مراجعة لحياة إلفيس بريسلي في فيلم يمزج الماضي بالحاضر

أوستن باتلر في لقطة من فيلم «إلفيس» (أ.ب)
أوستن باتلر في لقطة من فيلم «إلفيس» (أ.ب)
TT

مراجعة لحياة إلفيس بريسلي في فيلم يمزج الماضي بالحاضر

أوستن باتلر في لقطة من فيلم «إلفيس» (أ.ب)
أوستن باتلر في لقطة من فيلم «إلفيس» (أ.ب)

أول وأقوى ذكرياتي عن إلفيس بريسلي كانت موته. فقد كان يبلغ من العمر اثنين وأربعين عاماً فقط، لكنه بدا بالفعل في عام 1977 وكأنه ينتمي إلى عالم أقدم بكثير. مرت خمسة وأربعون عاماً على ذلك التاريخ، ولا تزال شهرته كما هي، ويوم وفاته لا يزال مرثاة لمحبيه، وضريحه في «غرايسلاند» مكاناً يفد إليه عشاقه.
يعمل فيلم «إلفيس» للمخرج باز لورمان على تبديد الكآبة الجنائزية؛ حيث يسعى لورمان، المعروف عنه عدم حنينه كثيراً للماضي، إلى إعادة إلفيس إلى الحياة بأن تخيل ما كان في عصره وما يعنيه في عصرنا الحالي.
تهز الموسيقى التصويرية وإيقاع موسيقى الهيب هوب ومشاهد وتراكيب الفيلم والرسالة الصوتية مزيج بريسلي من موسيقى «البلوز» و«غوسبل» و«البوب» و«الكانتري»، وتواصل الموسيقى التحول صوب موسيقانا الحاضرة.
على الرغم من ذلك، كفيلم، يبدو فيلم «إلفيس» وكأنه قد وقع في فخ من صنعه. فتقديمه لقصة أميركية تتناول في جوهرها العرق والجنس والدين والمال تأرجح بين التحريف وأساطير الزومبي، وهو ما جعل معها المشاهد يتساءل «هل هي قصة أسطورة البوب الفخمة أم ميلودراما مأساوية؟».
يبدو تصميم الإنتاج المتوهج لكاثرين مارتن وكارين ميرفي أشبه بالكرنفال وبالابتذال في آن واحد. فكل ذلك الساتان الناعم وحجر الراين، الذي شاهدناه في اللقطات السينمائية للمخرجة ماندي ووكر التي غلب عليها اللون الأحمر، قد تخطئه العين وتظنه مشهداً من فيلم لمصاصي الدماء.
تصوّر الحبكة المركزية إلفيس (أوستن باتلر) على أنه ضحية شخص شرير قوي ومراوغ ينزف الدماء. هذا هو الكولونيل توم باركر، الذي يوفر السرد الصوتي ويؤديه الممثل توم هانكس بلهجة غريبة. كان باركر مديراً لأعمال بريسلي في غالبية مسيرته المهنية، وصوره هانكس على أنه شخص يتكون من جانب صغير مرح، وجانب إبليس.
يقول الكولونيل توماس باركر، مدير أعمال إلفيس: «لم أقتل إلفيس»، على الرغم من أن الفيلم يشير إلى غير ذلك، مضيفاً: «لقد صنعت إلفيس». ففي ذهن الكولونيل، كان «رجل الاستعراض ورجل الثلج»، شريكين في عمل طويل مربح للغاية.
كانت آخر ميزة للمخرج لورمان هي التعديل المفعم بالحيوية لرواية «The Great Gatsby» (غاتسبي العظيم)، وكان الكولونيل في بعض النواحي هو شخصية غاتسبي، فهو من اخترع نفسه بنفسه، مبتدئاً على الساحة الأميركية: «كسيد نفسه غير المرتبط بمكان بعينه». إنه ليس «كولونيل» (يحب إلفيس أن يطلق عليه «أميرال») واسمه الحقيقي ليس توم باركر. وإذا أوليناه الكثير من الاهتمام، فقد يحتل كل مساحة الفيلم، وهو ما حدث تقريباً على أي حال.
كسيرة ذاتية، فيلم «إلفيس» لا يسلط ضوءاً ساطعاً على كل شيء. فما احتواه الفيلم لا يختلف كثيراً عن المتاح في «ويكيبيديا». إلفيس يبدو مهموماً بوفاة شقيقه التوأم، جيسي، وهو مكرس لأمه غلاديس (هيلين طومسون)، والعلاقة بوالده، فيرنون (ريتشارد روكسبيرغ)، كانت أكثر تعقيداً. ينشأ الصبي فقيراً في توبيلو، ميسيسيبي، وممفيس بولاية تينيسي، ويشق طريقه إلى استوديو تسجيلات «صن ريكوردز» في سن التاسعة عشرة، ليشعل وهجاً في العالم بما يقدمه. وهناك التحق بالجيش وتزوج بريسيلا (أوليفيا ديجونج) ودخل هوليوود وعادت عروضه للبث عام 1968، وكانت إقامته الطويلة في لاس فيغاس ثم الطلاق من بريسيلا والمشهد الحزين في سنواته الأخيرة.
يبدو باتلر على ما يرام في اللحظات القليلة من الدراما خارج الكواليس التي يسمح بها النص، ولكن غالبية الحركة العاطفية يجري إرسالها في صورة برقيات تلغراف بأسلوب لورمان المعتاد المؤكّد واللاهث. يبدو البطل متقمصاً لشخصية إلفيس بشكل واضح أمام الجمهور، فقد أتقن باتلر أداء الحركات الجسدية المشتعلة لإلفيس، فضلاً عن تعبيرات المرح والضعف التي دفعت الجماهير إلى الهوس به. لا يمكن تقليد الصوت، والفيلم لم يحاول في ذلك، بل عمل على مزج صوت إلفيس الحقيقي (ريميكس).
في أول عرض كبير له في قاعة رقص في «تيكساركانا» بولاية أركنساس، يخرج إلفيس مرتدياً بدلة وردية زاهية، بعد أن وضع مكياجاً كثيفاً للعيون، وبومبادور متلألئاً.
ليس هناك شك في أن إلفيس، شأن العديد من الجنوبيين البيض من فئته وجيله، أحب موسيقى البلوز والغوسبل (وأحب الريف والغرب أيضاً، وهو نوع يرفضه الفيلم في الغالب). كما أنه استفاد من أعمال الموسيقيين السود ومن الفصل العنصري الذي هيمن على تلك الصناعة. ولذلك فلم يتعامل مع جدلية الحب والسرقة الكامنة في قلب الموسيقى الشعبية الأميركية التي لا تأمل في سرد القصة كاملة.
من كان إلفيس؟ لا يقدم الفيلم الكثير من الإجابات للمشاهدين الأصغر سناً، الذين كانت تجربتهم المباشرة مع الملك إلفيس أرق من تجربتي الشخصية. قد يخرج المشاهدون من فيلم «إلفيس» بفكرة على الأقل عن السبب الذي يدعوهم للاهتمام به.
في النهاية، الفيلم ليس سيرة ذاتية أو فيلم رعب أو حكاية تحذيرية: إنه فيلم موسيقي، فيلم يعرض موسيقى رائعة. هل أعيد مزجها؟ نعم، الفيلم غني بالأصوات التي قد يجدها التقليديون شيئاً عفا عليه الزمن. لكن لم يكن هناك شيء تناول بريسلي بشكل نقي وصرف بقدر ما تناول صوته ليجعلنا نسمعه بكل عظمته وآلامه وجرأته، لنفهم كيف أحدث الزلزال.
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

يوميات الشرق تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

قالت المخرجة الماليزية - الأميركية بوه سي تنغ إن الدافع وراء فيلمها «أميركان دكتور» (American Doctor) كان استجابة شخصية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)

سوسن قاعود: النجاة من الحرب ليست نهاية القصة

يرصد فيلم «غزة غراد» تجربة الناجين من الحرب بعد مغادرتهم غزة، كاشفاً التحولات النفسية والإنسانية العميقة التي يعيشونها بين الفقد، وبناء حياة جديدة في المنفى.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

لم تكن هناك مفاجآت كبيرة ليلة الأحد عندما أُعلن عن الفائزين بجوائز «الأوسكار» في الحفل الـ98، فمعظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق صوَّرت المخرجة الإسبانية فيلمها في لبنان (الشركة المنتجة)

إرينه بارتولوميه: انفجار مرفأ بيروت دفعني لصناعة «حلم صيف آخر»

قالت المخرجة الإسبانية إرينه بارتولوميه إن فيلمها «حلم صيف آخر» جاء نتيجة تجربة شخصية عميقة عاشتها أثناء إقامتها في بيروت، متحدثة عن علاقتها بالمدينة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج والمنتج السينمائي الأميركي رايان كوغلر (أ.ف.ب)

«معركة بعد أخرى» يحصد ستة أوسكارات

معظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت بالفعل، وكذلك معظم المرشحين من المخرجين والممثلين وأبناء المهن المختلفة.

محمد رُضا (لندن)

«مونديال 2026»: كاريك يحثّ توخيل على منح ثلاثي يونايتد فرصة لإثبات أحقيتهم

مايكل كاريك (رويترز)
مايكل كاريك (رويترز)
TT

«مونديال 2026»: كاريك يحثّ توخيل على منح ثلاثي يونايتد فرصة لإثبات أحقيتهم

مايكل كاريك (رويترز)
مايكل كاريك (رويترز)

حثّ مايكل كاريك، المدرب المؤقت لمانشستر يونايتد، نظيره الألماني توماس توخيل مدرب المنتخب الإنجليزي، على منح الثلاثي هاري ماغواير ولوك شو وكوبي ماينو فرصة لإثبات أحقيتهم بالوجود في قائمة «كأس العالم 2026».

ولم يستدعِ توخيل أي لاعب من مانشستر يونايتد منذ توليه قيادة المنتخب في يناير (كانون الثاني) 2025، فيما جاءت المشاركة الأخيرة لماركوس راشفورد مرتبطة بفترتي إعارته إلى آستون فيلا وبرشلونة الإسباني.

ويُعدّ هذا الأمر مؤشراً واضحاً على تراجع مستوى يونايتد في السنوات الأخيرة، إلا إن كاريك طالب بمنح لاعبيه الفرصة خلال المباراتين الوديتين المرتقبتين أمام اليابان وأوروغواي في مارس (آذار) الحالي.

وشارك ماغواير، مدافع الفريق، في 3 بطولات كبرى، وخاض آخر مبارياته الدولية، وعددها 64 مباراة، قبل 18 شهراً. أما ماينو، الذي يملك 10 مباريات دولية، فكانت آخر مشاركاته في «دوري الأمم الأوروبية» أمام آيرلندا في سبتمبر (أيلول) 2024، وهي المباراة ذاتها التي شهدت الظهور الأخير لماغواير مع المنتخب.

وكان ماينو (20 عاماً) يُعدّ أحد أبرز المواهب الصاعدة في المنتخب الإنجليزي، خصوصاً بعد مشاركته أساسياً في نهائي «كأس أوروبا 2024» أمام إسبانيا، قبل أن يتراجع دوره مع يونايتد خلال فترة المدرب البرتغالي روبن أموريم.

بدوره، يُعد لوك شو، الذي شارك أيضاً في نهائي «كأس أوروبا» قبل عامين، مرشحاً للعودة إلى صفوف المنتخب، مع اقتراب إعلان توخيل قائمته يوم الجمعة، استعداداً لآخر المباريات الودية قبل المونديال.

وشارك الثلاثي ماغواير وماينو وشو بشكل أساسي في المباريات الـ9 التي خاضها الفريق تحت قيادة كاريك، بعد توليه المهمة خلفاً لأموريم، وساهموا في صعود يونايتد إلى المركز الثالث في الدوري، قبل مواجهة بورنموث يوم الجمعة.

وقال كاريك في تصريحاته للصحافيين: «بالنسبة إلى الشباب، أتمنى أن يُختاروا لهذه المباريات، وبالطبع للبطولة في الصيف».

وأكد أنه لم يتواصل مع توخيل بشأن الاستدعاءات، مضيفاً: «لا تأثير لي على ذلك، لكن بما يقدمه اللاعبون حالياً، أعتقد أنهم وضعوا أنفسهم في قلب النقاش ومنحوا أنفسهم فرصة حقيقية».

وختم قائلاً: «بالتأكيد يقدم اللاعبون مستويات تؤهلهم للوجود في القائمة، لكن القرار ليس بيدي، وسننتظر ما سيحدث».


«الفيدرالي» يتمسك بـ «التشدد» وسط قرع طبول الحرب

منظر لواجهة مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
منظر لواجهة مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

«الفيدرالي» يتمسك بـ «التشدد» وسط قرع طبول الحرب

منظر لواجهة مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
منظر لواجهة مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

في خطوة كانت تترقبها الأسواق العالمية بحذر، قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة، محاولاً امتصاص الصدمات الجيوسياسية الناجمة عن اشتعال الجبهات العسكرية في الشرق الأوسط. لكنّ القضية الأهم في هذا المنعطف لم تعد تكمن في القرار بحد ذاته، بل في «حالة عدم اليقين» التي باتت تُخيّم على آفاق المستقبل؛ حيث يجد البنك المركزي نفسه عالقاً بين رغبته في كبح التضخم العنيد وبين مخاوف الانزلاق نحو ركود تضخمي تُغذيه قفزات أسعار الطاقة واضطرابات الملاحة الدولية.

هذا التثبيت وهو الثاني من نوعه هذا العام، وإن بدا استقراراً مؤقتاً، فإنه يعكس في جوهره تحولاً نحو سياسة «التحوط القصوى»؛ إذ باتت قرارات الاحتياطي الفيدرالي رهينة لتطورات الميدان العسكري بقدر ارتهانها للبيانات الاقتصادية، مما يفتح الباب أمام كافة السيناريوهات في الاجتماعات المقبلة، بما فيها العودة إلى رفع الفائدة إذا ما استمرت نيران الأزمات الإقليمية في إلهاب مؤشرات التضخم العالمي.

فرغم إبقاء الفائدة ثابتة، فإن كواليس الاجتماع شهدت تحولاً؛ حيث بدأت فكرة «رفع الفائدة» تتسلل إلى طاولة النقاش لأول مرة منذ اندلاع حرب إيران، مدفوعة بقفزة أسعار النفط بنسبة 50 في المائة واختناق حركة التجارة في مضيق هرمز. ورأى محللو بنك «بي إن بي باريبا» أن الاحتياطي الفيدرالي قد يتجه نحو ما يسمى بـ«منحى السياسة المتماثل»، وهو وضع يصبح فيه احتمال رفع الفائدة مساوياً تماماً لاحتمال خفضها. هذا التطور يأتي بعد أن تآكلت ثقة المستثمرين في سيناريو التيسير النقدي الذي كان سائداً قبل هجمات 28 فبراير (شباط)، لدرجة أن بنك «دويتشه بنك» طرح التساؤل الصعب: هل يمكن للاحتياطي الفيدرالي رفع الفائدة في 2026؟

تضخم «عنيد» وسوق عمل مهتزة

أظهرت البيانات أن مشكلة التضخم لدى «الفيدرالي» أعمق من مجرد صدمة حربية؛ إذ كان التضخم «الأساسي» (الذي يستبعد أسعار الطاقة والغذاء المتذبذبة) يبدو «عنيداً» حتى قبل أزمة إيران. وكشفت محاضر اجتماع شهر يناير (كانون الثاني) الماضي أن عدداً من المسؤولين كانوا يميلون بالفعل لوصف قرارات الفائدة المستقبلية بأنها «ثنائية الاتجاه»، مما يفتح الباب أمام «الرفع» إذا ظل التضخم فوق مستهدف 2 في المائة، ومع اشتعال أسعار النفط حالياً، يُتوقع أن يضغط هؤلاء الأعضاء لتعديل بيان السياسة النقدية ليعكس هذا التوجه، وسط ترقب الأسواق لمدى مراجعة البنك لتوقعاته للتضخم «العام» و«الأساسي» لهذا العام.

ومن جهة أخرى، يواجه البنك سوق عمل مهتزاً؛ حيث كشف تقرير التوظيف لشهر فبراير عن خسارة مفاجئة لـ92 ألف وظيفة، مما أثار قلق «جناح الحمائم» الذين يخشون أن يؤدي التمسك بأسعار فائدة مرتفعة، تزامناً مع تراجع القوة الشرائية، إلى انهيار حاد في التوظيف والنشاط الاستهلاكي.

هذا التناقض بين «الأسعار المشتعلة» و«الوظائف المفقودة» هو ما أعاد «سيناريو الرفع» إلى الواجهة كخيار مرير قد يفرضه استمرار الأزمة.

وكشف «مخطط النقاط» عن انقسام حاد داخل «الفيدرالي». فجناح الصقور دفع باتجاه رفع الفائدة قبل نهاية العام، محذرين من أن التضخم ظل فوق مستهدف 2 في المائة لمدة 5 سنوات متتالية، وأن صدمة الطاقة الحالية قد تخرج التوقعات عن السيطرة. فيما جناح الحمائم، وعلى رأسهم الحاكم ستيفن ميران، مالوا نحو خفض الفائدة فوراً، خوفاً من هشاشة سوق العمل بعد فقدان الوظائف المفاجئ الشهر الماضي، وتحسباً لتباطؤ الاستهلاك نتيجة غلاء البنزين.

وقد أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى صدمة في أسعار الطاقة، ما قد يرفع تكلفة السلع الاستهلاكية ويعيد إشعال التضخم المرتفع الذي يحاول الاحتياطي الفيدرالي احتواءه منذ عام 2022.

ضغوط ترمب وصراع الاستقلالية

وما يزيد المشهد تعقيداً الضغط المستمر من الرئيس دونالد ترمب، الذي يواصل وصف جيروم باول بلقب «متأخر جداً»، مطالباً بخفض الفائدة لدعم النمو. ومع اقتراب تولي كيفن وورش» (الذي يعده ترمب مؤيداً للخفض) رئاسة البنك في منتصف مايو (أيار)، يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه في صراع بين الاستقلالية التقنية والضغوط السياسية المباشرة.

وقالت ديان سونك، كبيرة الاقتصاديين في «كي بي إم جي»: «المسرح مهيأ لتحول توقعات (الفيدرالي) نحو الركود التضخمي، حيث نتوقع رفع تقديرات التضخم والبطالة وخفض توقعات النمو». وأشارت إلى أن «مخطط النقاط» قد يظهر انقساماً حاداً بين مسؤولين يطالبون بخفض الفائدة لحماية سوق العمل التي خسرت 92 ألف وظيفة في فبراير، وصقورٍ يطالبون برفعها قبل نهاية العام للسيطرة على الأسعار.

تمثل حرب إيران الصدمة الثانية التي يوجهها ترمب لتوقعات الاحتياطي الفيدرالي، بعد «صدمة التعريفات الجمركية» قبل عام. ومع ابتعاد التضخم عن مستهدفه البالغ 2 في المائة، يخشى صناع السياسة أن إرسال إشارات بخفض الفائدة الآن قد يُفهم كأنه ضعف في الالتزام بمكافحة الغلاء.


بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الماليزية - الأميركية بوه سي تنغ إن الدافع وراء فيلمها «أميركان دكتور» (American Doctor) لم يكن مشروعاً سينمائياً تقليدياً بقدر ما كان استجابة شخصية لما كانت تراه يحدث في غزة. فبصفتها أميركية من أصول ماليزية تعيش في الولايات المتحدة، تابعت مرور عام كامل من الحرب من دون أن يتغير شيء تقريباً، وهو ما ترك لديها شعوراً بالعجز، ودفعها إلى البحث عن طريقة لفعل شيء ما، حتى قبل أن تتضح ملامح الفيلم أو شكله النهائي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التفكير في القصة قادها في النهاية إلى عالم الأطباء، باعتبار أن هناك مبادئ إنسانية يمكن أن يلتقي حولها الجميع بغض النظر عن المواقف السياسية، مثل فكرة أن المستشفيات لا يجب أن تُقصف وأن العاملين في القطاع الصحي لا ينبغي أن يتحولوا أهدافاً، ومن هنا جاءت فكرة متابعة أطباء أميركيين يعملون في المجال الطبي الإنساني داخل غزة بوصفها مدخلاً مختلفاً لفهم ما يحدث.

اختارت المخرجة تسليط الضوء على التحديات التي تواجه الأطباء (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» الذي عُرض للمرة الأولى أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» الحرب على غزة من داخل المستشفيات، متتبعاً رحلات ثلاثة أطباء أميركيين إلى القطاع يختلفون في الخلفية والانتماء، لكنهم يلتقون في مواجهة المأساة الإنسانية داخل غرف الطوارئ والعمليات، ومن خلال هذه الرحلات ينكشف حجم الدمار الذي أصاب النظام الصحي في غزة، والصعوبات التي يواجهها الأطباء في إيصال ما يرونه إلى العالم.

وأكدت أنها اختارت بناء الحكاية على 3 شخصيات رئيسية، الطبيب الفلسطيني - الأميركي ثائر أحمد، والطبيب اليهودي الأميركي مارك بيرلماتر، والطبيب الأميركي من أصول زرداشتية فيروز سيدوا، لرؤيتها أن اختلاف خلفياتهم الدينية والثقافية يمنح القصة بعداً أوسع؛ إذ يلتقون جميعاً حول فكرة الدفاع عن حقوق الإنسان والعمل الطبي الإنساني رغم تباين تجاربهم وهوياتهم.

وتشير المخرجة الأميركية إلى أن العمل على الفيلم لم يكن سهلاً في بداياته؛ إذ جاء في مناخ أميركي يتسم بالحذر الشديد فيما يتعلق بالتعبير العلني عن دعم حقوق الفلسطينيين؛ وهو ما أثار لديها تساؤلات حول معنى الإيمان العالمي بحقوق الإنسان، ولماذا يبدو أن هذا المبدأ لا يُطبَّق دائماً عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، لافتة إلى أنها لامست هذه المفارقة حتى في حياتها اليومية في نيويورك، حيث تعيش وتعمل وسط مجتمع متنوع الثقافات.

عُرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

وأوضحت أن التحدي الأول كان نفسياً أيضاً؛ إذ لم تكن تجد اللغة المناسبة للحديث عن هذه القضية، لكن اللقاء بالأطباء الثلاثة فتح أمامها طرقاً مختلفة لفهمها والتعبير عنها؛ لأن لكل واحد منهم أسلوبه الخاص، بين الصراحة المباشرة، والمقاربة السياسية الهادئة، والاعتماد على البحث والحقائق لإقناع الجمهور.

وأشارت إلى تشكّيل دعم فريق العمل عاملاً أساسياً في استمرار المشروع، خصوصاً من المنتجة الفلسطينية ريم حداد والمنتجة كريستينا بارفورد، اللتين حافظتا على زخم العمل حتى في اللحظات التي بدا فيها المشروع صعباً أو غير واضح المسار.

وأوضحت المخرجة الأميركية ذات الأصول الماليزية أن اختيار أطباء من خلفيات دينية مختلفة لم يكن مجرد رسالة رمزية حول رفض قتل الأبرياء، بل محاولة لفهم كيفية تفاعل أفراد من هويات متنوعة مع القضية الفلسطينية داخل المجتمع الأميركي، من تجربة الفلسطينيين الأميركيين الذين يدافعون عن شعبهم في غزة، إلى الأميركيين من أصول يهودية الذين يعارضون الحرب ويجدون أنفسهم أحياناً في موقع حساس، وصولاً إلى أشخاص لا ينتمون إلى أي من هاتين الخلفيتين، لكنهم يتبنون موقفاً إنسانياً واضحاً.

وأشارت إلى أن حضور الفريق الفلسطيني في الفيلم حظي بأهمية خاصة بالنسبة إليها؛ إذ لم يكن ممكناً إنجاز المشروع من دون مشاركة فلسطينية حقيقية. فعلى الرغم من متابعتها للقضية الفلسطينية منذ طفولتها في ماليزيا، حيث يحضر الوعي بها بقوة، فإنها كانت تدرك أن صناعة فيلم عن فلسطين من دون مشاركة فلسطينية قد تقود إلى أخطاء كبيرة.

ولفتت إلى أن العمل اعتمد بدرجة كبيرة على طاقم داخل غزة، من بينهم مدير التصوير إبراهيم العطلة والمنتج المشارك محمد صواف، اللذان عملا في ظروف شديدة الخطورة لتوثيق ما يجري على الأرض. وقد جاء إنجاز الفيلم نتيجة مباشرة لجهود هؤلاء الذين خاطروا بحياتهم من أجل نقل القصة إلى العالم.

المخرجة الماليزية (الشركة المنتجة)

وتطرقت إلى الصعوبات التي واجهتها في العمل، مشيرة إلى أنها توقعت في البداية صعوبة كبيرة في الحصول على دعم لمشروع يتناول فلسطين بهذه الزاوية داخل الولايات المتحدة؛ الأمر الذي دفعها إلى الاستقالة من عملها مديرةً إبداعية في أحد الاستوديوهات السينمائية والاعتماد على مدخراتها الشخصية لبدء العمل. لكن بعد أشهر عدة بدأت المنح والتبرعات تصل من جهات مختلفة في الولايات المتحدة وماليزيا وغيرها، في مؤشر بالنسبة إليها على رغبة كثيرين حول العالم في رؤية نهاية لما يحدث.

وأضافت أنها استغرقت في مرحلة المونتاج نحو 11 شهراً، وكان الهدف الأساسي إدخال المشاهدين إلى عالم الأطباء الثلاثة، خصوصاً الجمهور الأميركي الذي ربما لم يفكر كثيراً في القضية الفلسطينية من قبل، بعدما بدت شهادات الأطباء مدخلاً مهماً؛ لأن الناس عادة لا يشككون في صدقية الأطباء أو في حق المستشفيات في أن تكون أماكن آمنة.

وعدَّت أن التحدي الأكبر خلال العمل كان إنسانياً أكثر منه فنياً؛ لأن جزءاً من فريق الفيلم كان يعيش داخل غزة خلال الحرب. وحتى لحظة عرض الفيلم في مهرجانات سينمائية التي شكّلت محطة مهمة في مسيرته، ظل التفكير حاضراً في الزملاء الذين بقوا في غزة ولم يتمكنوا من حضور العرض؛ إذ كان التواصل معهم يجري أحياناً عبر الهاتف فقط.