الائتلاف السوري يعرض وثيقة انتقالية تبقي مؤسسات الدولة

مشاورات مكثفة في جنيف قبل اجتماع دولي ثلاثي

عناصر من البحرية الروسية قرب سفينتهم الحربية المكلفة تأمين نقل الكيماوي السوري في ميناء ليماسول بقبرص أمس (أ.ف.ب)
عناصر من البحرية الروسية قرب سفينتهم الحربية المكلفة تأمين نقل الكيماوي السوري في ميناء ليماسول بقبرص أمس (أ.ف.ب)
TT

الائتلاف السوري يعرض وثيقة انتقالية تبقي مؤسسات الدولة

عناصر من البحرية الروسية قرب سفينتهم الحربية المكلفة تأمين نقل الكيماوي السوري في ميناء ليماسول بقبرص أمس (أ.ف.ب)
عناصر من البحرية الروسية قرب سفينتهم الحربية المكلفة تأمين نقل الكيماوي السوري في ميناء ليماسول بقبرص أمس (أ.ف.ب)

بعد أن تعثرت المفاوضات بين وفدي النظام والمعارضة السورية في اليوم الثالث من الجولة الثانية، تتجه الأنظار إلى الجهود الدبلوماسية لدفع عملية التفاوض للتعامل مع الواقع السياسي والأمني في سوريا. ويجتمع ممثل الأمم المتحدة والجامعة العربية الأخضر الإبراهيمي مع وكيل وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف ووكيلة وزير الخارجية الأميركية ويندي شيرمان اليوم، بعد أن اجتمع الإبراهيمي بغاتيلوف صباح أمس. ومنذ وصول وكيل وزير الخارجية الروسي إلى جنيف الليلة قبل الماضية، أجرى مشاورات مكثفة مع وفد الحكومة السورية والإبراهيمي ودبلوماسيين في جنيف، بينما كانت المعارضة تتطلع إلى اجتماع مع غاتيلوف ولكن حتى مساء أمس لم يحدد موعد لذلك.
وعقد الإبراهيمي جلسة تفاوض صباح أمس استمرت حوالي ساعتين مع وفدي النظام والمعارضة من دون إحراز تقدم بين الطرفين، إذ كان هدف جلسة أمس بحث آلية العمل على هيئة الحكم الانتقالي وهي القضية الجوهرية التي ذكرت في دعوة الأمم المتحدة للطرفين للتفاوض، مع العمل على وقف العنف في البلاد. إلا أن وكيل وزير الخارجية السوري فيصل مقداد كرر رفض حكومته بحث قضية هيئة الحكم الانتقالي في الوقت الراهن. وقال مقداد: «العمل على وضع حد للإرهاب سيستغرق المزيد من الوقت»، مضيفا في تصريحات للصحافيين بعد إنهاء جلسة أمس أن «عدم الالتزام بتسلسل بنود بيان جنيف سيشكل كارثة»، في إشارة إلى أن بيان جنيف يذكر هيئة الحكم الانتقالي في الفقرة السابعة من بيان جنيف، على الرغم من أن الدعوة لمفاوضات جنيف تشير إلى «اتخاذ خطوات أساسية بدءا بهيئة الحكم الانتقالي» لإنهاء الصراع في البلاد. واعتبر المقداد أن التفاوض بالتوازي حول مكافحة الإرهاب وهيئة الحكم الانتقالي «فكرة وهمية ولا يمكن أن تقود إلى أي تفاهم أو حل، الحل هو بالتسلسل في بيان جنيف وأي ابتعاد عن هذا التسلسل هو وصفة لقتل محادثات جنيف». ولكن الإبراهيمي كان قد طرح آلية التفاوض بالتوازي بدلا من الالتزام بقضية واحدة للتفاوض.
وعبر المقداد عن موقف الحكومة السورية الرافض للتفاوض حول هيئة الحكم الانتقالي مما يعثر المفاوضات، بينما قدم الائتلاف الوطني السوري وثيقة توضح رؤيته السياسية لهيئة الحكم الانتقالي في سوريا في جلسة التفاوض مع الإبراهيمي ووفد النظام أمس. ولم تقدم الحكومة السورية رؤيتها على الرغم من أن ذلك كان مطلب الإبراهيمي لاجتماع اليوم. وأفادت عضوة الوفد المعارض ريما فليحان لـ«الشرق الأوسط» أن الإبراهيمي تسلم وثيقة «بيان المبادئ الأساسية لاتفاق التسوية السياسية لمؤتمر جنيف للسلام وقبلها ولكن لم نستمع إلى أي رد من النظام السوري». وأضافت أن «النظام أصر على مواصلة الحديث عن الإرهاب ولم يطرح أي وثائق». وكان رئيس الوفد السوري بشار الجعفري منفعلا خلال الجلسة واتهم المعارضة بـ«الكذب» في الوثيقة التي قدمها قبل يومين وعددت المجازر التي ارتكبتها قوات تابعة للحكومة السورية ودونت من قبل منظمات دولية منها الأمم المتحدة.
ووصف مصدر دبلوماسي غربي مطلع على سير المفاوضات الوضع بأنه «مسدود، ولكن التحركات الدبلوماسية هدفها الآن فتحها من جديد». وبعد أن كان اللقاء الثلاثي بين الإبراهيمي وشيرمان وغاتيلوف مجدولا ليوم غد (الجمعة)، قدم إلى اليوم (الخميس) بهدف الاتفاق على بعض النقاط الأساسية والضغط على وفد النظام للتفاوض الجدي قبل انتهاء الجولة الحالية من المفاوضات السبت. كما أن روسيا حريصة على دفع المفاوضات قبل بدء مشاورات مجلس الأمن اليوم حول قرار ملزم للحكومة السورية للسماح بدخول المساعدات الإنسانية. وكرر غاتيلوف موقف بلاده أمس بـ«رفض أي قرار» حول فرض قرار دولي لإدخال المساعدات الإنسانية. وتقدم وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة فاليري أموس تقييمها للوضع الإنساني لمجلس الأمن اليوم مما يتوقع أن يضمن انتقادا للحكومة السورية والجماعات المسلحة لمنع دخول المساعدات.
ومن جهة أخرى، طرح الائتلاف السوري أمس وثيقة متكاملة لتصوره لمبادئ الحل السياسي في سورية. وطالب وفد المعارضة باعتبار «اتفاق التسوية السياسية المتوافق عليه بين الطرفين السوريين المشاركين في مؤتمر جنيف الثاني للسلام، يعد بمثابة إعلان دستوري مؤقت» وهي النقطة الأولى من بيان المبادئ الأساسية التي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها.
وتشدد الوثيقة على ضرورة حماية مؤسسات الدولة السورية، إذ تشير إلى أن «هيئة الحكم الانتقالي ستحافظ على سيادة واستقلال الدولة السورية ووحدة، وسلامة الأراضي السورية بشكل كامل.. واتخاذ ما يلزم من قرارات وإجراءات تفضي إلى انسحاب كافة الجهات العسكرية الخارجية والمقاتلين الأجانب من كافة الأراضي السورية». وتضيف الوثيقة «أهمية استمرار المؤسسات الحكومية والموظفين من ذوي الكفاءات، فمن الواجب المحافظة على خدمات المؤسسات العامة وإعادة تقييم دورها ووضع خطط للرقي بها وفق المعايير المهنية العالمية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان وقوانين العمل والعمال، وعبر دراسة وإصلاح بناها التنظيمية ومهامها ويشمل ذلك الجيش والقوات المسلحة وهيئات وأفرع الاستخبارات ودوائر الأمن وكمبدأ عام يحتفظ بكافة موظفي الدولة والقطاع العام وإعادة التقييم المهني لهم وتأمين برامج التدريب وإعادة التأهيل للرقي بإمكاناتهم أن لزم». وكان من اللافت الإشارة إلى دوائر الأمن والاستخبارات في الوثيقة، من دون الإشارة إلى محاسبة من تلطخت أيديهم بالدم أو ثبتت الجرائم عليهم. ولكن تفيد الوثيقة بأنه «على كافة المؤسسات الحكومية بما فيها الجيش والقوات المسلحة والاستخبارات ودوائر الأمن أن تؤدي عملها تحت سيادة القانون وبما يتماشى مع معايير حقوق الإنسان والمعايير المهنية العالمية، وأن تعمل تحت قيادة عليا تكون محل ثقة الشعب وتخضع كاملا لسلطة هيئة الحكم الانتقالي».
يذكر أن المذكرة لا تشير إلى مستقبل الرئيس السوري بشار الأسد أو حزب البعث، ولم يذكرا في الوثيقة، سعيا من المعارضة إلى عدم استفزاز وفد النظام أو مؤيديه وبحثا عن أرضية مشتركة لدفع العملية السياسية. وتشير الوثيقة إلى أن «هيئة الحكم الانتقالي هي الهيئة الشرعية الوحيدة المعبرة عن سيادة واستقلال الدولة السورية وهي المخولة فقط بتمثيل الدولة»، مضيفة أن «المهمة الرئيسة لهيئة الحكم الانتقالي هي خلق بيئة محايدة يمكن لعملية الانتقال السياسي التي تلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري».

* لقطات من جنيف

* الإبراهيمي لم يعقد مؤتمرا صحافيا أمس، ليكون اليوم الثاني الذي لا يعقد فيه مؤتمرا صحافيا خلال الجولة الثانية من المفاوضات، بعد أن كان يعقد مؤتمرا صحافيا يوميا خلال الجولة الأولى من المفاوضات. وأوضح المبعوث الدولي أنه لن يعقد مؤتمرات صحافية إذا لم يكن لديه من جديد ليعلن عنه.
* من المتوقع أن تنتهي الجولة الثانية من المفاوضات السورية السبت المقبل، وقال أعضاء من وفد المعارضة إنهم يتوقعون المغادرة في ذلك اليوم، بينما أفاد أعضاء من وفد الحكومة أنهم ينون المغادرة الأحد. وحتى مساء أمس، لم يحدد الإبراهيمي موعدا لانتهاء الجولة الثانية من المفاوضات.
* عضو من وفد المعارضة السورية وصف جلسات المفاوضات بـ«جلسات وثائق»؛ إذ يطرح الطرفان وثائق من دون أن يناقشها أحد.
* بعد انتهاء جلسة التفاوض ظهر أمس، توجه أعضاء من وفدي الحكومة والمعارضة السورية لموقع تجمع الإعلاميين، وتحدثا مع الإعلاميين في مواقع مختلفة من الحديقة الخلفية لمقر الأمم المتحدة. وعادة ما يفضل الوفدان الالتقاء بالصحافيين على حدة، ولكن هذه المرة كانت مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان ووزير الإعلام السوري عمران الزعبي يتحدثان مع إعلاميين، غالبيتهم أجانب.. بينما أعضاء الائتلاف الوطني السوري أنس العبدة وأحمد الجقل وغيرهما تحدثا مع إعلاميين على الطرف الآخر من الحديقة.
* لوحظ زيادة عدد رجال الشرطة المحيطين بنائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد خلال مؤتمره الصحافي أمس، وهو الوحيد الذي يكون بالقرب منه رجال شرطة من قوات الأمم المتحدة خلال التحدث مع الصحافيين، بينما باقي أعضاء الوفد السوري الذين يتحدثون للإعلام عادة ما يكون معهم مرافقون سوريون ضمن الوفد الرسمي.



تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.


احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
TT

احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)

في خطوة يمكن أن ينظر إليها على أنها استكشاف مبكر لقدرة الحكومة اليمنية الجديدة على تحويل التعهدات الدولية إلى مسارات تنفيذية واضحة، انعقد اجتماع مجموعة شركاء اليمن بمشاركة واسعة من ممثلي الدول والمنظمات الأممية والدولية المانحة، في إطار حشد دولي تقوده السعودية لدعم خطة الحكومة برئاسة شائع الزنداني.

الاجتماع، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية شهدها اليمن منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط رهانات على إعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية أكثر صلابة.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في كلمته الافتتاحية، أن الحكومة الجديدة «تمضي في مرحلة مفصلية لإعادة ترتيب الوضع السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية واضحة».

وشدد على أن ذلك «يعزز قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة ويمنحها ثقلاً حقيقياً في أي مسارات مقبلة للتعامل مع ميليشيا الحوثي، سواء عبر التفاوض أو غيره من الخيارات التي تفرضها تطورات الميدان».

جانب من اجتماع مجموعة شركاء اليمن حيث يظهر الزنداني عبر الاتصال المرئي (إكس)

الزنداني رأى أن اجتماع مجموعة شركاء اليمن «يمثل محطة مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزاً على النتائج وأكثر انسجاماً مع الأولويات الوطنية»، بما يضمن، حسب تعبيره، «توظيف الموارد المتاحة بأعلى كفاءة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية التي يستحقها الشعب اليمني».

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها اليمن منذ ديسمبر الماضي، وما رافقها من قرارات وصفها بـ«الحاسمة» من قِبَل مجلس القيادة الرئاسي، أسهمت في «إعادة ضبط المسار الوطني، وإنهاء حالات الازدواج والتشظي في القرار السياسي والعسكري»، وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة «أكثر وحدة وتماسكاً وشمولاً في تمثيلها الجغرافي وإشراكها للمرأة والشباب».

برنامج متكامل

في الشق الاقتصادي، أعلن رئيس الوزراء اليمني أن حكومته شرعت في تنفيذ برنامج عمل متكامل يستند إلى خطة التعافي الاقتصادي وبرنامج الإصلاحات المالية ومكافحة الفساد، مؤكداً «الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعافي المستدام عبر استعادة التوازن المالي والنقدي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم».

حكومة الزنداني تنتظرها ملفات معقدة على صعيد الأمن والخدمات والاقتصاد (سبأ)

كما لفت إلى اعتماد وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على إنشاء وحدة متخصصة للشراكة وطرح مشاريع البنية التحتية وفق معايير دولية شفافة، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات، بالتوازي مع إعطاء أولوية لإصلاح نظام التقاعد وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وضخ كفاءات شابة وفق أسس مهنية.

وجدد الزنداني التزام الحكومة الكامل بدعم جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف المعاناة الإنسانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام، مع الاستمرار في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب وترسيخ سيادة القانون.

تنسيق الأولويات

في الاجتماع الدولي المساند للحكومة اليمنية، شدد محمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، على أهمية استمرار العمل المشترك لتذليل العقبات أمام جهود السلام والتنمية في اليمن بقيادة الحكومة اليمنية.

وقال إن الاجتماع يمثل فرصة مهمة «للتعرف على أولويات الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني»، بما يعزز التنسيق المشترك لضمان توجيه الدعم التنموي والمالي بكفاءة وفاعلية، ومساندة الجهات المانحة والمنظمات الدولية في مواءمة تدخلاتها وفق أولويات الحكومة.

وتعكس تصريحات آل جابر توجهاً سعودياً يركز على ربط الدعم المالي والفني بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، في سياق دعم استقرار سعر الصرف، والمساهمة في دفع الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، إلى جانب المشاريع التنموية طويلة الأمد التي ينفذها البرنامج السعودي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أولويات البنك، مؤكداً الالتزام بمبدأ الشفافية ومحاربة التضخم، ومشيراً إلى أهمية التنسيق والدعم الدولي لمواجهة التحديات النقدية والمالية، في ظل ضغوط مستمرة على العملة الوطنية وتراجع الموارد العامة.

حضور أممي

بدوره، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أهمية ما تقدمه السعودية من مشاريع تنموية في هذه المرحلة، لافتاً إلى وجود «مؤشرات إيجابية حالياً في اليمن خصوصاً مع تحسن استقرار قطاع الطاقة».

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل ارتباط استقرار الكهرباء والخدمات الأساسية بتهيئة بيئة مواتية لأي مسار سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن انعكاسها المباشر على الوضع الإنساني.

كما تطرق المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، جوليان هارنيس، إلى التحديات الإنسانية المستمرة، مؤكداً الحاجة إلى دعم مستدام يواكب الإصلاحات الحكومية ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الملف الإنساني بكفاءة.

ويعكس الاجتماع، وفق مراقبين، سعياً لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية وشركائها الدوليين على أساس شراكة قائمة على الأولويات الوطنية، وتنسيق التدخلات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مسار تعافٍ مؤسسي طويل الأمد، في ظل استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي.