شكوك في تخليق «كورونا» مختبرياً بعد تغيّر بروتينه الرئيسي

عالمان أميركيان يعتقدان أن التكنولوجيا الحيوية ساعدت في تطويره

شكوك في تخليق «كورونا» مختبرياً بعد تغيّر بروتينه الرئيسي
TT

شكوك في تخليق «كورونا» مختبرياً بعد تغيّر بروتينه الرئيسي

شكوك في تخليق «كورونا» مختبرياً بعد تغيّر بروتينه الرئيسي

لم يعد غريبا على المتابع لتطورات جائحة «كوفيد - 19»، سماع بعض الكلمات مثل «بروتين سبايك» أو الذي يحلو للبعض أن يسميه بـ«بروتين الأشواك»، ولم يعد كاتبو التقارير العلمية بحاجة إلى شرح ما تعنيه هذه الكلمة لأنها تكررت كثيرا، وبات الجميع يعلم أنها «البروتين الرئيسي للفيروس المسبب للمرض، والذي يسهل من دخوله إلى الخلايا البشرية».

- شكوك علمية
ورغم انشغال العالم قليلا بعيدا عن جائحة «كوفيد - 19» بسبب تفشي «جدري القردة»، إلا أن هناك تطورات جديدة تتعلق بالجائحة، ربما ستفرض مصطلحات جديدة سيتم تكرارها كثيرا خلال الأيام المقبلة، ومنها مصطلح يعرف باسم «موقع انشقاق الفورين» furin cleavage site أو الذي يعرف اختصاراً باسم (FCS).
هذا المصطلح ليس ببعيد عن بروتين «سبايك»، فهو يشير إلى الأحماض الأمينية المحددة في البروتين والتي تسهل من دخول الفيروس الخلية، وتدور معظم شكوك التخليق البيولوجي حول هذه الأحماض الأمينية.
وأثيرت هذه الشكوك منذ بداية الوباء، غير أنها سرعان ما كانت تتلاشى بعد تأكيدات من منظمة الصحة العالمية والمؤسسات الصحية في أميركا. غير أن دراسة فرنسية نشرت في سبتمبر (أيلول) العام الماضي بدورية «نيتشر» أعادت إثارتها، ثم جاء مقال نشره عالمان أميركيان في 27 مايو (أيار) الماضي بموقع «بروجيكت سنديكيت»، ليؤكداها من جديد، وفي الدراسة والمقال، كان الحديث دائرا وبقوة حول «موقع انشقاق الفورين».
وتضع هذه الدراسة أساسا علميا للاتهامات المتعلقة بتخليق الفيروس، إذ نجح خلالها باحثو معهد باستور الفرنسي، بالتعاون مع جامعة لاوس جنوب شرقي آسيا، في العثور على فيروسات كورونا مشابهة للفيروس، الذي يسبب مرض «كوفيد - 19»، بين مئات الخفافيش من سلالة «حدوة الحصان» في لاوس، غير أن أيا من هذه الفيروسات لم تحتو على ما يسمى بـ«موقع انشقاق الفورين» في بروتين سبايك الذي يسهل دخول الخلية، وهو إحدى السمات الرئيسية لفيروس «كورونا المستجد»، وهو ما دفع بعض العلماء ممن علقوا على هذه الدراسة لتبني نظرية تصنيع الأخير داخل مختبر.
ويفسر المقال الذي نشره العالمان بجامعة كولومبيا «نيل هاريسون» Neil L. Harrison و«جيفري ساكس» Jeffrey D. Sachs بموقع «بروجيكت سنديكيت»، لماذا ذهب العلماء الذين علقوا على هذه الدراسة إلى تبني هذه النظرية.
- فيروس بميزة جديدة
واستفاض العالمان في الحديث عن تفاصيل التحقيقات الاستخباراتية التي أجريت بشأن احتمالية التخليق البيولوجي للفيروس، وكان من بين الحقائق الخطيرة، التي يعترف العالمان بأنهم مدينون بمعرفتها إلى قانون «حرية المعلومات» المعمول به في أميركا، هي أن وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة الأميركية (DARPA)، استقبلت في مارس (آذار) 2018، طلبا من شركة «إيكو هيلث إيلانس» الأميركية، ومن باحثين من معهد ووهان لعلم الفيروسات بالصين، وجامعة نورث كارولينا، للحصول على منحة بغية دراسة فيروسات الخفافيش التاجية. وشرح هؤلاء الباحثون في طلبهم، كيف أنهم يعتزمون تغيير الشفرة الجينية لفيروسات الخفافيش التاجية لإدخال الميزة التي تعد بالضبط الجزء الأكثر غرابة في فيروس كورونا المستجد، وهو «موقع انشقاق الفورين».
ورغم أن وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة الأميركية لم توافق على هذه المنحة، فقد يكون العمل تم على أي حال، كما يزعم العالمان، وهو ما يؤكده الواقع، حيث إن كورونا المستجد، هو الفيروس الوحيد في عائلة الفيروسات الشبيهة بالسارس (فيروسات ساربيك) المعروف بأنها تملك «موقع انشقاق الفورين».
وقال العالمان في مقالهما «من المثير للاهتمام، أن الشكل المحدد لـ(موقع انشقاق الفورين) الموجود في الفيروس (ثمانية أحماض أمينية مشفرة بواسطة 24 نيوكليوتيد) يتم مشاركته مع قناة صوديوم بشرية تمت دراستها في مختبرات الولايات المتحدة».
والسؤال الذي تدعم إجابته شكوك التخليق البيولوجي هو: لماذا التركيز على «موقع انشقاق الفورين»؟ يقول العالمان إن «موقع انشقاق الفورين، كان هدفا للأبحاث منذ عام 2006، بعد ظهور فيروس «سارس» في 2003 - 2004، حيث أدرك العلماء حينها أنه يحمل مفتاح العدوى والفسيولوجيا المرضية لهذه الفيروسات، وهو ما دفع الفريق الثلاثي من شركة (إيكو هيلث إيلانس) ومعهد ووهان لعلم الفيروسات وجامعة نورث كارولينا، إلى تقديم اقتراح إلى حكومة الولايات المتحدة في 2018 لدراسة تأثير إدخاله في الفيروسات الموجودة في الخفافيش التي تشبه كورونا».
- أبحاث بتكنولوجيا حيوية
وكشف العالمان عن مفاجأة، وهي أن نفس الفريق الثلاثي الذي تم رفض طلبه في 2018، أجرى «تجارب اكتساب وظيفة» مماثلة على فيروس كورونا آخر، وهو الفيروس الذي يسبب متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس)، بدعم من المعاهد الوطنية للصحة بأميركا. وتجارب اكتساب الوظيفة، هي مصطلح يستخدم لوصف أي مجال من مجالات البحث الطبي يغير الكائن الحي أو المرض بطريقة تزيد من التسبب في المرض، أو قابلية الانتقال، أو نطاق المضيف (أنواع العوائل التي يمكن أن تصيبها الكائنات الدقيقة)، ويكون بهدف التنبؤ بشكل أفضل بالأمراض المعدية المستجدة وتطوير اللقاحات والعلاجات.
ويضيف العالمان «مثل هذه التجارب دائما ما تثير الجدل، بسبب المخاوف من أنها قد تؤدي إلى تفشي عرضي، أو أن تقنيات إنشاء فيروسات جديدة قد ينتهي بها الأمر إلى اليد الخطأ، ومن المعقول التساؤل الآن عما إذا كان فيروس (كورونا المستجد) مدينا بقدراته الواسعة على العدوى والانتشار إلى هذا الجهد البحثي».
وخلص العالمان، إلى أنه إذا كانت الولايات المتحدة وجهت منذ بداية الوباء أوائل عام 2020، أصابع الاتهام إلى الصين، على خلفية أن أول حالات تمت ملاحظتها كانت في ووهان، فإن القصة الكاملة لتفشي المرض قد تتضمن دور أميركا في البحث عن فيروسات كورونا وفي مشاركة التكنولوجيا الحيوية الخاصة بها مع الآخرين في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الصين، بدليل التعاون الثلاثي الذي أشاره له العالمان، والذي يضم باحثين من معهد ووهان لعلم الفيروسات.
ولكن هل يدعم ما ذهب له العالمان الأميركيان في مقالهما «نظرية المؤامرة»، التي يحلو للبعض ترديدها عند الحديث عن التخليق المختبري للفيروس؟ حرص العالمان الأميركيان على التأكيد أنهما لا يميلان لـ«نظرية مؤامرة»، وقالا «لنكن واضحين تماماً، فإذا كان الفيروس مصدره المختبر، فمن المؤكد أن ذلك حدث بشكل عرضي في المسار الطبيعي للبحث، وربما لم يتم اكتشافه عبر العدوى بدون أعراض».
وأضافا «إذا كان الفيروس نتج بالفعل عن الأبحاث والتجارب المختبرية، فمن شبه المؤكد أنه تم إنشاؤه باستخدام التكنولوجيا الحيوية الأميركية، والدراية الفنية التي تم توفيرها لباحثين في الصين».


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.