لوحات فنية بعملات معدنية عالمية في موسم جدة

رسم ملوك وأمراء بالعملات المعدنية (الشرق الأوسط)
رسم ملوك وأمراء بالعملات المعدنية (الشرق الأوسط)
TT

لوحات فنية بعملات معدنية عالمية في موسم جدة

رسم ملوك وأمراء بالعملات المعدنية (الشرق الأوسط)
رسم ملوك وأمراء بالعملات المعدنية (الشرق الأوسط)

من بين الطفرات الفنية التي يقدمها الفنانون التشكيليون كي يعبروا عن فكرة ما أو يحققوا تحدياً وهدفاً معيناً، قدم الفنان هشام النجار لوحاته الفنية المرسومة بعملات معدنية لشخصيات سعودية وخليجية بارزة، في شارع الرسامين بجدة التاريخية أحد مواقع موسم جدة 2022 المقام تحت شعار «أيامنا الحلوة».
وفي الوقت الذي يجمع فيه هواة العملات النقدية القديمة والحديثة عملات العالم إما لبيعها أو الاحتفاظ بها، قرر الفنان التشكيلي هشام النجار، رسم لوحات فنية بعملات معدنية بدأ في جمعها منذ أكثر من 25 عاماً، ليرسم بها من سبع سنوات أولى لوحاته والتي كانت لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والتي تعد أكبر لوحاته.
يقول النجار لـ«الشرق الأوسط» جمعت خلال 25 سنة ما يزيد على 100 ألف عملة معدنية من حول العالم، وكنت حريصاً على الحصول على العملات العالمية إلى جانب المحلية، وقررت قبل سبع سنوات استخدام هذه العملات في صنع لوحة فنية للملك سلمان بن عبد العزيز وقت توليه الحكم في البلاد، استغرقت شهراً كاملاً وتضمنت ما يزيد على 9 آلاف عملة نقدية عالمية.

                                                        رسم الكعبة بالعملات المعدنية (الشرق الأوسط)
وأضاف «الفن يرتبط بالإبداع والابتكار أيضاً، فكثير من الفنانين رسموا لوحاتهم بأدوات الرسم التقليدية المختلفة، ولكن بعضا منهم استخدموا أدوات غير تقليدية في لوحاتهم كالفسيفساء على سبيل المثال كنوع من الابتكار والإبداع، وأنا دفعني الإبداع لاستخدام العملات النقدية التي يصعب تجسيد شكل ما بها لكونها دائرية ويصعب تطويعها في ضبط زوايا الرسومات وحدودها، ولكن شغفي جعلني أتقن استخدامها».
ولفت النجار إلى أنه بعد اللوحة الأولى توالت اللوحات وكان من ضمنها لوحة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والمزيد من اللوحات لشخصيات بارزة في الخليج والسعودية، وكذلك لوحتان للمسجد الحرام ومسجد قبة الصخرة.
ويهدف النجار من خلال أعماله الفنية إلى توثيق وجود العملات المعدنية وأشكالها عبر الزمن، في ظل الثورة التقنية الهائلة والتي تؤشر باندثار العملات النقدية والورقية وتحولها إلى رقمية في المستقبل القريب، وعمل نوع جمالي ومميز يختلف عن بقية الأعمال الفنية التشكيلية.
ويطمح النجار إلى عمل أكبر جدارية تجمع لوحاته الفنية بالعملات النقدية، للدخول بها في موسوعة غينيس للأرقام القياسية.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

أطلقت السعودية خدمة التأشيرة الإلكترونية كمرحلة أولى في 7 دول من خلال إلغاء لاصق التأشيرة على جواز سفر المستفيد والتحول إلى التأشيرة الإلكترونية وقراءة بياناتها عبر رمز الاستجابة السريعة «QR». وذكرت وزارة الخارجية السعودية أن المبادرة الجديدة تأتي في إطار استكمال إجراءات أتمتة ورفع جودة الخدمات القنصلية المقدمة من الوزارة بتطوير آلية منح تأشيرات «العمل والإقامة والزيارة». وأشارت الخارجية السعودية إلى تفعيل هذا الإجراء باعتباره مرحلة أولى في عددٍ من بعثات المملكة في الدول التالية: «الإمارات والأردن ومصر وبنغلاديش والهند وإندونيسيا والفلبين».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق «ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

«ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

تُنظم هيئة الأفلام السعودية، في مدينة الظهران، الجمعة، الجولة الثانية من ملتقى النقد السينمائي تحت شعار «السينما الوطنية»، بالشراكة مع مهرجان الأفلام السعودية ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). ويأتي الملتقى في فضاءٍ واسع من الحوارات والتبادلات السينمائية؛ ليحل منصة عالمية تُعزز مفهوم النقد السينمائي بجميع أشكاله المختلفة بين النقاد والأكاديميين المتخصصين بالدراسات السينمائية، وصُناع الأفلام، والكُتَّاب، والفنانين، ومحبي السينما. وشدد المهندس عبد الله آل عياف، الرئيس التنفيذي للهيئة، على أهمية الملتقى في تسليط الضوء على مفهوم السينما الوطنية، والمفاهيم المرتبطة بها، في وقت تأخذ في

«الشرق الأوسط» (الظهران)
الاقتصاد مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

تجاوز عدد المسافرين من مطارات السعودية وإليها منذ بداية شهر رمضان وحتى التاسع من شوال لهذا العام، 11.5 مليون مسافر، بزيادة تجاوزت 25% عن العام الماضي في نفس الفترة، وسط انسيابية ملحوظة وتكامل تشغيلي بين الجهات الحكومية والخاصة. وذكرت «هيئة الطيران المدني» أن العدد توزع على جميع مطارات السعودية عبر أكثر من 80 ألف رحلة و55 ناقلاً جوياً، حيث خدم مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة النسبة الأعلى من المسافرين بـ4,4 مليون، تلاه مطار الملك خالد الدولي في الرياض بـ3 ملايين، فيما خدم مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة قرابة المليون، بينما تم تجاوز هذا الرقم في شركة مطارات الدمام، وتوز

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
TT

تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس

لم يكن صعود تود بلانش إلى رأس وزارة العدل الأميركية، ولو بالوكالة حتى الآن، انتقالاً إدارياً عادياً في واشنطن. فالرجل الذي بدأ حياته المهنية داخل الوزارة نفسها، ثم غادرها إلى عالم الدفاع الجنائي الرفيع، عاد إليها من أضيق أبواب السياسة وأوسعها حساسية: بوصفه أحد محامي دونالد ترمب الشخصيين في القضايا الجنائية التي لاحقته قبل عودته إلى البيت الأبيض. لذلك؛ فإن تكليفه مهام وزير العدل بعد خروج بام بوندي لا يختصر فقط قصة رجل قانون صعد بسرعة، بل يكشف أيضاً عن طبيعة المرحلة الثانية من إدارة ترمب، حيث تتداخل مفاهيم العدالة، والولاء، والثأر السياسي، وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤية الرئيس. إذ تزامن هذا الصعود مع إعادة فتح ملف جيمس كومي، مدير «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي آي) الأسبق، في قضية بدت في ظاهرها مرتبطة بصورة أصداف على شاطئ حملت عبارة «86 47»، لكنها في جوهرها أعادت إلى الواجهة سؤالاً أوسع، هو: هل ستبقى وزارة العدل في عهد بلانش أداة تنفيذية لرغبات ترمب ضد خصومه، أم يستطيع الرجل الذي يعرف الوزارة من داخلها أن يعيد إليها شيئاً من التوازن المؤسسي؟ هذا الاتهام الجديد لكومي يضع بلانش مباشرة في قلب هذه المعضلة، من خلال دفاعه العلني عن القضية وتجنبه الإجابة بوضوح عن طبيعة الأدلة التي تثبت نية كومي تهديد الرئيس.

وُلد تود والاس بلانش في مدينة دنفر عاصمة ولاية كولورادو وكبرى مدنها عام 1974، لأب كندي كان لاعب هوكي وأم تعمل ممرضة. ونشأ في دنفر قبل أن تنتقل عائلته إلى مدينة غينزفيل بشمال ولاية فلوريدا عام 1987 إثر نزاع قانوني بين والده، الذي كان يدير جماعة دينية في قبو منزله، والسلطات المحلية بسبب مخالفات تقسيم المناطق.

تلقى بلانش تعليمه في معهد نيومكسيكو العسكري، حيث برز رياضياً، ثم تنقّل بين جامعة ولاية لويزيانا وكلية بيلويت (ولاية ويسكونسن)، قبل أن يتخرّج في الجامعة الأميركية بالعاصمة واشنطن، ثم حصل على إجازة في الحقوق كلية بروكلين للحقوق عام 2003. وبعدها التحق بوزارة العدل وعمل فيها نحو 15 سنة، وفق السيرة الرسمية المنشورة على موقع الوزارة.

بلانش متزوّج من كريستين، الاختصاصية في علم الأحياء في الجامعة الكاثوليكية الأميركية، وكان التقاها في أستراليا، وأنجبا طفلين.

ووظيفياً، تنقل بلانش في مناصب إدارية وقانونية. ثم صار مساعداً للمدعي العام الفيدرالي في المنطقة الجنوبية من نيويورك، وهي واحدة من أكثر النيابات الفيدرالية نفوذاً في الولايات المتحدة، قبل أن يصبح مشرفاً فيها. ووفق وزارة العدل، يشرف بلانش الآن، بصفته وزيراً بالوكالة ونائباً للوزير، على أكثر من مئة ألف موظف في الوزارة، بما في ذلك «مكتب التحقيقات الفيدرالي»، وإدارة مكافحة المخدرات، والمارشالات، ومكاتب المدعين الفيدراليين الـ93.

الشرعية المهنية

هذه الخلفية تمنح الرجل شيئاً من الشرعية المهنية التي لا يملكها كثيرون ممن دخلوا إدارة ترمب من بوابة الولاء السياسي وحده. فهو ليس ناشطاً حزبياً طارئاً على سلك القانون، ولا محامياً تلفزيونياً جاء مباشرة من استوديوهات التعليق السياسي. بيد أنه في الوقت عينه ليس بيروقراطياً محايداً بالمعنى التقليدي. ذلك أنه غادر الوزارة إلى القطاع الخاص، وعمل محامياً للدفاع. ثم مثّل ترمب في ثلاث من القضايا الجنائية التي واجهها في 2023 و2024، حسب السيرة الرسمية نفسها.

وهنا تكمن مفارقة بلانش... إذ إن خبرته القانونية حقيقية، لكنها لم تعد منفصلة عن علاقة شخصية وسياسية مباشرة بالرئيس. وفي واشنطن، لا يُقاس المسؤولون الكبار فقط بما يعرفونه، بل أيضاً إلى مَن يدينون بصعودهم. وبلانش، منذ ترشيحه نائباً لوزير العدل، حمل معه سؤالاً يصعب تجاوزه هو: هل يستطيع محامي ترمب السابق أن يتحوّل حارساً مستقلاً للقانون، أم أن موقعه الجديد هو امتداد لعلاقة الدفاع عن الرئيس، ولكن بأدوات الدولة؟

تثبيت... بصعوبة

في مارس (آذار) 2025، ثبّت مجلس الشيوخ بلانش نائباً لوزير العدل بغالبية 52 صوتاً مقابل 46. ولم يكن ذلك التصويت مجرد انقسام حزبي مألوف، بل عَكَس قلقاً عميقاً من أن يتولّى محامي ترمب السابق موقع «الرجل الثاني» في الوزارة التي يُفترض بها أن تشرف على التحقيقات الفيدرالية، ومكاتب الادعاء، والوكالات الأمنية.

وللعلم، ذكرت وكالة «رويترز» أن بلانش، بصفته نائباً للوزير، كان مسؤولاً عن الإشراف على المدّعين الفيدراليين الـ93 وعلى أجهزة مثل «إف بي آي» و«دي إي آيه» (إدارة مكافحة المخدّرات) و«آيه تي إف» (مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجّرات) والمارشالات (وهي من وكالات إنفاذ القانون الأميركية).

الأهم، أن تثبيت بلانش السابق جاء في سياق أوسع من مجرّد إعادة توجيه وزارة العدل. إذ إن بام بوندي، في يومها الأول كوزيرة للعدل، كلّفت مكتب نائب الوزير إطلاق مجموعة عمل لـ«مراجعة» ما وصفته الإدارة بـ«تسليح» العدالة ضد ترمب، بما يشمل قضايا المحقق الخاص جاك سميث، وقضية الوثائق السرّية، ومحاولة قلب نتائج انتخابات 2020، وقضية نيويورك المتعلقة بمدفوعات إسكات الممثلة ستورمي دانييلز.

كذلك، أشارت «رويترز» إلى أن بلانش تفادى خلال جلسة تثبيته الإجابة بوضوح عما إذا كان سيتنحّى عن مراجعة قضايا شارك سابقاً في الدفاع عن ترمب فيها. ومن هنا، لم يكن وصوله إلى منصب الوزير بالوكالة، بعد بوندي، قفزة مفاجئة تماماً. فهو كان موجوداً في قلب الآلة منذ البداية. لكنه بعد خروج بوندي لم يعد مجرّد منفّذ ثانٍ أو مشرف خلفي، بل صار الوجه العلني للوزارة في لحظة تتّهم فيها المعارضة الديمقراطية الإدارة بأنها حوّلت وزارة العدل ذراعاً لمحاسبة الخصوم لا لمحاسبة المخالفين.

قضية كومي

من جهة ثانية، جاء اتهام جيمس كومي ليمنح بلانش أول اختبار كبير في موقعه الجديد. فالقضية، كما ورد في الصحف الأميركية، تستند إلى صورة نشرها كومي عام 2025 لأصداف مرتبة على هيئة «86 47». وبما أن ترمب هو الرئيس السابع والأربعون، اعتبر مسؤولون جمهوريون العبارة تهديداً مبطناً؛ لأن «86» قد تُستخدم عامياً بمعنى التخلّص من شخص أو قتله. أما كومي فأزال المنشور لاحقاً، مؤكداً أنه لم يكن يدعو إلى العنف، وأنه افترض أنها رسالة سياسية لا أكثر.

المشكلة القانونية هنا ليست في حساسية أي تهديد محتمل ضد رئيس الولايات المتحدة؛ فالقانون الأميركي يتعامل مع ذلك بجدّيّة قصوى. بل تكمن المشكلة في إثبات النية. ذلك أن القضايا المتعلقة بالتهديدات لا تقوم عادة على العبارة وحدها، وإنما على السياق، والقصد، ومدى إدراك المتهم لمعناها، وما إذا كان الشخص العاقل سيفهمها كتعبير جاد عن نية إلحاق الأذى. لذا؛ بدا بلانش، في مؤتمره الصحافي، كأنه يحاول تثبيت معادلة سياسية أكثر منها قانونية، عندما قال: «لا يُسمح لك بتهديد رئيس الولايات المتحدة!».

العبارة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها لا تجيب عن السؤال الأصعب: هل ما فعله كومي تهديد جنائي... أم تعبير سياسي فجّ، غامض، أم غير موفّق؟

إبستين جُرح أسقط بوندي ويلاحق بلانش

من جانب آخر، إذا كانت قضية كومي تمثّل اختباراً لهوية وزارة العدل تحت قيادة بلانش، فإن ملف جيفري إبستين يمثل اختباراً لصدقيتها. فقد تحوّل هذا الملف عبئاً سياسياً على إدارة ترمب الثانية، ليس فقط بسبب حساسيته الأخلاقية والقانونية، بل أيضاً بسبب اتهامات بالتلاعب بالإفراج عن الوثائق، أو استخدام حجب واسع يمنع الجمهور والصحافيين والضحايا من معرفة الحقيقة الكاملة.

وفق «الغارديان» البريطانية، رفعت الصحافية والمحلّلة القانونية كايتي فانغ دعوى ضد بلانش، متّهمة وزارة العدل بـ«انتهاك قانون الشفافية» المتعلق بملفات إبستين عبر الإحجام عن نشر كل الوثائق المطلوبة، أو الإفراط في حجبها، أو تفويت المهل القانونية. وذكرت الصحيفة أن بلانش، الذي كان نائباً للوزير قبل أن يصبح وزيراً بالوكالة بعد إقالة بوندي، واجه اتهامات بتعطيل العملية وإصدار جزء فقط من الوثائق.

هذا الملف، تحديداً، يفسّر جانباً من معضلة بلانش. فإذا كشف عن الكثير من المعطيات، قد يثير غضب دوائر قريبة من السلطة، أو يفتح أسئلة محرجة عن علاقات قديمة بإبستين. وإذا حجب الكثير فسيعزّز اتهامات التستر. أما إذا حاول الموازنة بين الخيارين فسيبدو في نظر قاعدة ترمب متردّداً، وفي نظر خصومه متواطئاً.

الولاء كمعيار حكم

واقع الأمر، أنه في إدارة ترمب الثانية، لا يبدو الولاء شرطاً جانبياً، بل جزءاً من هندسة الحكم.

بام بوندي، التي جاءت إلى الوزارة وهي محسوبة أصلاً على عالم ترمب السياسي، غادرت أو أُقيلت لأنها، حسب تقارير أميركية، لم تكن فعالة بما يكفي في ملاحقة أعداء الرئيس. وهذا يعني أن المشكلة لم تكن مقتصرة فقط على اتجاه الوزارة، بل أيضاً في سرعة تنفيذ هذا الاتجاه وحدّته.

بلانش يفهم هذه الرسالة جيداً. فهو لم يأت من خارج تجربة ترمب القضائية، بل من داخلها.

لقد دافع عن الرئيس في لحظة كان فيها الأخير يرى نفسه ضحية «دولة عميقة» وقضاء مسيّس. ومن ثم، فإن ترمب لا ينظر إليه كموظف قانوني فحسب، بل كشاهد سابق على «المظلومية» التي بنى عليها حملته للعودة إلى السلطة. وهذا، وإن منح بلانش ثقة الرئيس، فإنه يضعف، في المقابل، قدرته على إقناع خصوم الإدارة بأنه مستقل عنها.

وهنا يصبح السؤال عن النساء اللواتي غادرن أو تعرّضن للتهميش في إدارة ترمب، جزءاً من نمط أوسع. وذلك ليس لأن المشكلة مرتبطة بالنوع الاجتماعي وحده، بل لأن إدارة ترمب تُخضع كبار مسؤوليها، رجالاً ونساءً، لاختبار ولاء دائم.

بلانش وتحدي إصلاح ما كسرته السياسة

في أي حال، قدرة بلانش على معالجة أسباب سقوط بوندي تبدو محدودة. فهو يملك خبرة قانونية لا يمكن إنكارها، ويعرف وزارة العدل من الداخل، ويفهم آليات الادعاء الفيدرالي، لكنه وصل إلى المنصب محمولاً على موجة سياسية لا تشجّع «الاستقلالية». وإذا كانت بوندي فشلت لأنها لم تذهب بعيداً بما يكفي لإرضاء ترمب، فإن نجاح بلانش، في قاموس البيت الأبيض، قد يعني الذهاب أبعد لا التراجع.

في قضية كومي، سيُقاس نجاح بلانش بقدرته على تحويل الغضب السياسي إلى قضية قابلة للصمود أمام قاضٍ وهيئة محلفين. وفي ملف إبستين، سيُقاس بقدرته على إقناع الرأي العام بأن الوزارة لا تخفي ما يجب كشفه ولا تكشف ما يضرّ بالضحايا. وفي ملفات خصوم ترمب، من مسؤولي عهد أوباما إلى شخصيات ديمقراطية أخرى، سيُقاس بمدى الفصل بين المساءلة القانونية والانتقام الرئاسي.

المؤشرات الأولى لا تمنح الرجل هامشاً كبيراً. فوزارة العدل، التي يقودها الآن، ليست مؤسسة تدخل مرحلة تهدئة، بل مؤسسة يُطلب منها أن تكون رأس الحربة في معركة سياسية داخلية. وبلانش، مهما بلغت مهارته القانونية، لا يستطيع الهروب من أصل تعيينه: فهو محامي ترمب السابق، الذي صار حارس القانون الاتحادي.

هذه الجملة وحدها تكفي لتفسير قوته وضعفه معاً.


صلاحيات وزارة العدل الأميركية والمكاتب التابعة لها... وأبرز وزرائها

جانيت رينو (آ ب)
جانيت رينو (آ ب)
TT

صلاحيات وزارة العدل الأميركية والمكاتب التابعة لها... وأبرز وزرائها

جانيت رينو (آ ب)
جانيت رينو (آ ب)

وزير العدل الأميركي هو عملياً رأس وزارة العدل وكبير مسؤولي إنفاذ القانون الفيدرالي. وهو يمثّل الحكومة الأميركية في المسائل القانونية، ويقدّم المشورة القانونية للرئيس ورؤساء الوزارات والوكالات، ويشرف على تطبيق القوانين الفيدرالية والتحقيقات والادعاءات الكبرى. كما يدير جهازاً واسعاً يشمل مكاتب المدعين العامين الفيدراليين في الولايات والدوائر القضائية، ويؤثر في أولويات الملاحقة الجنائية، من الإرهاب والفساد والجرائم المالية إلى الحقوق المدنية والهجرة والمخدرات والسلاح.

إريك هولدر (آ ب)

تتبع الوزارة، أو تعمل تحت مظلتها، وكالات ومكاتب بالغة الأهمية، أبرزها «إف بي آي» (مكتب التحقيقات الفيدرالي)، و«دي إي إيه» (إدارة مكافحة المخدرات) و«آيه تي إف» (مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجرات) وخدمة المارشالات الأميركية ومكتب السجون الفيدرالي، إضافة إلى أقسام متخصّصة مثل الحقوق المدنية، ومكافحة الاحتكار، والقسم الجنائي، وقسم الأمن القومي، ومكتب المستشار القانوني، ومكتب مكتب المحامي العام للحكومة (السوليسيتور جنرال) الذي يترافع أمام المحكمة العليا. وتقول الوزارة إن لديها أكثر من 40 مكوّناً، بينها 94 مكتباً للمدّعين الفيدراليين.

من أبرز وزراء العدل الأميركيين خلال العقود الأخيرة، جانيت رينو في عهد بيل كلينتون، وكانت أول امرأة تتولى المنصب، وارتبط اسمها بملفات كبرى، مثل حصار واكو عام 1993 في ولاية تكساس، عندما حاصرت السلطات الفيدرالية مجمّع جماعة دينية تُعرف باسم «فرع داود»، وقضية الطفل الكوبي إليان غونزاليس عام 1999 الذي كان في السادسة ونجا من الغرق بعدما أقدمت والدته التي توفيت على تهريبه بقارب من كوبا إلى فلوريدا، وهناك اندلع خلاف بين أقاربه ووالده الذي طالب بإعادته.

جون آشكروفت (غيتي)

أيضاً، برز جون آشكروفت وألبرتو غونزاليس إبان عهد جورج بوش الابن، في مرحلة ما بعد «هجمات 11 سبتمبر (أيلول)»، حين توسّعت صلاحيات الأمن القومي ومكافحة الإرهاب. وجاء بعدهما مايكل موكاسي في نهاية عهد بوش.

أما في عهد باراك أوباما، فقد برز إريك هولدر، أول أميركي من أصل أفريقي يتولى المنصب، ثم لوريتا لينش. وفي عهد ترمب الأول تولى المنصب جيف سيشنز ثم وليام بار، الذي صار أشد منتقديه، قبل أن يأتي ميريك غارلاند في عهد جو بايدن، ثم بام بوندي في إدارة ترمب الثانية.


روسيا في مالي... انهيار أم انتكاسة؟

دخان الاشتباكات فوق العاصمة المالية باماكو (آ ف ب/غيتي)
دخان الاشتباكات فوق العاصمة المالية باماكو (آ ف ب/غيتي)
TT

روسيا في مالي... انهيار أم انتكاسة؟

دخان الاشتباكات فوق العاصمة المالية باماكو (آ ف ب/غيتي)
دخان الاشتباكات فوق العاصمة المالية باماكو (آ ف ب/غيتي)

تحت جنحِ الظلام وقبيل صلاة فجر السبت 25 أبريل (نيسان) الماضي، تسللَ مئات من مقاتلي تنظيم «القاعدة» على متون دراجات نارية، مرتدين الزي العسكري للجيش المالي، تتقدمهم سيارة مفخخة بعشرات الأطنان من المتفجرات يقودها انتحاري. كان الهدف هو قاعدة كاتي العسكرية، القاعدة الأكثر تحصيناً وأهمية استراتيجية في جمهورية مالي، حيث يقيم قادة مجلس عسكري يحكمُ البلد الأفريقي المنهك بالحروب. هناك انفجرت السيارة المفخّخة لتدمر بيت وزير الدفاع ساديو كامارا، الذي قتل هو وزوجته وأولاده على الفور، ثم اندلعت اشتباكات عنيفة أثارت الرعب في أوساط السكان، وكان من أوائل الضحايا عشرات المصلّين في مسجد قريب من بيت وزير الدفاع. ومع شروق الشمس تبين أن مقاتلي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» يسيطرون على القاعدة العسكرية التي لا تبعد سوى 15 كيلومتراً عن العاصمة المالية باماكو، ويتحرّكون فيها بكل حرية، قبل أن ينسحبوا من دون معرفة ماذا حملوا معهم، وهم الذين سيطروا لساعات على واحد من أكثر المواقع حساسية في الدولة، ومركز اتخاذ القرارات الأمنية والعسكرية والاستخباراتية.

لم يقتصر الهجوم على العاصمة باماكو، ذلك أنه بالتزامن كان المتمردون يتحركون في الشمال لاستعادة المدن واحدة تلو أخرى، ولم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى سقطت في قبضة «جبهة تحرير أزواد» مدينة كيدال، بأقصى شمال شرقي مالي، غير بعيد من الحدود مع الجزائر، وعلى بعد 1500 كيلومتر من العاصمة باماكو. ولقد تفاوضت روسيا مع المتمردين لكي يسمحوا بانسحاب قواتها بهدوء من كيدال.

ثم تبعتها مدن غاو وتمبكتو وميناكا وسيغنو وموبتي... وبدا أن كل شيء ينهار وبسرعة.

على حافة الانهيار

مالي، الواقعة في غرب أفريقيا، تعد واحدة من أفقر دول العالم، وتعاني منذ 2012 من تمرد مسلح تتصدره جماعات مرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وحركات مسلحة انفصالية تناضل منذ عقود لاستقلال إقليم أزواد في شمال البلاد.

وحقاً، كادت مالي تنهار عام 2012 حين سيطر مسلحو «القاعدة» والحركات الانفصالية على شمال البلاد، ولكن السلطات آنذاك لجأت إلى فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة، التي تدخلت عسكرياً مطلع 2013، ونجحت في استعادة السيطرة على الشمال. وتحوّل مركز الحرب العالمية على الإرهاب إلى مالي ليتوسع لاحقاً نحو منطقة الساحل عموماً، وأصبحت فرنسا هي من يقود هذه الحرب، بدعم من الأوروبيين والولايات المتحدة، وقوة أممية لحفظ السلام.

ولكن بعد مرور 10 سنوات، أنفق فيها الفرنسيون أكثر من 10 مليارات يورو على مواجهة الإرهاب في مالي والساحل، وقع انقلاب عسكري في مالي عام 2020 قاده ضباط شباب، اتهموا فرنسا بالفشل في مواجهة الإرهاب، بل اتخاذه ذريعة لاحتلال مالي وتكريس نموذج استعماري جديد.

وتبنى حكام مالي الجدد خطاباً معادياً لفرنسا، رافعين شعار السيادة، فألغوا من طرف واحد الاتفاقيات العسكرية مع باريس وطردوا القوات الفرنسية. ومن ثم، توجهوا نحو التحالف مع روسيا، وجلبوا مئات من مقاتلي مجموعة «فاغنر» الروسية الخاصة لمواجهة المتمردين الطوارق ومقاتلي «القاعدة». ومنذ العام الماضي حُلّت مجموعة «فاغنر» وعوّضتها موسكو بقوات من «الفيلق الأفريقي» التابع لوزارة الدفاع الروسية.نجاح مؤقت

التحالف المالي - الروسي نجح في تحقيق مكاسب على الأرض، وأصبح الجيش المالي أكثر تسليحاً، وكبّد التنظيمات المسلحة خسائر كبيرة بفضل حصوله على أسلحة متطورة. إلا أن العامل الحاسم كان تكوين منظمة سلاح الجو ودعمها بمسيّرات تركية، وفي ذروة صعود الجيش المالي استعاد عام 2023 السيطرة على مدينة كيدال، معقل المتمردين الطوارق.

ولكن مع مرور الوقت، بدأت الحركات المتمردة والتنظيمات المرتبطة بـ«القاعدة» تتأقلم مع الوضع الجديد، فاستعادت قوتها تدريجياً، وتوسّعت في مناطق وسط وجنوب مالي. ونهاية العام الماضي فرضت حصاراً على العاصمة باماكو، وشنّت هجوماً قوياً على مطار باماكو الدولي، وكانت كل المؤشرات تشير إلى قدرة التنظيم الإرهابي على دخول العاصمة والسيطرة على الحكم.

لوصف ما يحدث في مالي منذ السبت الماضي، اعتبر عبد الصمد مبارك، رئيس «مركز الأطلس للتنمية والبحوث الاستراتيجية» والأستاذ بجامعة نواكشوط، أن ما حدث هو «تحصيل حاصل»، وهو «النتيجة الطبيعية لتراكم طويل الأمد للعديد من الأزمات». وأردف مبارك، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن «الوضع في مالي مقلق جداً، وهو نتيجة تراكمات تدريجية لواقع دولة فقدت أدواتها الرمزية قبل أن تنهار مؤسساتها وتتصدع بنيتها».

المأزق الروسي

من جهة ثانية، منذ هجمات السبت الماضي، وما سبقها من فقدان الجيش المالي للمبادرة الميدانية، وتركز نفوذه في العاصمة ومحيطها، وردت تقارير عن «انهيار» النموذج الروسي في مالي، إذ نشر «معهد روبرت لانسينغ» تقريراً تناول فيه فشل المقاربة الأمنية والعسكرية لـ«الفيلق الأفريقي» في مالي.

ورأى المعهد المتخصص في تحليل التهديدات العالمية أن الوضع الحالي «يعكس انهيار بنية مكافحة الإرهاب الدولية، التي استمرت عقداً من الزمن، وفشل القوات المدعومة من روسيا في أن تكون بديلاً فعالاً». وتابع أن الشراكة بين باماكو وموسكو «كانت تقوم على ترتيب نفعي: تحصلُ مالي على حماية النظام ودعم مكافحة التمرد، بينما أمنت روسيا الوصول إلى الموارد الاستراتيجية ونفوذ جيوسياسي عبر منطقة الساحل».

وخلص المعهد، من ثم، إلى تأكيد أنه «رغم ذلك، كانت الديناميكيات الداخلية للصراع في مالي أكثر تعقيداً مما توقعه الفاعلون الخارجيون... وأن خصوم الدولة ليسوا تمرداً واحداً، بل منظومة متداخلة من الجماعات المسلحة، وقد نسقت هذه الجماعات عملياتها بشكل متزايد، وجمعت بين الآيديولوجية الجهادية والمظالم المحلية والطموحات الانفصالية».

خروج كامارا

واليوم، بينما تزداد قوة «القاعدة»، وترتفع معنويات المتمردين الطوارق، يعيش المجلس العسكري حالة من الإحباط، خاصة بعد مقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا، الرجل الثاني في المجلس، و«مهندس» الشراكة العسكرية والأمنية مع روسيا.

ووفق محمد ولد الداه، الخبير في الشأن الأفريقي، خروج كامارا من المعادلة «ضربة موجعة جداً، أصابت عمق المؤسسة العسكرية»، بل إن غياب كامارا «قد يشكّل تهديداً لتماسك المجلس العسكري، خاصة أن اغتياله يعدّ اختراقاً أمنياً في قلب منظومة الحكم».

وتابع ولد الداه، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن لمقتل كامارا تداعيات مباشرة تتمثل في «تشديد القبضة الأمنية وإغلاق الباب أمام أي انفتاح سياسي محتمل... وأن مرحلة ما بعد كامارا ستفرض إعادة ترتيب مراكز القوة داخل المجلس العسكري الحاكم». ثم أضاف: «أعتقد أنه بعد اغتيال وزير الدفاع، ستزيد الحاجة إلى الشريك الروسي، ليس في مجال الدعم العسكري فقط، وإنما أيضاً كضامن لأمن وسلامة النخبة العسكرية الحاكمة، وهذا بكل تأكيد سيزيد من عمق التبعية لروسيا».

ولكن حسين لنصاري، وهو كاتب متخصص في الشؤون الأمنية بمنطقة الساحل الأفريقي، له رأي آخر، إذ شدّد لـ«الشرق الأوسط» على أن «كامارا كان المهندس الرئيس للتحالف مع روسيا، وبالتالي فإن اغتياله يخلخل الاستقرار الداخلي للمجلس العسكري، ويهدد مستقبل العلاقة ما بين باماكو وموسكو».

تبنى حكام مالي خطاباً معادياً لفرنسا، رافعين شعار السيادة

فألغوا من طرف واحد الاتفاقيات العسكرية مع باريس

انهيار أم انتكاسة!

بناء عليه، كثيرة هي الأسئلة التي تُطرح الآن حول مستقبل الوجود العسكري الروسي في مالي بعد هجمات السبت، وانسحاب «الفيلق الأفريقي» الروسي، حتى ذهب بعض المحللين إلى تأكيد «انهيار» استراتيجية موسكو في مالي.

ولد الداه يرى أن «وصف ما حدث بالانهيار فيه مبالغة، إذ يمكن القول إنها انتكاسة كبرى، وليست انهياراً كاملاً. صحيح أن الانتكاسة خطيرة، وتكشف أن روسيا غير قادرة على توفير الأمن الموعود. وأن الهزائم المتتالية للفيلق الأفريقي والجيش المالي تشير إلى هشاشة النموذج العسكري، لكن المجلس ما زال يسيطر على العاصمة والمؤسسات، وقد تردّ روسيا بتعزيز وجودها أو تغيير تكتيكاتها لتجنب انهيار كامل يمسّ هيبتها في القارة».

أما لنصاري فيؤكد أن الوجود العسكري الروسي في مالي «يمرّ بتحول كبير منذ انسحاب (فاغنر) صيف 2025 وتعويضها بالفيلق الأفريقي». ويضيف: «تشير الدلائل إلى أن مستقبل هذا الوجود يواجه هزّات عنيفة لأسباب عديدة. من بينها انسحاب القوات الروسية من كيدال بعدما كانت قد استعادتها عام 2023. بالتالي، أعتقد أن موسكو هي الخاسر الأكبر، بعدما أثبتت الأحداث الأخيرة هشاشة نموذج الحماية الروسي وخلل في قدراته الاستخبارية في مالي، بل في الساحل عموماً».

من جهته، يقول أحمد مصطفى سنغاريه، وهو صحافي مالي، إن كل الكلام الدائر عن انسحاب روسي من مالي «مجرد شائعات». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «كل الشائعات والأخبار المنتشرة حول توتر العلاقة بين مالي وروسيا، وعن إمكانية انسحاب فيلق أفريقيا من مالي، أخبار مغرضة مصدرها الإعلام الغربي، الهدف منها الإضرار بالعلاقات بين مالي وروسيا».

وأردف: «جوهر العلاقة بين مالي وروسيا التعاون في مجال التدريب والاستخبارات وصفقات السلاح». وأشار إلى أن «الجنود والضباط الروس الذين يقاتلون مع الجيش المالي في الميدان، ليسوا في مقدمة العمليات لأن دورهم يقتصر على التوجيه والتدريب وتقديم الاستشارات».

أي مستقبل؟

روسيا رفضت بلا تردد طلب المتمردين سحب قواتها من مالي، وأكدت أنها باقية لمحاربة التطرف والإرهاب. وهذا موقف يعتقد محمد الأمين ولد الداه أنه نابع من قناعة موسكو بأن «مالي هي نقطة ارتكاز نفوذها في غرب أفريقيا». وأضاف أنه رغم ذلك ستراجع موسكو استراتيجيتها «حيث ستنتقل من نمط الانتشار الكثيف في المنطقة، إلى نمط أكثر انتقائية، يقوم على دعم استخباراتي وتدريب عملياتي نوعي... ولا أتوقع أن تتراجع روسيا عن وجودها في مالي، لأن أي تراجع مهما كان تكتيكياً، سيؤثر على بقية الشركاء في الساحل، وهو ما قد يقود إلى نسف المشروع الروسي في أفريقيا».

مع هذا، رأى ولد الداه أن على موسكو استيعاب الدرس «فالقوة العسكرية وحدها لن تحسم المعركة، ومع غياب أي نوع من الحلول السياسية والاجتماعية تبقى المكاسب العسكرية هشّة». وحول مستقبل مالي في المرحلة المقبلة، قال إنه يتوقعُ 3 سيناريوهات، في مقدمتها «استمرار الرهان على الحل العسكري وحده، بدعم من روسيا ودول الساحل، وهذا يعني حرب استنزاف طويلة الأمد، ستقود في النهاية إلى تآكل تدريجي لسلطة الدولة، وهو مسار خطير جداً».

أما السيناريو الثاني فهو «مقاربة مزدوجة؛ أمنية وتنموية، وتنظيم حوار مع الفاعلين المحليين، وطبعاً هذه مقاربة عقلانية تحتاج شجاعة سياسية وتقديم تنازلات، كما تتطلب حكومة شرعية، وأعتقد أن المجلس العسكري الحاكم يفتقد إلى ذلك».

أما السيناريو الثالث فهو «انكشاف الدولة واتساع رقعة المناطق الخارجة عن سلطتها، وهو ما قد يضعنا أمام خيار تفكك الدولة، حيث لا يبقى تحت سلطة المجلس العسكري سوى العاصمة وضواحيها».

في غضون ذلك، يطرحُ عبد الصمد مبارك احتمال حدوث سيناريو رابع يتمثل في «تصدع النظام من الداخلي وحدوث انقلاب عسكري يفتح الطريق أمام مرحلة انتقالية جديدة ومدروسة تعيد الأمل»، وهنا حذّر مبارك من «انزلاق مالي نحو المجهول، حين يصبح البديل الوحيد المتاح هو سيطرة الجماعات المسلحة على الدولة».أما لنصاري فـ«يرجح بقاء المجلس العسكري في الحكم، بدعم من روسيا، مع شنّ هجوم مضاد لاستعادة المناطق الشمالية من سيطرة الحركات الأزوادية مثل كيدال، وسيكون نجاح هذا الهجوم هو العامل الحاسم لاستمرار المجلس العسكري في الحكم». ويضيف أنه إذا فشل المجلس العسكري في استعادة السيطرة على الشمال «سيزداد الضغط الداخلي ويتصاعد التوتر داخل المجلس العسكري، ما قد يؤدي إلى تغيير سياسي وتراجع في النفوذ الروسي».

 

 

ساديو كامارا (آ ب)

 

 

حلف التناقض... وتغيّر «القاعدة»

هجمات السبت الماضي في مالي، وإن قادت إلى طرح أسئلة كثيرة حول مستقبل المجلس العسكري والوجود العسكري الروسي، فهي أيضاً حملت معها معطيات لافتة، من أهمها: التحالف بين «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» الموالية لتنظيم «القاعدة»، و«جبهة تحرير أزواد» الساعية لانفصال الشمال. ومع أن هذه ليست المرة الأولى التي يتحالف فيها المتمردون مع «القاعدة» بشمال مالي، فهي المرة الأولى التي يكون فيها التحالف بينهما بهذه القوة. لإدراك هذه القوة، يجب فهم التركيبة الداخلية لكل طرف؛ إذ إن «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» أسّست عام 2017 حين تحالفت أربعة تشكيلات مسلحة هي: «حركة أنصار الدين» و«جبهة تحرير ماسينا وجماعة «المرابطون»، وإمارة الصحراء «القاعدة». ومن جهتها، أُسّست «جبهة تحرير أزواد» عام 2024، لتوحيد جميع الحركات المتمردة في شمال مالي، بعد سقوط كيدال، عاصمة المتمردين ومركز نفوذهم، في يد الجيش المالي عام 2023، بدعم من مجموعة «فاغنر» الروسية الخاصة. وهنا يقول محمد الأمين ولد الداه، الخبير في الشأن الأفريقي، إن التحالف ما بين المتمردين والقاعدة «ليس تجاوزاً فكرياً بقدر ما هو تعليق مؤقت للخلاف الآيديولوجي تحت ضغط الميدان والمعارك الدائرة... فثمة مجموعة من العوامل أدت إلى تقارب الطرفين؛ أبرزها اثنان: 1 - العدو المشترك المتمثل في السلطات العسكرية في باماكو، والفيلق الأفريقي - الروسي وتحالف دول الساحل. هذا العدو يمثل تهديداً وجودياً للطرفين. وبالتالي (كان لا بد أن نؤجل خلافاتنا ما دام خطر الاستئصال مشتركاً). 2 - سقوط (اتفاق الجزائر للسلام) أزال آخر مظلة كانت تمنع المتمردين الأزواديين من العودة للعمل المسلح. وبالتالي، عندما ينهار السلام تتقارب البنادق». ولد الداه يؤكد أن أهم عامل ساهم في تحالف «القاعدة» والمتمردين، هو «التحول الكبير خلال السنوات الأخيرة في سلوك تلك الجماعات؛ إذ إن (القاعدة) في مالي لم تعد تعمل بوصفها تنظيماً عقائدياً صِرفاً، بل يمكن الآن تصنيفها فاعلاً متمرداً ذكياً، يبني تحالفات محلية مع القوى الموجودة في المنطقة، ويستثمر المظالم الاجتماعية في المجتمعات المحلية». ويتابع: «الواضح هو أنه جرى تأجيل المشروع العقائدي كي لا يعرقل التمدد الميداني، وهذا التحالف التكتيكي الذي حدث بين الجماعتين أعتقد أنه قابل للتحول إلى نمط متكرر، وكلما طال أمد الحرب واشتد الضغط زادت الحاجة إلى التنسيق المشترك بين الطرفين، حتى يصبح هذا التحالف استراتيجياً قد يؤدي إلى تقاسم لبعض المناطق». في السياق ذاته، يقول حسين لنصاري، إن «تحالف (جبهة تحرير أزواد) مع (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) يمثل مبدأ: عدو عدوك صديقك»، مشيراً إلى أن «(جبهة تحرير أزواد) تسعى إلى تحرير منطقة شمال مالي، وتأسيس دولة أزواد، بينما (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) هدفها السيطرة على جنوب مالي، وتغيير الحكم في باماكو، بالتنسيق مع شخصيات معارضة وربما ضباط داخل النظام الحاكم».