لبنان بين ترسيم بحري نتائجه رمادية... وحكومي يكتنفه الغموض

عون وهولشتاين في لقاء أكتوبر الماضي (دالاتي ونهرا)
عون وهولشتاين في لقاء أكتوبر الماضي (دالاتي ونهرا)
TT

لبنان بين ترسيم بحري نتائجه رمادية... وحكومي يكتنفه الغموض

عون وهولشتاين في لقاء أكتوبر الماضي (دالاتي ونهرا)
عون وهولشتاين في لقاء أكتوبر الماضي (دالاتي ونهرا)

يستعد لبنان الرسمي لمواجهة استحقاقين من الترسيم: الأول حكومي، والآخر بحري يُفترض أن ينطلق اليوم (الاثنين) مع عودة الوسيط الأميركي آموس هولشتاين، إلى بيروت للقاء أركان الدولة، في محاولة للتوسّط بين لبنان وإسرائيل لحل النزاع القائم حول الحدود البحرية في المنطقة الاقتصادية في جنوب لبنان. ويُنتظر أن يتلقى هولشتاين أجوبة من رئيس الجمهورية ميشال عون حول الأفكار التي كان قد حملها معه في زيارته السابقة للبنان، وتعامل معها على أنها تشكّل أرضية صالحة لمعاودة المفاوضات غير المباشرة بين البلدين.
وتأتي زيارة الوسيط الأميركي لبيروت بناءً على إلحاحٍ من الجانب اللبناني، لخفض منسوب التوتر الذي تسببت به إسرائيل من جراء مباشرتها التنقيب عن الغاز والمشتقات النفطية في المنطقة المتنازع عليها بين البلدين، والذي تلازم مع دخول «حزب الله» وللمرة الأولى على خط التفاوض وإنما بتهديد إسرائيل بالرد في حال أنها تمادت في استيلائها على الثروة اللبنانية في البحر، رغم أنه اكتفى سابقاً بوقوفه، كما أعلن أمينه العام حسن نصر الله، خلف الدولة في مفاوضاتها غير المباشرة للإفادة من ثروتها البحرية.
فدخول «حزب الله» على خط المفاوضات غير المباشرة بتكليفه النائب السابق نواف الموسوي، الإمساك بملف ترسيم الحدود البحرية ومتابعته، أثار تساؤلات، حول التوقيت الذي استدعى الإعلان عن تكليفه بالتزامن مع عودة الوسيط الأميركي إلى بيروت بناءً على طلب الدولة اللبنانية تجاوزت الحدود إلى الإقليم. وسارعت جهات دولية إلى التعامل مع التهديدات التي أطلقها نصر الله على أنها تأتي في سياق دفاعه عن سلاحه في وجه الحملات التي تستهدفه، والتي بلغت ذروتها خلال خوض المعارك الانتخابية من خصومه الذين أدرجوها في سياق استرداد السيادة اللبنانية وتحرير الدولة من هيمنة «حزب الله».
وعلمت «الشرق الأوسط» أن المواقف التي صدرت عن نصر الله حول ترسيم الحدود البحرية، كادت تطغى على تحرّك عدد من سفراء دول الاتحاد الأوروبي وسفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا، باتجاه عدد من القيادات السياسية، خصوصاً أنهم أدرجوها في سياق إصرار الحزب على إيجاد الذرائع للاحتفاظ بسلاحه تحت عنوان الدفاع عن حقوق لبنان البحرية.
وتردّد في هذا المجال أن الوسيط الأميركي لا يحضر إلى بيروت في محاولة للتدخّل لقطع الطريق على إقحام وساطته في دورة جديدة من التصعيد فحسب، وإنما للوقوف على رد لبنان الرسمي حيال الأفكار التي طرحها سابقاً للإبقاء على وساطته تحت السيطرة ما يتيح له تعويم رحلاته المكوكية ما بين بيروت وتل أبيب.
ولفت مصدر سياسي مواكب للتحضيرات التي باشرها عون لتوحيد الموقف اللبناني حيال الأفكار التي طرحها سابقاً الوسيط الأميركي إلى أن الخطوة التالية التي يمكن أن يقوم بها تتوقف على أجوبة الجانب اللبناني، ليكون في مقدوره أن يبني على الشيء مقتضاه للتأكد مما إذا كانت الطريق سالكة أمام تزخيم وساطته وتكثيف لقاءاته المتنقلة ما بين بيروت وتل أبيب بحثاً عن مساحة مشتركة لفض النزاع البحري.
وتوقف المصدر السياسي أمام غياب رئيس المجلس النيابي نبيه بري عن اللقاء التشاوري الذي اقتصر على رئيسي الجمهورية ميشال عون وحكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. وكشف أن عون أجرى اتصالاً برئيس البرلمان الذي لعب دوراً في تعويم الوساطة الأميركية، وكان وراء معاودة المفاوضات غير المباشرة.
وكشف لـ«الشرق الأوسط» أن بري اعتذر عن عدم الحضور بعد أن قرر إيكال مهمة قيادة المفاوضات غير المباشرة إلى عون، بذريعة أن الدستور اللبناني يحصر فيه التفاوض وعقد الاتفاقيات والمعاهدات. وقال إن بري كان قد نأى بنفسه عن التدخل في مسألة تحديد الحدود البحرية، تاركاً هذه المهمة إلى الفريق التقني والفني، وبالتالي من غير الجائز تحميله مسؤولية كل ما ترتّب من فوضى رافقت المفاوضات غير المباشرة، وأدت إلى التباين بين الوفد المفاوض ورئيس الجمهورية والفريق السياسي المحسوب عليه.
وأشار المصدر إلى أن الجولات الأخيرة من المفاوضات غير المباشرة أظهرت حالة من الإرباك بين الوفد المفاوض وبين رئاسة الجمهورية وفريقها السياسي، فيما تمكّن بري من إيجاد الآلية لانطلاق المفاوضات غير المباشرة بوساطة أميركية، وأكد أنه لا يريد أن يستبق ما ستؤول إليه محادثات هولشتاين في بيروت، وإن كانت الأجواء التي سبقت التحضير لها لا تزال رمادية بسبب تعدّد المفاوضين من تحت الطاولة ومن فوقها بدلاً من رسم سقف للتفاوض.
لذلك يبقى الترسيم البحري عالقاً أمام ما ستؤول إليه لقاءات الوسيط الأميركي، فيما يكتنف الغموض الترسيم الحكومي، خصوصاً أن دعوة عون لإجراء الاستشارات النيابية المُلزمة لتسمية الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة لم تُدرج على جدول أعمال اجتماعه بميقاتي، بل خُصّص لتوحيد الموقف اللبناني من الأفكار التي كان هولشتاين قد أودعها لدى الجانب اللبناني، مع أنها أُثيرت عَرَضاً من دون الدخول في التفاصيل.
ولم يتطرق عون إلى تحديد موعد لإجراء الاستشارات المُلزمة، وأن ما يتردّد حتى الساعة حول إمكانية إنجازها في بحر هذا الأسبوع، أي بعد انتهاء محادثات الوسيط الأميركي في بيروت، يأتي في إطار التوقّعات.
وإلى أن يحدّد عون الموعد النهائي لإجراء الاستشارات المُلزمة، فإن الطريق ليست سالكة أمام إنجازها ويمكن أن تقتصر على تسمية الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة من دون أن يبصر تأليفها النور، لأن تأخير إتمامها أتاح لعون ومن خلاله للنائب جبران باسيل استمزاج رأي بعض الكتل النيابية. وعلمت «الشرق الأوسط»، أنه جاء مخالفاً لرغبتها بالاستغناء عن ميقاتي، ليس لأنه يلقى دعماً دولياً فحسب، وإنما لأن أكثرية الكتل النيابية لا تحبّذ اختيار شخص آخر.
ولم يستبعد مصدر نيابي قيام عون بالالتفاف على الاستحقاق المتعلق بتشكيل الحكومة من خلال إنجازه بالشكل، أي بتسمية الرئيس المكلف، تاركاً لباسيل مهمة تعطيل تأليفها، ويعزو السبب إلى أن الضغوط الدولية والمحلية ستمارَس عليه وأنْ لا مجال لاستيعابها إلا بالإفراج عن الاستشارات المُلزمة.
ويؤكد المصدر نفسه أن باسيل يتصرّف كأن عون لا يزال في السنوات الأولى من ولايته الرئاسية التي تسمح له بالتحكم في اللعبة والإمساك بأوراق القوة التي تتيح له أن يقلب المعادلات السياسية وينقلب عليها من دون أن يسلم بملء إرادته بأنه أصبح الحلقة الأضعف في تشكيل الحكومة ويعتمد على عمّه برفضه التوقيع على تشكيلة وزارية لا تأتي على قياس طموحاته.
ويلفت المصدر نفسه إلى أن أحداً لا يستسلم لشروط رئيس جمهورية مع اقتراب انتهاء ولايته الرئاسية، ويقول إنه ما من رئيس للحكومة على استعداد لتعويم باسيل، وبالتالي لا خيار أمامه سوى التفاوض مع من هم في صلب المعادلة السياسية، بدلاً من الذي يستعد لترك سدّة الرئاسة الأولى.
ويستخفّ بكل ما يقال حول إمكانية تعويم حكومة تصريف الأعمال. ويصف الترويج لها بأنه نوع من الهرطقة الدستورية. ويؤكد أن السفيرة الفرنسية آن غريو، تواصل تحرّكها باتجاه القوى السياسية وتحثّهم على الإسراع بتشكيل الحكومة الجديدة وهي على تناغم مع السفيرة الأميركية انطلاقاً من توزيع المهام بين باريس المولجة بالملف الداخلي وواشنطن المكلفة بالوساطة بين لبنان وإسرائيل لتسوية النزاع البحري.
ويرى المصدر النيابي أن الحفاظ على الاستقرار لن يتأمّن بتشكيل حكومة جديدة ما لم تكن مدعومة بالشروط الدولية لإنقاذ لبنان الذي يقف على حافة الانهيار الشامل، ويقول إن الحكومة العتيدة لن تكون امتداداً للحالية، وإنما يجب أن تكون من طراز آخر تراعي صحة التمثيل السياسي ولو بالواسطة ولا تتصرف على أن الساحة السنّية سائبة بعزوف مرجعياتها عن خوض الانتخابات النيابية ويمكن ملء الفراغ بإسناد رئاسة الحكومة إلى «مرشح مغمور» يكون مطواعاً لشروط باسيل.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

«الناتو» يغادر بغداد... «مؤقتاً»

أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)
أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)
TT

«الناتو» يغادر بغداد... «مؤقتاً»

أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)
أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)

أعلن «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» أنه يعمل على «تعديل» وضع مهمته في العراق، في خطوة تعكس انسحاباً مؤقتاً لبعض قواته مع تصاعد التوتر الإقليمي.

وأكدت المتحدثة باسمه، أليسون هارت، الجمعة، أن الحلف «يعدّل وضعه في العراق... ويعمل بالتنسيق الوثيق مع الحلفاء»، مؤكدة أن «سلامة وأمن أفراد الحلف أمر بالغ الأهمية».

في السياق ذاته، أعلن ​وزير الدفاع البولندي، فلاديسلاف كوسينياك كاميش، إجلاء ‌قوات ​بلاده ‌من ⁠العراق «بعد تحليل الظروف ‌العملياتية، والتهديدات المحتملة».

وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع ضغوط سياسية مكثفة داخل بغداد لوقف هجمات الفصائل، عبر رسائل حكومية وتحذيرات قضائية وتهديدات أميركية «حازمة».

وتحدثت مصادر عن تفاهمات أولية لخفض التصعيد، ترافقت مع هدنة كانت أعلنتها «كتائب حزب الله» لخمسة أيام، وسط هدوء نسبي ميدانياً، غير أن مصادر أشارت إلى أن الجانب الأميركي لم يقدّم حتى الآن رداً واضحاً عليها؛ مما يبقي الهدنة في إطار هش وقابل للانهيار، مع استمرار الضربات الجوية التي استهدفت مقار تابعة لـ«الحشد الشعبي».


اندفاعة ميدانية إسرائيلية تسابق الوساطات في لبنان

مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل بالعمق اللبناني (أ.ف.ب)
مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل بالعمق اللبناني (أ.ف.ب)
TT

اندفاعة ميدانية إسرائيلية تسابق الوساطات في لبنان

مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل بالعمق اللبناني (أ.ف.ب)
مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل بالعمق اللبناني (أ.ف.ب)

تسابق إسرائيل الوساطات لوقف إطلاق النار مع لبنان، باندفاعة في الميدان، تمثلت في هجمات برية متزامنة على أربعة محاور، في محاولة لتشتيت القوة المدافعة التي تتصدى للتوغلات من خلال توسعة رقعة الهجوم، والضغط بالنار على لبنان قبل أي محادثات.

وعلى وقع تعزيزات إسرائيلية تتدفق إلى الحدود مع لبنان، جدد الجيش الإسرائيلي الهجمات على محوري الخيام والطيبة، واستأنف تحركاته على محور مارون الراس وعيترون في محيط مدينة بنت جبيل، فيما افتتح محوراً جديداً في القطاع الغربي باتجاه بلدة الناقورة.

وترافق التوغل مع قصف جوي ومدفعي عنيف استهدف عشرات البلدات في العمق اللبناني، وأصابت إحدى الهجمات مركزاً للدفاع المدني.

وبينما لم تثمر زيارة وزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو إلى تل أبيب أي ليونة إسرائيلية تجاه الوساطة الفرنسية، تنشر «الشرق الأوسط» مضمون الورقة الفرنسية التي تتحدث عن ثلاث مراحل، ولا تشير صراحة إلى اعتراف لبناني بإسرائيل. وينص البند الأول على تأكيد «دولة لبنان التزامها احترام سيادة وسلامة أراضي إسرائيل»، في حين ينص البند الثاني على «تأكيد لبنان استعداده للعمل نحو توقيع اتفاق شامل ودائم لعدم الاعتداء مع إسرائيل»، لكن الفقرة الأهم تنص على «توقيع اتفاق شامل ودائم لعدم الاعتداء، بحيث يقوم كل من لبنان وإسرائيل بإعلان انتهاء حالة الحرب بينهما، والالتزام بالامتناع عن استخدام أي شكل من أشكال القوة ضد بعضهما».


الورقة الفرنسية لا تتحدث صراحة عن اعتراف لبناني بإسرائيل

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته السريعة إلى إسرائيل الجمعة وإلى جانبه نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته السريعة إلى إسرائيل الجمعة وإلى جانبه نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
TT

الورقة الفرنسية لا تتحدث صراحة عن اعتراف لبناني بإسرائيل

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته السريعة إلى إسرائيل الجمعة وإلى جانبه نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته السريعة إلى إسرائيل الجمعة وإلى جانبه نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)

لا يبدو من تصريحات وزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو بعد الزيارة السريعة التي قادته الخميس والجمعة إلى لبنان وإسرائيل أنه نجح في دفع الجانب الإسرائيلي إلى تليين موقفه، والقبول بالوساطة الفرنسية لخفض التصعيد بين لبنان و«حزب الله»، توصلاً إلى اتفاقية تتخطى القرار الدولي 1701، واتفاقية وقف الأعمال العدائية لشهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

فالوزير الفرنسي لم يخف الهدف من جولته إذ أعلن، عقب لقائه نظيره الإسرائيلي الجمعة، أنه جاء إلى المنطقة «للبحث مع شركائنا في سبل التوصل إلى حل سياسي يتيح توفير رد مستدام للتحديات الأمنية الجماعية التي تسببت بتصعيد غير مسبوق» في إشارة للحرب القائمة بين إسرائيل و«حزب الله». وبكلام أوضح، فإن بارو كان يسعى للترويج لـ«الخطة» التي اقترحتها باريس لإيجاد حل نهائي بين بيروت وتل أبيب. وبطبيعة الحال، كرر بارو الموقف الفرنسي من الحرب الدائرة، والتي دفع إليها «القرار غير المسؤول وغير المقبول لـ(حزب الله) في الانضمام إلى الاعتداءات الإيرانية على إسرائيل بحيث فضل دعم النظام الإيراني على استقرار وأمن لبنان ما جره إلى حرب لا تريدها السلطات (اللبنانية)، ولا الشعب اللبناني».

الوزير جان نويل بارو متحدثاً إلى الصحافة بعد انتهاء زيارته لإسرائيل (أ.ب)

حتى اليوم، ما زالت باريس تنفي أنها قدمت «خطة» للحل في لبنان، وهو ما أكده الرئيس إيمانويل ماكرون ليل الخميس-الجمعة، من بروكسل، بعد اجتماع لقادة دول الاتحاد الأوروبي بقوله: «إنه «لا يوجد أي مقترح فرنسي على الإطلاق يتضمن» اعتراف لبنان بإسرائيل، مضيفاً: «هذا غير موجود». وبصراحة متناهية، اعتبر الرئيس الفرنسي أن «موضوع المفاوضات المباشرة يتطلب جاهزية الوفود وإعراب الجانب الإسرائيلي عن موافقته (بعد) أن أعلن الرئيس عون بوضوح عن جاهزيته، واستعداده للقيام بذلك». وانتقد ماكرون العملية العسكرية الإسرائيلية «غير مقبولة بموجب القانون الدولي».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متحدثاً لأمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الخميس في بروكسل على هامش القمة الأوروبية (رويترز)

حقيقة الأمر أن ماكرون نفى وجود «خطة» فرنسية تتضمن «اعتراف» لبنان بإسرائيل. وبنفيه هذا، لا يجانب الرئيس الفرنسي الحقيقة لأن تعبير «الاعتراف» بإسرائيل غير وارد فيها. لكن هناك بالفعل خطة فرنسية نقلت إلى الأطراف المعنية «لبنان، إسرائيل، الولايات المتحدة» وحصلت عليها «الشرق الأوسط» وهي موجودة بالإنجليزية تحت مسمى «معايير لاتفاق بين لبنان وإسرائيل-ورقة فرنسية غير رسمية». وهذه «الورقة» أشير إليه بـ«Non Paper»، وهو المفهوم المستخدم في الأمم المتحدة بشكل خاص، والذي يعني مقترحاً قابلاً للتعديل.

إشكالية الاعتراف اللبناني بإسرائيل

تتحدث «الخطة» الفرنسية عن ثلاث مراحل لا تشير صراحة إلى «الاعتراف». ذلك أن البند الأول من المرحلة الأولى الممتدة لشهر واحد من الخطة ينص على «بند الاعتراف الأول» وفيه ما حرفيته: «تؤكد دولة لبنان التزامها باحترام سيادة وسلامة أراضي إسرائيل». وبعده وردت فقرة ثانية تتحدث عن «تأكيد لبنان استعداده للعمل نحو توقيع اتفاق شامل ودائم لعدم الاعتداء مع إسرائيل». بيد أن الفقرة الأهم تنص على «توقيع اتفاق شامل ودائم لعدم الاعتداء، بحيث يقوم كل من لبنان وإسرائيل بإعلان انتهاء حالة الحرب بينهما، والالتزام بالامتناع عن استخدام أي شكل من أشكال القوة ضد بعضهما البعض». وإعلان «انتهاء حالة الحرب» و«اتفاق عدم الاعتداء» لا يعنيان، قانونياً، «الاعتراف» بدولة إسرائيل، إذ لا حديث عن تبادل السفراء مثلاً... ولا شك أن باريس تعي الصعوبات التي تحول دون ذلك. والإشكال واقع في «عنوان» البند الأول، وليس في مضمونه. ويرجح أن صياغته الغامضة بهذا الشكل يراد منها «إغراء» إسرائيل بقبول المقترح الفرنسي، والسير في المفاوضات السياسية المباشرة التي تطالب بها منذ أشهر، والتي كانت تريدها بديلاً عن آلية مراقبة وقف إطلاق النار «الميكانيزم» التي أطلقت في نوفمبر عام 2024. ولا شك أن ما نشره موقع «أكسيوس» قبل أسبوع، وفيه الحديث صراحة عن «الاعتراف» أثار الإشكالية المشار إليها.

رفض أميركي

اللافت في الورقة الفرنسية أنها توحي بدعم أميركي للخطة، إذ نصت على أن «لبنان وإسرائيل يجتمعان على مستوى كبار المسؤولين، ثم على المستوى السياسي في باريس، للاتفاق على إعلان سياسي مشترك، بدعم من الولايات المتحدة وفرنسا». والحال أن مصدراً فرنسياً أكد الخميس أن مجلس الأمن الذي اجتمع قبل يومين في جلسة لمناقشة الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل لم يفضِ إلى أي نتيجة، لأن واشنطن ترفض أن يعمد إلى التصويت على قرار، أو حتى إصدار بيان، وأن ما تريده راهناً «توفير الوقت» لإسرائيل من أجل «إتمام المهمة» التي تقوم بها، أي القضاء على «حزب الله».

وبحسب هذا المصدر، فإن واشنطن تترك لإسرائيل حرية التصرف، مع استثناء يتناول البنى التحتية الرئيسة، مثل المطار، والمرفأ. وأكدت مصادر أخرى أن إسرائيل ما زالت حتى اليوم ترفض حتى مشاركة باريس في رعاية المفاوضات السياسية المباشرة مع الولايات المتحدة، وبالتالي مقترحها. ولم يعرف ما إذا كان بارو قد نجح في اجتماع الساعتين الذي عقده مع نظيره جدعون ساعر في دفع تل أبيب إلى تليين موقفها الرافض حتى اليوم.

خيام النازحين اللبنانيين على شاطئ مدينة بيروت (أ.ف.ب)

خطة واضحة وشاملة ولكن...

لا تكتفي الخطة الفرنسية بالمسائل الأمنية، بل تريد أن تكون شاملة لكل جوانب الوضع اللبناني، إذ تشير في مرحلتها الثالثة إلى «استكمال ترسيم الحدود البرية بحلول نهاية عام 2026 بين لبنان وإسرائيل، وكذلك بين لبنان وسوريا، وذلك بمساعدة فرنسا، والولايات المتحدة الأميركية، والأمم المتحدة» و«تقديم دعم دولي لتعزيز أمن وسلامة الحدود اللبنانية-السورية». أما انسحاب إسرائيل «التدريجي» من الأراضي الجديدة التي احتلتها منذ معاودة الحرب في مارس (آذار) 2026 فسيتم بعد شهر، وبالتوازي بين تثبيت وقف إطلاق النار، وبدء نزع سلاح «حزب الله». أما الانسحاب من المواقع الخمسة التي تحتلها منذ العام 2024 فسيحصل خلال المرحلة الثانية، أي بعد توقيع إعلان انتهاء حالة الحرب بين البلدين، مع نشر قوات من «تحالف المتطوعين» على الحدود للإشراف على ذلك. وتتضمن الخطة العديد من الالتزامات اللبنانية، ومنها التنفيذ الكامل لكافة مندرجات القرار 1701، ومنع استخدام أراضيه لمهاجمة إسرائيل، ونزع سلاح «حزب الله»، وتكليف «اليونيفيل» بالتأكد من ذلك جنوب الليطاني، فيما تتولى قوة من «تحالف المتطوعين» التأكد من نزع السلاح في المناطق اللبنانية الأخرى شرط حصوله على انتداب دولي.

ولا تشير الخطة إلى الدول التي يمكن أن تنضم إلى «تحالف المتطوعين» الذي يتعين عليه التحضير لما بعد مرحلة رحيل «اليونيفيل» عن لبنان مع بداية العام 2027، وتتحدث الخطة الفرنسية عن مؤتمر لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، وآخر لإعادة الإعمار للمناطق المعنية «بعد إعادة سيطرة الدولة عليها». واللافت أن الخطة تشير أيضاً إلى «التزامات لبنان باستكمال الإصلاحات المالية المطلوبة» بما في ذلك «قانون الفجوة المالية»، وتقديم مساعدات للنازحين.