ناشرون مغاربة لـ«الشرق الأوسط»: هناك إقبال على الكتب المترجمة... ونحتاج إلى دعم

ترجمة كتب إلى العربية من لغات أخرى «عبر وسيط» يمكن أن تؤثر على القيمة النهائية للعمل المترجم

سليم كردي وطارق سيليكي ويوسف كرماح
سليم كردي وطارق سيليكي ويوسف كرماح
TT

ناشرون مغاربة لـ«الشرق الأوسط»: هناك إقبال على الكتب المترجمة... ونحتاج إلى دعم

سليم كردي وطارق سيليكي ويوسف كرماح
سليم كردي وطارق سيليكي ويوسف كرماح

ما فتئت الترجمة تثير الأسئلة والقلق. لا يتعلق الأمر، هنا، بنقاش طارئ أو قضية مستجدة، سواء لدى الخوض في العلاقات بين البشر أو عند رصد تلاقح الثقافات الإنسانية.
على المستوى العربي، يكفي أن نستحضر «بيت الحكمة» والدور الذي لعبته هذه «المؤسسة» على مستوى نقل المعارف الأجنبية إلى اللغة العربية، وصولاً إلى الدور المؤثر الذي لعبته الترجمة في التحولات التي عرفتها المنطقة العربية في العصر الحديث.
على المستوى الأدبي، ينظر إلى الترجمة، أحياناً، بعين «الريبة والحذر»، على اعتبار أنها، حتى في أرقى مستوياتها، كما يرى الكاتب المغربي عبد الفتاح كيليطو «لا يمكن أن تفي بالنص الأصلي وأن تؤديه تماماً»؛ إذ تأتي «في مرتبة ثانية، في وضع ثانوي، تستمد كيانها من غيرها، بينما يستمد النص كيانه من ذاته». بالنسبة لبول ريكور، فـ«الترجمة لا تطرح فقط عملاً فكرياً، نظرياً أو تطبيقياً، ولكنها تطرح مشكلة أخلاقية تتمثل في تقريب القارئ من الكاتب وتقريب الكاتب من القارئ».
لكن ماذا عن حركة الترجمة، اليوم، في البلدان العربية؟ هل هناك إقبال على الكتب المترجمة أكثر من الموضوعة؟ ما هي الدوافع وراء ذلك؟
هنا، وجهات نظر ثلاث من مسؤولي دور النشر في المغرب، تتضمن تقييمهم ووجهة نظرهم بخصوص واقع الترجمة الأدبية في العالم العربي، بشكل عام، والمغرب، بشكل خاص، مع توقفهم عند ما تتطلبه العملية من جهد، وما تحتاج إليه من دعم.

- كردي: انتظارات القراء وتمكن المترجم
يرى بسام كردي، مسؤول «المركز الثقافي للكتاب» بالدار البيضاء، أن أغلب منشورات المركز هي عربية في أصلها، وأن ما يترجم من الكتابات التي تقوم الدار بإصدارها قليل، بحيث لا تتجاوز نسبته 5 في المائة.
وأوضح كردي، أن ما يصدره المركز من منشورات مترجمة، تحكمه عوامل مرتبطة بالسياق المغربي على مستوى القراءة والتلقي. فعلى مستوى الأعمال الروائية المترجمة، مثلاً، تحدث كردي عن أعمال من الأدب الروسي، الذي تتم ترجمتها من اللغة الروسية مباشرة، وليس عبر لغات أخرى وسيطة، سبق أن تُرجمت إليها.
وشدد كردي على حرص المركز على إصدار كتب مترجمة في الأنثروبولوجيا، مثلاً، بالنظر إلى حاجة سوق القراءة إلى هذه النوعية من الكتابات، مع إشارته إلى أن بعض الناشرين العرب يترجمون الروايات الأجنبية، وهي ترجمات قال، إنها تلقى إقبالاً ضعيفاً في المغرب، مقارنة بما هو عليه الحال في المشرق، وخصوصاً منطقة الخليج.
وبسط كردي تفسيرات لهذا الأمر، بقوله، إن القارئ، عموماً، والمثقف، بشكل خاص، في المغرب تحكمه خلفية ازدواجية اللغة، وبالتالي تجده يفضل قراءة الروايات الفرنسية في لغتها الأصلية، من دون الحاجة إلى قراءتها مترجمة إلى العربية. وعلى العكس من ذلك، فالتمكن من الفرنسية في المشرق يبقى ضعيفاً مقارنة بالمغرب، ومن هنا الحاجة إلى ترجمة مثل هذه الأعمال من لغتها الفرنسية إلى العربية.
وزاد كردي قائلاً، إنهم يفضلون في المركز نشر أعمال موضوعة بالعربية، وحين يستدعي الأمر ترجمة كتابات من لغات أخرى، يتم التوجه، بشكل كبير، إلى مترجمين موثوقين، أكدوا علو كعبهم في الميدان، بحكم تمرسهم مع البحث والكتابة، على غرار فريد الزاهي وسعيد بنكراد وإدريس الملياني.
- سليكي: دعم الترجمة
يرى طارق سليكي، مسؤول دار النشر «سليكي أخوين»، بطنجة، أن الترجمة في العالم العربي تبقى ضعيفة مقارنة بالدول الغربية، ممثلاً لوجهة نظره بمستوى إنتاج الكتب في العالم العربي مجتمعاً، والذي قد لا يعادل ما تنتجه فرنسا وحدها في مختلف أصناف الكتابة.
وهو يعتقد أن الترجمة غير نشطة في العالم العربي، من دون أن ينفي وجود إقبال عليها من طرف عدد من دور النشر العربية، مبرراً وجهة نظره بحديثه عن منح للترجمة تقدمها بلدان معينة في إطار تشجيع منتوجها الثقافي والتعريف به وتقديمه على مستوى ثقافات أخرى.
وأشار سليمي إلى فرنسا التي تدعم ترجمة الكتاب الفرنسي من الفرنسية إلى لغات أخرى، وكذلك الحال مع ألمانيا وبريطانيا؛ ما يعني أن الأمر مرتبط، من وجهة نظره، بإرادة دولة. أما بالنسبة إلى الوطن العربي، يضيف سليكي، فهناك دائماً ترجمة من لغات أخرى إلى العربية، في حين الترجمة من العربية إلى لغات أخرى ضعيفة جداً، إن لم نقل إن أرقامها لا تتجاوز مسألة المجاملات بين الأصدقاء الذين يترجمون لبعضهم بعضاً. لكن سليكي يتساءل، هل هناك مشروع تتبناه دولة عربية ما لدعم ترجمة الإنتاج العربي إلى لغات أخرى؟
يشدد سليكي على أن تكلفة الترجمة تكون، أحياناً، أكبر بكثير مما يمكن أن يربحه ناشر أو كاتب من العمل الذي أنتج في لغته الأم، بحيث إن عملاً من 300 إلى 350 صفحة ربما يُمكّن المترجم من الحصول على 4 آلاف دولار، وبالتالي فالعملية لا يمكن للناشر أن يتحملها إلا في إطار مؤسساتي، عبر دعم توفره جهة ما.
وتطرق سليكي إلى ما وصفه بـ«عقدة الآخر»، التي تستدعي تغييراً في العقليات، مشيراً إلى أن ما ينتجه الآخر، وراء البحر، ينظر إليه البعض على أساس أنه أفضل مما ينتج في العالم العربي؛ ما يعني أن هناك أفكاراً قبلية بخصوص العمل الأدبي والفكري، في حين يستدعي الأمر الاطلاع على العمل قبل الحكم المسبق عليه.
وبعد أن أشار إلى وجود أسماء متمكنة ولها باع طويل في الترجمة مع نوع من الجدية في العمل، تطرق سليكي إلى مسألة لها دورها على مستوى القيمة النهائية للعمل المترجم، والمتمثلة في أن بعض الكتابات لا تترجم أحياناً من اللغة الأولى للكتابة إلى العربية إلا عبر وسيط، أي أنه تتم ترجمة كتاب إلى العربية من الفرنسية التي سبق أن ترجم إليها من الألمانية أو الروسية أو الإنجليزية أو غيرها. وبالتالي، فبما أن الترجمة تقدم عادة كخيانة لنص أصلي، فإنه يبقى لنا أن نقيس حجم الخيانات التي يتعرض لها النص قبل نزوله ضيفاً على لغتنا العربية.
وبخصوص حقوق الترجمة، أشار سليكي إلى أن مسألة الدعم هي التي تسهل العملية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الترجمة مسألة لغوية ودفاع عن ثقافة ما، بنشرها والتعريف بها لدى الآخر، مع إشارته إلى أن تقديم الدعم لنشر لغة وثقافة له، في أغلب الأحيان، أهداف أكبر. وشدد، في هذا الصدد، على أن القيمة التي من المفترض أن تعطى للثقافة واللغة في الوطن العربي لا يتم استشرافها والانتباه إليها بعد، بالشكل المطلوب.
وختم سليكي بالحديث عن تجربتهم الخاصة مع ترجمة أعمال بلغات أخرى إلى العربية، مشدداً على أن الأمر مكلف على مستوى النشر، بالنظر إلى متطلبات تمويل هذه العملية، التي تبقى أمراً صعباً، بالنظر إلى الكلفة التي تتطلبها عملية الجمع بين متطلبات حقوق المؤلف، وحقوق المترجم والطباعة؛ مع إشارته، في سياق حديثه عن الدعم الذي يمكن أن يخصص لهذه العملية، إلى إصدار عناوين لكتاب إسبان ترجمت إلى العربية بدعم من وزارة الثقافة الإسبانية، من منطلق دعمها عملية نقل الكتاب الإسباني إلى لغات أخرى. كما أشار إلى دعم مؤسسات أخرى لنشر كتب مترجمة من الفرنسية إلى العربية.
- كرماح: قيمة مضافة وعائد مادي
وذكر يوسف كرماح، صاحب دار النشر «أكورا»، بطنجة، أن هناك إقبالاً على الترجمة، مشيراً إلى أن الكتب المترجمة تبقى الأكثر مبيعاً. وهنا، يطرح كرماح سؤالاً، «لماذا؟»، ليجيب «لأن القارئ العربي يريد أن يكتشف الآخر. هو يعرف الوضع العربي بمختلف تجلياته؛ لذلك يقبل على الأعمال المترجمة من لغات وثقافات أخرى».
ويشرح كرماح وجهة نظره قائلاً «عندما نجد إقبالاً على كتابات الروائي الياباني هاروكي موراكامي أو الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، مثلاً، فذلك لا يعني، بالضرورة، أن كتاباتهما خارقة للعادة، بل لأن القارئ العربي يجد متعة لقراءة ثقافة أخرى، يكتشفها من خلال هذا العمل أو ذلك».
وزاد كرماح، موضحاً وجهة نظره «إننا حين نقرأ لموراكامي أو لمواطنه يوكيو ميشيما، مثلاً، فإننا نكتشف اليابان بثقافتها وعاداتها وطريقة تفكير أهلها. والشيء نفسه ينطبق على كتاب أميركا اللاتينية أو حتى الكتاب الأميركيين، على غرار تشارلز بوكوفسكي وجون فانتي. وهذا الإقبال لا يعني، كما قلت سابقاً، أن الأمر يتعلق بكتابات خارقة، بل لأن هذه الأعمال، من اليابان إلى أميركا الشمالية واللاتينية، وغيرها، تحيلنا على الثقافة والعادات والتقاليد والتاريخ الخاص بمناطق أخرى في العالم».
وجواباً عن سؤال إذا ما كان الإقبال على الترجمة يعني أن العائد المادي من وراء الكتب المترجمة يكون أكبر مقارنة بالمنشورات الأخرى، قال كرماح «فعلاً، عائدات الكتب المترجمة أعلى؛ لأنها تباع أكثر؛ ليس في المغرب فقط، بل في عموم العالم العربي. الترجمة تحظى بإقبال كبير جداً. وهي لها دوران: دور مادي من جهة أنها تكتفي بذاتها وتحقق أرباحاً، فضلاً عن الجانب الأدبي والإبداعي، من جهة ما توفره من متعة الاكتشاف والتعرف على الثقافات والأعراف وتوسيع المدارك بالنسبة للقارئ العربي».


مقالات ذات صلة

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)

«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

انطلقت، الجمعة، فعاليات «مهرجان الكُتّاب والقُرّاء» في نسخته الثالثة، وذلك في متنزه الردف بمحافظة الطائف (غرب السعودية)، تحت شعار «حضورك مكسب».

«الشرق الأوسط» (الطائف)
كتب هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا.

لطفية الدليمي

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟
TT

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا. هذه الميتة الناجزة تملك مسوّغاتها الكاملة، وليست محض تمنّيات منشودة أو رغبات متفلّتة. ربّما الكياسةُ وحدها هي التي دفعتني لأن أجعل العنوان بصيغة تساؤل يحتملُ التشكيك. أنا من جانبي لا أميلُ للتشكيك، بل لتعضيد فكرة موت الناقد الأدبي.

ربّما في دوائر صناعة الأدب الغربية بات واضحاً أنّ الناقد الأدبي مات، وإن لم يُصرّحْ بهذه الحقيقة، مثلما جرى التصريح بموت المؤلّف. المعضلة تكمنُ فينا؛ فالنقد الأدبي، كما يُمارَسُ في شكله التقليدي، ما زال يقاتِلُ من أجل الاحتفاظ بهالته السلطوية، كأنّما الزمن لم يتزحزحْ عن ستينات وسبعينات القرن الماضي، وكأنّما القرّاء لم يصبحوا شركاء كاملين في إنتاج المعنى، وكأنّما النصوص لم تتفلّتْ منذ زمن بعيد من يد الكاهن الذي يحتكرُ قراءتها وتفسيرها.

تقوم فكرةُ مداخلتي هذه على دحض القناعة الراسخة بأنّ الناقد الأدبي يمتلك سلطة مرجعية تُخوّلُهُ تحديد ما يُعدّ أدباً جيداً وما ليس كذلك. تلقّى القارئ العربيُّ، لعقود طويلة، خطاباً نقدياً يجعل من الناقد الأدبي حارساً للهيبة الأدبية، يستدعي معايير قديمة، ويُصدِرُ الأحكام، ويتصرّف كما لو أنّ ذائقته محمولةٌ على يقين معرفي لا يتزعزع. هذا الخطاب، إذا ما تعهّدناه بما يكفي من المُدارسة والتنقيب المعرفي، سننتهي إلى وضع اليد على هشاشته المؤكّدة؛ إذ يقوم على افتراضٍ غير معلن جوهرُهُ أنّ الناقد يمتلك موقعاً معرفياً أرفع من موقع القارئ العادي. هذا الافتراض ربما كان له شيءٌ من مقبولية في أزمان سابقة؛ لكنّه لم يَعُد اليوم مقبولاً في زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعّت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّبَ طويلاً.

يمكنُ عدّ الناقد الأدبي قارئاً بصوتٍ أعلى من القارئ العادي، وهذا الصوت العالي جاء من تمكين وسائل النشر وسلطة الذيوع الأكاديمي أو الصحافي. سيكون أمراً مشروعاً أن نتساءل: ما الذي يميّز الناقد الأدبي ويمنحُهُ عُلْوية ثقافية فوق القارئ؟ هل يمتلك أدوات قراءة تتمنّعُ عن أيُّ قارئ شغوف لا يحيدُ عن موارد الرصانة الفكرية؟ هل يحتكر الناقد الأدبيُّ مسافة من الفهم لا تُنالُ إلّا عبر طقسٍ سري؟ الجواب ببساطة: لا. الناقد الأدبيّ، مهما امتلك من معرفة، ليس سوى قارئ يشكّلُ رأيه تبعاً لمرجعياته الثقافية، وتربيته الجمالية، وميوله الشخصية، ومواقفه الآيديولوجية. رأيُ الناقد الأدبيّ ليس «حقيقة مكتشفة» بل «موقف مُنتَج أو مصنوع»، وإذا كان كذلك فلماذا نمنحه سلطة غير مسوّغة ليكون رقيباً ومبشّراً ونذيراً؟

القراءةُ ليست حقلاً يمكن لأحد أن يحتكر فيه «الصواب»، وكلّ محاولة لإضفاء صفة المرجعية المطلقة على الناقد الأدبيّ ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج سلطة المثقف التقليدي، ذلك الذي كان يتكلّم باسم الآخرين، ويُفكّر نيابة عنهم، ويصادرُ الحقّ الطبيعي للقُرّاء في أن يفهموا النصوص برُؤاهم الخاصة.

*****

يموت الناقد الأدبي اليوم لأنّ شروط وجوده القديمة تفسّخت: تغيّرت الوسائط، وتغيّرت طرق تلقّي الأدب، وتحوّلت القراءة من نشاط نخبوي ضيّق إلى ممارسة يومية واسعة. منصّات التواصل الاجتماعي وحدها كفيلةٌ بخلخلة سلطة ناقد أدبي كان يُحسَبُ كلامُهُ كأنّه «القول الفصل». اليوم، منشورٌ على منصّة تواصل اجتماعي قد يوجّهُ دفّة الاهتمام الأدبي أكثر مما يفعله مقالٌ نقدي مطوّل في مجلة ثقافية. هذه حقيقة لا يصحّ، ولن نستطيع، أن نتغافلها.

يموت الناقد الأدبي أيضاً لأنّ النصوص ذاتها تغيّرت: لم تعُدْ تُنتَجُ لتُقرأ بعينٍ واحدة بل بعيون كلّ قارئ. الأدب المعاصر -وبخاصّة في عصر السرد المتشظّي إلى ألوان أدائية عصية على التوصيف الدقيق- لم يَعُدْ يحتمل قارئاً واحداً يقرّر معناه تحت سلطة النقد الأدبي؛ بل يفرض تعدّدَ القراءات، وتفكّكَ سلطة المؤلّف، و«ديمقراطية التأويل». لك -إنْ شئت- أن تنفر من هذا الوضع وأن لا تطيقه؛ لكن لن يفيدك نفورُك في تغيير مسار العجلة.

من المثير تاريخياً أن نشير إلى حقيقة مغيّبة: حين أعلن رولان بارت موت المؤلف، كان يُشير إلى تفكّك سلطة المؤلّف المركزية داخل النص: سلطة المعنى. الجيل النقدي القديم قاوم هذه الفكرة بشراسة، لا لأنّه كان متيّماً بعشق المؤلّف؛ بل لأنّه أدرك -وإنْ من غير تصريح- أنّ موت المؤلف يعني أيضاً تخلخل أساس سلطته؛ فالناقد الأدبي الذي كان يستند في قراءته إلى سلطة المؤلف واعتباره خالقاً مركزياً للنص، وجد نفسه (أعني الناقد الأدبي) ليس أكثر من قارئ آخر، لا يحقّ له ادعاءُ امتلاك الحقيقة، بل تقديم قراءة من بين أعداد هائلة من القراءات الممكنة. هنا صار الناقد الأدبي أسير مساءلة مُرْهِقَة: كيف يمكن للناقد الأدبي أن يمضي في تعزيز سلطته وهو يفقد الموقع الاعتباري الذي يُشرعنُ وجودَهُ؟ وإذا كان المؤلف -بهيبته ورمزيته- قد مات؛ فكيف يظلُّ حيّاً مَن كان يتحدّث باسمه أو يتربّع على عرش تأويله أو يدور في مدارات صنائعه الإبداعيّة؟

موتُ الناقد الأدبيّ ليس ظاهرة منفردة مستقلّة؛ بل هو الوجه الآخر المتعشّقُ عضوياً مع موت المؤلّف، وكلاهما جزء من حركة ثقافية واسعة تُعيدُ تعريف السلطة داخل النص الأدبي. النصّ لم يَعُدْ «موقعاً يُدارُ من الأعلى»، بل «فضاءٌ مفتوحٌ يشارك في تشكيله القرّاء».

هل يعني موت الناقد الأدبي انتصار الرثاثة؟ سيدافع كثيرٌ من النُقّاد عن حصونهم، وهذا أمر متوقّع. سيدبّجون المقالات، ويُحاضرون، ويُسفّهون فكرة موتهم، وسيعتبرونها جزءاً من «انحطاط الذائقة العامّة». أعرف هذا تماماً. سيتحدّثون عن الفوضى، والانهيار، وسقوط المعايير؛ لكنّما العجلة دارت، وما مِنْ سبيلٍ لإيقافها. يبدو أمراً محتّماً أنّ الناقد الأدبيّ التقليدي يشرع في مقاربته الدفاعية من مواضعة، يراها راسخة، مفادُها أنّه كان دوماً المدافع الشرس عن الجودة الأدبية. التاريخ الأدبيّ مليء بالنقّاد الذين احتفوا بأعمال متواضعة وحاربوا نصوصاً عظيمة. هل آتي بأمثلة: الرفض النقدي الطويل لكافكا، واستقبال بودلير العاصف، والهجوم العنيف على نيتشه، والسخرية من شعراء الحداثة العرب في بداياتهم. ثمّ دارت الأيام دورتها وأعيد تقييمُ كلّ شيء.

لم يكن الناقد حارساً للجودة الأدبيّة، بقدر ما كان حارساً لذائقته الخاصة ولذيوع سطوته في الحلقات الثقافية. موت الناقد الأدبي لا يعني موت الذائقة، بل تحريرها. لا يعني سقوط معايير الجودة، بل تعدّدها. لا يعني شيوع الرثاثة، بل إزاحة الحاجز الذي كان يشكّلُ حائط صدّ أمام القرّاء يردعهم عن إثبات جدارتهم.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى كتاب «The Death of the Critic» للكاتب البريطاني رونان ماكدونالد (Ronan McDonald)، وهو عمل حديث نسبيّاً، نُشِر عام 2007، وتُرجِمَ إلى العربية عام 2014. هذا الكتاب أعاد بقوة طرح السؤال حول جدوى النقد الأدبي التقليدي.

يرى ماكدونالد أنّ سلطة الناقد تتآكل في ظلّ تعدّد الأصوات الثقافية وتحوّل القرّاء إلى مستهلكين/ منتجين للمعنى، وهو ما ينسجم تماماً مع واقعنا العربي والعالمي اليوم.

فضلاً عن ذلك يقدّمُ ماكدونالد في كتابه هذا قراءة عميقة لتحوّلات المؤسسة النقدية الأدبية في العصر الحديث، موضحاً كيف تراجعت سلطة الناقد التقليدي لصالح أصوات القرّاء، ووسائط الإعلام الجديدة، والمنصّات الرقمية التي منحت الجميع حقّ التعبير عن رأيهم في النصوص الأدبية. يرى ماكدونالد أنّ النقد لم يَمُتْ بوصفه ممارسة فكرية؛ بل ماتت سلطته القديمة التي كانت تجعل منه مرجعية أولى للحُكْم على القيمة الأدبية. الكتاب يكشف تعاظم «ديمقراطية القراءة»، ويرصد صعود أشكال جديدة من التلقّي تُقصي الناقد الأدبي الكلاسيكي من موقعه الكهنوتي.

*****

المُشْتَغِل الثقافي (Cultural Worker) هو العنوان الأكثر مقبولية وملاءمة لعصرنا من عنوان الناقد الأدبي، ويبدو أكثر تلاؤماً مع تاريخ التطوّر الطبيعي والثقافي. المشتغل الثقافي يتحرّكُ في فضاء أوسع من حدود النص ومرجعياته الجمالية الكلاسيكية، ويمتدُّ في وسائله التشريحية إلى قراءة سياق إنتاج العمل الثقافي، لا الأدبي فحسب، وأنماط تلقّيه، وصِلاتِهِ بالبنى الاجتماعية والسياسية والمعرفية. فضلاً عن ذلك في استطاعة «المشتغل الثقافي» تقديمُ قراءة مركّبة، بعيداً عن مرجعيات سلطوية مفترضة أو متوقّعة، تعيدُ إطلاق حيوية الأدب كتيّار في الثقافة البشرية هو أبعد ما يمكن عن نمط التمارين الأكاديمية المعزولة عن الحراك العالمي في كلّ ألوانه.

ما الذي يبقى بعد موت الناقد الأدبي؟ يبقى القارئ الشغوف، ويبقى النصّ الخلّاق، ويبقى الاشتغال الثقافي الحيوي، ويبقى الحوار المفتوح الذي لا يحتاج رمزيّة كهنوتية سلطوية مغلقة كي تُشَرْعِنَهُ.


لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟
TT

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

يكشف كتاب «20 خرافة عن التلوث البيئي» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة لثلاثة من علماء الاجتماع والباحثين الكنديين، كيف أن قضية التلوث البيئي هي في جوهرها معركة ثقافية تتعلق بتزييف الوعي العام وخداع الجماهير العريضة عبر «شعارات زائفة وأفكار مغلوطة» تبثها دوائر رأسمالية تستهدف تحقيق أرباح خرافية على حساب سلامة كوكب الأرض وموارده، دون أن تبدو هى في الصورة نهائياً.

ويقول أرنو توريا كلوتييه وفردريك لوغو وآلان سافار في الكتاب، الذي ترجمته أماني مصطفى، إن جميع من في العالم أصبحوا من أصحاب «التوجه الأخضر» بما في ذلك شركتا «كوكاكولا» و«توتال» على نحو يوحي أن البيئة هي «الفطرة السليمة الجديدة» وأننا يجب أن نسعد بهذا، لكن الحقيقة على عكس ذلك.

إن لديهم أسباباً وجيهة للقلق؛ فإذا كان الجميع ذوي توجه أخضر، فكيف نبرر الكارثة البيئية وتوابعها حيث تعاني الإنسانية بالفعل من عنف الاضطرابات المناخية، مثل موجات الحر والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات والأعاصير المدمرة؟ البيئة هي ساحة معركة ثقافية بالأساس، ففيها نجد حلفاء حقيقيين ولكننا نجد أيضاً أعداء شرسين، والمدهش أنه حتى المرتزقة، عديمو الرحمة، يتخفون وراء شعارات نبيلة يأتي في مقدمتها اللون الأخضر.

ويوضح العلماء الثلاثة أن البيئة ليست مسألة بسيطة تتعلق بقناعات أخلاقية أو سياسية، كما أنها وقبل كل شيء نتاج القيود الاقتصادية تلك المفروضة على معظمنا للعمل لمصلحة شركة كبيرة ملوثة للبيئة، أو استخدام سيارة للذهاب إلى العمل أو شراء أغذية غير عضوية لأنها أرخص، أو المعاناة من التلوث الناتج عن منجم أو ازدحام السيارات أو الإسراف في استخدام الطاقة لتدفئة المساكن السيئة العزل، بل أيضاً القيود المفروضة على معظم الشركات لخفض التكاليف عن طريق زيادة التلوث وتحقيق الأرباح، والتميز في المنافسة من خلال إغفال هذه القيود وكيفية تطبيقها بلا مساواة، ومن ثم قد ينتهي بنا الأمر إلى الاعتقاد بأننا جميعاً في القارب نفسه. هذا الوهم جميل بقدر ما هو خطير.

إن المصدر الرئيس للأزمة البيئية هو أننا نستهلك كثيراً، فإذا تمكنا من استهلاك ما هو ضروري فقط لتلبية احتياجاتنا واستهلكنا بطريقة أكثر ذكاء فسوف نتمكن من حل الأزمة البيئية. يجري هذا الكلام على لسان الجميع إلى درجة أنه يصعب علينا أحياناً التخلص من الشعور بالذنب إزاء إقدامنا على شراء ملابس جديدة، فهم يودون أن يضعوا كل ثقل خيارات الاستهلاك على عاتق المستهلكين وحدهم كأفراد يتمتعون بسلطة شرائية معينة وليس لكونهم مواطنات ومواطنين يتمتعون أيضاً بسلطة اجتماعية.

ويلفت العلماء إلى أنه في جوهر هذه الحجة تكمن فكرة تفترض أن المستهلك ستكون لديه السلطة والسيادة أو حتى السيطرة الكاملة على الاقتصاد، حيث يقال لنا إن الشراء اختيار، فالشركات بعد كل شيء تخدم فقط احتياجات المستهلكين، أليس كذلك؟

من وجهة نظر أخلاقية يمكن أن تمتد مسؤولية المستهلك قدر الإمكان إلى المعلومات والسلطة الشرائية التي يمتلكها، لكن من المغالطة والتضليل تحميلنا نحن المستهلكين العاديين مسؤولية انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بإنتاج القلم الذي نشتريه لأمر مضلل لأنه من المستحيل في أغلب الأحيان معرفة الانبعاثات الناتجة عن إنتاجه، فضلاً عن الظروف البيئية والاجتماعية التي أنتج فيها. وقبل كل شيء فإنه من المستحيل أيضاً ممارسة سيطرة حقيقية على هذا الإنتاج فتظل هذه المعلومات وهذه السلطة في الأساس ملكاً للشركة، إذ يكون الزبون بعيداً جداً عن أن يكون المالك.

والمؤكد أن الاستهلاك ليس بالضرورة عملاً من أعمال الحرية، ففي أميركا الشمالية أصبح شراء سيارة ضرورة في بيئة تهيمن عليها الطرق السريعة والضواحي دون وجود شبكة نقل عام كبيرة، ففي ثلاثينات القرن العشرين قلصت شركات «ستاندرد أويل» و«جنرال موتورز» و«فايرستون» للإطارات خيارات النقل بشدة بعد شراء شبكة النقل العام للترام الكهربائي وتفكيكها في 45 مدينة بالولايات المتحدة. وهو ما يثبت أن الخضوع لقرارات عدد قليل من الشركات الكبرى ليس بالأمر النادر بل إنه اتجاه قوي في السوق يفضل تركيز رؤوس الأموال ومركزيتها من خلال السباق المستمر لتحقيق الأرباح.

كما أن جزءاً لا بأس به من انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة باستهلاكنا غير مرغوب فيها بقدر ما هي مقيدة، خاصة بالنسبة للفئات الأشد فقراً، حيث يفرض تنظيم الساحات والنقل على أعضائه استخدام السيارة للوصول إلى أعمالهم خاصة إذا كانوا يعيشون خارج المراكز الرئيسة، كما أن الدخل المحدود يجبر هذه الأسرة الفقيرة أو تلك على اختيار طراز سيارة اقتصادي وهي ليست بالضرورة الأكثر صداقة للبيئة.

وخلافاً للفرد الثري الذي يسافر عدة مرات في السنة بالطائرة، فإن الانبعاثات الصادرة عن الأشخاص الأقل حظاً ليست من باب الرفاهية، لكنها في كثير من الأحيان ضرورة في الواقع، فمن يستطيع شراء سيارة كهربائية اليوم حيث تتطلب نفقات مرتفعة للغاية؟ لا يمكننا أيضاً إلقاء اللوم على أفراد هذه الأسرة لعدم شراء المنتجات العضوية عندما تكون خارج ميزانيتهم في ظل خضوع المواد الغذائية لديناميكيات السوق التي تهيمن عليها الشركات الكبرى.

ويخلص العلماء الثلاثة إلى أنه بالطريقة نفسها فإن الأسر ذات الدخل المنخفض التي تكون من فئة المستأجرين عموماً نادراً ما تتحكم في تدفئة منازلها وتضطر أحياناً إلى التعاون مع أنظمة التدفئة الملوثة التي تعمل بالمازوت أو الغاز.

وفي كثير من الأحيان تكون مبانيها معزولة عزلاً سيئاً، فضلاً عن أنه نادراً ما يكون من الممكن لها اختيار شركة الكهرباء التي قد تعمل بالفحم أو الغاز، كما يمكن أن تؤدي معايير البناء المطبقة حالياً أيضاً إلى ارتفاع استهلاك الطاقة.


شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى
TT

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

عبر 21 نصاً مشحوناً بالمشاعر والمفارقات الإنسانية، ترسم الكاتبة المصرية نرمين دميس عالماً من الأسى أبطاله أبطال مهزومون، ومصائر عنوانها العريض العزلة والدموع الصامتة، وذلك في مجموعتها القصصية «صندوق أرابيسك» الصادرة أخيراً في القاهرة عن دار «الأدهم».

فضلاً عن أن النصوص تطمح في مجملها لأن تكون لسان حال الشخصيات الصامتة، معبرةً عن أحلامها وصدماتها الدفينة التي يبدو أنها استقرت في «صندوق» مغلق لم يعد بإمكان أحد أن يطلع عليه، وما يزيد الأمر صعوبة وتعقيداً هو أن تلك الشخصيات أدمنت السكوت واعتادت التجاهل من الآخرين، حتى أصبحت العزلة خيارها المفضل على طريقة «مجبر أخاك لا بطل».

على هذه الخلفية، تتعدد النماذج المثيرة للتأمل بين دفتي المجموعة مثل العجوز البسيطة ذات الملابس المهترئة التي تريد أن تصبح واحدة من «حفيدات السندريلا»، والأب الذي يشعر بالعجز وهو يطالع عبر واجهات المحال أسعار الملابس الضرورية لابنته، فضلاً عن البيت الذي يتحول إلى سجن، والمطر الذي يطلق طاقة تحرر داخلية والخوف الذي يصبح إدماناً والدموع التي تصدر عن شخص يحترف مهنة إسعاد الآخرين.

تتعدد التقنيات السردية في المجموعة ومنها «الأنسنة»، أي خلع صفات إنسانية على الأشياء والجمادات، واعتماد المراسلات كأداة لعرض الحدث، فضلاً عن اللجوء إلى التصوير الفانتازي الذي يتجاوز حدود العقل والمنطق ليسبح في حالة شعورية من الانطلاق.

ويبدو أن اسم المجموعة «صندوق أرابيسك» يكتسب دلالته ورمزيته من حالة التعقيد والتشابك، كما في فن الأرابيسك، التي تعكس واحدة من تجليات النفس البشرية والقصص المتداخلة داخل المجموعة، وكذلك حالة التكتم والسرية لهواجس الإنسان المؤلمة التي لا تظهر لنا لأنها استقرت داخل صناديق مزخرفة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«وسط ظلام ليلة عاصفة تنازل فيها القمر عن عرش السماء، وقفت وحيدة مذعورة يلفها الصقيع ويتسلل إلى داخلها، يزلزلها، يكاد يقتلعها من مكانها، تحاول التشبث بالفراغ من حولها فلا يغيثها، تخور قواها وتخمد مقاومتها وتتساءل... كيف تبدل حالها هكذا ما بين عشية وضحاها؟ بالأمس القريب، كانت تستيقظ على زقزقة العصافير وعبير الأزهار، تؤنسها ضحكات الأطفال، تتردد أصداؤها في الفضاء الفسيح، يعانقونها ويختبئون خلف جسدها فتبادلهم العناق كأم حنون. كم من أسرار حفظتها وأطبقت عليها بين الضلوع، لطالما لاذ بها المتعب حتى يستريح، الجائع حتى يشبع، والظمآن حتى يرتوي، شاركت الأحباب أوج الغرام ودمعت معهم لحظة الفراق.

كانت جميلة فتية، لا تكسرها ريح ولا يسكن قلبها برد، تتدثر بردائها الأخضر النضر وأنفاس ساكنيه الدافئة في أعشاشها، تستمتع بزخات السماء، تمنحها سر الحياة. أما اليوم فزال عنها الرداء، وهجرها الأحباب، صارت قاحلة المحيا بذراعين مصلوبتين تستميتان من أجل البقاء، يمزق نياط قلبها إعراض الناس عنها حتى أصبحت كيتيمة تفتقد السكن والونس، تقتلها نظرات التجاهل تلك، يكاد صراخها المكتوم يشق عنان السماء هاتفاً:

- ما زلت على قيد الحياة، لم أمت بعد!».