قمة تاريخية لـ«الناتو» غداً تركز على دعم أوكرانيا

الحلف يعد لإقرار «مبدأ استراتيجي جديد» ونشر قوات على نطاق واسع شرق أوروبا

عمال يضعون لافتة لحلف «الناتو» في مدريد استعداداً للقمة (أ.ب)
عمال يضعون لافتة لحلف «الناتو» في مدريد استعداداً للقمة (أ.ب)
TT

قمة تاريخية لـ«الناتو» غداً تركز على دعم أوكرانيا

عمال يضعون لافتة لحلف «الناتو» في مدريد استعداداً للقمة (أ.ب)
عمال يضعون لافتة لحلف «الناتو» في مدريد استعداداً للقمة (أ.ب)

عندما قرر قادة البلدان الأعضاء في «الناتو» التجاوب مع طلب إسبانيا عقد القمة العادية لهذا العام في مدريد، كان الحلف العسكري الأطلسي يواجه واحدة من أخطر الأزمات التي مر بها منذ تأسيسه في واشنطن عام 1949 ويتساءل كثيرون من أعضائه حول مسوغات وجوده خاصةً بعد أن تكررت التلميحات الأميركية على عهد الرئيس السابق دونالد ترمب بفك الارتباط العسكري مع الحلفاء الأطلسيين، وبعد الانسحاب المفاجئ الذي قررته إدارة جو بايدن الصيف الماضي من أفغانستان من غير التنسيق حتى مع أقرب حلفائها.
يومها لم يكن أحد يتصور أن أوروبا كانت على أبواب أكبر تحول أمني في تاريخها منذ الحرب العالمية الثانية سيعيد الحياة إلى الحلف المحتضر ويدفع القارة إلى مراجعة جذرية لسياساتها الدفاعية ويفرض معادلات جديدة في التوازنات الأمنية على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
وإذا كانت قمة مدريد التي تنطلق أعمالها غداً «تاريخية بكل المعايير» كما قال الأمين العام للحلف الأطلسي ينس ستولتنبيرغ خلال محادثة مع مجموعة من وسائل الإعلام بينها «الشرق الأوسط»، فإن القمة السابقة التي استضافتها العاصمة الإسبانية منذ خمسة وعشرين عاماً بالتحديد في مثل هذه الأيام من العام 1997، كانت هي أيضاً تاريخية، وربما مؤسسة لجذور الحرب التي قررت موسكو إعلانها على النظام القائم للتوازنات الأمنية في أوروبا والعالم.
في تلك القمة التي انعقدت خلال رئاسة بيل كلينتون وتولي الإسباني خافيير سولانا الأمانة العامة للحلف الأطلسي، تقررت توسعة العضوية لتضم بلدان الشرق الأوروبي التي كانت ضمن حلف وارسو، بولندا والمجر وتشيكيا، وقبول ترشيح رومانيا وسلوفينيا. يومها قال الرئيس الفرنسي جاك شيراك «إن انفتاح الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي على الديمقراطيات الحديثة في الشرق هو في مصلحة جميع الأوروبيين».
لكن الرئيس الروسي آنذاك، بوريس يلتسين، اعتبر تلك القمة إذلالاً لبلاده ورفض الدعوة لحضورها، والطرح الأميركي بأن الغرب لم يعد هو العدو، بل عدم الاستقرار في البلقان والقوقاز والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يومها انتقدت موسكو بشدة قرار توسيع عضوية الحلف، والاتفاق الأمني الذي أبرمه مع أوكرانيا التي كانت خرجت لتوها من تحت الوصاية الروسية، والتي وصف وزير خارجيتها ليونيد كوشما القمة أنها بأهمية سقوط جدار برلين، وأعرب عن رغبة كييف في الانضمام إلى الحلف. أما وزير الخارجية الروسي في ذلك الوقت يفغيني بريماكوف فقد وصف قرار التوسعة بأنه «خطأ جسيم ارتكبه الغرب، ربما هو الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية»، وهو نفس التصريح الذي يكرره فلاديمير بوتين منذ سنوات.
يقول الأمين العام للحلف الأطلسي «إن الغزو الروسي لأوكرانيا يشكل بداية عصر أمني جديد أعطى هذه القمة بعداً حاسماً في إرساء القواعد الجديدة للحلف وللأمن في القارة الأوروبية التي بعد سبعين عاماً من السلم تجد نفسها من جديد أمام الخنادق والمقابر الجماعية والمدن تحت القصف».
وإذ يوضح ستولتينبيرغ أنه «لا توجد حرب شاملة بين الحلف الأطلسي وروسيا» يرجح أن تكون نهاية هذا النزاع حول طاولة المفاوضات، ويقول «مسؤوليتنا هي أن نضمن لأوكرانيا أقوى موقف ممكن، ومساعدتها لتبقى دولة أوروبية مستقلة وذات سيادة، والسبيل الأفضل لذلك هو تزويدها بالدعم العسكري القوي وفرض عقوبات قاسية على روسيا».
ومن المقرر أن توافق قمة مدريد على «المبدأ الاستراتيجي الجديد» للحلف الذي سيشكل إطاراً لنشاطه ويحدد شروط عملياته في المستقبل، إضافة إلى قرار نشر قوات أطلسية على نطاق واسع في بلدان الشرق الأوروبي، هي الأكبر منذ الحرب الباردة، وتزويدها بأحدث المعدات والأسلحة، وبقدرات على التحرك السريع لصد أي هجمات محتملة تتعرض لها الدول الأعضاء.
ويقول الأمين العام للحلف إن التركيز في الوقت الراهن هو على روسيا وأوكرانيا، لكن الحلف سيناقش أيضاً التهديدات الأمنية الأخرى، مثل الإرهاب وعدم الاستقرار في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل. وكشف أن القمة ستوافق على منح موريتانيا حزمة جديدة من المساعدات لمكافحة الإرهاب ومراقبة الحدود وتعزيز الأمن والدفاع.
وتقول مصادر مطلعة إن النقاش الرئيسي في القمة سيدور بين دول الشرق الأوروبي المحاذية لروسيا أو القريبة منها، التي تريد زيادة عديد القوات الأطلسية على أراضيها ورفع مستواها من أفواج وفيالق إلى فرق تحت إمرة جنرال وبقائها بصورة دائمة، ودول أخرى مثل الولايات المتحدة وألمانيا التي تفضل الإبقاء على الاستراتيجية الحالية التي تقوم على نظام التناوب وتعزيز الوحدات عند الاقتضاء. يشار إلى أنه في العام 2017، أي بعد ثلاث سنوات على ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، نشر الحلف الأطلسي للمرة الأولى قوات في بلدان أوروبا الشرقية من بولندا إلى إستونيا وليتونيا قوامها خمسة آلاف جندي، لكنها تتعزز منذ بداية الحرب في أوكرانيا. وفي مارس (آذار) الماضي ضاعف الحلف عدد قواته في البلدان المجاورة، المجر ورومانيا وسلوفاكيا وبلغاريا، حيث يقدر أن عددها الحالي يبلغ أربعين ألفاً، يضاف إليها 130 طائرة مقاتلة و140 سفينة حربية. ويذكر أن عديد القوات الأميركية في أوروبا ارتفع في الأشهر الثالثة الأخيرة من سبعين ألفاً إلى مائة ألف جندي.
وإذا كان المبدأ الاستراتيجي السابق للحلف الأطلسي يعتبر «أن روسيا لا تشكل أي تهديد... وللتعاون معها أهمية استراتيجية»، فإن المبدأ الجديد الذي ستعتمده القمة غداً يعتبر روسيا تهديداً مباشراً ومحدقاً، ولا يستبعد أن تقوم موسكو بمهاجمة إحدى الدول الأعضاء في الحلف، ما قد يؤدي إلى مواجهة شاملة ومفتوحة بين الدول النووية الكبرى.
ويذكر أن المبدأ الاستراتيجي السابق للحلف الذي وضع في العام 2010 لا يأتي حتى على ذكر الصين، بينما المبدأ الجديد يكاد يضعها في مصاف روسيا، لكن بعد إصرار الحلفاء الأوروبيين الذين لا يرغبون في رفع منسوب التوتر مع بكين اقترحوا الاكتفاء بالإشارة إلى الصين على أنها تشكل تحدياً جيواستراتيجياً ومنهجياً في الأمد الطويل. لكن يرى محللون أنه برغم عودة أوروبا إلى واجهة الاهتمامات الخارجية والدفاعية لواشنطن بسبب الحرب في أوكرانيا، سوف تبقى آسيا محور الاهتمامات الاستراتيجية للولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

العالم موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

أكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) نشر وحدات عسكرية إضافية في أوروبا الشرقية، وقام بتدريبات وتحديثات للبنية التحتية العسكرية قرب حدود روسيا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، اليوم الأربعاء. وأكد باتروشيف في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» الروسية، أن الغرب يشدد باستمرار الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على بلاده، وأن الناتو نشر حوالى 60 ألف جندي أميركي في المنطقة، وزاد حجم التدريب العملياتي والقتالي للقوات وكثافته.

العالم إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

أعلنت وزارة الخارجية الإسبانية، الجمعة، أنها استدعت السفير الروسي في مدريد، بعد «هجمات» شنتها السفارة على الحكومة عبر موقع «تويتر». وقال متحدث باسم الوزارة، لوكالة «الصحافة الفرنسية»، إن الغرض من الاستدعاء الذي تم الخميس، هو «الاحتجاج على الهجمات ضد الحكومة على مواقع التواصل الاجتماعي».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
العالم {الناتو} يؤكد تسليم أوكرانيا كل المركبات اللازمة لهجوم الربيع

{الناتو} يؤكد تسليم أوكرانيا كل المركبات اللازمة لهجوم الربيع

أعلن القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، أن جميع المركبات القتالية، التي وعد حلفاء أوكرانيا الغربيون بتسليمها في الوقت المناسب، تمهيداً لهجوم الربيع المضاد المتوقع الذي قد تشنه كييف، قد وصلت تقريباً. وقال الجنرال كريستوفر كافولي، وهو أيضاً القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا، إن «أكثر من 98 في المائة من المركبات القتالية موجودة بالفعل». وأضاف في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب يوم الأربعاء: «أنا واثق جداً من أننا قدمنا العتاد الذي يحتاجون إليه، وسنواصل الإمدادات للحفاظ على عملياتهم أيضاً».

العالم الناتو يؤكد تسليم كل المركبات القتالية اللازمة لهجوم الربيع الأوكراني

الناتو يؤكد تسليم كل المركبات القتالية اللازمة لهجوم الربيع الأوكراني

أعلن القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أن جميع المركبات القتالية، التي وعد حلفاء أوكرانيا الغربيون بتسليمها في الوقت المناسب، تمهيداً لهجوم الربيع المضاد المتوقع الذي قد تشنه كييف، قد وصلت تقريباً. وقال الجنرال كريستوفر كافولي، وهو أيضاً القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا، إن «أكثر من 98 في المائة من المركبات القتالية موجودة بالفعل». وأضاف في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي الأربعاء: «أنا واثق جداً من أننا قدمنا العتاد الذي يحتاجون إليه، وسنواصل الإمدادات للحفاظ على عملياتهم أيضاً».

العالم مقاتلات ألمانية وبريطانية تعترض طائرات روسية فوق البلطيق

مقاتلات ألمانية وبريطانية تعترض طائرات روسية فوق البلطيق

اعترضت مقاتلات ألمانية وبريطانية ثلاث طائرات استطلاع روسية في المجال الجوي الدولي فوق بحر البلطيق، حسبما ذكرت القوات الجوية الألمانية اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. ولم تكن الطائرات الثلاث؛ طائرتان مقاتلتان من طراز «إس يو – 27» وطائرة «إليوشين إل – 20»، ترسل إشارات جهاز الإرسال والاستقبال الخاصة بها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
TT

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)

قال رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، اليوم الثلاثاء، إن بلاده لا تستطيع منع القوات الأميركية من شحن بعض الأسلحة خارجها، لكن ذلك لن يؤثر على قدرة الردع في مواجهة كوريا الشمالية، وذلك بعد تقارير عن تجهيز هذه الأسلحة لإعادة نشرها في الشرق الأوسط.

وأضاف: «يبدو أن هناك جدلاً في الآونة الأخيرة بخصوص شحن القوات الأميركية المتمركزة في كوريا بعض الأسلحة خارجها»، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن سيول قد عبّرت عن معارضتها، فإنها ليست في وضع يسمح لها بتقديم مطالب، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الجمعة، إن الجيشين الأميركي والكوري الجنوبي يناقشان إمكان إعادة نشر بعض منظومات الدفاع الصاروخي «باتريوت» الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية لاستخدامها في الحرب على إيران.

بدوره، قال وزير الدفاع التايواني ويلينغتون كو، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لم تتواصل مع تايبه بشأن نقل أسلحة إلى الشرق الأوسط.

وقال كو، في حديثه لصحافيين في البرلمان، إن إعادة نشر أي من الأسلحة الأميركية الصنع لدى تايوان لن تحدث إلا إذا طلبت الولايات المتحدة ذلك. وأضاف أنه في حالة حدوث ذلك، ستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن نقلها.

وقال كو: «لكن حتى الآن، لم يتصلوا بنا بشأن استخدام أي من عتادنا ذي الصلة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران».

والولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للأسلحة لتايوان، التي تمتلك صواريخ «باتريوت» في ترسانتها.

وتواجه تايوان، التي تحكمها حكومة ديمقراطية، ضغوطاً عسكرية متزايدة من الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها. وترفض حكومة تايوان مطالبات بكين بالسيادة.

وأفادت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر في الحكومة الكورية الجنوبية أن أنظمة باتريوت يجري تجهيزها لإعادة نشرها في الشرق الأوسط، حيث وصلت طائرات نقل عسكرية أميركية ثقيلة إلى أوسان لنقلها.


إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...