اضطر نائب الرئيس الأميركي جو بايدن إلى تقديم اعتذار ضمني لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي عن التصريحات التي أدلى بها وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر بشأن ما عدّه كارتر «عدم إبداء الجيش العراقي رغبة» في القتال ضد تنظيم داعش. تصريحات كارتر أثارت موجة من الانتقادات داخل العراق في وقت تعاني فيه المؤسسة العسكرية العراقية انتكاسات لم تمر بها هذه المؤسسة طوال تاريخها الحافل الذي يمتد إلى قرابة مائة عام منذ إعلان تشكيل أول فوج لهذا الجيش سمي «فوج موسى الكاظم» في 6 يناير (كانون الثاني) عام 1921.
منذ انهيار وحدات الجيش العراقي بالموصل في شهر يونيو (حزيران) الماضي أمام تقدم «داعش»، حتى الانسحاب من الرمادي منتصف مايو (أيار) الحالي، ومرورا بتكريت التي تم تحريرها خلال شهر مارس (آذار) الماضي بتدخل مباشر من قبل الحشد الشعبي، يواجه الجيش العراقي نكسات مريرة. وتلاحق أبرز قيادات الجيش العراقي لجان التحقيق؛ بدءا من «لجنة سقوط الموصل» التي توشك على الانتهاء من تقريرها، وصولا إلى «لجنة سقوط الرمادي» التي هي الآن على وشك التشكيل، مرورا بـ«لجنة سبايكر» حيث المجزرة التي أدت إلى ذبح أكثر من 1700 جندي ومتطوع عراقي على يد تنظيم «داعش» حتى قبل سيطرته على مدينة تكريت بالكامل.
بايدن الذي اضطر إلى الاعتذار الضمني أراد، من وجهة نظر المراقبين السياسيين في العاصمة العراقية بغداد، مراعاة المشاعر الوطنية العراقية التي تراجعت نتيجة بروز الهويات الفرعية التي ثبتتها المحاصصة العرقية والطائفية مما جعل الجيش العراقي في النهاية ضحية لها. وفي الوقت نفسه، فإن كثيرا من العراقيين؛ سواء كانوا سياسيين أم خبراء أم مواطنين، يحملون الولايات المتحدة مسؤولية كبرى عن الانتكاسات التي باتت تواجهها المؤسسة العراقية نتيجة للإخفاق الأميركي في التسليح والتدريب للجيش الجديد الذي أسسه بول بريمر، أول حاكم مدني أميركي للعراق بعد عام 2003. بريمر الذي حل الجيش السابق بقرار تعسفي، كما يرى نائب رئيس لجنة الأمن والدفاع العراقية والضابط العراقي السابق حامد المطلك في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يتحمل «مسؤولية كبيرة على صعيد الإخفاقات التي بات يواجهها الجيش العراقي اليوم نتيجة لقراره، الذي لا يمكن وصفه إلا بالأحمق، بحل الجيش العراقي، الذي ترتب عليه كل ما نراه اليوم من انهيار أمني أدى في مقابل ذلك إلى سيطرة الميليشيات والفصائل المسلحة التي تحمل السلاح خارج نطاق الدولة». ويضيف المطلك أن «الأهم هو ضرورة أن يحصل الجيش على الاهتمام المطلوب من حيث التسليح والتدريب والتجهيز، وأن يراعى موضوع التوازن داخله، وأن تتخلص المؤسسة العسكرية من كل الحالات التي لا تنفع الجيش بقدر ما تضره مثل الدمج.. وغيرها»، موضحا أن «التجربة الأولى التي واجهها الجيش العراقي بالطريقة الخاطئة التي بني عليها، هي انتكاسة الموصل التي أثبتت أهمية أن يكون هناك جيش واحد موحد، وأن تبتعد القوى والكتل السياسية عن توجهاته، وأن يعاد العمل بالتجنيد الإلزامي، وأن تكون له عقيدة عسكرية واضحة».
وأبدى المطلك أسفه لأن «هناك جهات لا تريد التجنيد الإلزامي، بينما إذا أردنا أن نشعر بوحدتنا كعراقيين، يجب أن نعيد التجنيد الإلزامي، وهو ما نعمل عليه بقوة».
ضياع الهوية الوطنية، وتعدد الولاءات العرقية والطائفية والحزبية والمناطقية، وغياب العقيدة العسكرية، بالإضافة إلى الفساد المالي والإداري، هي التي أدت في النهاية إلى سلسلة النكسات التي عانى منها الجيش العراقي، التي باتت تهدد بحله مثلما أعلن رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري في حوار مع «الشرق الأوسط» أخيرا.
مثل كل شيء مختلف عليه في العراق، أصبحت العقيدة العسكرية للجيش العراقي مختلفا عليها هي الأخرى؛ الأمر الذي جعل المؤسسة العسكرية في وضع لا تحسد عليه.. فمن التهديد بحلها، مثلما يقول الجبوري رئيس البرلمان، إلى أهمية بناء عقيدة جديدة، مثلما يرى القيادي في التيار الصدري ونائب رئيس الوزراء بهاء الأعرجي الذي يقر بأن العراق كان واجه إيران في حربه الطويلة معها خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي «لأن الجيش العراقي كان جيش عقيدة ووطن»، معتبرا أن الجيش الحالي «جيش وظيفة لا عقيدة». ومع أن تصريحات الأعرجي هذه قد أثارت ضده موجة حادة من مكتب رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي كان بهذا المنصب وأيضا القائد العام السابق للقوات المسلحة، إلى حد رفع دعوى قضائية ضده، فإن ما ذهب إليه زعيم المجلس الأعلى الإسلامي عمار الحكيم بصدد الكيفية التي ينبغي من خلالها مواجهة تنظيم داعش، أعاد إلى الواجهة إشكالية العقيدة العسكرية للجيش العراقي.. فالحكيم ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حين أقر أن «(داعش) يمتلك مقاتلين عقائديين، وبغض النظر عن تقييمنا لعقيدة هؤلاء المقاتلين وفسادها، فإن المهم أنهم مقاتلون عقائديون يمتلكون الاندفاع، وليس لديهم ما يخسرونه.. وقلنا إن (داعش) يعرف تماما ماذا بريد، وإن لديه استراتيجية وخطة ولديه إعلاما موجها». وفي سياق الجدل المستمر بشأن الانهيارات التي تعرضت لها المؤسسة العسكرية منذ الموصل حتى الرمادي، وعلاقتها بالعقيدة العسكرية، يقول الخبير الأمني المتخصص بشؤون الجماعات المسلحة هشام الهاشمي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن «السياسات الحزبية المتناقضة في إدارة الملف الأمني هي السبب في كل ما يحصل». وأوضح أن «سطوة الأحزاب السياسية لا تزال قائمة على المؤسسة العسكرية، وكثير من قيادات العمليات والاستخبارات وتلك المسؤولة عن الدعم اللوجستي في وزارة الدفاع، مدعومة من أحزاب كبيرة أو مؤسسات دينية مهمة». وفي السياق نفسه، يبدي رئيس كتلة التحالف المدني في البرلمان العراقي مثال الآلوسي استغرابه من سلسلة الخسائر والنكسات التي باتت تعانيها المؤسسة العسكرية، قائلا إن «الانهيارات المستمرة التي شهدها الجيش العراقي تؤكد عدم الحرفية في بناء القوات المسلحة، وعدم تناسبها مع احتياجات العراق الأمنية». وأشار إلى أن «القوات العسكرية لا تتحرك بغطاء استخباري دقيق». ويضيف الآلوسي أن «المشكلة الكبرى في القوات المسلحة العراقية تكمن في عدم تفعيل قانون العقوبات العسكرية، الذي أقر منذ سنوات قليلة»، مبينًا أن «البند الثالث من ذلك القانون ينص على أن المسؤول العسكري إذا ما انهار أو انسحب أو أدى إلى الانهيارات العسكرية، يعاقب بما قد يصل إلى الإعدام». وعبر الآلوسي عن استغرابه من الأعداد الكبيرة من الضباط الذين يحملون رتبًا كبيرة في الجيش العراقي، قائلا إن «وجود 93 ضابطًا برتبة فريق في الجيش العراقي حاليًا، وأكثر من 40 ألف جندي لحماية القيادات العسكرية، أمر غير منطقي على الإطلاق».
في شهادته عن كيفية سقوط الموصل التي أدلى بها أمام لجنة التحقيق المشكلة لهذا الغرض من قبل البرلمان العراقي، يوجه محافظ نينوى أثيل النجيفي أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى القيادات العسكرية التي كانت مسؤولة عن المحافظة آنذاك. وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» يقول النجيفي، الذي كان قائد عمليات نينوى الفريق الركن مهدي الغراوي قد اتهمه بتحمل مسؤولية السقوط، إن «الانهيار السريع للقطعات العسكرية التي أدت في النهاية إلى السقوط السريع للموصل بيد تنظيم داعش، كان بسبب انسحاب مفاجئ لقوات الشرطة الاتحادية من الساحل الأيمن؛ حيث لم تجر أية عمليات قتالية، بل جاءت عملية الانسحاب بشكل مثير للشبهات، في حين كانت هناك أفواج ووحدات قتالية تملك القوة والقدرة على القتال، لكنها لم تقاتل بأوامر من الغراوي مباشرة وبعلم القائد العام للقوات المسلحة آنذاك نوري المالكي». ويربط النجيفي بين الفشل في السياقات العسكرية التي أدت إلى تلك النتيجة، والفساد المالي والإداري الذي تعانيه المؤسسة العسكرية، ويقول: «من بين صور الفساد المالي مثلا إطلاق سراح ثلاثة من أخطر إرهابيي (داعش) مقابل أموال ضخمة دفعها (داعش) للغراوي وسواه من القادة العسكريين والأمنيين ممن يتحملون هذه المسؤولية».
لكن ما حل بالجيش العراقي من انتكاسات أمنية وآخرها في الرمادي، التي وصفها العبادي بأنها «تدمي القلب»، يعود إلى عامل آخر من عوامل الضعف التي بدأت تنخر به، وهو ما بات يسمى «الجيش الفضائي» الذي لا وجود له إلا في سلم الرواتب والأجور والامتيازات. العبادي بصفته القائد العام للقوات المسلحة كشف عن وجود نحو 50 ألف «فضائي» في الجيش العراقي وفي أربع فرق عسكرية فقط (الجيش العراقي الجديد الذي شكله بريمر يتكون من 17 فرقة). وبعملية حسابية أولية، فإنه لو افترضنا أن عدد الفضائيين هو 50 ألفا فقط، فإن مرتبات هؤلاء تصل إلى 500 مليون دولار سنويا، بواقع 700 دولار شهريا حدا أدنى للفرد. وإذا أضفنا لها مخصصات طعام هؤلاء الفضائيين بمعدل ثلاث وجبات تكلف الدولة (مع نسبة الفساد فيها) ما لا يقل عن 150 دولارا شهريا للفرد، فهذا يعني 90 مليون دولار سنويا؛ أي ما مجموعه 590 مليون دولار من الأموال المهدرة. وإذا حسبناها على مدار أربع سنوات هي فترة الحكومة السابقة، فالرقم يصل إلى قرابة المليارين ونصف المليار دولار.
قائد القوات البرية السابق الفريق الركن علي غيدان، وهو أحد أكبر المتهمين بـ«نكسة الموصل» وفي مسعى منه لتبرئة نفسه من قضية الجنود «الفضائيين»، وخلال استجوابه في مكتب رئيس الوزراء العبادي، قال إن «مكتب رئيس الوزراء السابق نوري المالكي على علم بملف الجنود الفضائيين في وزارتي الداخلية والدفاع». غيدان أضاف أن «نسبة ثابتة تصل إلى 40 في المائة من رواتب الفضائيين كانت تستقطع وترسل إلى مكتب القائد العام للقوات المسلحة السابق». ويضيف أن «هؤلاء الفضائيين كانوا موزعين على أمراء الفرق والألوية والأفواج وحتى ضباط السرايا والفصائل، وبواقع 250 جنديا لآمر الفرقة، و200 لآمر الفوج، و75 لآمر السرية، وعدد أقل لأمراء الفصائل والسرايا». وأوضح غيدان أنه أخبر «المالكي شخصيا بذلك وأن مكتب القائد العام يستقطع أموالا من رواتب جنود وهميين لا وجود لهم، لكن رئيس الوزراء السابق أمرني بعدم إثارة هذه القضية مرة أخرى، لأن البلد يمر بحالة حرب، ولا نملك الوقت والجهد لمتابعة مثل هكذا قضايا بسيطة، كما أنه أمر لي بمكافأة 25 مليون دينار عراقي لتنبيهه على هذا الموضوع دون أن يتخذ أي إجراء فعلي».
فبعد اختلاط المصالح السياسية الضيقة والفساد الإداري المستشري في دوائر عدة في العراق، يعاني الجيش ما تعانيه الدولة العراقية على نطاق أوسع من أزمات تهدد حاضره ومستقبله.
* نبذة عن الجيش العراقي
* القوات المسلحة العراقية هي القوة النظامية لجمهورية العراق، ويرجع تاريخ تأسيسها إلى 6 يناير عام 1921؛ حيث تأسست أولى وحدات الجيش العراقي خلال عهد الانتداب البريطاني، وتم حينها تشكيل «فوج الإمام موسى الكاظم» الذي عين أحد ضباط الثورة العربية جعفر العسكري أول قائد له. تتألف وحدات الجيش العراقي من القوة البرية، والقوة البحرية، والقوة الجوية. وصل تعداد الجيش إلى ذروته مع نهاية الحرب العراقية - الإيرانية، ليبلغ عدد أفراده مليون عنصر. بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، أصدر الحاكم المدني الأميركي للعراق بول بريمر قرارًا بحل الجيش العراقي، فأعيد تشكيل الجيش وتسليحه من جديد، حيث تألف هذه المرة من 17 فرقة عسكرية.

