تشرشل... سيرة جديدة تناقض كتب التاريخ والصحافة الشعبية

طارق علي يكتب سردية صادمة عن بطل بريطانيا القومي

ونستون تشرشل
ونستون تشرشل
TT

تشرشل... سيرة جديدة تناقض كتب التاريخ والصحافة الشعبية

ونستون تشرشل
ونستون تشرشل

بإضافة كلمة «جرائمه» إلى عنوان أحدث سيرة صدرت عن السير ونستون تشرشل، يَعِدُ طارق علي، المفكر اليساري البريطاني من أصل باكستاني، القارئ بـ«سرديّة تخالف تلك السائدة في كتب التاريخ المدرسي والصحافة الشعبيّة البريطانيّة» التي لطالما قدمت رئيس وزراء بريطانيا خلال الحرب العالميّة الثانية كأفضل زعيم بريطاني على الإطلاق، وتوّجته بطلاً قومياً لها. والواقع أن تلك مهمّة صعبة تولاها علي، ليس لقلّة المواد أو غياب الوثائق، فهذه، في الحالة التشرشليّة تحديداً، متوفرة بكثافة، وهناك أرشيف ضخم عن دور الرجل وحياته المهنيّة ومساهماته تحتفظ به الدّولة البريطانيّة بأشكال متعددة، كما وثائق مجتمعات كثيرة من الهند إلى مصر إلى كينيا تعاطى معها في إطار المهمات السياسيّة المتعاقبة التي تولاها ضمن هيكليّة النظام البريطانيّ.
لكن الصعوبة متأتية من أمرين أولهما تعمّق سرديّة تشرشل كبطل قومي في المخيال الشعبي البريطانيّ، وتبني المؤسسة لها، وتماهي كثير من السياسيين البريطانيين معها –لا سيّما في حزب المحافظين الحاكم وحزب تشرشل تاريخياً– بمن فيهم رئيس الوزراء الحالي، بوريس جونسون، الذي وضع كتاباً تمجيدياً عنه، ويعده ملهمه وشيخه الأكبر. وثمّة بالإنجليزية، يقول عليّ، أكثر من 1600 كتاب أُلفت في مراحل مختلفة ومن زوايا نظر متفاوتة عن تشرشل تتوفر للعموم للاختيار منها، لكن لا يكاد أي منها يخرج عن الخطوط العريضة للسرديّة الرسميّة، اللهمّ ربّما في تفاصيل فنيّة لا تفسد للصورة السائدة قضيّة.
أما مصدر الصعوبة الآخر فلا شكّ هو بعد الشقّة زمنياً، إذ إن رئيس الوزراء العتيد رحل عن عالمنا منذ عقود، ومضت مرحلة الحرب العالمية الثانية التي تُوِّج نجماً لها بشكل كبير من حيّز الذاكرة الحيّة في أذهان من عاشوا تلك المرحلة إلى فضاء التاريخ البارد المحض بعدما فارق أغلبهم الحياة أو كادوا، فيما تبدو الأجيال الجديدة وقد فقدت بشكل عام الاهتمام بها، حتى إن استطلاعاً حديثاً للرأي يقول إن واحداً من كل خمسة مراهقين بريطانيين يعتقد جازماً بكون وينستون تشرشل شخصيّة خيالية من فضاء الروايات الأدبيّة أو مجلات الكوميكس.
في «وينستون تشرشل... أوقاته وجرائمه»، وفق علي، لن تجد إجزال الثناء المعهود على «رجل الدّولة»، أو التهويلات من نوعيّة «أفضل بريطاني في التاريخ»، ولا المزاعم بشأن «عبقريّة القيادة في الخطاب الشهير عن القتال على الشواطئ»، ولا حتى ما يشير إلى ذلك «القائد العنيد الذي أنقذ بريطانيا والعالم من النازية والفاشيست»، وبدلاً من ذلك، تجد قصة سياسي يميني متعصّب عرقيّاً، متطرف في المنافحة عن الاستعمار حد ارتكاب جرائم حرب، متحمّس لشن الحروب وإرسال الجنود إلى حتفهم بعكس نصائح كل رجاله، وأنموذج عريق في ممارسة القمع السياسي محلياً كما في مستعمرات الإمبراطوريّة التي كانت ذات يوم لا تغيب عنها الشمس –شمس للقهر لا للنّور.
وإذا كان أمر المختص بشؤون التاريخ سهلاً لناحية الأخذ بأيٍّ من هاتين الصورتين المتناقضتين بالكليّة، فإن التساؤل الذي لا شكّ يتبادر لذهن القارئ العادي بدايةً من تعبير «جرائمه» في عنوان الكتاب إلى خاتمته هو «أين الحقيقة إذن؟»، أيدع المرء 1600 كتاب من الإشادة بالرجل إلى كتاب واحد من الهجاء (السياسي)، لا سيّما وإن علمنا أن كاتب السيرة البديلة هذه ينتمي إلى تيار فكري يتناقض بالضرورة مع توجهات اليمين -وبالتبعيّة أبطاله المُطوّبين؟ لعله من الأهميّة بمكان هنا الارتكان إلى الإطار الكلي للأحداث التي شكلت المعالم الرئيس للتشرشليّة، ومن ثم السعي الصبور لتأسيس معالم سيرة الرجل من خلال رسم مواقفه الموثقة في خضم تلك الأحداث كأنها نقاط مرجعيّة على ورقة بيضاء خالية، ليقرر القارئ بنفسه، مع تقدّم النصّ وتعدد النقاط المثبتة، صورة تشرشل التي شرعت بالتشكل أمامه.

لقد كان تشرشل حتماً، بحكم الولادة والنشأة، ودون اختيار منه، ابناً طبيعياً للإمبراطوريّة البريطانيّة بنخبويتها المفرطة، وعنصريتها الممنهجة، وجرأتها على شن الحروب على الأمم الأضعف. فقد وُلد في قصر منيف سليلاً لعائلة أرستقراطية -ابن عم دوق مارلبورو السياسي البريطاني المعروف- ولذلك فإن تشكل وعيه السياسي كان محكوماً بتوجهات طبقته اليمينيّة وأشواقها، ولم يكن سجلّه الأكاديمي الضعيف في مدرسة هارو ليقف عائقاً أمام تطوّر حياته المهنيّة كصحافي وتالياً كسياسي ورجل دولة، مأخوذاً دائماً بالصراع والحرب وهالة مجد بريطانيا العظمى. فعندما بلغ سن الرشد، كانت بريطانيا في ذروة الصراع الإمبريالي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ولم يكن لمن هم مثله نقص في الفرص، فانخرط في حرب السودان (1898) وحرب البوير بجنوب أفريقيا في مطلع القرن العشرين. وعند قامت الحرب العالميّة الأولى (1914) كان واحداً من أقوى السياسيين في مجلس الوزراء، ومسؤولاً عن أكبر بحرية في العالم.
وتُظهر السّجلات من تلك الفترة دوراً أساسياً له في الدّفع نحو الحرب، سواء في النقاشات داخل الحكومة، أو إجراءات أحاديّة اتخذها لوضع البحرية البريطانيّة في حال التأهب قبل أسبوع كامل من غزو بلجيكا، ومن ثمّ إعلان الحرب على ألمانيا التي كلّفت بلاده والعالم ملايين الأرواح. على أن اندفاع تشرشل للعدوان والصراعات الحربيّة لم يكن نتاج عبقريّة عسكريّة بأي شكل، إذ لا يمكن تجاهل قراره الأحمق محاولة الاستيلاء على البحر الأسود رغم كل نصائح قادة الجيش بعكس ذلك، وهي معركة ذهبت في التاريخ كإحدى أهم الهزائم التي تعرضت لها الأمّة البريطانية وراح ضحيتها بلا طائل 45 ألف جندي بمن فيهم أُستراليون ونيوزلنديون وهنود، وأُجبر على أثرها على ترك منصبه في الأميراليّة.
سجلّ تشرشل الذي يورده علي لا يقتصر على تلك الهزيمة المجلجلة على شاطئ الدردنيل، بل يمتد في سياق مشين من خلال دوره كوزير حرب خلال قمع حرب الاستقلال الآيرلنديّة وتقسيم آيرلندا المستمر إلى الآن، كما القرار باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد أكراد العراق بعد الحرب العالمية الأولى، وإذكاء الحرب الأهلية في روسيا بعد الثورة البلشفيّة عام 1917 والحرب ضد الشيوعيين اليونانيين عام 1945، والانقلاب ضد حكومة مصدق في إيران عام 1953، وفظائع اضطهاد الكينيين خلال حرب الاستقلال هناك في الخمسينات، ناهيك بمسؤوليته المباشرة عن الإجراءات التي أدت إلى حدوث مجاعة البنغال التي قضى فيها عدة ملايين من البشر جوعاً دون داعٍ.
وحتى فيما يتعلّق بدوره كبطل للحرب العالميّة الثانية، فإن علي يورد حقائق تشير إلى أن المحافظين واليمين البريطاني بعمومه كان يميل إلى تجنّب الحرب وغير جاد في التحضير لها ومستعداً بشكل أو آخر لقبول توازن مع ألمانيا الصاعدة، وأن تشرشل الذي كان قد تولى رئاسة الوزراء بعد تشمبرلين كان وراء توريط بريطانيا في الحرب، ولذهول المراقبين وقتها بدعم من مقاعد حزب العمال المعارض ولذلك حكم بالائتلاف معهم، وأرسل ملايين البريطانيين ليقتلوا ويُقتلوا، وساهم بذلك في دمار أوروبا، وتهاوي مكانة بلاده لمصلحة صعود القطبين الأميركي والسوفياتي.
وحسب علي دائماً، فإن تاريخ تشرشل محلياً لم يكن بحال أفضل من سجله الدموي عالميّاً. لقد أمر بإطلاق النار على العمال المضربين في تونيباندي (1910) وقمع الإضراب العمالي الأكبر في تاريخ بريطانيا (1926) بمحض القوة، وكان شخصياً وراء حادثة شارع سيدني التي أدت إلى مقتل اثنين من اليهود الأناركيين حرقاً. وهو يورد كل هذه السيرة ترافقاً مع رسمه للتحيزات الطبقيّة والعنصريّة لتشرشل، بما فيها مقته العميق للعمال وعنصريته المعلنة ضد شعوب المستعمرات، وضد اليهود أيضاً.
أهميّة كتاب علي في تفكيكه سيرة تشرشل لا تتعلق أساساً بتأريخ الأحداث التي كان الرجل جزءاً منها رغم الجهد الملحوظ في تسجيل بعض محطاتها، وإنما في كشفه عن خطورة أن يصمّ مجتمع متقدّم مثل بريطانيا -تعد دولته من الأكثر ثراءً في العالم وأوسعها تأثيراً ثقافياً- أذنيه عن الحقائق بشأن أحد أهم سياسييها في التاريخ، فيُشيّد حوله جداراً من وهمٍ بعلو 1600 كتاب أدمن عليه، منتظراً ابن مهاجر باكستاني كي يكتب له حكايته النقيضة.

* Tariq Ali, «Winston Churchill: His Times, His Crimes”, Verso, 2022



الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت
TT

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم، قدمّه سفين بيكرت، المؤرخ الأميركي (من أصل ألماني) وأستاذ التاريخ في جامعة هارفارد، مستنداً إلى بحث أرشيفي هائل يغطي القارات الخمس، ليطرح سردية تاريخية تتجاوز المركزية الأوروبية التقليدية، وترسم خريطة لنظام وُلد عالمياً منذ لحظاته الأولى، وتغذى على تحالف وثيق بين «السوق» و«المدفع».

يستهلُّ بيكرت سرديته بجرأة ملحوظة، ليختار عام 1150 وميناء عدن (في اليمن) نقطة لانطلاق الرأسمالية، بدلاً من مصانع مانشستر أو أمستردام كما في الرواية التقليدية، ويرى في شبكات التجار التي ربطت بين القاهرة، وعدن، وتشانغتشو الصينية، وتجار البندقية، جزراً لرأس المال مارست منطق الربح والاستثمار عبر المسافات الطويلة قبل قرون من صعود الغرب. ويؤسس هذا لفكرته المركزية: الرأسمالية نظام عالمي في جوهره، نشأ من تضافر جهود تجارية عابرة للقارات، وتطوَّر عبر آليات ربطت بين المنتِج في أقاصي آسيا والمستهلِك في أوروبا.

ينقّب النص في طبقات التاريخ محاولاً توضيح الكيفيّة التي تحولت بها هذه الجزر المعزولة نظاماً مهيمناً. فمع الربط العظيم الذي تحقق بين الشرق والغرب في القرنين الـ15 والـ16، دمج التجار الأوروبيون قارات العالم الجديد في شبكاتهم، مستفيدين من القوة العسكرية لدولهم. هنا، يبرز دور «رأسمالية الحرب» بوصفها قاطرة للنمو. فالتوسع التجاري تطلب أساطيلَ مسلحة، وحمايةً حكومية، وقدرةً على انتزاع الأراضي والموارد بالقوة.

وثمّة مساحة واسعة مؤلمة في الكتاب لرصد التكلفة البشرية لهذا الصعود، مستخدماً إحصاءات ووثائق تاريخية دقيقة، فيقف مطولاً - على سبيل المثال - عند مدينة بوتوسي (في بوليفيا الحالية) خلال القرن الـ17، التي كانت تنتج 60 في المائة من فضة العالم، ويصفها السكان المحليون بـ«الجبل الذي يلتهم الرجال»، حيث لقي ربع من نزلوا إلى المناجم حتفهم جراء العمل القسري والتسمم بالزئبق، بينما استمتعت نخب المدينة بالبضائع الفاخرة المستوردة من البندقية والصين.

تتجلى وحشية النظام في اعتماد الرأسمالية المبكرة - واللاحقة - على العمل القسري؛ إذ تشير البيانات التي يوردها الكتاب إلى نقل التجار الأوروبيين 4.38 مليون أفريقي مستعبد إلى الأميركيتين قبل عام 1760، وهو رقم يمثل ضعف عدد المهاجرين الأوروبيين في الفترة ذاتها، ويجادل بأن العبودية لم تكن نقيضاً للرأسمالية أو مرحلة سابقة عليها، بل كانت قلبها النابض الذي ضخ الدماء في شرايين الثورة الصناعية، موفرةً المواد الخام (القطن والسكر) والأسواق والتمويل اللازم للتصنيع. وحتى بعد إلغاء العبودية رسمياً، استمرت أشكال القهر عبر أنظمة العمل بالتعاقد التي نقلت ملايين العمال الآسيويين للعمل في ظروف شبيهة بالرق في مزارع المطاط والشاي.

يناهض «الرأسماليّة: تاريخ عالميّ» بقوة فكرة «السوق الحرة» التي تنظم نفسها بنفسها، مؤكداً أن الدولة القوية كانت الشرط المسبق لنجاح الرأسمالية؛ فمن تمويل الحملات الاستعمارية، إلى سن قوانين تجرم التشرد وتجبر الفلاحين على العمل في المصانع، وصولاً إلى التدخلات العسكرية لفتح الأسواق في الصين والهند، لعبت الدولة دور «قابلة توليد» للثروة.

ويستمر هذا الدور في العصر الحديث، حيث يروي المؤلف حكاية صعود النيوليبرالية في تشيلي تحت حكم بينوشيه، واصفاً إياه بـ«لينين النيوليبرالية». ويوضح كيف تطلب فرض آليات السوق الحرة في تشيلي تدخلاً عسكرياً وقمعاً للنقابات العمالية بدعم من المؤسسات الدولية؛ مما يعيد إنتاج نمط «رأسمالية الحرب» في قالب حديث. وفي السياق ذاته، يرى في صعود الصين الصناعي وتطور مناطق مثل شينزين استمراراً لهذا التحالف بين «الدولة ورأس المال»، حيث توفر الدولة البنية التحتية والعمالة المهاجرة من الأرياف (وغالبيتها من النساء) لخدمة سلاسل الإمداد العالمية.

ورغم الإجماع على القيمة التوثيقية للنصّ، فإن أطروحاته أثارت انقساماً حاداً بين المختصين لناحية كفاءة تفسيره طبيعة الرأسمالية؛ إذ عدّ البعض تعريفه إياها بوصفها تراكماً مستمراً لرأس المال اختزالاً لتعقيدات النظام الرأسمالي والدوافع الفردية البشرية، وإغفالاً لدور ريادة الأعمال والابتكار بوصفهما عاملين ذَوَيْ حيثية. فشخصيات، مثل إيلون ماسك (تيسلا)، وسام والتون (وول مارت)، وجيف بيزوس (أمازون)، لم يحركهم مجرد «التراكم الأعمى» للأموال، بل رغبة في بناء مؤسسات، أو تغيير أنماط الاستهلاك، أو حتى استكشاف الفضاء. الثروة هنا، جاءت نتيجة الفاعلية في تلبية حاجات السوق وتقديم الابتكارات، وليست مجرد عملية استخلاص للقيمة.

الجانب الآخر من الانتقادات عدّ أنه يصور الرأسمالية على أنها «وحش» أو «ذكاء اصطناعي مارق» هدفه الوحيد التوسع دون نهاية؛ مما يغيّب الوجه الآخر لها: الارتفاع الهائل في مستويات المعيشة، وزيادة متوسط العمر المتوقع، والتطور التقني الذي أتاح للبشرية رفاهية غير مسبوقة، فيبدو في بعض فصوله «تاريخاً دون أبطال»، يركز على الهياكل والأنظمة وآليات القهر، ويقلل من شأن الوكالة البشرية والقدرة على الإصلاح من داخل النظام، مثل دور الحركات العمالية ودولة الرفاه في ترويض الرأسمالية خلال القرن الـ20.

ومع ذلك، يظل «الرأسمالية: تاريخ عالمي» عملاً فكرياً ذا ثقل استثنائي، ينجح في زعزعة المسلّمات بشأن نشأة النظام الاقتصادي العالمي وطبيعته، ويقدم سرداً يضج بالحياة والتفاصيل؛ يربط بين عمال المناجم في بوليفيا خلال القرن الـ17 وعمال النسيج في كمبوديا اليوم، موضحاً وحدة المنطق الذي يحكم هذا التاريخ الطويل. ولعل قيمته الكبرى تكمن في شمولية نظرته، وفي تذكيره الدائم بأن الأسواق لا تعمل في فراغ، بل تتشكل عبر موازين القوى السياسية والعسكرية.

وسواء أتفقنا مع رؤية بيكرت للرأسمالية على أنها آلة تراكم وحشية، أم انحزنا إلى رؤية النقاد الذين يبرزون جانبها الإبداعي والتنموي، فإن الكتاب يفرض نفسه مرجعاً أساساً لا غنى عنه لفهم القوى التي شكلت، ولا تزال تشكل، عالمنا المعاصر. إنه كما دعوة مفتوحة للتفكير في تكلفة الرخاء، وفي الجذور الدموية للاقتصاد المًعَوْلَم، وفي مستقبل نظام أثبت قدرة هائلة على التكيف والبقاء رغم كل التنبؤات بنهايته.

* Capitalism: A Global History by Sven Beckert Allen Lane / Penguin Press 2025


«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد
TT

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون، بتحديد الفضاءين الزماني والمكاني اللذين تنطلق منهما الأحداث، إذ ينص في عنوان الفصل الأول على أن الأحداث تدور في المدينة البيضاء عام 2030، فزمن الرواية يتجاوز الزمن الواقعي، ما يجعلها أقرب إلى نبوءة أو استشراف لما يمكن أن يحدث مستقبلاً في هذه المدينة التونسية، والأقرب أنها «سيدي بوسعيد»، المشهورة باسم المدينة البيضاء، لكن السارد لم يسمها بشكل واضح، فتبدو استعارة لكثير من المدن الساحلية التي تشبهها في الوطن العربي كله.

تنطلق الرواية - الصادرة عن دار مسكلياني، وصدرت طبعتها المصرية عن دار صفصافة في 350 صفحة - من مقابر المدينة، التي تبدو مركز ثقل سردي، بكل ما يكتنف المقابر من حمولات تتعلق بالموت، والماضي، والتاريخ الذي انقضى، والبشر الذين رحلوا، والمذاهب والأفكار التي اندثرت.

في المقابر، ووسط صخب استثنائي، تتجمع قوة حكومية لاستخراج جثة مدفونة منذ ما يقارب عقدين من الزمان، لتشريحها ومعرفة سبب الموت الحقيقي، إنها جثة البطل والسارد، مختار الفاطمي، الذي نرى الحكاية كلها من وجهة نظره، حكايته في الماضي القريب، وحكايته مع الماضي البعيد، وحكاية الراهن السردي في عام 2030، وما اكتنف المدينة من تحولات.

مع انفتاح المقبرة واستخراج الصندوق، ينفتح العالم الروائي، وينفتح معه باب الغرابة، فقد استخرجوا الجسد، الذي كان محنطاً وملفوفاً في كتان على طريقة المومياوات الفرعونية، لكن الروح كانت حية، والذاكرة لم تزل نشطة، وكانت تتنصت طوال هذه السنوات لما يحدث خارج القبر، وبمجرد انفتاحه حلقت بعيداً، لتطوف فوق سماء المدينة، لنرى حاضرها بعيني هذه الذاكرة الهائمة وروحها المعذبة، عين مختار الفاطمي، الذي كان باحثاً في التاريخ الإسلامي، وتحديداً تاريخ الدولة الفاطمية، ويسعى عبر دراسة المخطوطات لاكتشاف أسرار اندثار أجداده الفاطميين وآثارهم، وكان هذا شغفه ومشروع حياته، فقد كان منشغلاً بالماضي، والمسكوت عنه فيه، لعله يعثر على أسباب وهن الحاضر، على خلاف والده، الذي كان يحثه على النظر للمستقبل، ولا يحبس نفسه في مقابر التاريخ وأقبيته المعتمة، التي لن تغير من الواقع شيئاً.

رغم تحديد الزمان والمكان في مطلع الرواية، فإن هذه الذاكرة الهائمة، وهي البطل الراوي، تحلق بالقارئ بين زمانين، الأول هو زمن الراهن السردي، في 2030، الذي اندلعت فيه حرب عنيفة، بين القوات النظامية لزعيم لم يسمه السارد، وأعداء الوطن والخونة، هكذا في المطلق، بعد تفشي إنفلونزا الخنازير بشكل وبائي خطير، وهجوم الخنازير على المدينة بشكل كاسح. والزمن الثاني هو زمن ما قبل رحيل مختار، في بداية العقد الثاني من القرن العشرين، وثورات الربيع العربي، وما هيمن عليها من تحولات عنيفة، عبر استرجاع الذاكرة لأحداث تلك الفترة. فالسرد يراوح بين هذين الزمنين، زمن الحرب الراهن الذي تعاينه الروح وتصفه سردياً، وزمن الثورات الذي تستعيده عبر ذكرياتها عن تلك الفترة وما حدث لها حتى لحظة الرحيل الغامض.

تنفتح الرواية على فضاءات مكانية متعددة، ولا تتوقف عند حدود المدينة البيضاء، إذ يطوف الراوي الباحث الشاب مختار الفاطمي، عبر تقنية الاسترجاع، في شوارع العاصمة المصرية القاهرة، وتحديداً منطقة وسط البلد الشهيرة، التي تمثل مقصداً لكل الباحثين والمثقفين، فقد سافر إلى مصر في بعثة علمية لمدة عام. وتصادف هذا مع اعتلاء جماعة الإخوان سدة الحكم، ومحاولتهم السيطرة على مقاليد الأمور، في مقابل ثورة الشعب عليهم. في هذه الأجواء الملتهبة سياسياً واجتماعياً، يعاين البطل جوهر فكرة الإقصاء والإزاحة، ورفض التعدد، وفرض هيمنة التيارات الدينية المتشددة، التي لا تختلف في مصر عنها في تونس، بما يمنح الرواية أبعاداً تتصل بالنقد الاجتماعي والسياسي، وتتواشج هذه الوقائع مع بحثه في أسباب محو كل أثر للدولة الفاطمية، بما يجعل للإقصاء في الحاضر بعداً تاريخياً قديماً ومتأصلاً في الوعي العربي، وينبئ عن تاريخ طويل من الإقصاء والمحو والإزاحة يعيد إنتاج نفسه، عبر اختلاف الأزمنة والأمكنة على مدار الوطن العربي، زمنياً من الماضي إلى الحاضر، ومكانياً من مصر إلى تونس.

نصف أحداث الرواية يدور في فضاء عالم المثقفين في مصر، بين القاهرة والإسكندرية، في عام حكم الإخوان. ونصفها الآخر تقريباً يدور في المدينة البيضاء، إذ تتحول إلى ديستوبيا حقيقية، مفعمة برائحة الموت ودماء البشر الذين تقتلهم كتائب الزعيم بدم بارد، بمجرد الاشتباه في إصابتهم بعدوى إنفلونزا الخنازير، كما تتحول الشوارع والميادين وحتى محطات القطار والأنفاق والمستشفيات، إلى ساحات حرب حقيقية، بين قوات الزعيم والخنازير التي تتغول، أو يقال إنها تغولت، حتى تحولت إلى عدو افتراضي مجهول، يتم باسمها تجييش أهل المدينة لمحاربتها، بينما رائحة الروث والعفن والجثث الآدمية تملأ كل ركن وشارع وزقاق، بما يشير إلى حمولات رمزية هائلة عن عفن الواقع وأزماته في 2030، الزمن الذي اختاره الراوي ليكون فضاء للأحداث، ويمنحها غرائبيتها.

هذه الغرائبية تحضر منذ أولى صفحات الرواية، عبر الرواي نفسه، الذي يبدو كطيف هائم، وذاكرة عائمة تنظر لكل شيء من علٍ، بدءاً من نظره لجثته نفسها، مروراً برؤيته واسترجاعه لماضيه والشخصيات التي قابلها في القاهرة والإسكندرية، حتى لحظة قتله على يد جماعة الإخوان، الذين قتلوه على هويته الفاطمية، ووصولاً إلى تحديقه في خراب المدينة البيضاء، تحت دعاوى محاربة الخنازير ومن يدعمهم من الخونة. فالرواي هنا مجرد ذاكرة، روح فارقت الجسد، لتروي لنا ما حدث وما يحدث، وربما ما يمكن أن يحدث، كاشفة عن تواطؤ إخوان تونس مع إخوان مصر في التنكيل به حياً وميتاً، ففي مصر قتلوه على هويته، وشحنوه في صندوق إلى وطنه، وهناك في تونس تستر الإخوان الحاكمون وقتها أيضاً على حقيقة قتله، وأعلنوا أنه مات نتيجة صاعقة أصابته في الإسكندرية، وتكتموا على السبب الجنائي، ومنعوا حتى أسرته من رؤية الجثة، فدفنوه بالصندوق الذي أرسل به.

وإذا كانت الرواية تراوح بين زمنين ومكانين، فإنها أيضاً تراوح بين فضح خطابين استبداديين، أحدهما (الإخوان) وسر خراب الماضي والحاضر، يقتل باسم الدين كل من يختلف معه، ويتعاطى مع المختلفين بوصفهم مارقين، والآخر يقتل - باسم الوطن والحفاظ عليه - كل من يعترض على خطابه، ويعدّهم خونة متحالفين مع الخنازير. هذه، إذن، رواية مفعمة بالطرافة، عن روح تحدق في عالمنا وتاريخنا، في واقعنا ومستقبلنا، برشاقة سردية بالغة، وعبر حيلة سردية غرائبية، لكنها رغم هذا المدخل الفانتازي، تبدو مسكونة بالواقع، والآيديولوجيا، ومحاولة الإمساك - فكرياً - بجوهر التخلف ومسبباته، فهي لا تبحث فقط عن الأسرار وراء مقتل البطل وفك لغز الجثة، لكنها تبحث عما هو أعمق، عن سر إعادة إنتاج الاستبداد في واقعنا، وسر خراب الماضي والحاضر رغم مرور السنين واختلاف المدن.


أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا
TT

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا، في نيو جيرسي ونيويورك بالتحديد، من خلال عائلتين، إحداهما هاجرت في منتصف القرن العشرين، والأخرى في بداية الثمانينات بعد أحداث الفتنة الطائفية في منطقة «الزاوية الحمراء» بالعاصمة المصرية، فتضيء بذلك فترة مهمة في التاريخ المصري الحديث.

يتعرَّض «مايكل بشارة»، بعد ثلاثة وأربعين عاماً من هجرته إلى أميركا، لحادث سير في نيويورك، يؤدي إلى إصابته بفقدان ذاكرة كلِّي ينسيه كل ماضيه، ولا يجعله قادراً على تكوين ذاكرة جديدة، مع إشعاعات نادرة تسمح له بالنفاذ إلى مرحلة دراسته الجامعية في نهاية حكم السادات حتى اغتياله على يد أعضاء الجماعات المتطرفة الذين أخرجهم من السجن وسمح لهم بالتمدد. هذه هي الثيمة الأساسية التي تتمحور حولها أحداث الرواية.

تسير الأحداث في خطين زمنيين متوازيين، يفصلهما ثلاثة وأربعون عاماً، الخط الأول في الزمن الراهن، ويرصد مسيرة العائلتين وأحوالهما وعلاقاتهما، خاصَّة شباب الجيلين الثاني والثالث، أما الخط الآخر فيرصد مرحلة الدراسة الجامعية للبطل «مايكل بشارة»، حين كان يدرس الفلسفة في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، مصوِّراً الحركات السياسية التي كانت تعمل في الجامعات وقتها، وصراعاتها.

ورغم أن البطل الرئيسي هو نفسه في المستويين، بكل أفكاره وطموحاته وأحلامه وإحباطاته، فإن وضعهما متجاورين يكشف عن الاختلاف الشاسع بين زمنين، ومكانين: الإسكندرية ونيويورك، لكلٍّ منهما خصوصيته وملامحه المميزة التي تنعكس على تصرفات الشخصيات.

اللغة رصينة تناسب دراسة الشخصية الرئيسية وثقافتها، تميل ناحية الشعر أحياناً من حيث التكثيف، وتستدعي الكثير من الأغنيات والأفلام السينمائية لتضيء بعض المواقف، وتعكس الطريقة التي يفكر بها بعض الأشخاص، والمآزق الحياتية التي يجدون أنفسهم غارقين في تفاصيلها الكثيرة المؤلمة.

المؤلف سمير درويش من شعراء الثمانينات في مصر، أصدر عدداً من الدواوين، منها «قطوفها وسيوفي» 1991 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، و«ديك الجن» عن دار ميريت للنشر 2021. كما أصدر ثلاث روايات من قبل: «خمس سنوات رملية» 2004، و«طائر خفيف» 2006، و«ليس بعيداً عن رأس الرجل - عزيزة ويونس» 2024، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية دورة 2025. كما أصدر كتابين فكريين: «دولة الملتحين» 2014 و«أفول العقل العربي» 2023، إضافة لكتابين في النقد الأدبي، وأصدر الكتاب الأول من سيرته الذاتية بعنوان «العشر العجاف - من الهزيمة إلى النصر» عن دار الآن ناشرون وموزعون بالأردن 2018.