ثنائية الحضور والغياب

« دفوف رابعة العدوية} لعبد الستار البيضاني

ثنائية الحضور والغياب
TT

ثنائية الحضور والغياب

ثنائية الحضور والغياب

في رواية «دفوف رابعة العدوية» للروائي عبد الستار البيضاني والصادرة عام 2022، ثمة همّ مركزي يهيمن على الرواية هو البحث عن الحقيقة الغائبة، أو بالأحرى عن جملة من الحقائق والوقائع الخلافية الملتبسة التي خلقها التاريخ الرسمي والمدون. فالرواية، احتكاماً إلى عنوانها «دفوف رابعة العدوية» هي عملية بحث واستقصاء، ربما على طريقة الصحافة الاستقصائية عن المتصوفة الإسلامية رابعة العدوية البصرية المولودة في البصرة نحو سنة 100 للهجرة والمتوفاة سنة 185 للهجرة، كما يذهب إلى ذلك أغلب المؤرخين. وحياة رابعة العدوية مليئة بالتناقضات والأضداد؛ مما جعلها تقع فريسة سوء تأويل وقراءة من قِبل المؤرخين والفقهاء. فهي تجمع في آن واحد بين الغناء، وهو في الغالب غناء صوفي، لكنه لا يخلو من بعد حسي، وبين الانصراف كلياً إلى عبادة الله. لذا؛ تجد من يرفعها إلى مرتبة القداسة بوصفها شهيدة العشق الإلهي، وهناك من يتهمها بالفسوق والتحلل والكفر.
ويمكن أن نعد رواية «دفوف رابعة العدوية» هذه محاولة جديدة، على مستوى السرد الافتراضي، لإعادة الاعتبار للجوهر الإنساني والروحي معاً لشخصية رابعة العدوية. ويحق للناقد أن يشير إلى هيمنة ثنائية الغياب والحضور في الفعل الروائي. فثمة صراع جدلي محتدم بين ما هو غيابي، وما هو حضوري. ويمكن القول، إن نص حياة رابعة العدوية وسيرتها يمثلان النص الغائب والموازي معاً للنص الروائي المكتوب، وهما يتحكمان إلى حد كبير في مسار الحبكة الروائية وتعرجاتها. كما يمكن النظر إلى نص حياة بطلة الرواية «قبس» بوصفها تمثل العناصر الحضورية الحية والمباشرة التي يتلقاها القارئ. لكن هذا القارئ يشعر بوجود نص باطني أو بنية تحتية deep structure تختفي تحت البنية السطحية surface structure للنص الروائي.
وكان الروائي موفقاً إلى حد كبير في التقريب التدريجي بين هذين النصين، حيث يلتحم نص «قبس» الحضوري الحي المباشر، بنص «رابعة العدوية» الغيابي الروحي، والموازي، وربما المتحكم في حركة الأحداث الروائية. ويلتحم النصان في نهاية الرواية: نص رابعة العدوية بدفوفها الروحية والصوفية ونص «قبس» بسنطورها وجسدها وجمال عينيها، في ضربة ذكية من الروائي بالانحياز إلى الجانب الحسي والجسدي، على الجانب الروحي المحض الذي تختتم به الرواية.
كما تمثل الرواية عملية بحث عن السر الذي يربط رابعة العدوية ودفوفها وبين المرأة التي أحبها «قبس» وسنطورها. وتمثل الرواية، من جهة أخرى، عملية بحث عن الهوية من خلال رحلة البطل إلى البصرة بحثاً عن وثيقة للرعوية العراقية لأسرته تؤكد عراقيتها.
إذْ يخبرنا الراوي المركزي وبطلها، أنه «معتقل في رأس امرأة، وتحديداً في حجرة عينيها». (ص5) ويمكن القول، إن الرواية هي أيضاً نضال البطل للتحرر من هذا المعتقل ومواجهة حبيبته (قبس) وجهاً لوجه، وهو فعلاً ما تحقق في نهاية الرواية عندما انحلت الثنائية الضدية: الغياب والحضور بانتصار الجانب الحسي والدنيوي في الدمج بين دفوف (رابعة العدوية) وسنطور (قبس)، حيث اكتشف البطل وحدة الأضداد في شخصية حبيبته الواقعية التي غمرته بالحب والروحانية معاً. إذْ يشعر لأول مرة أنه قد تحرر من معتقل عينيها:
«سرت قشعريرة في جسدي وقواي». (ص 168)، وبأنه، «كما حدست (قبس) بأنه من خلال هذا اللقاء الحسي والجسدي بينهما قد وصل إلى رابعة العدوية، بلحمها، ودمها، ومعانيها». (ص 176).
ومن الجدير بالذكر، أن معظم الكتابات الصوفية تنطوي على عناصر حضورية تتمثل في اللغة والبناء والتشكيل وعناصر غيابية تتمثل في المعنى والترميز، وهو ما سبق وأن أكده تودوروف، وهو ليس بعيداً عما قاله فرديناند دوسوسور، بأن الدال يمثل العناصر الحضورية، بينما يحيلنا المدلول إلى العناصر الغيابية. وسبق للصوفي المعروف محيي الدين بن عربي أن قدم تحديداً لمفهومي الحضور والغياب في الخطاب الصوفي، قريباً من هذا التصور. وهذه الرواية، وأعني بها «دفوف رابعة العدوية»، تحفل بمظاهر هذه الثنائية بوجهيها الصوفي، العرفاني، والحسي الدنيوي معاً؛ وهو ما يشجع القارئ والناقد معاً على تفكيك شفرات هذا النص الروائي، والوصول إلى مكامن العناصر الغيابية في السرد الروائي ورموزه. ومن اللافت للنظر، أن الروائي قد حاول مراراً الاحتكام إلى القارئ، وربما إلى المروي له أيضاً، للمشاركة في حل بعض أسرار السرد. فمنذ الصفحة الأولى يشير إلى القارئ وإلى المروي narratee له معاً:
«لا أريد أن أشغل أحداً معي في البحث عن الإجابة، فلدي الكثير من الأسئلة التي تحتاج إلى أن أحسم إجاباتها بالمزيد من التأمل والتفسير». (ص 5)
ويبدو لي، وكأنه وهو يروي كيفية تعرفه على «هذه المرأة» وكأنه يخاطب هذا القارئ أو المروي له:
«منذ سنوات طويلة أعرف هذه المرأة، أستطيع القول أنّا من أصدقاء العمر،... ومعنى اسمها قبس». (ص 6)
ومن الناحية السردية، نلاحظ أن بطل الرواية هو الراوي المركزي والمهيمن على حبكتها وحركة أحداثها جغرافياً وتاريخياً، أفقياً وعمودياً. كما أن هذا الراوي المركزي يمنح بعض الشخصيات الفرصة لالتقاط خيط السرد، مثلما يفعل عادة مع حبيبته «قبس» التي يشجعها على الحكي ورواية جوانب من سيرتها وحياتها وسر تعلقها برابعة العدوية وبالسنطور معاً، للوصول إلى ذرى روحية من الحلول الصوفي بالذات الإلهية. ولذا؛ فقد جاء سرد «قبس» في الدرجة الثانية بعد سرد البطل، بوصفه الراوي المركزي الذي يوزع الأدوار على الرواة الأخرى، مثلما يفعل «المايسترو» مع الفرقة السمفونية، كما فعل عندما منح عدداً من الرواة الثانويين فرصاً للتعبير عن وجهات نظرهم منهم «عبيد الخربطلي» الذي ساعده عند الإدلاء بشهادة تؤكد عراقية «رعوية» أسرته ذات الأصول البصرية العريقة.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الرواية فضلاً عن كونها رواية «بوليفونية»، تنطوي على تعدد صوتي، فإنها تكشف عن عناصر ميتا سردية من خلال الإشارة إلى احتمالية كتابة سيرة روائية عن تجربة البطل ورحلته البحثية إلى البصرة. ففي حوار بين البطل وصديقه علي حسين العلي، أشار صديقه إلى أنه لو كان مكانه لكتب رواية:
«لو كنت مكانك لكتبت رواية جديدة عنها». (ص 172) وعندما لم يجد صديقه استجابة جادة على مقترحه بادره بالقول:
«أنا إذن سأكتب الرواية، أو سأرويها لزملائي، أصحاب محال بيع الإطارات الذين يجمعهم الحديث عن رابعة العدوية كل يوم في محلي». (ص 172)
لقد حققت رواية «دفوف رابعة العدوية» مجموعة كبيرة من المعطيات والنتائج المباشرة وغير المباشرة، فضلاً عن تقديم الكثير من الرسائل والشفرات التي أطلقتها أمام القراء والنقاد والمؤرخين. إذ استطاعت الرواية أن تقدم تاريخاً افتراضياً جديداً لسيرة رابعة العدوية الروحية، وتربطها بجذر حسي ودنيوي يتعلق بتماهي شخصية «قبس» معها في الكثير من الجوانب الحياتية، فكلتاهما عصاميتان، واجهتا الحياة منذ الطفولة بشجاعة وثقة؛ فقد اضطلعت رابعة العدوية بنت الماضي بعد وفاة والدها، بقيادة الزورق الذي تركه لها أبوها والذي كان مصدر رزق العائلة، لكي تستكمل المشوار وتقوم بنقل الركاب بين ضفتي نهر البصرة آنذاك لتكون قادرة على إعالة شقيقاتها الثلاث. وفعلت «قبس» بنت الحاضر، فعلاً مماثلاً عندما تحملت، وهي صغيرة، مسؤولية إعالة شقيقاتها الصغيرات بعد وفاة أبويها. ولم تقتصر الرواية على تقديم تاريخ بديل، بل قدمت سلسلة من الطقوس والعادات الاجتماعية والأنثربولوجية التي كانت شائعة في المجتمع البصري آنذاك. ونزلت إلى القاع الاجتماعي للمدينة عند الاطلاع على أزقة البصرة وأسواقها ومحالها، وبشكل خاص زيارة منطقة «الحكاكة» المكتظة بصور الجمال الحسي والروحي معاً. فضلاً عن ذلك فقد أعادت الرواية رسم تضاريس خريطة مدينة البصرة القديمة وجغرافيتها وصولاً إلى منطقة الزبير ومقبرة الصوفي الحسن البصري، حيث التقت تخييلياً رابعة العدوية التي تخيلتها وهي بين اليقظة والمنام تجلس على حافة قبرها وهي تمد رجليها في الهواء. ليس هذا فحسب، بل إنها قدمت لها الدف الذي اشترته من أسواق البصرة هدية، ونجحت في النهاية في تثبيت ما أسماه بول ريكور بالهوية السردية narrative identity لمدينة البصرة؛ ولذا يمكن أن تنطبق مقولة السرد الثقافي cultural narrative والتي يترجمها معجم مصطلحات النقد الثقافي الذي أعده الدكتور سمير الخليل بالرواية الثقافية أيضاً على رواية «دفوف رابعة العدوية». فالرواية هي متحف كامل للعادات والطقوس الاجتماعية وللمأثورات والمعالم الأنثربولوجية التي كانت تشيع في مدينة البصرة في تلك الفترة التاريخية الدقيقة من تأريخ تأسيسها وصيرورتها المدنية. وكما أشرنا في مناسبة سابقة؛ فالفضل يعود إلى الدكتور سمير الخليل الذي انتزع هذا المصطلح من ذخيرة النقد الثقافي وطبّقه بشكل ذكي في كتابه النقدي الموسوم «الرواية سرداً ثقافياً: سيسيولوجيا الثقافة وأرخنتها وتسييسها»، كما قدم الدكتور سمير الخليل في معجمه «دليل مصطلحات الدراسات الثقافية والنقد الثقافي» تحديداً واضحاً لمفهوم السرد الثقافي جاء فيه، أن «الرواية الثقافية هي قصة ترتبط بالعادات والسلوكيات لمجتمع ما، وقد تكون القصة محكية أو مقروءة أو متخيلة، وقد يكون للقصة الواحدة أكثر من زاوية نظر تمثل كل أو بعض منظورات شخوص القصة. كما أن السرد الثقافي يقترن إلى حد كبير بالمكان، حيث إن ثقافة المكان هي التي تتشكل بفعل ماهية السرد».
وبذا؛ يمكن القول، إن رواية «دفوف رابعة العدوية» ثرية بمعطياتها ومعالجاتها السردية ومزاوجتها بين التاريخي واليومي وبين الواقعي والفنتازي؛ مما يجعلها واحدة من الروايات المميزة التي صدرت حديثاً.



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.