قناة «المشهد» بقيادة طوني خليفة تُناغم الرقمي بالتقليدي

صورة بانورامية للشرق الأوسط في المشروع الإعلامي

طوني خليفة يقود «المشهد»
طوني خليفة يقود «المشهد»
TT

قناة «المشهد» بقيادة طوني خليفة تُناغم الرقمي بالتقليدي

طوني خليفة يقود «المشهد»
طوني خليفة يقود «المشهد»

الفكرة في بال الإعلامي اللبناني طوني خليفة المُقدم على التحديات بجرأة. يتوقف عند تجربة برنامجه «سؤال محرج» عبر منصة «صوت بيروت إنترناشونال» الإلكترونية، وانتقال بثه من الديجيتال إلى الشاشة حين عُرض عبر «إل بي سي آي». توأمة الإلكتروني مع التلفزيون، فكرة مغرية لم يكف عن طرحها على مهتمين في الشأن الإعلامي. لقاءُ رؤيته مع جهة ممولة تبحث عن مشروع إعلامي جديد، يقود إلى ولادة «المشهد».
يقرأ خليفة مزاج الجمهور المُنتقل في خضم الفورة التكنولوجية من المشاهدة التقليدية إلى المنصات. جمهور الهواتف والأجهزة الذكية، والتصفح بكبسة زر. تخرج «المشهد» من هذه الروحية الثورية وتستعد للبث باندفاع.
تناقش فريق العمل بإدارة خليفة بمجموعة أسماء قبل الاستقرار على «المشهد» وتسجيلها ماركة تجارية. في حديثه الأول عن مشروعه الحلم، يقول لـ«الشرق الأوسط» بواقعية عن سؤال يتعلق بشعار القناة؛ «المشهد سيكتمل»: «الكمال لله، ولا ندعيه نحن البشر. الثغرة موجودة، فنبذل أقصى الجهد لاكتمال المشهد الإعلامي كما نراه ممكناً».
ما القناة وهويتها؟ «مزيج متكامل بين الرقمي والتلفزيوني. ما يُعرض على الشاشة، يُبث توازياً عبر المنصات، فيكون متاحاً لمن يفضلون المشاهدة التقليدية ولمن تصبح هواتفهم عالمهم». يكمل أنها قناة يرتكز أساسها على خلفية إخبارية، من دون أن تبث على مدار الساعة من أماكن الاشتعال. فهي لن تفتح هواءها لنقل عاجل ومباشر لمعارك روسيا في أوكرانيا، وخراب الأرض مثلاً، بل تغطي الحدث ضمن نشرات أخبار «على مستوى عالٍ»، مع تحليلات ومقابلات.
الأساس سياسي والأبعاد سياسية؟ جواب خليفة: «نعم، مع فتح نوافذ على شؤون المجتمع والقضايا الإنسانية، ومتابعة للمنافسات الرياضية، إلى هموم الشباب، وما يعني الناس في عالم الأعمال. هذه الهوية، مع الاهتمام النقدي بما يجري في عالمنا العربي ضمن كوميديا ساخرة لها حصة». لا برامج فنية ولا دراما؟ يبدو أن المسلسلات غائبة. «صحيح، حتى الآن. مع الوقت قد نعيد المراجعة، وإن وجدنا نقصاً فلا بد من سده، فلن نتوانى».
يعمل خليفة على بناء فريق القناة، كما اعتاد بناء فريق برامجه: «الخبرة والدماء الجديدة». في دبي، مقر التلفزيون، ورشة لا تهدأ، ومجموعة متحمسة للخروج بمحتوى لائق. يخبرنا أنه فوجئ بحجم طلبات الانتساب للمشروع؛ «فكم من تواقين للشغف الإعلامي لا يجدون فرصاً». يتفادى الدخول في أسماء إعلاميي القناة، فالبعض لم يُنه التزاماته حيال مؤسسات ينتظر فض العقد نهائياً معها، بعد الاستقالة، للانتقال إلى «المشهد». يكتفي بجملة: «أسماء وازنة، خبرتها كبيرة، تمتلئ بالطاقة».
يعلم خليفة أن الانطلاقة قد تكون البداية والنهاية معاً، حين يتدخل التعثر. يضع والفريق ثقلهم فيها. يؤمن بـ«المتر الأول من الطريق، فإن كان صحيحاً، أضمن الوصول». ليس من باب الغرور بالنفس قوله إنه لم يعتد المشي في الصف الثاني. يؤكد تمسكه بالصف الأول من منطلق إدخال الطمأنينة إلى نفوس المتحمسين في فريقه، المقبلين على مغامرة جديدة. لا يدعي استثمار التلفزيون بميزانية من ملايين الدولارات، ومع ذلك يراهن على نتائج كبرى.
نعود إلى خط القناة السياسي، فيرد بأنها لجميع الناس، «لا أجندة ولا توجهات حادة». يوضح أنها ليست رمادية سياسياً، بل تجاهر في رأي «يحترم الأرض التي تبث منها، ولا يتعارض مع علاقاتها ومصالها الخارجية. الهدف مخاطبة جميع الفئات فيشعر المتابع بأنها صادقة، لا تمثل». في الفريق «أكثر من وجهة نظر»، والجمهور المستهدف هو «الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع حضور خليجي يشمل الإمارات والسعودية ودول مجلس التعاون».
تولد «المشهد» في زمن خفوت وهج الفضائيات واتجاه العالم إلى الصناعة الرقمية. يلتمس خليفة حجم المسؤولية: «لو أنني أطلق قناة في بداية عصر البث عبر الأقمار الصناعية، لكانت المهمة أسهل. الناس تهجر الشاشة وأنا أدعوهم إليها. هنا التحدي».
يخطط من دون إنكار فظاعة الظروف إن باغتت. ينجز دوره، مع يقينه بأنه لا أحد يعرف ما تخبئه الأيام: «المنطقة تغلي. أترك للأحداث تحديد ما ينتظرنا. لا نستطيع التحكم في مسارها». المخارج مسدودة أمام سؤال بديهي يتعلق بالمنافسة. في العالم العربي قنوات إخبارية بضخامة إمبراطورية، أين «المشهد» منها وأي موقع ستحجز بين الكبار؟ يجيب كالمستعد للإجابة، فبالنسبة إليه، «من الأفضل ألا ننافس أحداً. المنافسة ستضر ولن تفيد. سيكون مثمراً أكثر لو نافسنا أنفسنا للخروج بأفضل نتيجة، وإلا فسنقع قبل الخطوة الأولى. أريد أن يلحظ المُشاهد أننا لا نشبه سوى هويتنا، عندها سينضم لنا جمهور يبادلنا كامل الثقة».
سيكون لـ«المشهد» مراسلون من جميع الدول المؤثرة، ولاحقاً قد تفتتح مكاتب ثابتة في بعض العواصم إن لمست حاجة. عبر ثلاثة أقمار صناعية، ستبث إلى العالم، «نايل سات»، و«عرب سات»، و«هوت بيرد»، تزامناً مع «لايف ستريمينغ» على منصات «السوشيال ميديا». متى الانطلاقة؟ «آمل أن تكون قبل ثلاثة منعطفات كبرى: انتخابات الرئاسة اللبنانية، وكأس العالم، وانتخابات الكونغرس الأميركي. نسعى إلى ذلك».


مقالات ذات صلة

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

العالم العربي اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

لوَّحت الحكومة المصرية، الأربعاء، باتخاذ «كل ما تتيحه نصوص القوانين واللوائح لضبط الأداء الإعلامي لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول العربية الشقيقة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية الرسمية المصرية حذرت من الفتنة (الشرق الأوسط)

مصر تحذر من محاولات تقويض علاقاتها بالدول العربية عبر السجالات الإعلامية

حذرت مصر من محاولات بث الفرقة وتقويض العلاقات المصرية - العربية عبر وسائل الإعلام على وقع الحرب الإيرانية.

أحمد عدلي (القاهرة )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ) p-circle

«الخيانة العظمى»... ترمب يلوّح بأقصى العقوبات ضد الإعلام بسبب تغطية الحرب الإيرانية

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقادات حادة لعدد من المؤسسات الإعلامية، مطالباً بمحاكمتها بتهمة «الخيانة العظمى» على خلفية تغطيتها للحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)

وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

أكد مجلس وزراء الإعلام العربي على أهمية قيام وسائل الإعلام العربية بدورها في توعية الرأي العام بحقائق «العدوان الإيراني السافر» على بعض الدول العربية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
الخليج سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الإعلام السعودي: نقف صفاً واحداً في مواجهة العدوان

دعا سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي، الإعلاميين والإعلاميات في دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة كل من يستهدف أمنها واستقرارها عبر خطابٍ واحدٍ وإعلامٍ مسؤول.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

أطفال مهاجرون يطلقون كأس العالم الخاصة بهم في المكسيك

(رويترز)
(رويترز)
TT

أطفال مهاجرون يطلقون كأس العالم الخاصة بهم في المكسيك

(رويترز)
(رويترز)

قبل أقل من 90 يوماً من انطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم التي ستستضيفها المكسيك، يخوض المهاجرون بطولة كرة قدم خاصة بهم في العاصمة، حيث يفكر الآلاف فيما إذا كانوا سيواصلون رحلتهم شمالاً أو يعودون إلى ديارهم أو يستقرون في الدولة الموجودة بأميركا الشمالية.

ومنذ أواخر فبراير (شباط)، يرتدي مئات من الفتيان والفتيات المهاجرين واللاجئين الذين يعيشون في ملاجئ في مكسيكو سيتي قمصاناً زرقاء وأحذية رياضية مقدمة من الاتحاد الأوروبي، ويتدربون على ملاعب مؤقتة استعداداً لبطولة ستقام في أواخر أبريل (نيسان) في مجمع رياضي بالعاصمة.

والأهم من الفوز، هو مشروع «أهداف من أجل الشمول»، ‌الممول من الاتحاد ‌الأوروبي، الذي يهدف إلى استخدام كرة القدم ‌لتعزيز الاندماج ⁠والحماية والتعايش السلمي ⁠بين الأطفال المهاجرين الذين يتعرضون في كثير من الأحيان للعنف والمرض وانفصال الأسرة وكراهية الأجانب.

وقال جويل أورتا، المهاجر القادم من فنزويلا (26 عاماً) الذي يعد ابنه ماتياس جزءاً من المبادرة التي تدعمها حكومة مكسيكو سيتي ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة: «الرياضة لا تعرف الحدود. الكرة مستديرة هنا أو هناك».

وبينما كان أورتا يتحدث، حاول ماتياس (8 سنوات)، ⁠القيام بحركات بهلوانية بالكرة ولعب مع أطفال مهاجرين آخرين ‌في فناء المأوى الذي يعيشون فيه، ‌والواقع في تيبتو، أحد أخطر أحياء مكسيكو سيتي.

وتذكر أورتا، الذي يعيش في ‌المكسيك مع عائلته منذ عام بعد فراره من الأزمة في موطنه ‌فنزويلا، أنه شارك العام الماضي في بطولة لكرة القدم روج لها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حيث قال إنه تعلم أنه بغض النظر عن تقلبات الحياة، يجب على المرء «ألا يفقد الأمل أبداً».

ومنذ بداية ولاية دونالد ترمب الثانية في ‌يناير (كانون الثاني)، شهدت أعداد المهاجرين الذين يعبرون الحدود الأميركية المكسيكية انخفاضاً حاداً. ومع ذلك، تقول المنظمات ⁠الإنسانية إن التحديات ⁠التي يواجهها المهاجرون لم تتوقف، وإن نحو 300 ألف شخص ما زالوا عالقين في المكسيك، بعضهم لا يملكون الوسائل للعودة إلى ديارهم أو غير قادرين على ذلك بسبب تهديدات لحياتهم.

ويقول بعض المهاجرين إن السكان المحليين أصبحوا في بعض الأحيان معادين للأجانب، في حين ازدادت العقبات أمام الحصول على وضع قانوني، مما دفع الناس إلى العمل في الاقتصاد غير الرسمي حيث يواجهون في كثير من الأحيان الاستغلال.

وقالت بيرلا أكوستا مديرة جمعية «ماس سوينيوس» المدنية، المسؤولة عن التنفيذ الفني للبرنامج: «الرياضة أداة للتغيير، وأداة للسلام. إنها تساعدنا على بناء المجتمع، وتساعدنا على التواصل».

وأضافت أن «وجود أنشطة الاندماج هذه يسمح للأطفال بالتعرف على بعضهم البعض بشكل أفضل وتطوير مهاراتهم»، موضحة أن الأطفال في عدد من الملاجئ يفتقرون إلى مساحات اللعب ويقتصر وجودهم على غرفهم.


سيميوني مدرب أتلتيكو مدريد: برشلونة أفضل فريق في أوروبا

الأرجنتيني دييغو سيميوني (رويترز)
الأرجنتيني دييغو سيميوني (رويترز)
TT

سيميوني مدرب أتلتيكو مدريد: برشلونة أفضل فريق في أوروبا

الأرجنتيني دييغو سيميوني (رويترز)
الأرجنتيني دييغو سيميوني (رويترز)

بدأ الأرجنتيني دييغو سيميوني، مدرب أتلتيكو مدريد، حرباً نفسية مبكرة قبل مواجهة برشلونة المرتقبة في ربع نهائي دوري أبطال أوروبا، واصفاً الفريق الكاتالوني بأنه الأفضل هجومياً في القارة.

وجاء تأهل أتلتيكو مدريد إلى الدور ربع النهائي رغم خسارته أمام توتنهام الإنجليزي 3 - 2 في إياب ثمن النهائي، مستفيداً من فوزه ذهاباً ليحسم بطاقة العبور بمجموع 7 - 5.

وسيصطدم الفريق المدريدي مجدداً ببرشلونة، بعد مواجهتهما الأخيرة في نصف نهائي كأس ملك إسبانيا، التي حسمها أتلتيكو بفارق هدف في مجموع المباراتين، إلا أن سيميوني يرى أن كفة برشلونة تبدو الأرجح في المواجهة الأوروبية المقبلة.

وقال المدرب الأرجنتيني إن الوصول إلى هذا الدور يعني أن الطريق يصبح أكثر صعوبة، مؤكداً أن فريقه قد يواجه «أفضل فريق في أوروبا من حيث اللعب الهجومي».

وأضاف سيميوني: «بالنسبة لي، برشلونة هو الأفضل في أوروبا بلا شك»، مشيراً إلى أن خوض مواجهة بهذا الحجم يتطلب تقديم أقصى ما لدى الفريق، والاستعداد للظهور بأفضل مستوى ممكن من أجل المنافسة.

وأكد أن أتلتيكو سيحتاج إلى أقصى درجات التركيز والجاهزية لمقارعة الفريق الكاتالوني، في مواجهة مرتقبة تحمل كثيراً من الإثارة والتحدي.


دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»
TT

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

مع إشراقة صباح اليوم الأول من شهر شوال، معلنةً بداية عيد الفطر المبارك، تشهد حياة ملايين المسلمين تحولاً سريعاً في أنماطها، منتقلة من إيقاع الصيام المنتظم إلى نمط الاحتفال الاجتماعي والغذائي الذي يميز أيام العيد.

وبعد شهر كامل من الصيام الذي فرض إيقاعاً غذائياً محدداً يقوم على وجبتين رئيسيتين وتنظيم دقيق لمواعيد الطعام، تنتقل الموائد فجأة إلى تنوع واسع من الأطباق التقليدية ومختلف أنواع الحلويات في خضم أجواء الفرح واللقاءات العائلية والزيارات الاجتماعية التي تميز أيام العيد، ويجد الجسم نفسه أمام تحول مفاجئ في نمط التغذية بعد 30 يوماً من التكيف الفسيولوجي مع الصيام.

لقد شكّل شهر رمضان، من الناحية الصحية، تجربة فسيولوجية فريدة أعادت ضبط عدد من وظائف الجسم الحيوية. فالصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام لساعات محددة، بل يرافقه تغير في أنماط إفراز الهرمونات المنظمة للشهية، وتحسن نسبي في كفاءة عمليات الأيض، إضافة إلى إعادة تنظيم العلاقة بين النوم وتوقيت تناول الغذاء. وتشير دراسات فسيولوجية عديدة إلى أن الصيام المتقطع، الذي يشبه إلى حد كبير نمط الصيام في رمضان، قد يسهم في تحسين حساسية الإنسولين وتنظيم التوازن الطاقي في الجسم.

ومع حلول صباح العيد، يبرز تساؤل صحي مهم: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكاسب الصحية التي تحققت خلال شهر الصيام، دون أن تتلاشى سريعاً تحت تأثير الإفراط الغذائي الذي قد يرافق الاحتفال بالعيد؟

إن العيد، رغم ما يحمله من معانٍ روحية واجتماعية عميقة، يمثل في الوقت ذاته لحظة انتقالية دقيقة في نمط الحياة، ومرحلة اختبار لقدرة الإنسان على تحقيق توازن واعٍ بين متعة الاحتفال ومتطلبات الصحة. وهو توازن يسمح بتمديد الفوائد الصحية التي وفرها شهر رمضان، لتتحول من تجربة مؤقتة إلى نمط سلوكي أكثر استدامة في الحياة اليومية.

متلازمة العيد المعوية

• «صدمة أيضية». خلال شهر رمضان، تتكيف المعدة والأمعاء مع فترات راحة طويلة، ما يؤدي إلى خفض إفراز الإنزيمات الهاضمة وتباطؤ حركة الأمعاء بشكل طبيعي. ومع صبيحة يوم العيد، نجد أنفسنا أمام «صدمة أيضية»، حيث يواجه الجهاز الهضمي طوفاناً من السكريات بسبب النمط الغذائي المكثف الذي يعتمد بشكل كبير على السكريات والدهون المشبعة مثل الحلويات الشرقية.

وتشير دراسة سابقة نُشرت عام 2020 في «مجلة التغذية والأيض» (Journal of Nutrition and Metabolism)، إلى أن العودة المفاجئة لتناول كميات كبيرة من الكربوهيدرات المكررة والدهون بعد فترة الصيام المتقطع، قد تسبب اضطراباً حاداً في مستويات السكر بالدم واستجابة الإنسولين، ما يؤدي إلى الشعور بالخمول والتخمة، وفي بعض الحالات متلازمة العيد المعوية.

إن الحرية في الأكل التي نشعر بها في العيد هي في الواقع ضغط كيميائي حيوي على الكبد والبنكرياس. لذلك، فإن النصيحة الطبية الأهم ليست الحرمان؛ بل العودة التدريجية المتوازنة إلى نمط الطعام المعتاد. ويجب أن تبدأ العودة إلى نظام الوجبات الثلاث بوجبات صغيرة موزعة، لإعطاء فرصة للجهاز الهضمي لاستعادة نشاطه الإنزيمي.

ويؤكد تقرير صادر عن المكتب الإقليمي لشرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية (2022) حول التغذية في المناسبات، أن استهلاك الألياف في أول أيام العيد يعد صمام أمان لتنظيم امتصاص السكر، ومنع حالات الإمساك أو التلبك المعوي الناتجة عن التغيير المفاجئ في مواعيد الوجبات.

• صحة الأطفال في العيد. بالنسبة للأطفال، فإن العيد مرادف للحلويات والسكريات المفرطة، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات معوية ونوبات من فرط الحركة يعقبها خمول مفاجئ. تشير توصيات الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال (2023)، إلى أن الاستهلاك المفرط للسكر المضاف في فترات قصيرة - كما يحدث في العيد - لا يؤثر فقط على صحة الأسنان والجهاز الهضمي؛ بل يمتد أثره ليشمل اضطرابات النوم والمزاج لدى الطفل.

إن دورنا بوصفنا إعلاماً صحياً هو توجيه الوالدين نحو الضيافة الذكية المعتمدة على موازنة الفرح مع فوضى السكريات؛ مثل تقديم الفواكه المجففة أو المكسرات بوصفها بدائل جزئية للحلويات المصنعة، مع الحفاظ على ترطيب الجسم بالماء بدلاً من العصائر المحلاة.

• كبار السن في العيد. يمثل العيد لكبار السن مناسبة اجتماعية غامرة، لكنها قد تحمل مخاطر صحية خفية. فالتغيير المفاجئ في مواعيد الأدوية ونوعية الطعام الغني بالأملاح والدهون، قد يؤديان لارتفاع حاد في ضغط الدم أو مستويات «اليوريك أسيد».

وحسب بحث منشور في «Journal of Geriatric Medicine» (2021)، فإن كبار السن أكثر عرضة للجفاف واضطراب الأملاح عند الانتقال من نظام الصيام إلى نمط العيد المزدحم. لذا، من الضروري مراقبة مستويات السكر والضغط لديهم بانتظام خلال أيام العيد، وضمان حصولهم على فترات راحة كافية بين الزيارات العائلية لتجنب الإجهاد الاحتفالي.

الذكاء الاصطناعي والتكيف مع التغيير

• الذكاء الاصطناعي في خدمة الصحة بالأعياد. في عصر التحول الرقمي، لم يعد التعامل مع الصحة العامة في الأعياد تقليدياً؛ فالذكاء الاصطناعي (AI) يمثل عيناً تكنولوجية قادرة على رصد أنماط العيد والتنبؤ بالمخاطر الصحية الجماعية.

ووفقاً لدراسة منشورة في «NPJ Digital Medicine» (2024)، يتم استخدام خوارزميات التعلم الآلي لتحليل البيانات الضخمة الناتجة عن محركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي لرصد بوادر تفشي النزلات المعوية أو الأزمات القلبية المرتبطة بالإجهاد الغذائي خلال العطلات الكبرى.

علاوة على ذلك، توفر التطبيقات المدعومة بالذكاء الاصطناعي الآن، مدربين صحيين افتراضيين يمكنهم مساعدة الأفراد في العيد على إعادة جدولة مواعيد أدويتهم ونومهم بناءً على تغير نمط حياتهم المفاجئ. ويعكس هذا التكامل بين التكنولوجيا والوعي الصحي، اتجاهاً متزايداً نحو تعزيز الوقاية الصحية خلال المواسم والعطلات.

• العودة إلى إيقاع النوم الطبيعي. لا يقتصر التغيير خلال شهر رمضان على الطعام فقط؛ بل يشمل أيضاً نمط النوم واليقظة. فكثير من المسلمين يغيرون جدول نومهم خلال رمضان، حيث يمتد السهر إلى ساعات متأخرة من الليل، ويستيقظون لتناول وجبة السحور قبل الفجر.

وقد يؤدي هذا التغير إلى اضطراب مؤقت في الساعة البيولوجية (Circadian Rhythm) للجسم، وهي النظام الداخلي الذي ينظم دورات النوم والاستيقاظ، فيؤثر بشكل مباشر في هرمونات الجوع (الغريلين) والشبع (اللبتين)، وهو ما يفسر سبب الشعور بجوع متكرر في أيام العيد الأولى.

وتشير أبحاث في مجال طب النوم نشرت في «Nature and Science of Sleep» (2021)، إلى أن العودة المفاجئة إلى جدول نوم مختلف قد تسبب شعوراً بالتعب أو صعوبة في التركيز خلال الأيام الأولى بعد رمضان، لذلك ينصح الخبراء بإعادة تنظيم النوم تدريجياً خلال أيام العيد.

ومن الوسائل المفيدة لتحقيق ذلك:

- النوم في ساعات الليل المبكرة قدر الإمكان.

- تقليل السهر الطويل بعد انتهاء رمضان.

- التعرض للضوء الطبيعي في ساعات الصباح.

- تجنب المنبهات مثل القهوة في وقت متأخر من الليل.

وقد أظهرت دراسات نشرت في مجلة «Sleep Medicine Reviews» أن انتظام النوم يلعب دوراً مهماً في تنظيم الهرمونات المرتبطة بالشهية والتمثيل الغذائي، كما ينعكس إيجابياً على الصحة النفسية والقدرة الذهنية.

تحقيق الانتقال الصحي الآمن من انضباط الصيام إلى حرية العيد

العيد فرحة اجتماعية وصحة نفسية

اجتماعياً، يمثل العيد ذروة «التفاعل الإنساني»، وهو أمر له انعكاسات صحية نفسية عميقة. فبعد شهر غلب عليه الطابع الروحاني والتأمل الفردي، يأتي العيد ليعيد دمج الفرد في نسيجه الاجتماعي.

وتؤكد دراسات في «Positive Psychology Program» (2023) أن صلة الرحم والتواصل المباشر في الأعياد يسهمان في إفراز هرمون «الأوكسيتوسين» المعروف بهرمون الحب والارتباط، والذي يعمل مضاداً طبيعياً للقلق والاكتئاب.

وإلى جانب الفوائد الجسدية، يحمل عيد الفطر أهمية كبيرة للصحة النفسية والاجتماعية أيضاً. فالزيارات العائلية والتواصل مع الأقارب والأصدقاء يعززان الشعور بالانتماء والدعم الاجتماعي، وهما عاملان مهمان للصحة النفسية. وتشير دراسات في علم الصحة العامة إلى أن العلاقات الاجتماعية القوية ترتبط بانخفاض معدلات التوتر وتحسن جودة الحياة بشكل عام.

ومن جانب آخر، لا بد أن ندرك أن لغة «المنع» في العيد لغة غير فعالة، والتوجيه الناجح هو الذي يمنحنا «أدوات التمكين»، فتعزيز مفهوم الأكل الواعي (Mindful Eating) خلال زيارات العيد يتيح للشخص الاستمتاع بالضيافة دون الإضرار بلياقته.

وحسب دراسة في «Harvard Health Publishing» (2019)، فإن التباطؤ في مضغ الطعام والاستمتاع بمذاقه يرسل إشارات شبع أسرع إلى الدماغ، مما يقلل الاستهلاك الحراري بنسبة تصل إلى 20 في المائة.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى عيد الفطر ليس فقط بوصفه مناسبة للاحتفال؛ بل أيضاً بوصفه فرصة لتعزيز التوازن بين الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية.

وأخيراً، ها هو عيد الفطر المبارك يطل علينا بوصفه جسر عبور من ضفة «الانضباط الصارم» التي ميزت شهر رمضان المبارك بجدول التغذية المحدد وساعات النوم المبرمجة، إلى ضفة «الحرية الغذائية والاجتماعية المطلقة» التي تميز طقس العيد.

وهذا الانتقال الفجائي، رغم ما يحمله من بهجة، فإنه يضع الجسد والعقل أمام «صدمة تكيفية» كبرى تتطلب قدراً من الوعي الصحي. لذلك ينبغي ألا ننظر إلى العيد باعتباره مجرد مناسبة دينية واجتماعية؛ بل أيضاً مرحلة انتقالية تتطلب إدارة ذكية متوازنة للتحولات البيولوجية والنفسية، حتى لا تضيع المكاسب الصحية التي تحققت خلال شهر الصيام.

إن العيدَ هو مكافأة للصائم، وحرية الإنسان في الطعام والشراب والنوم هي جزء من رمزية الفرح. غير أن المنظور الطبي والاجتماعي الشامل يذكرنا بأن الحرية المنضبطة هي الأرقى، وأن الانتقال السلس من رمضان إلى ما بعده يتطلب وعياً بأن الجسد أمانة، وأن الفرح الحقيقي لا يكتمل باعتلال الصحة.

• استشاري طب المجتمع