوي آي جنّت» حتى أصبحت القضية في قائمة المواضيع الأكثر تداولاً. وتساءل مستخدمون باستنكار: «لماذا سأدفع اشتراكاً لمشاهدة أشخاص مزيّفين؟»... وكتب آخرون: «إذا تحوّل الممثلون كلهم إلى ذكاء اصطناعي، فما هي القيمة التي ستحملها هذه الأعمال؟».

ومن جهة ثانية، سارعت شخصيات وردت أسماؤها في المشروع، كالممثل الكبير تشانغ روييون، إلى نفي أي صلة لهم بالمشروع. وفي الساعات التالية للعاصفة، سارعت «آي كيوي آي» إلى إصدار توضيحات متتالية. وفي تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قال نائب الرئيس التنفيذي الأول ليو وِنفِنغ إن المنصة لا تُرخّص صور الممثلين ومظاهرهم، بل تعمل على تمكين صنّاع الأفلام والممثلين من إنشاء تواصل أسرع عبر منصة «ناداو برو». وأردف أن كل لقطة تحتاج إلى تأكيد من الفنانين أنفسهم، وأن «ثمة سوء فهم تاماً» وراء ما حصل. وفي بيانين متتاليين، أكدت المنصة أن الانضمام إلى القاعدة لا يعني سوى إعلان الفنان استعداده للنقاش في مشاريع محتملة، وليس ترخيصاً مُسبقاً لأي عمل بعينه.

إشكاليات قانونية وتقنية جديدة

وبالتوازي، حذّر لي تشِنوو، المحامي في مكتب «شانغهاي ستار لو فيرم»، من أنه بمجرد استخدام بيانات لصورة فنان في تدريب نماذج المنصة، تنشأ مخاطر تقنية جسيمة، من بينها تسريب البيانات والتدريب الثانوي غير المصرّح به، وهي مخاطر يصعب التخلص منها. وتكمن هشاشة الوضع القانوني في أن التشريعات الصينية لم تُحسم بعد فيما يخص ملكية الصورة الرقمية واستنساخها عبر الذكاء الاصطناعي، ما يفتح الباب أمام نزاعات قانونية قد تمتد لسنوات.

بكين تشدّد قبضتها على الذكاء الاصطناعي

في الحقيقة، لا يمكن قراءة هذا الجدل معزولاً عن السياق التنظيمي المتسارع في الصين. فيوم 3 أبريل 2026، نشرت «الإدارة الصينية للفضاء الإلكتروني» مسوّدة قواعد تشمل اشتراطات صارمة للموافقة المسبقة عند استخدام السمات الحيوية، وحظر التحايل على أنظمة المصادقة البيومترية. وأطلقت السلطات حملتها السنوية لمكافحة إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، التي استهدفت الانتحال الرقمي للأشخاص واستحضار المتوفين رقمياً من دون موافقة ذويهم. ومن ثم، قد دخل معيار وضع علامات إلزامية على المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي حيّز التنفيذ يوم 1 سبتمبر (أيلول) 2025.

لماذا يهزّ الجدل الصناعة الترفيهية كلها؟

جدير بالذكر أن «آي كيوي آي» ليست منصةً بعيدة عن السياق؛ فهي جزء من البنية الكبرى التي تشكّل الذائقة الرقمية في الصين، جنباً إلى جنب مع «تنسنت فيديو» و«يوكو» و«بيليبيلي» و«مانغو تي في».

وفي مثل هذه السوق، لا يقتصر أثر قرار واحد على مسار منصة بعينها، بل يمتد إلى المعايير نفسها: هل النجاح يكمن في تقليص الكلفة، أم في الحفاظ على العلاقة الإنسانية بين العمل الفني وجمهوره؟ والمفارقة تبرز هنا بجلاء؛ إذ كلّما ازدادت المنصة اعتماداً على الذكاء الاصطناعي، ازدادت قدرتها على السيطرة على الإنتاج والتخصيص، لكنها في المقابل تخاطر بتقليص المساحة التي يمرّ فيها الفن عبر التجربة البشرية الفعلية.

آفاق المستقبل

ما جرى في بكين ليس شأناً صينياً بحتاً، إذ إن البنية التحتية التي تسعى «آي كيوي آي» إلى بنائها انعكاس لمنطق يجتاح صناعة الترفيه العالمية.

ففي الولايات المتحدة، مثلاً، تتسارع استثمارات كبريات المنصات في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. إذ تعتزم «نتفليكس» إنفاق نحو 20 مليار دولار على المحتوى في 2026 مستعينة بالذكاء الاصطناعي في الإنتاج والإعلانات، في حين تعمل «أمازون» على توظيفه في الرسوم المتحركة والدبلجة.

ومع ذلك، تسير المنصات الغربية بخطى أكثر حذراً، إذ يمثّل استنساخ الممثلين بالكامل «خطاً أحمر» في ظل عقود نقابة «ساغ-آفترا» المهنية.

وفي المقابل، يبدو النموذج الصيني أكثر جرأةً وأقل تقييداً، ما يجعل «آي كيوي آي» في موقع الرائد الاضطراري لمسار قد تسلكه منصّات عالمية أخرى في غضون سنوات قليلة.