أوريغي... البطل الذي لن ينساه جمهور ليفربول أبداً

أهدافه الحاسمة ستظل في الذاكرة رغم دوره الهامشي خلال رحلة 8 سنوات

لاعبو ليفربول يصطفّون في ممر تكريمي لأوريغي خلال احتفالية الفوز بالكأس (أ.ف.ب)
لاعبو ليفربول يصطفّون في ممر تكريمي لأوريغي خلال احتفالية الفوز بالكأس (أ.ف.ب)
TT

أوريغي... البطل الذي لن ينساه جمهور ليفربول أبداً

لاعبو ليفربول يصطفّون في ممر تكريمي لأوريغي خلال احتفالية الفوز بالكأس (أ.ف.ب)
لاعبو ليفربول يصطفّون في ممر تكريمي لأوريغي خلال احتفالية الفوز بالكأس (أ.ف.ب)

بعد فترة وجيزة من رفع ليفربول لدرع الدوري الإنجليزي الممتاز على ملعب «آنفيلد» الذي كان شبه فارغ بسبب غياب الجماهير عن الملاعب آنذاك نتيجة تفشي فيروس «كورونا» في يوليو (تموز) 2020، منهياً فترة انتظار طويلة استمرت 30 عاماً كاملة للحصول على اللقب، لفت شيء ما انتباه المراقبين داخل الملعب. لقد رحل جميع اللاعبين والموظفين إلى نفق الملعب قبل أن يعود أحدهم فجأة، وهو ديفوك أوريغي، الذي اتجه نحو دائرة منتصف الملعب ووضع ذراعيه خلف ظهره وثبّت بصره على المدرجات... لقد كان مشهداً مثيراً للفضول، لكنه كان مشهداً معبراً أيضاً، لأن هذه هي طريقة البلجيكيين في الوداع!
وإذا كان ذلك وداعاً، فقد طال هذا الوداع بكل تأكيد، لأن قرار رحيل أوريغي عن أنفيلد جاء بعد ما يقرب من عامين على تلك الواقعة، بعدما أعلن الخميس الماضي أنه يستعد لمغامرة جديدة بعيداً عن ليفربول عندما ينتهي عقده في نهاية الشهر الجاري. وتشير تقارير إلى أن ميلان، الذي تُوِّج مؤخراً بطلاً للدوري الإيطالي الممتاز، سيكون وجهته التالية.
ونشر الحساب الرسمي لنادي ليفربول على موقع «تويتر» تغريدة قال فيها: «رحلة استثنائية حقاً، مع لحظات مميزة في تاريخنا قدمها لنا ديفوك أوريغي مراراً وتكراراً... شكراً لك على كل شيء». يأتي ذلك في أعقاب الممر الشرفي الذي أُعد لأوريغي بعد الفوز على وولفرهامبتون في الجولة الأخيرة من موسم الدوري الإنجليزي الممتاز، والذي حصل خلاله على تصفيق حار من زملائه في الفريق، كما حصل على هدايا من المديرين التنفيذيين للنادي، بما في ذلك المالك الأميركي جون دبليو هنري، بينما كانت الجماهير الحاضرة في المدرجات تهتف باسمه بحماس شديد، كأنه أحد اللاعبين الأساسيين، وليس المهاجم السادس بالفريق!

ديفوك أوريغي يسجل برأسه هدفاً حاسماً لليفربول في الديربي أمام إيفرتون (أ.ف.ب)

لكن تجب الإشارة إلى أن ليفربول دائماً ما كان مكاناً يقدّر اللاعبين الأبطال، بدءاً من جوي جونز وديفيد فيركلو وصولاً إلى دجيمي تراوري ولوكاس ليفا. صحيح أن أوريغي لم يكن هدافاً قديراً –لم يحرز سوى 41 هدفاً في 175 مباراة لعبها خلال السنوات الثماني التي قضاها في أنفيلد- لكن لا يمكن إنكار أنه سجل الكثير من الأهداف المهمة والحاسمة، بما في ذلك ثلاثة أهداف من أشهر الأهداف في تاريخ النادي، وأعني بذلك هدفه في مرمى إيفرتون، وهدفه في مرمى برشلونة، وهدفه في توتنهام.
وبالتالي، لم يكن غريباً أن يصف حساب ليفربول على «تويتر» أوريغي بأنه «أسطورة» يوم الخميس الماضي، وهو الوصف الذي استخدمه المدير الفني الألماني، يورغن كلوب، في أكثر من مناسبة أيضاً.
وكانت المرة الأولى التي يفعل فيها المدير الفني الألماني ذلك في غرفة مليئة بالصحافيين قبل مباراة ليفربول وجينك البلجيكي في دوري أبطال أوروبا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، وكرد فعل بعد أن فشل أحد المراسلين في ذكر اسم أوريغي بينما كان يذكر أسماء اللاعبين الذين تخرجوا في أكاديمية الناشئين بالنادي البلجيكي. من المؤكد أن كيفين دي بروين هو من يأتي في الصدارة، وعلى الرغم من أن أوريغي ليس بمستواه ولن يصل إلى مستواه أبداً، فإن حقيقة أن أوريغي قد ساهم في فوز ليفربول بستة ألقاب، بما في ذلك الدوري الإنجليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا، تعد مصدر فخر كبير لهذا اللاعب.
وقال ميشيل ريبيرو، لاعب خط وسط جينك السابق والذي يعمل مساعداً للمدير الفني للفريق الأول بالنادي وسبق له أن عمل مع أوريغي خلال فترة عمله مديراً تقنياً في أكاديمية الناشئين: «أنا أعرف ديفوك منذ ولادته.
لقد لعب والده، مايك، أيضاً في صفوف جينك، لذلك رأيت ديفوك وهو يكبر وعملت معه منذ سن الثامنة أو التاسعة حتى تركَنا في عام 2010».
وأضاف: «لقد كان طفلاً رائعاً، وكان دائماً في حالة معنوية جيدة، ولديه رغبة دائمة في التعلم، وأدركنا منذ صغره أنه يمتلك شيئاً مميزاً. لقد كان أحد أفضل اللاعبين الواعدين، وكان هناك أمل في أن يلعب يوماً ما مع نادٍ كبير، وقد نجح في القيام بذلك بالفعل ولعب مع ليفربول، وهو أمر رائع».
يشير ريبيرو إلى أن التكوين البدني القوي لأوريغي ساعد أيضاً في التنبؤ بوصول اللاعب إلى مكانة كبيرة، ويقول: «كان ديفوك طويل القامة مقارنةً بالأطفال الآخرين، لكن الشيء الجيد فيه هو أنه لم يكن قوياً فقط، فقد كان يجيد اللعب بقدميه أيضاً. لذلك عملنا على تطوير وتحسين تحركاته داخل الملعب لتعظيم قدرته على الركض بالكرة والمراوغة. وقد استوعب ذلك بشكل مذهل».
أظهر أوريغي هذه القدرات والإمكانيات الهائلة في كأس العالم 2014، حيث تألق مع منتخب بلجيكا ولعب جميع المباريات الخمس التي لعبها منتخب بلاده في المونديال، وأصبح أول لاعب شاب يسجل في كأس العالم منذ أن فعل ذلك النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي في عام 2006. كان أوريغي يبلغ من العمر آنذاك 19 عاماً، وكان يبدو أنه قادر على الوصول إلى مستويات استثنائية، واتخذ مسؤولو ليفربول قراراً ذكياً للغاية عندما تعاقدوا معه في وقت لاحق من ذلك الصيف مقابل 10 ملايين جنيه إسترليني. وقال المدير الفني لليفربول آنذاك، بريندان رودجرز: «لديه كل المقومات التي تجعله لاعباً من الطراز العالمي، وأنا أؤمن بذلك تماماً».

أوريغي يحتفل بأحد أهدافه (إ.ب.أ)

أُعير أوريغي على الفور إلى ليل الفرنسي، الذي كان قد أمضى معه المواسم الأربعة السابقة، قبل أن ينضم إلى ليفربول بشكل كامل في موسم 2015 – 2016، لقد كان وقتاً مضطرباً تماماً لنادي ليفربول، حيث أُقيل رودجرز من منصبه مبكراً وحل محله يورغن كلوب. كان من الممكن أن يكون تغيير المدير الفني كارثياً بالنسبة لأوريغي، لكنه تأقلم مع الوضع الجديد، وبعد أن سجل أربع مرات في ثلاث مباريات خلال شهر أبريل (نيسان)، بما في ذلك في مباراتا الذهاب والإياب للدور ربع النهائي للدوري الأوروبي أمام بروسيا دورتموند، بدأ أوريغي يثبت نفسه كأحد العناصر الأساسية للريدز تحت قيادة كلوب.
ثم جاء ديربي الميرسيسايد أمام إيفرتون في وقت لاحق من ذلك الشهر، عندما سجل أوريغي مرة أخرى، لكنه تعرض لإصابة في أربطة الكاحل بعد التدخل العنيف عليه من قبل راميرو فونيس موري. أبعدته هذه الإصابة عن الملاعب لمدة شهر، كما غاب عن المباراة النهائية للدوري الأوروبي، وهو الأمر الذي كان بمثابة اختبار جدي لمدى رغبته في العودة بكل قوة. لكن مع بداية الموسم التالي، فقد أوريغي مكانه في التشكيلة الأساسية، سواء بسبب جلوسه على مقاعد البدلاء أو بسبب غيابه المتكرر بداعي الإصابة.
ربما كان من المحتمل أن يحدث هذا على أي حال بعدما بدأ كلوب في تعزيز صفوف فريقه، حيث تعاقد ليفربول مع السنغالي ساديو ماني والمصري محمد صلاح في صيفين متتاليين، ليشكلا إلى جانب المهاجم البرازيلي روبرتو فيرمينو واحداً من أقوى خطوط الهجوم وأكثرها إثارةً وتدميراً في تاريخ كرة القدم الإنجليزية. لم يكن أوريغي في مستوى هذا الثلاثي الهجومي، وكان ذلك واضحاً كلما شارك بديلاً لأحدهم، حيث كان أداء خط الهجوم يصبح أقل سلاسة وسرعة وفاعلية عند مشاركته.
خرج أوريغي مرة أخرى على سبيل الإعارة قبل موسم 2017 - 2018، وهذه المرة إلى فولفسبورغ الألماني، وعندما عاد إلى «أنفيلد» لم يجد نفسه بعيداً عن التشكيلة الأساسية فحسب، بل وجد نفسه يلعب في مركز غير مركزه الأصلي عندما يشارك كبديل. لقد أصبح يلعب بشكل متزايد على الأطراف وليس في الوسط، لدرجة أنه في موسم 2019 - 2020 الذي فاز فيه ليفربول باللقب لعب أوريغي في مركز الجناح الأيسر أكثر مما لعب في مركز المهاجم الصريح (21 مرة كجناح أيسر، مقابل 18 مرة كمهاجم صريح) وكانت الغالبية العظمى من هذه المباريات كبديل.
ويمكن القول إن أوريغي كان إلى حد ما ضحية للتعليم الذي تلقاه في جينك، ويوضح ريبيرو ذلك قائلاً: «في أكاديمية الناشئين، نجعل الأطفال دائماً يلعبون في مراكز مختلفة لكي يكونوا لاعبين متكاملين قدر الإمكان. لذلك لعب ديفوك كجناح أيسر، وكمهاجم صريح وكصانع ألعاب، ويمكنك أن ترى أنه بإمكانه اللعب كجناح مع المنتخب البلجيكي وعندما كان في ليفربول».
ويصف ريبيرو إنهاء أوريغي للهجمات خلال الفترة التي قضاها في جينك بأنه كان «لا بأس به». وكان هذا هو الحال بشكل عام في ليفربول أيضاً، لكن لا يمكن إنكار أن الأمر كان أفضل من ذلك بكثير في ثلاث مناسبات خلال ستة أشهر، حيث أحرز هدفاً قاتلاً في الدقيقة 96 من رأسية مذهلة ليقود ليفربول للفوز في مباراة الديربي، ثم أحرز هدفاً بالقدم اليمنى ليكمل واحدة من أعظم مباريات العودة (الريمونتادا) في تاريخ كرة القدم الأوروبية أمام برشلونة، ثم أحرز هدفاً بالقدم اليسرى ليقود فريقه للفوز بدوري أبطال أوروبا للمرة السادسة في تاريخه. لم تُظهر هذه اللحظات الحاسمة مدى براعة وكفاءة أوريغي فحسب، لكنها أظهرت أيضاً قدرته على التحلي بالهدوء الشديد في أصعب الأوقات والظروف. وبالنسبة إلى المشجعين الذين كانوا في ملعب أنفيلد في ديسمبر (كانون الأول) عام 2018 ومايو (أيار) 2019 وفي ملعب ميتروبوليتانو في يونيو (حزيران) 2019، فمن المؤكد أنهم لن ينسوا الشعور الذي انتابهم عندما وضع المهاجم البلجيكي الكرة في الشباك!
يقول ريبيرو: «لقد شاهدت جميع الأهداف الثلاثة، وبعد الهدف الذي أحرزه في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا صرخت مثل الطفل الصغير لأنني كنت سعيداً للغاية. لقد بعثت برسالة تهنئة إلى ديفوك بعد نهاية المباراة مباشرةً. لكي أكون صريحاً، أنا أفعل ذلك دائماً -وحتى عندما يلعب مباراة عادية ويسجل هدفاً فإنني أرسل له رسالة نصية أبارك له فيها، ويردّ دائماً بالشكر. هذه هي طبيعته دائماً، فهو طفل رائع».
لكنّ أوريغي وصل الآن إلى العمر الذي يجب أن يقدم فيه أفضل مستوياته على الإطلاق، وبالتالي من المفهوم أن يفكر في الانتقال إلى مكان آخر من أجل المشاركة في المباريات بشكل أكبر. وهناك حاجة أيضاً إلى التغيير بالنظر إلى المدى الذي تراجع فيه ترتيب أوريغي في قائمة مهاجمي ليفربول، حيث لم يجد نفسه خلف ماني وصلاح وفيرمينو فحسب، لكنه وجد نفسه خلف ديوغو غوتا ولويس دياز أيضاً. وعلاوة على ذلك، فإن اللاعب البالغ من العمر 27 عاماً قد شارك في مباريات أقل من الياباني تاكومي مينامينو الموسم الماضي، على الرغم من أن الإصابة العضلية التي تعرض لها قد ساهمت في ذلك، لكن ما يُحسب لأوريغي حقاً هو أنه دائماً ما كان يترك بصمة واضحة عندما يعود للمشاركة في المباريات.
أحرز أوريغي ستة أهداف في 18 مباراة، من بينها هدفه الرائع في مرمى بريستون، وهدف الفوز في الوقت القاتل في مرمى وولفرهامبتون، وهدفه من ضربة رأس في مرمى إيفرتون والذي كان هدفه السادس في ديربي الميرسيسايد، وهو ما يجعله أكثر اللاعبين الأجانب تسجيلاً للأهداف في هذا الديربي.
والآن، يرحل أوريغي عن ليفربول وهو ممتنٌّ للفترة التي قضاها في النادي، وهو أمر واضح للغاية من الرسالة التي نشرها على «تويتر» بعد فترة وجيزة من خيبة الأمل التي شعر بها الجميع في ليفربول بعد الخسارة أمام ريال مدريد في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا في العاصمة الفرنسية باريس، حيث قال: «لقد كانت رحلة استثنائية». ومع ذلك، ربما يكون قد ندم على فشله في الوصول إلى أفضل المستويات في أنفيلد. يمكن وصفه بأنه لاعب يظهر في المباريات والأحداث الكبرى، لكن من المؤكد أيضاً أنه لم يحافظ على تقديم نفس المستويات القوية لفترات طويلة، كما أنه لم يقدم الأداء الذي يجعله لاعباً من الطراز العالمي، بالشكل الذي تحدّث عنه رودجرز. لقد كانت هناك أسباب لذلك، بعضها خارج عن إرادة أوريغي، وبالنسبة للرجل الذي يتحدث أربع لغات ولديه شغف كبير بعلم النفس البشري، تأتي الآن الفرصة لتجربة شيء جديد والتطور بشكل أكبر على المستوى الشخصي والمهني.
يقول ريبيرو عن ذلك: «ديفوك يمتلك قدرات هائلة وبالتالي فمن غير المنطقي أن يبقى جالساً على مقاعد البدلاء كل أسبوع. إنه بحاجة إلى اللعب، للحفاظ على هذا النهم ولكي يظهر للجميع ما يمكنه القيام به. بالنسبة لي هو لاعب متكامل».
وعندما سئل ريبيرو عمّا إذا كان لديه شيء آخر يودّ أن يقوله لأوريغي، رد قائلاً: «ديفوك يعرف أنني أحبه وأتمنى له الأفضل».
ولا يوجد أدنى شك في أن الجميع في ليفربول أيضاً يحبونه ويتمنون له التوفيق!


مقالات ذات صلة


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.


إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
TT

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)

جدد إيقاف برنامج «البلدوزر» الذي يقدمه الكابتن مجدي عبد الغني على شاشة قناة «الشمس» المصرية عقب مشادة كلامية بين ضيفيه الرياضيين ربيع ياسين وأسامة حسن الجدل حول «التعصب الكروي» إعلامياً.

وقرر «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إيقاف برنامج «البلدوزر» بناءً على توصيات من لجنة الشكاوى مع استدعاء الممثل القانوني للقناة، وإلزام جميع وسائل الإعلام بمنع ظهور ضيفي البرنامج ربيع ياسين وأسامة حسن لحين انتهاء التحقيقات بشأن «المخالفات التي حدثت بحلقة، السبت.

وجاء قرار الإيقاف بالتزامن مع استدعاء «نقابة الإعلاميين» فريق عمل البرنامج، الذي يضم مقدم الحلقة ومعدها ومخرجها، إلى جانب الضيفين اللذين يتكرر استضافتهما في البرنامج، مساء كل سبت. ووصف نقيب الإعلاميين طارق سعدة، في بيان صدر، الأحد، ما حدث خلال الحلقة بأنه «لا يليق بالإعلام الرياضي المصري».

«الأعلى للإعلام» يوقف برنامج مجدي عبد الغني على قناة «الشمس» الفضائية (الهيئة الوطنية للإعلام)

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف برنامج رياضي بسبب تصريحات حدثت على الهواء، فسبق أن أوقف المجلس برنامج «كورة كل يوم» الذي يقدمه كريم حسن شحاتة على خلفية «مخالفة الأكواد والمعايير الإعلامية»، كما مُنع نجم النادي الأهلي أحمد بلال من الظهور لمدة 3 أسابيع مع تغريم القناة 50 ألف جنيه (الدولار يساوي 52 جنيهاً في البنوك) لمخالفة «الأكواد الإعلامية».

وشهدت حلقة مجدي عبد الغني المُلقب بـ«البلدوزر» مشادة كلامية خلال نقاش رياضي بشأن حظوظ الأهلي في المنافسة على لقب الدوري، بعدما أعلن ربيع ياسين توقعه تتويج الفريق بالبطولة، وهو ما دفع أسامة حسن للرد عليه بعبارة «ابقى قابلني»، ومع استمرار الحوار، وجه ياسين سؤالاً حاداً إلى حسن حول موقفه إذا حصد الأهلي اللقب، لتتصاعد حدة النقاش، وتتبادل الأطراف عبارات غاضبة.

وحاول مجدي عبد الغني احتواء الموقف وتهدئة الطرفين، لكن ياسين غادر الاستوديو على نحو مفاجئ، ليضطر البرنامج إلى قطع الحلقة، والذهاب إلى فاصل إعلاني. وبحسب المقاطع التي نشرتها القناة عبر حسابها على «يوتيوب»، عاد ياسين إلى الاستوديو بعد انتهاء الفاصل، واستؤنفت الحلقة.

وقال نقيب الإعلاميين طارق سعدة لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة قررت استدعاء فريق العمل بسبب ما صدر من تجاوزات في الحلقة، مؤكداً أن موقف النقابة مرتبط بالعاملين في المجال الإعلامي بشكل مباشر وفق الاختصاصات التي حددها القانون.

ربيع ياسين (حسابه على «فيسبوك»)

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» فإن لجنة الشكاوى بـ«الأعلى للإعلام» ستتخذ قراراً نهائياً خلال الأيام القليلة المقبلة بعد استكمال التحقيقات فيما حدث من «تجاوزات على الهواء» بعد الاستماع لجميع الأطراف على أن يصدر بيان رسمي في وقت لاحق.

وترى ليلى عبد المجيد العميد أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة أن «ظاهرة التوتر والمشادات في البرامج التلفزيونية لا تقتصر على البرامج الرياضية، لكنها تأخذ حيزاً أكبر في هذا النوع من البرامج بسبب حالة التعصب المرتبطة بالمجال الرياضي، سواء بين الإعلاميين أو الجمهور.

وأوضحت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الخلاف في الرأي يجب أن يظل داخل إطار الحوار، من دون رفع الصوت أو الدخول في مشادات»، مشيرة إلى أن «بعض البرامج شهدت في فترات سابقة اشتباكات بين الضيوف وصلت إلى حد التعدي الجسدي، وهو أمر تراه مرفوضاً تماماً».

وأضافت أن «خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الحلقة، وإنما تمتد إلى الجمهور والأجيال الجديدة التي تشاهدها؛ لأنها تقدم نموذجاً سلبياً للتعامل مع الاختلاف، وتحول الحوار من تبادل للأفكار إلى صراع ومواجهة»، لافتة إلى أن «ذلك قد يسهم في زيادة حالات التعصب والتطرف التي تظهر في الملاعب، خصوصاً في كرة القدم؛ ما يجعل ظهور هذه النماذج على شاشة التلفزيون يرسخها بدلاً من مواجهتها».

أسامة حسن (حسابه على «فيسبوك»)

وأشارت عبد المجيد إلى «أهمية تدخل الجهات المعنية بعد التحقيق في مثل هذه الوقائع، وفرض عقوبات تتناسب مع طبيعة المخالفة»، موضحة أن «عقوبات الإيقاف أو المنع لفترات محددة لم تنجح حتى الآن في القضاء على الظاهرة؛ ما يستدعي عقوبات أكثر حدة، وقد يصل الأمر، في الحالات المتكررة، إلى المنع النهائي»، معتبرة أن «تطبيق عقوبة صارمة على حالة أو حالتين قد يسهم في الحد من هذه الظواهر السلبية».