كيف غير البشر المشهد الصوتي للمحيط؟

باحثو «كاوست» يقدمون مقترحات للحد من خطر الضوضاء على الحياة البحرية

هدير محركات القوارب ينتقل إلى مسافات بعيدة في أعماق المياه
هدير محركات القوارب ينتقل إلى مسافات بعيدة في أعماق المياه
TT

كيف غير البشر المشهد الصوتي للمحيط؟

هدير محركات القوارب ينتقل إلى مسافات بعيدة في أعماق المياه
هدير محركات القوارب ينتقل إلى مسافات بعيدة في أعماق المياه

«لقد غير البشر المشهد الصوتي للمحيط؛ إذ أدى سلوكهم إلى إسكات الصوت المتميز للكائنات البحرية التي تستخدمه للتفاعل مع بيئتها، مما يستدعي معه دق ناقوس الخطر». هكذا لخص البروفسور كارلوس دوارتي، أستاذ العلوم البحرية المتميز في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) وفريقه البحثي المشهد بعد توثيق أدلة قاطعة في أكثر من 10000 ورقة بحثية تشرح تأثير الضوضاء البشرية على الحيوانات والنظم البيئية البحرية حول العالم ابتداء من اللافقاريات وصولا للحيتان، وعبر دراسة مستويات متعددة من السلوك إلى علم وظائف الأعضاء، واستخلاص نتائج أكثر الدراسات الكمية صرامة حول مدى هذا التأثير.
نعلم أن المحيطات تغطي ثلثي مساحة كوكب الأرض، وتعد عنصراً متكاملاً وأساسياً في النظام البيئي وذات أهمية بالغة بالنسبة للتنمية المستدامة. إلا أنها تواجه اليوم تحديات وأخطاراً كبيرة من صنع الإنسان تؤثر على التنوع البيولوجي البحري والساحلي، بما فيها ابيضاض المرجان وتحمض المحيطات ومصايد الأسماك والضوضاء تحت الماء، إضافة إلى الاحترار العالمي.
وحسب أبحاث العلماء وتقارير الأمم المتحدة فإن محيطاتنا تسير في تدهور متسارع ينذر بالخطر بسبب الأنشطة البشرية التي تؤثر على قابلية الموائل البحرية للبقاء على نوعية المياه ودرجة حرارتها، وصحة الحياة البحرية، واستمرار توافر المأكولات البحرية. وهذا بدوره يؤثر على القضاء على الفقر، والنمو الاقتصادي، وسبل العيش المستدامة والعمالة، والأمن الغذائي العالمي، وصحة الإنسان، وتنظيم المناخ.

أهمية الصوت للأحياء
يعد الصوت مهما جدا للعديد من الحيوانات البحرية، ويلعب دورا رئيسيا في الاتصال والملاحة والتوجيه والتغذية والكشف عن الأنواع المفترسة. وقد أشار تقرير صدر عن الأمم المتحدة في عام 2012 إلى أن الضوضاء التي يحدثها الإنسان في البيئة البحرية قد زادت بشكل كبير على مدار آخر 100 سنة تقريبا نظرا لزيادة استعمال البشر للمحيطات، وتنوع هذه الاستعمالات.
وأشار التقرير إلى أن الخواص المميزة للصوت تحت الماء وقيود الحواس الأخرى مثل الرؤية واللمس والتذوق والشم في البيئة البحرية من حيث مدى إرسال الإشارات وسرعتها تعني أن الصوت هو وسيط الاستشعار المفضل لنسبة كبيرة من الحيوانات البحرية. وتعتمد معظم الفقاريات البحرية تقريبا إلى حد ما على الصوت لأداء مجموعة واسعة من الوظائف البيولوجية. وتستعمل الثدييات البحرية الصوت كوسيلة أولية للاتصال والاستشعار تحت الماء، ذلك أنها ترسل أصواتا للاتصال حول وجود خطر أو غذاء أو حيوان من نفس النوع أو من نوع آخر وأيضا للإشارة إلى موقعها وهويتها وحالتها الإنجابية أو إقليمها. ويعتمد العديد من الأنواع البحرية الأخرى على الصوت بشكل منتظم بما في ذلك أسماك العظميات واللافقاريات.
وتستعمل الأسماك الصوت للملاحة واختيار الموائل والتزاوج وتجنب الأنواع المفترسة والكشف عن الفرائس والاتصال. ويمكن أن تؤدي إعاقة قدرة الأسماك على سمع الأصوات المهمة بيولوجيا إلى التداخل مع هذه الوظائف الحاسمة.

ضوضاء المحيطات
ومنذ الثورة الصناعية أسهم البشر في جعل الكوكب، والمحيطات على وجه الخصوص، أكثر ضوضاءً؛ بسبب: سفن الشحن، والاستعمال العسكري، والمسوحات الزلزالية التي تنقب عن النفط والغاز، ورسم خرائط السونار لقاع المحيط، والبناء على السواحل، وكذلك مزارع الرياح.
ويمكن للاحترار العالمي أن يضفي مزيداً من التغير على «المشهد الصوتي للمحيطات»؛ حيث يفتح ذوبان القطب الشمالي المزيد من طرق الشحن، وكذلك يؤدي إلى تغير أنماط الرياح وهطول الأمطار.
غير أن مجال تغيير المشهد الصوتي للمحيطات لم يأخذ نصيبه من الاهتمام العالمي من حيث الدراسة والبحث والتوثيق، رغم دعوات الأمم المتحدة المتكررة إلى ضرورة رفع مستوى الجهود والإدارة، لتشجيع التوعية بالمسألة بصورة كبيرة، واتخاذ تدابير تقلل إلى أدنى حد آثار الضوضاء التي يحدثها الإنسان على التنوع البيولوجي البحري.
يقول دوارتي، وهو المؤلف الرئيسي للورقة البحثية عن المشهد الصوتي لمحيط الأنثروبوسين التي صُنفت باعتبارها الورقة العلمية الأكثر شعبية المنشورة في جميع المجالات، في شهر فبراير (شباط) 2021 إن «البحث يجري حول هذه القضية منذ ما يقرب من 50 عاماً، ولكن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تجميع جميع الأدلة المتناثرة وتقييمها بصورة منهجية».
ويعبر دوارتي عن اندهاشه من التناقض بين ثراء الأدلة والإهمال العام للمشكلة في المناقشات العلمية وعملية صنع السياسات.
ومن بين 538 ورقة تم اختيارها بعناية، كشفت 90 في المائة منها عن تأثيرات كبيرة للأصوات البشرية على الثدييات البحرية، بينما حدد 80 في المائة من التأثيرات التي تطال الأسماك واللافقاريات، مثل قنديل البحر. ويضيف دوارتي موضحاً «لا تزال هناك فجوة في فهمنا للتأثيرات على «الطيور الغواصة» التي تتميز بقدرتها على الغوص في أعماق المياه بحثا عن غذائها، و«السلاحف البحرية».
كما يعد النقل البحري مشكلة واسعة الانتشار، إذ ينتج عنه ضوضاء كبيرة تعيق تنقل الكائنات البحرية، وتمنعها من البحث عن الطعام والتواصل فيما بينها، كما تحد من قدرة الأسماك الصغيرة على تعلم تجنب الحيوانات المفترسة. وكان من المثير للقلق بشكل خاص تأثير الضوضاء على اليرقات التي تحاول الانتقال إلى الموائل المناسبة. ويوضح دوارتي: «إذا لم تستطع اليرقات الانتقال إلى موائلها، فمن المحتمل أن تموت جوعاً أو تؤكل».
وبسبب التلوث الضوضائي اضطر العديد من الكائنات البحرية للانتقال من موائلها الطبيعية، رغم أن الهروب ليس خياراً متاحاً دائماً، خاصة للأنواع التي تعيش في نطاقات المحددة، مثل «دلفين ماوي» المهدد بالانقراض والذي يعد أندر وأصغر الأنواع الفرعية المعروفة في العالم من الدلفين.

حلول علمية
في عام 2020 عندما فرض الإغلاق العالمي جراء جائحة «كوفيد - 19»، انخفضت مستويات الضوضاء الناتجة عن الشحن البحري بنسبة 20 في المائة، وفي هذه الأثناء شوهدت الدلافين وأسماك القرش، وهي تسبح في الممرات المائية التي كانت مزدحمة سابقاً. يقول دوارتي: «هذا دليل واعد على استجابة شبه فورية للحياة البحرية نتيجة التخفيف من آثار الضوضاء الناتجة عن الأنشطة البشرية».
وحسب دوارتي فإنه يُنظر للمحيط العميق المظلم على أنه نظام بيئي بعيد جداً، حتى من قبل علماء البحار، ولكنه نظام متصل صوتياً، ويتأثر بصورة كبيرة بمعظم الضوضاء البشرية التي تحدث على سطحه، حتى في أعماق تصل لـ1000 متر، ولا شك أن التخفيف من آثار الضوضاء الناتجة عن الأنشطة البشرية على الحياة البحرية هو مفتاح الحفاظ على المحيطات. ويتابع: «لقد حددنا في هذه الدراسة التي قادتها «كاوست» عدداً من الإجراءات السهلة والقابلة للتطبيق، للحد من ضجيج وضوضاء البشر على النظم البيئية في المحيطات، بهدف تعافي الحياة البحرية واستدامة المحيطات».
ويسلط الباحثون الضوء على عدة طرق لتخفيف الضوضاء، مثل: استخدام تقنيات نفاثة في تصميم السفن تقلل من الضوضاء والاهتزازات، تقليل سرعات الشحن، وتجهيز القوارب بمراوح أكثر هدوءاً، واستخدام توربينات الرياح العائمة. أما بالنسبة لأنشطة التجارب الزلزالية وعمليات الحفر والتنقيب تحت سطح البحر، يمثل نظام حاجز الفقاعات الهوائية تقنية واعدة تعتمد على نشر فقاعات هوائية حول منطقة العمل لتشكل حاجزاً منخفض التردد يعمل على خفض الصوت.
ويوضح دوارتي أن إدخال تعديلات وتحديثات على عُشر القوارب الأكثر ضوضاءً، مع تزويدها بمراوح أفضل، سيعود بفوائد واسعة النطاق. ومع ذلك، فإن النظم البيئية البحرية والتلوث الضوضائي قضية عابرة للحدود الدولية، مما يعني أن الحلول تتطلب اتفاقيات دولية ملزمة لاستعادة اقتصاد المحيطات المستدام.
تجدر الإشارة إلى أن البروفسور كارلوس دوارتي هو أستاذ متميز في علوم البحار. واعتباراً من أغسطس (آب) 2021 تم تصنيفه كأحد علماء الأحياء البحرية الرائدين على مستوى العالم استناداً لحجم اقتباسات المجلات العلمية من أبحاثه، وفقاً لتصنيف «سكوبس Scopus»، وهي قاعدة بيانات تحتوي على ملخصات ومراجع من مقالات منشورة في مجلات أكاديمية محكمة تصدرها دار Elsevier، الناشر المرموق للمجلات الأكاديمية.
كما تم تعيين دوارتي أيضاً في الأكاديمية الملكية الإسبانية للعلوم التي تأسست في عام 1847 لتعزيز التعاون بين العلماء، كمراسل أجنبي. وبصفته باحثا بحريا، اشتهر دوارتي بقدرته على العمل في أي مناخ، من البحار الاستوائية إلى المياه القطبية. كما يعمل عضوا في لجنة رفيعة المستوى لاقتصاد المحيط المستدام؛ وهي هيئة من 14 دولة مكلفة من الأمم المتحدة لوضع جدول أعمال للأنشطة المستدامة للمحيطات.



الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات
TT

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

التساؤل عن المستقبل وعما سيحدث لاحقاً، جزء متمم لحياة الإنسان. وفي كل مجتمع بشري، يوجد أفرادٌ يهتمون بدراسة أنماط العالم للتنبؤ بالمستقبل. ففي العصور القديمة، كان الملوك يوظفون المنجمين. أما اليوم، فإن أولئك الأفراد يُطورون النماذج الكمية التي تُحفز الحكومات على ضخ رؤوس الأموال، ويُحددون الشركات الرابحة في «وول ستريت»، ويُقدرون لشركات التأمين احتمالية وقوع الزلازل، ويُخبرون تجار السلع في صناديق التحوط، عن حالة الطقس للشهر المقبل.

مسابقات نخب المتنبئين

وعلى مدى سنوات، يتنافس بعض من نخب المتنبئين في مسابقات يُجيبون فيها على أسئلة حول أحداث ستقع - أو لن تقع - في الأشهر أو السنوات المقبلة. وتشمل الأسئلة مواضيع متنوعة لأنها تهدف إلى قياس القدرة العامة على التنبؤ، وليس التخصص الدقيق. فقد يُطلب من اللاعبين التنبؤ بما إذا كان سيحدث انقلاب في بلد غير مستقر، أو توقع معدل إزالة الغابات في منطقة ما من الأمازون. ويستطيع المتنبئ الذي يُقدم أدق التوقعات، في أقرب وقت ممكن، ربح جائزة نقدية. وربما الأهم من ذلك، الحصول على تقدير من أبرز المتنبئين في العالم.

وقد ازدادت شعبية هذه المسابقات بشكل ملحوظ خلال الطفرة الأخيرة لأسواق التنبؤات مثل بولي ماركت Polymarket وكالشي Kalshi، حيث يتداول مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم مليارات الدولارات شهرياً للإجابة على أسئلة تنبؤية مماثلة. والآن، تشارك برامج الذكاء الاصطناعي فيها أيضاً. وفي البداية، لم تحقق هذه البرامج نتائج جيدة: ففي نهاية عام 2024، لم يتمكن أي برنامج ذكاء اصطناعي من احتلال المركز المائة في أي من المسابقات الكبرى. لكنها منذ ذلك الحين قفزت إلى قمة قوائم المتصدرين.

وإن كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت بالفعل قدرتها قبل سنوات على تقديم تنبؤات فائقة الدقة في سياق لعبة بشرية، لكنها قد تتفوق علينا قريباً في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي

تستضيف منصة التنبؤات «ميتاكولوس» Metaculus ثلاث مرات في السنة، بطولةً تُعرف بطرح أسئلتها الصعبة للغاية. ويقول بن شيندل، عالم المواد الذي حاز على المركز الثالث بين المشاركين في مسابقة حديثة، إنها تجذب عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، وخلال بطولة «كأس الصيف»، شاركت شركة «مانتيك» الناشئة، ومقرها لندن، بمحرك تنبؤات «مانتيك» Mantic يعمل بالذكاء الاصطناعي. وكغيره من المشاركين، كان على البرنامج الإجابة على 60 سؤالاً بتحديد احتمالات نتائج معينة.

كان على البرنامج تخمين أحداث مثل: تغير خطوط المواجهة في أوكرانيا، واختيار الفائز بسباق فرنسا للدراجات، وتقدير إيرادات فيلم «سوبرمان» العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، وتحديد ما إذا كانت الصين ستحظر تصدير عنصر أرضي نادر، والتنبؤ بما إذا كان إعصار كبير سيضرب ساحل المحيط الأطلسي قبل شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد بضعة أشهر، تم تقييم توقعات محرك التنبؤ الخاص بشركة مانتيك، بالإضافة إلى توقعات المشاركين الآخرين في المسابقة، مقارنةً بالنتائج الواقعية وتوقعات كل منهما على حدة. حقق الذكاء الاصطناعي المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو رقم قياسي جديد للبرامج الآلية. ووصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة مانتيك، هذا الإنجاز بأنه «اختراق غير متوقع».

وقام شيفلين وفريقه بطرح نسخة جديدة من برنامجه الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي»، الذي حقق أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ باحتلال المركز الرابع، وهو رقم قياسي آخر، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. لقد أثبت أنه أكثر حكمة من حكمة جمهور يتمتع بقدر كبير من الحكمة.

تصميم «متعدد النماذج»

يئيجمع محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» مجموعةً من نماذج اللغة الكبيرة ذات التعلم الموجه ويُسند لكلٍ منها مهام مختلفة. وقد يوظف أحدها كخبيرٍ في قاعدة بيانات نتائج الانتخابات، بينما قد يُطلب من نموذجٍ آخر تحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك بحسب السؤال المطروح. وتعمل النماذج معاً كفريقٍ واحدٍ للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات

في العام الماضي أنشأ فريقٌ بإشراف هايفنغ شو، الأستاذ بجامعة شيكاغو، خدمةً مرجعيةً لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستمر. تطرح الخدمة، بشكلٍ شبه يومي، أسئلةً جديدةً على النماذج الرئيسية لروبوتات الدردشة المعروفة، وهي أسئلة يستقيها برنامج «كالشي» من أسواق المراهنات.

وتُحدَّث درجات دقة هذه النماذج باستمرار مع إجابة الأسئلة. يقول شو: «لكل نموذجٍ منها أسلوبه الخاص في التنبؤ»، فنسخة «تشات جي بي تي» ChatGPT التي تُقيّمها الخدمة متحفظة، وربما متحفظةٌ أكثر من اللازم؛ فهي تتخلف حالياً في قائمة شو لأفضل النماذج عن نسخ «غروك» Grok و«جيميناي» Gemini.وتجري شركة «لايتنينغ رود» أبرز تجارب على نماذج تنبؤية مصممة خصيصاً لمجالات محددة. وقد صممت نموذجاً للتنبؤ بسلوك الرئيس ترمب المتقلب. وقال بن تورتل، الرئيس التنفيذي للشركة، إن فريقه قدم للنموذج مجموعة تضم أكثر من 2000 سؤال تنبؤي بنتائج معروفة لم تكن مدرجة في بيانات التدريب. ثم قارن النموذج إجاباته بأفعال ترمب الفعلية، وتعلم من أخطائه. وعندما خضع النموذج المصغر للشركة لاختبارات تنبؤية لسلوك ترمب بناءً على مجموعة جديدة من الأسئلة - مثل ما إذا كان سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ شخصياً، أو سيحضر مباراة كرة القدم بين الجيش والبحرية - تفوق أداؤه على أحدث نماذج OpenAI شركة «أوبن إيه آي».

تنبؤات العام الجديد

قد يكون هذا العام حاسماً في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، شاركت «مانتيك» بأحدث محركاتها المُطوّرة في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026. وقد طُلب من المحرك بالفعل تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها المرشحون، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً قريباً على إيران. وبحلول مايو (أيار) المقبل، ستُحسم هذه الأسئلة، وسنرى كيف كان أداء المحرك. إذا تقدم مركزاً واحداً عن آخر مركز حققه، فسيكون أول ذكاء اصطناعي يحرز ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وحتى الآن، أبدى خبراء التنبؤ البشريون المتميزون تقبلاً جيداً لهذا الاحتمال. يسجل شينديل، خبير التنبؤ ذي التصنيف العالي كلمات إعجاب بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «قدراتها على الاستدلال ممتازة، وليس لديها نفس التحيزات التي لدى البشر، ويمكنها معرفة الأخبار فور حدوثها، ولا تتعلق دوماً بتوقعاتها». وعلى منصة ميتاكولوس، بدأ فريق من خبراء التنبؤ بتقدير متى سيتمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق على فريق بشري متميز في التنبؤ. وكانوا قالوا في يناير الماضي، إن هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة لحدوث ذلك بحلول عام 2030، أما الآن فيعتقدون أن النسبة أقرب إلى 95 في المائة.

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي
TT

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

الأعصاب حليف غير متوقع للسرطان

وقد تبيّن أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة منها والسيطرة عليها لتتحول هذه الأعصاب إلى ما يشبه «خطاً ساخناً» ينقل إشارات مباشرة إلى الدماغ تكبح نشاط الخلايا المناعية في موقع الورم ما يسمح له بالنمو والانتشار بلا مقاومة.

وأظهرت النتائج أن هذه الأعصاب بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية ترسل إشارات إلى الدماغ الذي يرد بإطلاق رسائل كيميائية تثبط عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة السرطان مانحاً الورم فرصة للتكاثر دون عوائق.

وقد أُجريت الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 4 فبراير (شباط) 2026 على فئران مصابة بسرطان الرئة. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة غير المشاركة بالدراسة، أن الورم يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه.

وعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية كانت النتيجة لافتة، إذ انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات بحسب تشنغ تشن جين عالمة مناعة السرطان الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة شديدة التعقيد.

وتعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداًعن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً بالغ الصعوبة. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض.

اكتشاف يقود إلى التقدم

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، لذا جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا الباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضا في الدراسة لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم vagus nerve وهو مسار عصبي رئيس يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه. واكتشف الباحثون أن الأورام عند استغلال هذا المسار تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين noradrenaline ما يثبط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان والمعروفة باسم البلعميات macrophages.

وفي البداية توقع الباحثون أن الأعصاب تقوم بتنبيه الدماغ لوجود الورم ما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ إننا كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية غير المشارك بالدراسة أن المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة التهابات وأنسجة ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم.

وتعزز هذه الدراسة أدلة متزايدة تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

وبدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
TT

حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة. كان الصوت دليلاً، لكنه ظلّ دليلاً صامتاً؛ إحساساً يتشكل في ذهن الطبيب ولا يُكتب في السجل.

رقمنة «نقرة» طبيب الأسنان

لكن ماذا لو تحوّل هذا الصوت إلى رقم؟ وماذا لو أصبحت «النقرة» بصمة رقمية تُقاس، وتُحفظ، وتُقارن عبر الزمن؟

في مطلع عام 2026، نُشرت دراسة في مجلة «JADA Foundational Science» — مجلة الجمعية الأميركية لطب الأسنان العلمية، حملت عنواناً دالاً: رؤية ما لا يُرى في تشخيص صحة اللُّب وأمراضه. وقاد الدراسة الباحث جيه شِن Jie Shen بمشاركة أسماء بارزة في علوم علاج الجذور والميكانيكا الحيوية، من بينهم كليفورد رَدِل Clifford J. Ruddle وتشيريلين شيتس Cherilyn G. Sheets.

نقرة ذكية تكشف ما لا يُرى

لكن أهمية الدراسة لم تكمن في جهاز جديد، بل في سؤال قديم أعيد طرحه بصيغة علمية دقيقة: هل يمكن لصوت السن أن يتحول إلى معلومة قابلة للقياس؟

• من الطرق اليدوي إلى التحول المعرفي. الطرق اليدوي تقليد سريري راسخ. فالطبيب يطرق، والأذن تميّز بين صوت رنّان يوحي بالثبات، وصوت مكتوم قد يشير إلى التهاب أو خلل. غير أن هذه الطريقة — على بساطتها — بقيت رهينة الحدس. وهي تختلف من طبيب إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى، دون معيار رقمي يمكن الرجوع إليه.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ إن تقنية التشخيص بالطرق الكمي (QPD) لا تضيف جهازاً فحسب، بل تغيّر فلسفة التشخيص نفسها. فبدل أن يكون الصوت انطباعاً عابراً، يصبح إشارة رقمية دقيقة... إنه نقرة ميكانيكية قصيرة جداً، تلتقطها مستشعرات عالية الدقة، ثم تُحلّلها خوارزميات لتحويل الاستجابة الميكانيكية إلى بصمة رقمية تُعرض أمام الطبيب خلال ثوانٍ. ليست المسألة إذن في «سماع» الصوت، بل في قراءة ما يخفيه.

• ما الذي تكشفه الأرقام قبل الألم؟ أظهرت الدراسة أن النظام قادر على رصد تغيرات ميكروسكوبية في الأربطة حول السن (PDL) قبل أن تظهر على الأشعة التقليدية أو تتحول إلى ألم سريري. وهذه القدرة ليست رقماً إضافياً في جدول إحصائي، بل تحوّل في منطق المتابعة.

وكانت دراسة متعددة المراكز نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «Journal of Prosthetic Dentistry»، وشملت 224 مريضاً و243 سناً وغرسة، أظهرت أن نظام QPD حقق دقة بلغت 87.5 في المائة في كشف العيوب الميكروسكوبية المرتبطة بالفجوات الدقيقة، ضمن فترة ثقة 95 في المائة بين 84.2 في المائة و90.3 في المائة.

وهذه ليست إضافة جهاز إلى رفّ الأدوات، بل إعادة تعريف لمفهوم الثبات نفسه. وهذه النسبة لا تُقرأ كإحصاء مجرد، بل كإشارة مبكرة لمسار خلل قد ينتهي بفشل ترميم أو تعقيد علاجي أكبر إن تُرك دون رصد.

حين تنطق الأسنان بلغة البيانات

من الحدس إلى الطب التنبؤي

هنا تكمن النقلة النوعية. فالطرق الكمي ليس أداة فحص إضافية، بل لغة جديدة لقياس الثبات البيولوجي... إنه انتقال من الحدس إلى الرقم، ومن الملاحظة إلى التنبؤ.

حين تُخزّن القراءات في السجل الطبي الإلكتروني، وتُقارن عبر الزمن كما نقارن ضغط الدم أو مستويات السكر، يصبح لكل سن «مسار استقرار» يمكن تتبعه. لم يعد السؤال: هل يبدو ثابتاً؟

بل: هل انحرف عن مساره الطبيعي؟

بهذا المعنى، نحن لا نضيف جهازاً إلى العيادة، بل نؤسس لطبٍّ استباقيٍّ في مجال كان يعتمد طويلاً على انتظار الألم.

• ماذا يربح الطبيب وماذا يربح المريض؟ يربح الطبيب وضوحاً. يربح معياراً رقمياً يمكن الرجوع إليه بدل الاعتماد الكامل على الإحساس السمعي. كما يربح أداة إنذار مبكر قبل أن يتضخم الخلل. بينما يربح المريض فحصاً سريعاً، غير مؤلم، لا يعتمد على الإشعاع، ويمنحه طمأنينة مستندة إلى قياس لا تخمين.

لكن الأهم من ذلك كله هو استعادة المعنى الحقيقي للتشخيص: الوقاية قبل التدخل.

• نحو عيادة تُصغي إلى المستقبل. لا تظهر قيمة هذه التقنية حين تُستخدم كجهاز مستقل، بل حين تُدمج ضمن منظومة رقمية أوسع: سجل طبي يحتفظ بالبصمة، وخوارزمية تتعلم من الأنماط المتراكمة، وتنبيه مبكر يُطلق عند أول انحراف غير طبيعي.

عندها تتحول «النقرة» من لحظة فحص عابرة إلى وثيقة سريرية، ومن صوت مسموع إلى معرفة تراكمية. فالابتكار الحقيقي لا يقوم على استبدال جهاز بطبيب، بل على تحالف ذكي بين الإنسان والتقنية. فالخوارزمية تمنح قياساً أدق، والطبيب يمنح الحكم السريري والمعنى الإنساني.

وفي النهاية، ليست الثورة في أن تنطق الأسنان، بل في أن نفهم همسها قبل أن يتحول إلى ألم. والوقاية الحقيقية لا تبدأ عند الشكوى، بل عند أول انحراف ميكروسكوبي في الصمت.