أوكرانيا والغذاء والطاقة تتصدر جدول أعمال قمة «السبع»

الأمم المتحدة: على مجموعة السبع المساعدة في معالجة أزمة الجوع العالمية

محتجون يتجمعون استعداداً لوصول زعماء «مجموعة السبع» إلى ميونيخ عاصمة ولاية بافاريا (أ.ب)
محتجون يتجمعون استعداداً لوصول زعماء «مجموعة السبع» إلى ميونيخ عاصمة ولاية بافاريا (أ.ب)
TT

أوكرانيا والغذاء والطاقة تتصدر جدول أعمال قمة «السبع»

محتجون يتجمعون استعداداً لوصول زعماء «مجموعة السبع» إلى ميونيخ عاصمة ولاية بافاريا (أ.ب)
محتجون يتجمعون استعداداً لوصول زعماء «مجموعة السبع» إلى ميونيخ عاصمة ولاية بافاريا (أ.ب)

في قصر «إلمو» المعزول والمحاط بجبال الألب المكللة قممها بالثلوج، تنطلق اليوم اجتماعات قادة مجموعة السبع التي تستمر لثلاثة أيام؛ حيث تلقي الأزمة الأوكرانية و«الأمن الغذائي العالمي» ونقض إمدادات الطاقة بظلالها عليها. ورغم أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لن يكون حاضراً شخصياً في القمة، فإنه سيوجه كلمة لزعماء المجموعة عبر دائرة الفيديو، بعد أن كان المستشار الألماني أولاف شولتس قد دعاه للمشاركة خلال زيارته إلى كييف قبل أسبوعين، إلى جانب الرئيس الفرنسي ورئيس الحكومة الإيطالي.
وتنطلق الاجتماعات بعد اكتمال وصول الرؤساء ورؤساء حكومات دول المجموعة التي تضم أقوى 7 اقتصادات في العالم، بينما ينضم في اليوم التالي إلى المجتمعين، قادة الهند وإندونيسيا، والسنغال، كونها ترأس القمة الأفريقية حالياً، والأرجنتين التي ترأس مجموعة دول أميركا اللاتينية والكاريبي. وتنطلق الاجتماعات بلقاء ثنائي يجمع بين الرئيس الأميركي جو بايدن وشولتس الذي ترأس بلاده المجموعة هذا العام.
ويبعد قصر «إلمو» الذي يستضيف القمة قرابة ساعة ونصف ساعة عن مدينة ميونيخ عاصمة ولاية بافاريا، وهو يقع على الحدود النمساوية، وفي مكان ناءٍ بعيد عن التظاهرات التي بدأت تتجمع في ميونيخ، قبل يوم من وصول الزعماء إلى مطار ميونيخ. وكان القصر قد استضاف قمة المجموعة عام 2015، عندما كانت ألمانيا رئيسة المجموعة آنذاك.
وقال شولتس في رسالة عبر الفيديو استبقت الاجتماعات في بافاريا، بأن القادة سيناقشون مسألة ارتفاع أسعار الطاقة، ومحاولة إيجاد حلول لذلك، وللتضخم الذي وصل إلى أرقام قياسية في أوروبا. وقال شولتس: «كثير من الأشياء التي نشتريها أصحبت أغلى ثمناً؛ خصوصاً المأكولات، ولكن بشكل أكبر الطاقة. ونلاحظ ذلك على محطات البنزين وعندما ندفع فواتير الغاز... كل شيء أصبح أغلى من العام الماضي». وأضاف المستشار الألماني أنه يجب الاتفاق مع الدول الأخرى في المجموعة على الخطوات التي يمكن اتخاذها لمواجهة الغلاء المتصاعد «لأننا لن نتمكن من مواجهتها بفعالية إلا إذا تصرفنا سوياً».
وتعهد قادة الاتحاد الأوروبي خلال قمتهم في بروكسل، الجمعة، بتكثيف جهودهم لتقليل اعتمادهم في مجال الطاقة على روسيا التي بدأت في خفض شحنات الغاز، مثيرة مخاوف من «شتاء صعب». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، بعد اجتماع: «لقد راجعنا كل خطط الطوارئ الوطنية، لضمان استعداد الجميع لاضطرابات جديدة، ونعمل على خطة طوارئ لتقليل الطلب على الطاقة مع القطاع والدول الأعضاء السبع والعشرين». وأوضحت المسؤولة الأوروبية أنها ستقدم هذه الخطة في يوليو (تموز).
وأصبح خطر حدوث نقص في الغاز في الشتاء المقبل أكثر وضوحاً، منذ أن خفضت شركة الطاقة الروسية «غازبروم» شحناتها بشكل كبير، ويطال ذلك خصوصاً ألمانيا التي تعتمد بشكل كبير على الإمدادات الروسية.
وكان وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك، قد حذر قبل يوم من أن أسعار الطاقة قد ترتفع أكثر بكثير في حال قررت روسيا وقف ضخ الغاز إلى ألمانيا، عبر خط أنابيب «نورد ستريم 1» الذي قلصت روسيا كمية الغاز التي تضخها من خلاله بنسبة 60 في المائة منذ الأسبوع الماضي، متحججة بأسباب تقنية. ورسم هابيك صورة قاتمة جداً للوضع في ألمانيا في حال توقف الغاز الروسي قريباً، قائلاً إن الآلاف سيخسرون وظائفهم، والكثير من المصانع ستغلق أبوابها، وسيجبر الكثيرون على الاستدانة لدفع فواتيرهم.
وستبحث القمة كذلك زيادة الدعم العسكري والاقتصادي والإنساني الذي يمكن للمجموعة أن تقدمه لأوكرانيا، وعلى رأسه مساعدتها بإخراج الحبوب العالقة داخل المرافئ.
كما تعقد القمة على خلفية تحذير من الأمم المتحدة من أن العالم يواجه «أزمة جوع عالمية غير مسبوقة» مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية. ونُقل عن مسؤول كبير بوكالة الغذاء التابعة للأمم المتحدة في ألمانيا قوله أمس السبت، إنه يتعين على مجموعة الدول السبع زيادة المساعدات الإنسانية للمساعدة في معالجة أزمة الجوع العالمية التي تفاقمت بسبب الحرب في أوكرانيا.
وقال مارتن فريك، مدير برنامج الأغذية العالمي الألماني لمؤسسة «آر إن دي» الإخبارية الألمانية، إن «الجوع يمكن أن يزعزع استقرار الدول، ومن ثم فهو قضية سلام وأمن رئيسية»، مشيراً إلى أن تضخم أسعار المواد الغذائية الحالي الذي يتجاوز 25 في المائة في 36 دولة يمثل «قنبلة موقوتة». وأكد أيضاً أن من المرجح ألا يحصل برنامج الأغذية العالمي على أكثر من نصف المبلغ الذي يحتاجه هذا العام، وهو 21.5 مليار دولار، ولذلك فهناك حاجة إلى مزيد من المساعدات. وكانت برلين قد مهدت لهذا الموضوع تحديداً باستضافة قمة قبل يوم لمناقشة «أزمة الغذاء العالمية» شارك فيها أكثر من 50 دولة ومنظمة دولية. وحذر خلالها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي ألقى كلمة عبر دائرة الفيديو، من أن العالم يواجه «خطر مجاعة غير مسبوقة».
وتحث أوكرانيا دول المجموعة على الاتفاق لتقديم مساعدات عسكرية إضافية لها، كي تتمكن من الاستمرار في مواجهة روسيا. وقال وزير الخارجية الأوكراني ديمترو كوليبا، في مقابلة مع صحيفة «بيلد» الألمانية، إن بلاده ما زالت قادرة على الفوز بالحرب، ولكنها بحاجة لمزيد من الأسلحة. ونقلت الصحيفة الأكثر انتشاراً في ألمانيا عن كوليبا قوله: «كل قطعة سلاح تقوينا أكثر، وتمكننا من الوصول إلى اليوم الذي سنربح فيه السلام لأنفسنا ولكل أوروبا». وأضاف كوليبا أن أوكرانيا تحتاج إلى أنظمة دفاع تمكنها من مواجهة القصف الروسي، وقال إن الجيش الروسي يتمتع حالياً بتقدم؛ خصوصاً في مجال المدفعية، وهذا يعني أن «أوكرانيا تخسر مناطق مهمة» لعدم قدرتها على التصدي للصواريخ الروسية.
وكان وزراء خارجية مجموعة السبع الذين اجتمعوا قبل يومين من قمة القادة، قد أكدوا أنهم سيستمرون في تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا «ما دامت بحاجة إليه». وكرر شولتس ذلك مراراً في رد على الانتقادات الأوكرانية بأن الدعم الذي تقدمه ألمانيا غير كاف. وفي المقابل، يعتبر شولتس الذي يجري اتصالات دورية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشاركه فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أنه من الضروري إبقاء خط اتصال مفتوح مع بوتين، ومحاولة إحياء المفاوضات بين الطرفين الروسي والأوكراني لإنهاء الحرب. ونفى شولتس كذلك في الماضي الاتهامات بأن ألمانيا تضغط على أوكرانيا للتخلي عن أجزاء من أراضيها مقابل السلام، وقال بأن أوكرانيا وحدها تقرر شروط التفاوض لإنهاء الحرب.
ومع ذلك، حذر رئيس الحكومة البريطانية بوريس جونسون من زيادة الضغوط السياسية على أوكرانيا للقبول بتسوية سياسية، وقال في مقابلة أدلى بها لوسيلة إعلام محلية في رواندا، خلال مشاركته في قمة دول الكومونولث، بحسب ما نقلت عنه وكالة «رويترز»، إن «كثيرين يقولون بأن هذه حرب أوروبية غير ضرورية. ولذلك فإن الضغوط تزداد على أوكرانيا لتشجيعها -وربما دفعها- للقبول بسلام سيئ». وأضاف أن تبعات حصول بوتين على ما يريد في أوكرانيا سيكون «خطيراً على الأمن الدولي في المدى البعيد، ويشكل كارثة اقتصادية».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط ليس في مصلحة أوكرانيا

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث إلى طلاب في باريس

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط ليس في مصلحة أوكرانيا

​قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الجمعة، إنه ‌يتفهم تحول انتباه ‌العالم إلى ​الشرق ‌الأوسط، ⁠لكن ​ذلك «ليس في ⁠مصلحة أوكرانيا».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا المستشار الألماني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في قاعدة «باردوفوس» بالنرويج يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

المستشار الألماني ينتقد قرار واشنطن إعفاء النفط الروسي من العقوبات

وصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس قرار واشنطن اعتماد إعفاءات على صادرات النفط الروسي، بأنه «خاطئ»، داعياً إلى عدم التلهي بالحرب في إيران لتخفيف دعم أوكرانيا.

راغدة بهنام (برلين)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز) p-circle

ماكرون يشدد على أن الحرب الإيرانية لن تخفف الضغط على روسيا

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، خلال استقباله نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن روسيا «تُخطئ» إذا اعتقدت أن الحرب على إيران ستخفف الضغط عليها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (أ.ب)

ترخيص أميركي «مؤقت» يسمح للدول بشراء النفط الروسي العالق في البحر

أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصا مؤقتاً يسمح للدول بشراء النفط الروسي العالق حالياً في البحر لزيادة النطاق العالمي للإمدادات الحالية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس ​الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ) p-circle

موفد بوتين يعقد «اجتماعاً مثمراً» مع ويتكوف... وزيلينسكي يلتقي ماكرون في باريس

موفد بوتين يعقد «اجتماعاً مثمراً» مع ويتكوف... وزيلينسكي يلتقي ماكرون في باريس، وأوكرانيا تنتظر موافقة البيت الأبيض على اتفاق لإنتاج المسيّرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.