رئيسة «دوستارليماب»: مستمرون للتغلب على السرطان

قالت لـ«الشرق الأوسط» إنه ليس الوحيد الذي يستهدف تعويض نقص جين وراثي

د.أندريا سيرسيك لدى حديثها لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
د.أندريا سيرسيك لدى حديثها لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
TT

رئيسة «دوستارليماب»: مستمرون للتغلب على السرطان

د.أندريا سيرسيك لدى حديثها لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
د.أندريا سيرسيك لدى حديثها لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

أحدث الإعلان عن دواء يعالج نوعاً معيناً من السرطان بنسبة شفاء تصل إلى مائة في المائة، ضجة امتزج فيها العلم مع المبالغات، حتى كاد البعض يظن أن هذا الدواء المسمى «دوستارليماب»، هو منقذ البشرية من هذا الداء اللعين، وهو ما تنفيه أندريا سيرسيك، المدير المشارك بمركز «ميموريال سلون كيترينج» للسرطان بنيويورك، ورئيس الفريق البحثي الذي عمل على تجارب استخدام الدواء، التي أكدت لـ«الشرق الأوسط»، أنه «دواء من ضمن الأدوية المناعية المعتمدة أخيراً لعلاج نوع محدد من السرطانات».
وتقول سيرسيك، إنه توجد العديد من العلاجات المناعية، بما ذلك «دوستارليماب»، التي تم اعتمادها والموافقة عليها لعلاج السرطانات المتقدمة (سرطانات المرحلة الرابعة)، شريطة أن يكون المرضى ممن يفتقدون لجين يسمى «إصلاح عدم التطابق».
ويعمل هذا الجين في الخلايا الطبيعية على إصلاح الطفرات الناتجة عن أخطاء النسخ، فأثناء انقسام الخلية ونسخ حروف الحمض النووي، يمكن أن تُكتب بعض الحروف بشكل خاطئ، ويؤدي تراكم هذه الأخطاء إلى حدوث طفرات جينية، قد تكون صامتة وحميدة، وقد تؤدي إلى الأورام الخبيثة.
وتضيف: «الميزة في تجاربنا التي تم نشرها أخيراً في دورية (نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين)، أننا قدمنا (دوستارليماب) لمرضى في المرحلة المبكرة من سرطان المستقيم، كانوا يعانون من نقص في جين إصلاح عدم التطابق».
وحقق المرضى معدل شفاء كامل بنسبة 100 في المائة، من دون الحاجة إلى الإشعاع الكيميائي والجراحة، ولا تعلم سيرسيك إن كان هؤلاء المرضى معرضين لعودة الورم مرة أخرى أم لا، كما يحدث مع بعض المرضى الذين يخضعون لعلاجات إشعاعية وجراحية للسرطان، وتقول: «لدينا متابعة عن كثب بعد الانتهاء من العلاج، عن طريق التنظير والتصوير بالرنين المغناطيسي، فهناك حاجة إلى متابعة التجربة على المدى الطويل للتأكد من أن الأورام لن تنمو مرة أخرى».
والآلية التي يستخدمها الدواء، هي جسم مضاد أحادي النسيلة مضاد لنوع من البروتينات، يسمى PD - 1»»، ففي مرضى السرطان الذين يفتقدون لجين «إصلاح عدم التطابق»، يلعب هذا البروتين دوراً في مساعدة الأورام السرطانية على التخفي من هجوم الجهاز المناعي، وهو ما يساعدها على التكاثر والنمو في أمان، ولكن الجسم المضاد يعمل على إبطال مفعول هذا البروتين، بما يجعل الخلايا السرطانية مرئية للجهاز المناعي.
وكشفت سيرسيك أن «بروتين (PD - 1)هدف دوائي معروف جيداً في العديد من العلاجات المناعية، التي تمت دراستها والموافقة عليها لعلاج السرطانات المتقدمة بما في ذلك سرطان القولون والمستقيم».
وتضيف: «دواء (دوستارليماب) هو واحد من هذه الأدوية المعتمدة في الأساس لعلاج سرطان بطانة الرحم، وجميع السرطانات المتقدمة التي تفقد لجين (إصلاح عدم التطابق)، ولا تزال دراستنا عن استخدامه في المرحلة المبكرة من السرطانات التي تعاني من نقص الجين مفتوحة وتجمع العديد من المرضى».
وأجريت التجارب الإكلينكية في هذه الدراسة على 14 مريضاً بالغاً فوق سن الـ18 عاماً يعانون من سرطان المستقيم، وهناك حاجة لتجربة العلاج في المرحلة المبكرة على مرضى آخرين يعانون من نقص جين (إصلاح عدم التطابق)، على أن تشمل التجارب مرضى يعانون من أنواع أخرى من السرطان، غير سرطان المستقيم.
وتقول سيرسيك، «يمكن أن تكون نتائجنا مع مرضى سرطان المستقيم هي (قمة جبل الجليد)، ونحن نتحرى الآن إذا كانت الطريقة نفسها قد تساعد سرطانات أخرى ممن يعاني مرضاها من نقص الجين، ونقوم حالياً بتسجيل المرضى المصابين بسرطان المعدة والبروستاتا والبنكرياس».
بسؤالها عن السعر المرتفع للدواء، الذي تصل تكلفة الجرعة منه إلى 11 ألف دولار في هذه المرحلة التجريبية، تقول سيرسيك، «هذا السؤال يوجه للشركة المنتجة (غلاكسو سميث كلاين)».
وشركة «غلاكسو سميث كلاين» المنتجة لـ«دوستارليماب»، هي شركة أدوية بريطانية عالمية متعددة الجنسيات، تقوم بالأبحاث في علوم الأحياء البيولوجية وإنتاج اللقاحات والأدوية، ومقرها مدينة لندن.


مقالات ذات صلة

تعرف على النظام الغذائي الأمثل للحفاظ على صحتك بعد الستين

صحتك تناول الأطعمة الصحيحة بعد الستين يعزز الصحة بشكل ملحوظ (رويترز)

تعرف على النظام الغذائي الأمثل للحفاظ على صحتك بعد الستين

مع التقدم في العمر، يلعب النظام الغذائي دوراً أساسياً في الحفاظ على الصحة. فقد أظهرت الدراسات أن تناول الأطعمة الصحيحة بعد الستين يعزز الصحة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك تكشف الدراسات الحديثة عن فوائد صحية غير متوقعة لقصر القامة (رويترز)

4 فوائد صحية لقصر القامة

بينما يرتبط الطول عادة بمزايا اجتماعية، مثل الثقة بالنفس والقدرة على الوصول إلى الأماكن العالية، تكشف الدراسات الحديثة عن فوائد صحية غير متوقعة لقصر القامة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك قطع صغيرة من السكر (بيكسلز)

السكر العادي أم بدائله أيها أفضل؟

قال موقع فيري ويل هيلث إن المحليات الصناعية، والطبيعية، هي بدائل تُستخدم بدلاً من السكر العادي

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك مكملات (بيكسلز)

أطعمة بديلة عن مكملات الألياف

قال موقع «فيري ويل هيلث» إن الأطعمة الغنية بالألياف تُعدّ بديلاً لمكملات الألياف لإدخالها بشكل طبيعي في النظام الغذائي، مع دعم صحة القلب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك الكركم من أبرز التوابل المستخدمة في الطبخ والطبّ التقليدي منذ قرون (جامعة أريزونا)

7 وصفات يومية تجعل الكركم جزءاً من نظامك الغذائي

كشفت دراسة أنّ تناول 90 ملليغراماً من مستخلص الكركمين لمدة 18 شهراً قد حسَّن نتائج المشاركين في اختبارات الانتباه والذاكرة...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«جائزة الصين الكبرى»: فرستابن يصف تعديلات فورمولا 1 بأنها «مثيرة للسخرية»

ماكس فرستابن فشل في قيادة سيارة ريد بول في شنغهاي (أ.ف.ب)
ماكس فرستابن فشل في قيادة سيارة ريد بول في شنغهاي (أ.ف.ب)
TT

«جائزة الصين الكبرى»: فرستابن يصف تعديلات فورمولا 1 بأنها «مثيرة للسخرية»

ماكس فرستابن فشل في قيادة سيارة ريد بول في شنغهاي (أ.ف.ب)
ماكس فرستابن فشل في قيادة سيارة ريد بول في شنغهاي (أ.ف.ب)

انتقد بطل العالم أربع مرات ماكس فرستابن الأحد الحقبة الجديدة لبطولة العالم لسباقات فورمولا 1 للسيارات ووصفها بأنها «مثيرة للسخرية»، وذلك بعد انسحابه من سباق جائزة الصين الكبرى بسبب مشكلة في وحدة الطاقة.

خفف سائق رد بول، الذي لا يحب المحرك الجديد بسبب زيادة العناصر الكهربائية فيه والحاجة إلى إدارة توزيع الطاقة، سرعته وعاد ببطء إلى منطقة الصيانة في اللفة 46. ولم يتم تصنيفه في السباق الذي انتهى بمشاركة 15 سائقاً.

وقال السائق الهولندي للصحافيين: «لا يتعلق الأمر بالغضب إزاء وضعي، لأني في الواقع أكافح أكثر الآن». وأضاف: «كنت سأقول الشيء ذاته لو كنت أفوز بالسباقات، لأني أهتم بالمنتج». وتابع: «بالنسبة لي، هذا أمر مثير للسخرية»، واصفاً القواعد الجديدة بأنها «معيبة بشكل جوهري».

قضى فرستابن، الفائز في 71 سباقاً هذا الموسم، وقتاً أكثر مما اعتاد عليه للكفاح من أجل حصد نقاط محدودة.

وشق طريقه عبر مجموعة السائقين من المركز العشرين في نقطة الانطلاق عقب حادث تصادم في التجارب التأهيلية خلال سباق جائزة أستراليا الكبرى الأسبوع الماضي. وتراجع من المركز الثامن إلى الرابع عشر في سباق السرعة السبت في الصين، قبل أن ينهيه في المركز التاسع ومن دون حصد نقاط.

ولا يشارك الجميع فرستابن الرأي، إذ أشاد رئيس فريق مرسيدس توتو فولف بالسباق بين سائقيه وسائقي فيراري لويس هاميلتون وشارل لوكلير.

كما أبدى سائقا فيراري حماساً شديداً بشأن المنافسة بينهما في سباق شهد في النهاية فوز كيمي أنتونيلي سائق مرسيدس بأول سباق في مسيرته في فورمولا 1.

وقال النمساوي فولف للصحافيين بعد السباق: «نشعر أحياناً بالحنين إلى السنوات الخوالي، لكنني أعتقد أن المنتج جيد في حد ذاته». وأضاف: «تحب الغالبية العظمى، من جميع الشرائح العمرية، هذه الرياضة في الوقت الحالي». وتابع: «يمر ماكس حقاً بفترة عصيبة. أنا متأكد من أنه بالنسبة لشخص مثل ماكس، الذي يعتمد على الهجوم الكامل، من الصعب التعامل مع هذا الوضع واستيعابه».

عبر فرستابن عن أمله في ألا تعطي فورمولا 1 الأولوية لجذب مشجعين جدد وزيادة جاذبية الرياضة من خلال تسهيل التجاوز على حساب السباق التقليدي.

وقال: «آمل ألا يفكروا بهذه الطريقة، لأن ذلك سيؤدي في النهاية إلى تدمير الرياضة. سيعود الأمر عليهم بالسلب... ربما يحب بعض المشجعين ذلك، لكنهم لا يفهمون التسابق».


حرب إيران تمنح بكين مكاسب دبلوماسية وتُكبِّلها بأزمة طاقة

ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران تمنح بكين مكاسب دبلوماسية وتُكبِّلها بأزمة طاقة

ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)

في الظاهر، تبدو بكين من أكبر المستفيدين من الحرب على إيران. فالولايات المتحدة تعود للتورط عسكرياً ومالياً في الشرق الأوسط، وتعيد تحويل حاملات وصواريخ ومنظومات دفاع جوي من آسيا إلى جبهة أخرى، بينما تزداد شكوك الحلفاء الآسيويين في صدقية التعهد الأميركي بأن يبقى «المحيطين الهندي والهادئ» أولوية استراتيجية.

هذا وحده يُقدِّم للصين هدية سياسية ثمينة؛ لأنه يُخفّف الضغط النسبي عنها في جوارها البحري، ويمنحها مادة دعائية جاهزة عن «تراجع» واشنطن وتشتت مواردها. ولكن هذه الصورة ليست مكتملة. فالصين، رغم استعدادها الأفضل مقارنة بكثير من الاقتصادات الآسيوية، تبقى أكبر مستورد للطاقة في العالم، وما يمر عبر مضيق هرمز يمسّ قلب أمنها الاقتصادي والصناعي. لذلك، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت بكين تربح فقط؛ بل ما إذا كانت مكاسبها السياسية يمكن أن تصمد أمام كلفة طاقة أعلى، واضطراب سلاسل الإمداد، وحدود قدرتها على ترجمة التعثر الأميركي إلى تفوق استراتيجي حاسم.

ميزان الردع

المكسب الصيني الأول سياسي واستراتيجي. فالحرب دفعت واشنطن إلى نقل أصول دفاعية مُتقدّمة من آسيا إلى الشرق الأوسط، وبينها منظومة «ثاد» في كوريا الجنوبية، كما زادت المخاوف من تأخير تسليم أسلحة وذخائر لحلفاء آسيويين، مثل اليابان وتايوان.

هذا التحوّل يضرب الرسالة التي كررتها الإدارات الأميركية منذ سنوات عن أولوية مواجهة الصين في آسيا، ويُعزّز سردية بكين بأن الولايات المتحدة قوة مُثقلة بأزمات متعددة وغير قادرة على التركيز طويل الأمد في مسرح واحد. كما أن التكلفة الأميركية نفسها تتضخّم بسرعة؛ إذ تجاوزت -حسب تقديرات أُبلغ بها الكونغرس- 11.3 مليار دولار في الأيام الستة الأولى فقط، ما يُضيف إلى الشّكوك بشأن استدامة هذا الانخراط.

ومن زاوية صينية بحتة، فإن أي استنزاف للترسانة الأميركية، وخصوصاً الدفاعات الجوية والاعتراضات الصاروخية مرتفعة التكلفة، يُعدّ خبراً جيداً لبكين. فالولايات المتحدة أنتجت نحو 600 صاروخ «باتريوت» اعتراضي فقط في 2025، بينما أشارت تقديرات تداولتها وسائل إعلام أميركية إلى استخدام مئات الصواريخ خلال أقل من أسبوعين من الحرب، ما يُسلّط الضوء على فجوة بين وتيرة الاستهلاك العسكري والطاقة الصناعية في التعويض. وهذا تحديداً هو النوع من المؤشرات الذي تراقبه الصين وهي تفكر في ميزان الردع حول تايوان وبحر الصين الجنوبي.

ولا يقتصر الأمر على تآكل المخزون الأميركي. فهناك أيضاً فسحة مناورة رمزية وميدانية. فقد أشار تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» إلى تكثيف أعمال الردم والبناء الصينية في مواقع متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، بينما تبدو القوى الإقليمية أكثر توتراً وأقل ثقة بأن واشنطن قادرة على تغطية جميع الجبهات في وقت واحد. ولكن هذه الفسحة ليست تفويضاً مفتوحاً؛ فهي تمنح بكين مجال ضغط أكبر، لا نصراً جاهزاً.

اعتبارات اقتصادية

المسار الثاني أكثر تعقيداً؛ لأنه اقتصادي. فقد استثمرت الصين خلال الأعوام الماضية بكثافة في بناء مخزونات استراتيجية من النفط وسلع حيوية أخرى، انسجاماً مع تحذيرات شي جينبينغ المتكررة من «أسوأ السيناريوهات».

تُقدِّر صحيفة «فايننشال تايمز» أن احتياطيات بكين النفطية تراوح الآن بين 1.1 و1.4 مليار برميل، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى أكثر من ملياري برميل. بعض هذه التقديرات يعني أن لدى الصين ما يكفي لتغطية أكثر من مائة يوم من الواردات، وهو ما يجعلها أفضل استعداداً من معظم الاقتصادات الآسيوية لمواجهة صدمة مؤقتة في الإمدادات.

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)

والواقع أن بكين لم تكتف بتكديس الاحتياطيات؛ بل بدأت بالفعل استخدام أدوات إدارة الأزمة. فقد أمرت بوقف صادرات الوقود المكرر في مارس (آذار) لحماية السوق المحلية، وبدأت الإفراج مبكراً عن احتياطيات الأسمدة لاحتواء نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، بينما تتحرك شركات التكرير الكبرى لتقليص المعالجة وإعادة توجيه الإنتاج نحو الوقود المحلي، بدلاً من المنتجات البتروكيماوية الأقل ربحية. هذه الخطوات تكشف أن الصين ليست متفرجة؛ بل تدير الأزمة بمنطق دفاعي مبكر يهدف إلى منع انتقال الصدمة الخارجية إلى الداخل الاجتماعي والصناعي.

مندوب الصين لدى الأمم المتَّحدة يصوِّت ضد فرض عقوبات على إيران في مجلس الأمن يوم 12 مارس (رويترز)

لكن هذه الحماية ليست مطلقة، فثُلث واردات الصين النفطية تقريباً، ونحو ربع وارداتها من الغاز وفق التقديرات المتداولة، يمُرّ عبر هرمز، بينما قالت «رويترز» إن نحو نصف إمدادات الصين النفطية يأتي من منطقة الخليج، وإن آسيا عموماً تعتمد على الشرق الأوسط في نحو 60 في المائة من نفطها. ومع أن جزءاً من الشحنات الصينية أو الإيرانية ما زال يمر من المضيق، فإن أي إغلاق طويل أو شبه كامل للمضيق يرفع تكلفة النقل والتأمين، ويضغط على هوامش المصافي، ويربك سلاسل المواد الأولية من الغاز إلى الأسمدة والكبريت والميثانول. وقد وصفت وكالة الطاقة الدولية ما يجري بأنه أكبر اضطراب نفطي في التاريخ، مع توقع تراجع الإمدادات العالمية هذا الشهر بنحو 8 ملايين برميل يومياً، ما يوضح أن المسألة لم تعد مجرد تقلب سعري عابر.

اختلال القوة مع أميركا

هنا تظهر حدود الربح الصيني، فبكين قادرة على استثمار الحرب دبلوماسياً، وقد تستفيد من اندفاع بعض دول آسيا إلى مزيد من «الاعتماد على الذات» بدل الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية. كما أن الأزمة قد تدفع الصين إلى تعميق روابط الطاقة مع روسيا التي ارتفعت صادراتها عبر خط «سيبيريا 1» إلى الصين العام الماضي إلى 38.8 مليار متر مكعب، بينما يظل مشروع «سيبيريا 2» مطروحاً رغم خلافات التسعير. كذلك، كانت المصافي الصينية قد راكمت بالفعل كميات كبيرة من الخامين الإيراني والروسي رخيصي السعر، ما وفر لها وسادة قصيرة الأجل، حسب «رويترز».

شي لدى استقباله الرئيس الإيراني الأسبق إبراهيم رئيسي في بكين يوم 14 فبراير (أ.ب)

غير أن تحويل هذا كله إلى مكسب استراتيجي كبير يصطدم بثلاثة قيود: أولها أن الصين -بعكس الولايات المتحدة- لا تملك حرية حركة بحرية وجيوعسكرية عالمية تكفي لتأمين طرق الطاقة إذا طال النزاع. ثانيها أن استفادتها من انشغال واشنطن لا تُلغي فجوة القوة الشاملة، سواء في الانتشار العسكري أو شبكات التحالف، أو السيطرة على التكنولوجيا المالية والبحرية. وثالثها أن بكين نفسها حذرة من الانزلاق إلى مجابهة مباشرة؛ لأن اقتصادها المتباطئ أصلاً أقل قدرة على تحمل صدمة طاقة طويلة ومكلفة.

ولهذا بدت الصين -حتى الآن- أقرب إلى إدارة المخاطر منها إلى استثمار الحرب هجوميّاً. فهي تتفاوض لضمان مرور بعض الشحنات، وتحبس الوقود داخل السوق المحلية، وتستخدم الاحتياطيات بحذر، من دون أن تتصرف كقوة واثقة بأنها قلبت موازين القوة العالمية.

الخلاصة أن الصين تستفيد فعلاً من حرب إيران، ولكن استفادتها ليست مباشرة ولا مجانية. فهي تربح من تشتت أميركا، ومن تصدُّع الثقة الآسيوية بواشنطن، ومن الفراغ النسبي الذي يفتحه الاستنزاف الأميركي. ولكنها -في الوقت نفسه- تواجه اختباراً قاسياً لأمنها الطاقي ولقدرتها على تحويل المخزون والمرونة الصناعية إلى حصانة حقيقية.

لذلك، تبدو بكين اليوم في موقع «المستفيد القَلِق»: أقوى دبلوماسياً، ولكنها ليست مطلقة اليد اقتصادياً أو استراتيجياً؛ ومُحصّنة نسبياً ضد الصدمة، ولكنها ليست بمنأى عنها.


دمشق تعمل مع «قسد» على إغلاق ملف المعتقلين السياسيين

المفرج عنهم من سجن «علايا» الذي تسيطر عليه «قسد» في القامشلي خلال فبراير الماضي (الفرات)
المفرج عنهم من سجن «علايا» الذي تسيطر عليه «قسد» في القامشلي خلال فبراير الماضي (الفرات)
TT

دمشق تعمل مع «قسد» على إغلاق ملف المعتقلين السياسيين

المفرج عنهم من سجن «علايا» الذي تسيطر عليه «قسد» في القامشلي خلال فبراير الماضي (الفرات)
المفرج عنهم من سجن «علايا» الذي تسيطر عليه «قسد» في القامشلي خلال فبراير الماضي (الفرات)

تعمل دمشق مع «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» على إغلاق ملف المعتقلين السياسيين الموجودين لدى الطرفين. وطالب عدد من أهالي محافظة الحسكة بالإفراج عن أبنائهم من سجن «علايا» في القامشلي، الذي لا تزال تديره «قسد».

وأفادت مصادر محلية بأن القائمين على السجن أبلغوا الأهالي بعدم وجود معتقلين في السجن، وبأن عدداً منهم رُحّل إلى العراق مع نقل سجناء السجون السورية للعراق الشهر الماضي، وفق اتفاق بين البلدين توسطت فيه واشنطن.

وتتهيأ الدولة السورية لإنهاء ملف «قسد» والمعتقلين المرتبطين به، حيث يعكف الفريق الرئاسي في الحسكة على إعداد قوائم بأسماء المعتقلين لدى «قسد» للإفراج عنهم، مقابل الإفراج عن دفعة جديدة من المعتقلين لدى الحكومة السورية، خلال الأيام القليلة المقبلة. وأظهر مقطع فيديو عدداً من أهالي المعتقلين في الحسكة في محيط سجن «علايا».

صورة للمفرج عنهم من سجن «علايا» الذي تسيطر عليه «قسد» في القامشلي خلال فبراير الماضي (الفرات)

وقال «مركز إعلام الحسكة» إن المقطع يوثق توجه الأهالي إلى السجن بمدينة القامشلي للسؤال عن أبنائهم، وقد أبلغهم عناصر «قسد» القائمين على السجن بعدم وجود أي معتقل لديهم، وأن جميع المعتقلين رُحّلوا إلى العراق بتهمة الإرهاب.

ونقل «المركز» عن الأهالي قولهم إن عدداً من المعتقلين أوقفوا سابقاً من قبل «قسد» بسبب رفعهم صوراً للعلم السوري أو للرئيس السوري أحمد الشرع أو لكتابتهم تعليقات على منصات التواصل الاجتماعي.

وتشير تقارير إعلام محلي إلى أن عدداً من السجناء ما زال موجودين في سجن «علايا»، وأن «قسد» سبق أن نقلت إليه عدداً من السجناء الموجودين في «سجن الحسكة المركزي» المعروف بسجن «غويران»، قبل أن تتسلمه الحكومة السورية. هذا بالإضافة إلى سجنَيْ «الأقطان» و«الشدادي».

ويعدّ سجن «علايا» من أبرز مراكز الاحتجاز لدى «قسد» للمتهمين بقضايا جنائية وأمنية وسياسية، ويخضع لإجراءات أمنية مشددة. ووفق الأرقام المتداولة، فقد كان يضم نحو ألف معتقل أُخلي سراح معظمهم.

سجن «علايا» الذي تسيطر عليه «قسد» في القامشلي بمحافظة الحسكة السورية (متداولة)

يذكر أنه ستبدأ خلال الأيام القليلة المقبلة عملية الإفراج عن دفعة ثانية من معتقلين من «قسد» كانوا أوقفوا سابقاً على خلفية مواجهات مع قوات الحكومة خلال «عمليات إنفاذ القانون في فترات سابقة»، وفق ما أفاد به المبعوث الرئاسي السوري لمتابعة تنفيذ بنود «اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) 2026» مع «قوات سوريا الديمقراطية»، العميد زياد العايش، في مقابلة مع قناة «الإخبارية السورية» مساء السبت.

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

العايش أشار إلى عزم الدولة السورية على تسلم السجون التي كانت تحت سيطرة «قسد»، على أن تُحوَّل إدارتها إلى وزارة الداخلية السورية، وتُخضع لمسار قضائي واضح تحت إشراف وزارة العدل، بما يضمن الإشراف الكامل للدولة على هذه المرافق. كما أكد أن دمشق تعمل بالتوازي مع مسار «قسد» من أجل إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي وكل من جرى توقيفهم على خلفية الأحداث المرتبطة بسنوات الثورة السورية، وفق تعبيره.

أكراد سوريون يعودون إلى منازلهم في الحسكة بعد الاتفاق بين «قسد» والحكومة السورية يوم 9 مارس 2026 (رويترز)

وكانت الحكومة السورية و«قسد» تبادلتا الإفراج عن مائتي معتقل في 10 مارس الحالي، وأكد العميد العايش التزام دمشق إغلاق ملف «قسد» والمعتقلين المرتبطين به، في سياق عملية «الدمج الوطني الشامل» التي تهدف إلى تعزيز وحدة البلاد. وقال إنّ المبادرة «تأتي في إطار مساعي تحقيق المصالحة الوطنية وفتح المجال أمام السوريين للعمل معاً من أجل (بناء مستقبل مستقر وآمن بعيداً عن الانقسامات) وضمن إطار جهود الدولة السورية لتعزيز الأمن وتحقيق الاستقرار الشامل».

وقال «مرصد الحسكة» إن الفريق الرئاسي يعمل بشكل متواصل على إعداد قوائم بأسماء المعتقلين لدى «قسد» للإفراج عنهم، وذلك فيما كشف قائد «قسد»، مظلوم عبدي، خلال تشييع عدد من قتلى «قسد» في «عين العرب ـ كوباني» يوم السبت الماضي، عن العمل «على إعادة نحو 300 سجين لدى الحكومة السورية خلال الأيام المقبلة، بالإضافة إلى استعادة جثامين مقاتلين قُتلوا في اشتباكات خلال الفترة الماضية».

العميد زياد العايش مستقبلاً وفد «المنظمة الآثورية الديمقراطية» برئاسة كبرييل موشي في مدينة الشدادي الأحد (مرصد الحسكة)

ومن المتوقع أن تفرج الحكومة السورية عن معتقلي «قسد» قبل عيد «النوروز» في 21 مارس الحالي، ضمن أول احتفال رسمي به في سوريا بصفته أحد الأعياد الوطنية بموجب «المرسوم17» الذي حدده «يوم عطلة».

وخلال استقباله وفد «المنظمة الآثورية الديمقراطية»، برئاسة كبرييل موشي، في مدينة الشدادي بمحافظة الحسكة، السبت، أكد المبعوث الرئاسي على «أهمية مشاركة جميع مكونات الشعب السوري في إدارة شؤون البلاد، وتعزيز السلم الأهلي». وناقش الاجتماع، الذي حضره سيف الجربا عضو الفريق الرئاسي، وعباس حسين مدير إدارة الشؤون السياسية بمحافظة الحسكة، الإجراءات التي يقوم بها الفريق الرئاسي لدمج «قسد» ضمن مؤسسات الدولة، بما يسهم في استقرار المحافظة وضمان تطبيق القانون بشكل متكامل.