ديناصور «هابيل» القاتل... وحش مرعب عاش في مصر قبل 98 مليون عام

شكل تخيلي للواحات البحرية قبل 98 مليون سنة مضت (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
شكل تخيلي للواحات البحرية قبل 98 مليون سنة مضت (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
TT

ديناصور «هابيل» القاتل... وحش مرعب عاش في مصر قبل 98 مليون عام

شكل تخيلي للواحات البحرية قبل 98 مليون سنة مضت (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
شكل تخيلي للواحات البحرية قبل 98 مليون سنة مضت (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

قادت حفرية لفقرة عنقية، فريقاً بحثياً إلى اكتشاف فرد من عائلة ديناصورات تسمى أبيلوصوريات (Abelisauridae) أو ديناصورات «هابيل»، عاشت منذ نحو 98 مليون سنة مضت فيما تُعرف الآن بالواحات البحرية في صحراء مصر الغربية، وهو الإنجاز الذي تم الإعلان عن اليوم في دورية «الجمعية الملكية للعلوم».
وعُثر على هذه الفقرة العنقية من رقبة الديناصور، خلال إحدى الرحلات الحقلية المشتركة بين مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية وعلماء من وزارة البيئة في الواحات البحرية، وبالدراسة التشريحية المفصلة، والتي استغرقت عدة سنوات، لهذه الحفرية بعد إزالة رواسب الحديد والرمل منها، وترميمها، تَبيّن أنها تمثل الفقرة العنقية العاشرة من رقبة ديناصور شرس ضخم آكل للحوم، يشبه إلى حد كبير ديناصور «تي ريكس» الشهير، وهو أبيلوصوريات (Abelisauridae) أو ديناصورات «هابيل»، والتي يرجع أصل تسميتها تكريماً لـ«روبرتوا هابيل»، العالم الأرجنتيني الذي اكتشف أول حفريات هذه العائلة.
وتتميز الديناصورات التي تنتمي لعائلة «هابيل» بشكلها المرعب وجمجمتها المخيفة، وتخرج من فكوكها أسنان حادة أشبه بأنصل السكاكين، بينما تُظهر قدماها الخلفيتان كتلة عضلية ضخمة لتساعدها في الهجوم والافتراس، ورغم قصر طرفيها الأماميين لدرجة الضمور فإن تلك الديناصورات كانت من بين الأشرس على الإطلاق.

ترميم ثم تشريح
ويحكي بلال سالم، المعيد بجامعة بنها وعضو فريق «سلام لاب» بجامعة المنصورة، والمبتعث لجامعة أوهايو الأميركية، والمؤلف الرئيسي لهذه الدراسة في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، قصة هذه الحفرية النادرة، قائلاً: «عُثر عليها في 2016، وخلال الفترة من 2016 حتى 2018 كان يتم العمل على ترميمها بشكل منقطع، إلى أن عهد إليّ د.هشام سلام، مؤسس مركز الحفريات الفقارية بجامعة المنصورة بالعمل عليها في عام 2018، بعد أن اخترت التخصص في حفريات الزواحف القديمة، وخلال الفترة من 2018 حتى 2020 عملت بشكل مكثف على ترميمها، وبدأت خلال الفترة من 2020 حتى 2022 العمل البحثي عليها، بالتعاون مع الفريق البحثي».
ويوضح سالم أن العمل البحثي على الحفرية شمل محاولة تصويرها بالأشعة المقطعية، غير أن ترسبات الحديد بالحفرية حالت دون نجاح ذلك، فتم تصوير الحفرية صورة تقليدية بجودة عالية، ثم عمل مجسم ثلاثي الأبعاد لها، وإجراء تشريح رقمي قاد إلى اكتشاف انتمائها لعائلة ديناصورات (هابيل).
ويضيف أن «التشريح الرقمي يعتمد على برنامج يتضمن 400 صفة تشريحية تخص 43 ديناصوراً حول العالم، ومن خلال تزويد هذا البرنامج بالصفات التشريحية للحفرية، يمكن أن يتم تحديد عائلة الديناصورات التي تنتمي إليها الحفرية».

الأول من نوعه
ويُبدي سالم سعادته بهذا الاكتشاف، قائلاً في بيان تلقّت «الشرق الأوسط» نسخة منه: «على الرغم من أن الواحات البحرية عُرفت بغناها بالمحتوى الحفري؛ لما أنتجته من هياكل لأكثر الديناصورات شهرة في العالم، فإنه لم يتم تسجيل أي ديناصور ينتمي لعائلة ديناصورات (هابيل) من الواحات البحرية من قبل، ولذا فإن هذه الدراسة تكشف أسراراً مهمة عن الحياة السحيقة في المنطقة بتسجيلها لديناصور مفترس متوسط الحجم (يقدَّر طوله بنحو 6 أمتار) بين بقية عائلته، والأوسط حجماً بين أبناء عشيرته من ديناصورات الواحات البحرية».
ويقول هشام سلام، مؤسس مركز الحفريات الفقارية بجامعة المنصورة ورئيس الفريق المصري والأستاذ بالجامعة الأميركية بالقاهرة، خلال البيان: «قبل نحو 98 مليون عام لم تكن تُعرف الواحات البحرية بهذا الاسم، بل كانت (واحة الديناصورات) بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وكانت واحة تعجّ بالحياة، سادت فيها صراعات دامية بين حيوانات مختلفة وعلى قمتها الديناصورات، وعاشت ديناصورات تلك الواحة على طول ضفاف نهر قديم عُرف باسم (نهر العمالقة)، حيث عاشت واحدة من أضخم الديناصورات آكلات اللحوم وأيضاً آكلات العشب».
ومن جانبه، يؤكد مات لمانا، عالم الديناصورات الأميركي والمؤلِّف المشارك في الدراسة، أن الحفرية ستضيف لقيمة الواحات البحرية.
ويقول في البيان: «الواحات البحرية اتخذت مكانة شبه أسطورية بين علماء الأحافير، لأنها أنتجت أول أحافير معروفة للديناصورات التي أدهشت العالم، ولكن لقرابة القرن، كانت تلك الحفريات موجودة فقط كصور بسبب تدميرها في أثناء قصف متحف برلين بألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية».
ويضيف باترك أوكانور، الأستاذ بجامعة أوهايو الأميركية والمؤلف المشارك في الدراسة: «لقد ألقيت نظرة على فقرات عدة ديناصورات من جميع أنحاء القارات الجنوبية، من باتاغونيا إلى كينيا إلى تنزانيا إلى مدغشقر، ولكن عندما رأيت صورة هذه الفقرة لأول مرة في عام 2016 عرفت على الفور أنها عظام رقبة ديناصور أبيليصوريد مميزة للغاية».

الإنجراف القاري
والجدير بالذكر أن ديناصورات «هابيل» كانت تجوب القارات الجنوبية القديمة (جندوانا) وأوروبا، لذا قام الفريق البحثي بمقارنة تلك الفقرة مع مثيلاتها من مختلف القارات، وأظهرت نتائج شجرة الأنساب وجود قرابة وثيقة بين ديناصور «هابيل المصري» وبين أقرانه من ديناصورات أميركا الجنوبية أقرب حتى من ديناصورات مدغشقر وأوروبا، مما يدعم نظرية انفصال مدغشقر عن أفريقيا قبل انفصال أميركا الجنوبية عنها، والتي تُعرف بـ«الانجراف القاري».
وفي هذا السياق يضيف سالم: «على النقيض من ديناصورات (تي ريكس) الشرسة التي عاشت في أميركا الشمالية، جابت ديناصورات (هابيل) القارات الجنوبية القديمة (جندوانا) وأوروبا، إلا أن التشابه بين ديناصورات الـ(تي ريكس) وديناصورات (هابيل) في القوة والشراسة جعل المجتمع العلمي يُلَقب عائلة (هابيل) بـ(تي ريكس قارات العالم الجنوبية القديمة)».
وصرحت سناء السيد، النائب السابق لمدير مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية وطالبة الدكتوراه بجامعة ميتشغان الأميركية والمؤلف المشارك بالدراسة: «اكتشاف هذه العائلة الجديدة من الديناصورات من الواحات البحرية يؤكد أن أرض مصر ما زالت تحوي الكثير من الكنوز التي لا تحكي فقط تاريخ مصر القديم، بل أيضاً تسهم في تغيير رؤيتنا لتاريخ الحفريات الفقارية في العالم، ولذلك لا يكفّ مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية عن الانطلاق في الرحلات الاستكشافية في كل ربوع مصر».

يُذكر أنه عندما قام مستكشفو القرن العشرين بالتنقيب في الواحات البحرية، فوجئوا من العدد الكبير لهياكل الديناصورات آكلة اللحوم بالمقارنة مع تلك الديناصورات العاشبة التي استوطنت المنطقة، فقد تمكن العلماء من اكتشاف حفريات لهياكل شبه مكتملة لثلاثة ديناصورات آكلة للحوم هي سبينوصورس (وهو أضخم ديناصور مفترس عاش علي وجه الأرض) وكاركردونتوصورس وبحرياصورس، بالإضافة لديناصور آكل للعشب هو إيجيبتوصورس، ومنذ ذلك الحين وحتى بعد أن دُمِّرت الحفريات الأصلية لتلك الديناصورات في الحرب العالمية الثانية، لم يتم الكشف عن أي ديناصورات من هذه المنطقة، حتى تمكن فريق أميركي في مطلع القرن الحالي من اكتشاف ديناصور عملاق آكل للعشب سمى باراليتايتان، لتظل بقية وحوش أرض الواحات من الديناصورات آكلات اللحوم مطمورة في الصخور.
وبعد عقود من الجفاف فيما يخص دراسات الديناصورات من الواحات البحرية، يزيد ديناصور «هابيل» بدوره من دموية المشهد في الواحات البحرية، ويثير التساؤل من جديد حول زيادة أعداد الديناصورات آكلة اللحوم في المنطقة آنذاك.


مقالات ذات صلة

عرض خبيئة معبد الأقصر كاملة للمرة الأولى

يوميات الشرق السيناريو المتحفي الجديد لقاعة الخبيئة بعد تطويره (وزارة السياحة والآثار المصرية)

عرض خبيئة معبد الأقصر كاملة للمرة الأولى

انتهت وزارة السياحة والآثار المصرية من أعمال تطوير قاعة الخبيئة بمتحف الأقصر، تمهيداً لافتتاحها خلال الفترة القليلة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

تستعد وزارة السياحة والآثار المصرية لفتح مقبرتي «TT416» و«TT417» الأثريتين للمرة الأولى أمام الزوار خلال الفترة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من الموقع الأثري (وزارة السياحة والآثار)

اكتشاف بقايا معبد «بلوزيوس» بسيناء يعيد كتابة تاريخ مدينة قديمة

جدد إعلان وزارة السياحة والآثار المصرية عن اكتشاف بقايا معبد «الإله بلوزيوس» تاريخ مدينة بلوزيوم القديمة في شمال سيناء.

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون 3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية

تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

ازدهرت خلال الحقبة الأموية حِرَف الزينة المعمارية، وشكّل نتاجها المبتكر أساساً لجمالية الفن الإسلامي بأقاليمه المتعدّدة على مدى قرون من الزمن.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق قارب لعلماء آثار يبحر عبر ميناء كوبنهاغن في31 مارس 2026 (أ.ب)

اكتشاف سفينة حربية دنماركية أغرقها الأسطول البريطاني قبل 225 عاماً

بعد مرور أكثر من 200 عام على غرقها على يد الأميرال نلسون، تمكّن علماء للآثار البحرية من اكتشاف سفينة حربية دنماركية في قاع ميناء كوبنهاغن.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.