«السقائف الزرق»... صورة لمدينة كردستانية بوجهين

كتابة التاريخ بالإفادة من مخزونات الذاكرة الجماعية

«السقائف الزرق»... صورة لمدينة كردستانية بوجهين
TT

«السقائف الزرق»... صورة لمدينة كردستانية بوجهين

«السقائف الزرق»... صورة لمدينة كردستانية بوجهين

تتشكل عناصر المتن الروائي بأساليب سردية تتوافق مع ما يريده الروائي منها، لتأخذ أشكالاً عدة. وفي هذا التطويع للسرد الروائي دليل على قابليته للتداخل مع الفلسفة والنقد وفنون الأدب من شعر ومذكرات وتاريخ واجتماع، فيغدو الروائي كالمؤرخ أو كالباحث الاجتماعي يقيد بالسرد حياة الناس ووجوههم وطبائعهم وأصولهم، موثقاً كل شيء له تاريخ مادي أو غير مادي، يمكن تسجيله وحفظه. من هنا اتخذ القديس أوغسطين السرد ملجأ فيه اعترف بالذنوب والخطايا فتطهرت ذاته وبرأت ذمته وارتاح ضميره، واستعان سارتر بالرواية كي يعزز رؤاه الوجودية، وقبله فعل ذلك فولتير، كما طبق إمبرتو إيكو من خلال كتابة الرواية نظراته وتصوراته الفنية.
ويعني تطويع الرواية للتاريخ والاجتماع أن المتخيلين السردي والتاريخي - اللذين هما بؤرة تحبيك القص - قد امتزجا بالمتخيل الاجتماعي. وبهذا الامتزاج تتسع الغاية من وراء الرواية فلا تتحدد في إعادة كتابة التاريخ العام حسب، بل أيضاً صناعة التاريخ نفسه بالإفادة من مخزونات الذاكرة الجماعية أولاً، والإدراك العقلي لمنطقية التحبيك السردي ثانياً، وتوقع انتقال التأريخ شفاهياً جيلاً بعد جيل ثالثاً.
والمحصلة هي رواية التاريخ التي فيها تدور المتخيلات الثلاثة (التاريخي والاجتماعي والسردي) زمانياً، ما نجده متجسداً في رواية «السقائف الزرق» لكليزار أنور، الصادرة مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء في العراق.
في هذه الرواية تجتمع قصتان؛ إحداهما إطارية هي قصة الحفيدة الكردية التي أخذتها الحياة الغربية فانقطعت صلاتها كلياً بموطن أجدادها في كردستان العراق. والقصة الأخرى ضمنية وهي عبارة عن مذكرات مخطوطة بقلم الجد المعلم أحمد آدم إبراهيم، وكتبها من أجل أن تكون طوق النجاة الذي به تتمسك الأجيال حين تجد نفسها بلا جذور، أو هي البوصلة التي بها تعرف الأجيال اتجاهها الصحيح فلا تضيع في المتاهات كإشارة - علنية أو رمزية - إلى أن للتوثيق التاريخي أهميته في الحفاظ على الهويات الاثنية من التهميش والضياع.
وبناء على نظرية بول ريكور للحاضر ثلاثي الأبعاد، يتخذ السرد منوالاً تاريخياً - اجتماعياً يجعل «السقائف الزرق» رواية تاريخ، بالافتتاح الاستهلالي أولاً (إذا لم يمكن بوسعك المشاركة في التاريخ فاكتب عنه وهذا ما فعلته) (ص 5)، وثانياً بالمكان/ مدينة العمادية محوراً يستقطب الدائرة الزمانية بكل ما لهذا المحور من تأريخ اجتماعي فيه أحداث وأجيال وهويات وطبقات وجغرافيا وأبنية وأزقة وصنائع وعادات... إلخ. فيتحول كل شيء مغمور في المدينة وفردي وصامت إلى حاضر اجتماعي يسير في مجرى التاريخ العام للبشرية، ويتولد من تمازج الواقع الاجتماعي بالمتخيل التاريخي شكل ذاكراتي (Geohistory) للرواية يسرد بضمير الأنا، وفيه تتجلى الهوية الكردية (لا أحد منا يعرف شيئاً مفصلاً عن التاريخ القديم لشعبه، لكننا نحاول أن نتوصل إلى أطراف الخيوط البعيدة عبر المصادر القديمة أو ما يتناقله الناس من جيل لآخر) (ص 155).
وهذه الصناعة السردية للهوية الاجتماعية من خلال التأرخة للوقائع، هو ما جعل بول ريكور يعجب بما صنعه تونبي في كتابته لتأريخ الحضارات مازجاً سرد الوقائع الاجتماعية بتأريخية الحقب الطويلة للأحداث والناس، فصار الزمان مسطوراً في المكان بالمناظر والفضاءات التي منها تشكلت الحضارات بصمت وبطء، كما أشاد ريكور أيضاً بعمل الروائي الفرنسي فرنان بروديل الموسوم «البحر الأبيض المتوسط»، كونه أرخ للعالم الفرانكفوني المتوسطي الذي عده ريكور أروع أعمال مدرسة الحوليات التي أسسها لوسيان فيفر ومارك بلوخ.
وإذا كان بطل بروديل هو البحر المتوسط، فإن بطلة «السقائف الزرق» هي مدينة العمادية التي شارك في صناعة تاريخها ساردون أربعة هم: «الحفيدة سولاف والجد أحمد آدم إبراهيم واليهودي عزرا والمسيحي متي»، وتغدو الحفيدة هي الحاضر، والأجداد الثلاثة هم الماضي المكتوب بشكل جماعي في صورة مذكرات مخطوطة بدأوا كتابتها من أواخر القرن التاسع عشر 1898، وانتهوا عند عام 1948 الذي فيه تغيرت خريطة العمادية فرحل اليهودي عزرا إلى أرض جديدة، وتأثر متي بحدث الهجرة الفجائي، فقرر التوقف عن الكتابة (أختم مذكراتي بحدث آلمني... فقد غادرنا عزرا ودون أن يودعنا... انفرطت زوايا المثلث)، ليكون الأمل معقوداً بالجد المسلم الذي واصل تدوين سيرة المدينة حتى أكملها ثم أودعها لدى أبنائه: «لقد كتبت كل ما أردت كتابته، وربما أنشره أو ينشر ذات يوم ليبقى شاهداً حياً على مدينتي» (ص 263).
وفي أثناء زيارة الابن المغترب في أميركا لأهله في كردستان إبان تسعينيات القرن الماضي، عثر على مخطوطة الجد واحتفظ بها في أميركا وستصل إلى يد الابنة سولاف التي وجدت في قراءتها للمخطوطة تأريخ أسلافها، فأدركت أنها كيان هجين بلا هوية (لم أهتم ذات يوم بالماضي أو بأصل أبي أو أمي ولم أسال من نحن؟ لكني ها أنا ألجأ للماضي بعدما أصبح حاضري خاوياً هشاً لأتمسك بالحياة من جديد أشعر بأني عصفورة تطير في سماء شاسعة) (ص 18) فتقرر العودة إلى العراق كي ترى ما كتبه جدها في مذكراته كواقع حي وحاضر ثلاثي الأبعاد متجسد في الأبنية والعادات والقبور والآثار والمدارس والجوامع والأزقة والجسور والقناطر والأغاني والأقمشة والسجاد وطقوس العرس والزواج والأسماء وغيرها.
وبذلك لا تكون المذكرات مجرد سيرة شخصية وإنما هي سيرة مدينة ممتدة من حقبة زمنية طويلة فيها المائة سنة حاضرة في السنة، والسنة في الشهور، والشهور في الأيام والساعات والدقائق التي تحتبك باستمرار في دائرة زمانية فيها المكان هو الأصل والفصل، وساعد في ذلك استعمال المؤلفة تقانة تعدد الأصوات السردية على مستوى القصة الضمنية، مما أعطى للتعدد الثقافي حضوراً مركزياً في الرواية من ناحية الهوية والدين واللغة والطقوس والعادات، التي فيها يتلخص بالعموم التأريخ المدينة الاجتماعي.
وبهذا أخذ السرد معناه الواسع بوصفه تاريخاً يقوم على معقولية الربط ما بين تحبيك الأحداث، وتوالي الأحداث من دون تحبيك، لا سيما حين يغيب صوت السارد الذاتي، ويحضر صوت الكاتبة، سواء في استعمال الشروحات الجغرافية أو في الاستطرادات الإخبارية التي فيها تضخ المؤلفة كثيراً من المعلومات الجيوبولتيكية حول معالم المدينة التاريخية مثل حديثها عن «دمدم»، القلعة التي لها قصة واقعية ترمز إلى كفاح الشعب الكردي ومقاومته للتسلط مقتبل القرن السابع، أو في تزويدها القارئ بمعلومات تقريرية وراهنة عن «جهود جامعة دهوك لوضع مدينة العمادية ضمن قائمة التراث العالمي بعد إجراء عدة دراسات وبحوث واعتبارها عاصمة آثار كردستان... ولهذا أجد من الضروري دراسة التراث الكردي ثقافة وعلماً، كتابة وتدويناً، لمآثر أجدادهم وأسلافهم العظام ونفض الغبار عن تراثهم الذي يعد تراثاً علمياً وأديباً عالمياً نادراً» (ص 69).
وقد أدركت المؤلفة تعثر التحبيك وتفكك السرد بسبب هذه التقريرية، فبررته بالقارئ الذي أرادت توصيل رسالتها التاريخية إليه: «أكتب عن مدينتي التي ولدت فيها ناسها وأديانها وتقاليدها، عن تاريخها الثقافي والجغرافي والزماني، فحضارة الإنسان بدأت بالكتابة، هم كثفوا الواقع والحلم معاً فوصلنا بهذه الطريقة ونحن أيضاً نكثفه بالكتابة ليصل إلى غيرنا مستقبلاً» (ص 118). ولكن هذا التبرير غير كافٍ ولا مقنع، إذ إن ممارسة العمل الروائي ينبغي أن تضمن التماسك الموضوعي والفني بحضور سارد يمسك بحبكة الصراع ويصعده باتجاه التأزم.
وعلى الرغم من ذلك، فإن التحبيك التأريخي انتهى بالرواية إلى ما أرادته المؤلفة وهو «وجه مضيء ووجه مظلم»، أو مثل «سفينة تيتانيك تمخر في عباب عتمة السماء» (ص 46)، أو «ظلال زرق مدت بخيوطها على أسطح البيوت فتشكلت لوحة فنية صاغتها أنامل الطبيعة... بدت العمادية مدينة من السقائف الزرق» (ص 142)، وبهذه الطريقة تكون رواية التاريخ أطروحة اجتماعية في شكل دائرة زمانية تتحرك داخل مكان هو مدينة لها سيرتها الاجتماعية والتاريخية العريقة جاذبة أهلها إليها انجذاباً زمانياً ثلاثي الأبعاد كشفت عنه الكاتبة كليزار أنور بكثير من التفنن السردي.



كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية

سالي روني
سالي روني
TT

كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية

سالي روني
سالي روني

تعدّ الروائية الآيرلندية سالي روني، البالغة 35 عاماً، من أبرز ظواهر النشر الأدبي في العقد الأخير. بدأت بـ«محادثات مع أصدقاء» عام 2017، ثم حققت انتشاراً واسعاً مع «أناس عاديون» عام 2018، وأتبعتها بـ«عالم جميل... أين أنت؟» عام 2021، و«إنترميتسو» عام 2024.

وقد اعتذرت أخيراً الدار الناشرة كتبها؛ «فيبر آند فيبر»، من عدم توزيع كتبها بعدما قالت «فيبر» إن التشريعات البريطانية تمنعها من تحويل عائدات المبيعات إلى المؤلفة، إثر تحذير من السلطات البريطانية.

وتحت عنوان «سالي روني كاتبة وليست إرهابية»، اجتمعت أسماء بارزة في فضاءات الأدب والسينما والفكر على رسالة مفتوحة نشرتها مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية دفاعاً عن الروائية الآيرلندية المجليّة بعدما توقفت دار النشر «فيبر آند فيبر» عن بيع كتبها في السوق البريطانية - ورقياً وإلكترونياً - إثر تحذير من السلطات؛ وذلك على خلفية إعلانها التبرع بجزء من عوائد كتبها لدعم حركة «بالستاين (فلسطين) أكشن»، لتتحوّل قضية صاحبة «أناس عاديون» مواجهةً سياسيةً ثقافيةً بشأن امتداد آثار تشريعات مكافحة الإرهاب إلى النشر، وحدود قدرة الكاتب على إعلان مواقفه السياسية من دون خسارة الوصول إلى قرائه.

الرسالة التي نشرتها المجلّة الأسبوع الماضي جاءت قصيرة وحاسمة، ويطالب موقّعوها بإتاحة كتب روني للجمهور، عادّين أن سحبها من البيع هو نتيجة تشريعات «سيئة التدبّر» وشديدة القسوة، ويمثل اعتداءً على المبادئ الأساسية لحرية الكلام والتعبير التي لطالما عُدّت حقوقاً مستقرة ومحترمة في بريطانيا. وأعلن الموقعون رفض الرقابة؛ المباشرة وغير المباشرة، داعين الحكومة إلى تغيير مسارها وتعديل التشريعات التي أوصلت البلاد، على حد تعبيرهم، إلى هذه الحالة من «العبث القمعي».

وتكشف قائمة التوقيعات عن اتساع الاعتراض خارج الدائرة المعتادة للتضامن الأدبي المحليّ. فمن بين الأسماء آني إرنو، وجي. إم. كوتزي، وزادي سميث، وأرونداتي روي، وجوليان بارنز، وجورج سوندرز، وبرناردين إيفاريستو، إلى جانب آن كارسون، وكولم تويبين، وآن إنرايت. وتضم القائمة أيضاً أسماء عربية، بينها أهداف سويف وهشام مطر وعمر العقاد، ومفكرين وكتّاباً مثل نعومي كلاين وسلافوي جيجيك وطارق علي وآدم توز. ويمنح هذا التنوع الرسالة ثقلاً يتجاوز الدفاع عن زميلة كاتبة، إلى مساءلة البيئة التي يعمل فيها الكتّاب والمفكرون في بريطانيا المعاصرة.

ومن الشاشة، انضم بول ميسكال وديزي إدغار جونز، بطلا المسلسل المقتبس من «أناس عاديون»، ومخرجه ليني أبراهامسون، فضلاً عن تيلدا سوينتون، وسوزان ساراندون، وجيسي باكلي، والمخرج جوناثان غليزر. وتحمل مشاركة بطلي المسلسل دلالة خاصة، فالعمل الذي أسهم في إطلاق نجوميتهما جاء من رواية أصبح تجديد مخزونها في المكتبات البريطانية موضع إشكال قانوني.

مع ذلك، يحتاج وصف ما جرى بأنه «منع للكتب» إلى تدقيق. فلم يصدر قرار رسمي صريح يحظر روايات روني بسبب محتواها، ويبدو أنّه سمح للمكتبات بمواصلة بيع النسخ الموجودة لديها مسبقاً. الذي حدث هو توقف الناشر عن توريد نسخ جديدة، باتفاق مع روني نفسها، بعدما قالت «فيبر» إن التشريعات البريطانية تمنعها من تحويل عائدات المبيعات إلى المؤلفة. وهكذا يمكن أن تصبح رواياتها أقل توفراً أمام القراء، ثم تختفي تدريجياً من السوق، عبر القيود المالية والقانونية، حتى من دون صدور أمر مباشر بمصادرتها.

وقالت دار النشر المرموقة إن بيع أعمال كاتب مع العجز عن دفع مستحقاته وضع يتعذر عليها قبوله، ولذلك قررت، بموافقة الكاتبة الكاملة، وقف تزويد السوق البريطانية بأعمالها بأي صيغة، مؤكدة على استمرار اعتزازها بنشر رواياتها وإتاحتها خارج المملكة المتحدة. أما روني فأعلنت استعدادها لتحمّل تبعات معتقداتها ونياتها التي حرصت دائماً، وفق بيانها، على البوح بها للجمهور.

وتعود خلفية الحدث إلى تعهّد الروائية باستخدام عائدات كتبها واقتباساتها التلفزيونية لدعم حركة «بالستاين (فلسطين) أكشن»، التي أدرجتها الحكومة البريطانية ضمن المنظمات الإرهابية في يوليو (تموز) العام الماضي. ودخل الحظر حيز التنفيذ في 5 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بموجب «قانون مكافحة الإرهاب لعام 2000»، فأصبح الانتماء إلى الحركة والدعوة إلى دعمها من الأفعال المجرّمة. وقد تصل عقوبة بعض جرائم دعم التنظيمات المحظورة وفق القانون المذكور إلى السجن 14 عاماً.

وبررت الحكومة قرارها وصم «بالستاين (فلسطين) أكشن» بالإرهاب بما قالت إنّها سلسلة من عمليات تخريب وإتلاف ممتلكات استهدفت منشآت وشركات مرتبطة بالصناعات الدفاعية ذات صلة بالكيان العبري؛ وذلك احتجاجاً على الإبادة في غزّة والأراضي الفلسطينية المحتلة، وبما عدّته السلطات تهديداً للأمن القومي. وجاء الإعلان عن نية الحظر بعد اقتحام ناشطين قاعدة «بريز نورتون» الجوية في يونيو (حزيران) 2025. وشددت وزارة الداخلية وقتها على أن القرار يخص الحركة تحديداً، وأنه لا يستهدف الاحتجاج القانوني أو المنظمات الأخرى المناصرة لفلسطين. في المقابل، يرى أصحاب الرسالة المفتوحة أن قضية روني تكشف عن توسع أثر التشريع ضد الإرهاب إلى مجالات التعبير الثقافي.

مواقف روني المناصرة للفلسطينيين سابقة للأزمة الحالية... فقد رفضت منح حقوق ترجمة «عالم جميل... أين أنت؟» إلى دار نشر إسرائيلية

وروني، البالغة 35 عاماً، من أبرز ظواهر النشر الأدبي في العقد الأخير. بدأت بـ«محادثات مع أصدقاء» عام 2017، ثم حققت انتشاراً واسعاً مع «أناس عاديون» عام 2018، وأتبعتها بـ«عالم جميل... أين أنت؟» عام 2021، و«إنترميتسو» عام 2024. وتستكشف رواياتها العلاقات الحميمة والصداقة والتفاوت الطبقي، وكيف يتسلل المال والتعليم والموقع الاجتماعي إلى الخيارات الشخصية. وقد وسّع انتقال أعمالها إلى التلفزيون جمهورها، وجعل اسمها حاضراً خارج أوساط قراء الرواية.

وفي «أناس عاديون»، تتبع علاقة ماريان وكونيل من المدرسة إلى الجامعة، حيث تتبدّل موازين الثقة والانتماء بينهما مع تبدّل الوسط الاجتماعي. أما «إنترميتسو» فتتناول علاقة أخوين بعد وفاة والدهما، وما يحيط بالفقد والحب من ارتباك. وبين العملين يتضح اهتمامها بأثر الظروف المادية في الحياة العاطفية، وبالمسافة بين ما يعرفه الأشخاص عن أنفسهم وما يستطيعون قوله لمن يحبون.

مواقف روني المناصرة للفلسطينيين سابقة للأزمة الحالية، فقد رفضت منح حقوق ترجمة «عالم جميل... أين أنت؟» إلى دار نشر إسرائيلية لا تستجيب لمعايير حركة المقاطعة، على أن موقفها الأخير دعماً لـ«بالستاين (فلسطين) آكشن» يكتسب حساسية مختلفة؛ لأنه يتصل بعائدات عملها، وبقدرة المؤسسات البريطانية على نشر وبيع أعمالها.

ويواجه الناشرون هنا معضلة تتجاوز مكانة روني الأدبية، إذ كيف يستمر نشر مؤلف باع ملايين النسخ من أعماله عندما تصبح مستحقاته مصدر مخاطرة قانونية؟ كما تواجه المكتبات وضعاً يتناقص فيه المخزون المتاح من دون إمكانية تعويضه عبر الناشر من فرعه البريطاني. وبين الطرفين يقف القارئ الذي يتأثر بقرار يتعلق بمواقف الكاتبة خارج صفحات رواياتها.

وتنقل الرسالة المفتوحة الجدل من مقدار الاتفاق مع روني إلى طبيعة السابقة التي تنشأ عن قضيتها. فموقّعوها يطالبون بحماية تداول الأدب من آثار التجريم السياسي، ويرفضون أن تصبح إمكانية شراء الأعمال الأدبية معلّقة بمواقف مؤلفها السياسية.


«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً
TT

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية؛ فالبطل الذي يقيّد تاريخه الشخصي مع المرض النفسي علاقته بالعالم، لا يكف عن التطلع إلى حياة تتجاوز هذه القيود، ليجد نفسه أسير عالم يتسع في خياله وخبراته المعرفية، ويضيق في تجربته الفعلية، ليتشكل الأمل لديه بوصفه عزاءً ومصدراً إضافياً للمعاناة في آن واحد.

في الرواية، الصادرة عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، تتوزع حياة «ميشيل» بين تاريخ عائلي مثقل بالاضطرابات وجروح الطفولة، وعلاقات عاطفية تتأرجح بين الخلاص وإعادة إنتاج الألم، وعبر فصول قصيرة تحمل عناوين مجردة، من قبيل «علاقة»، و«قِط»، و«أنثى»، و«قصيدة»، و«تاريخ»، و«ذات»، يتخذ الكاتب من تفاصيل الحياة اليومية متكآت سردية، تبدو أقرب إلى مفاصل جسد يتفحصه البطل بما يحمله من ندوب متفرقة.

يُستدعى الماضي بوصفه قوة تواصل تشكيل وعي ميشيل واختياراته، ففي علاقته بأبيه، الحاضر جسدياً والغائب عاطفياً، تتجلى مفارقة السلطة والحرمان؛ إذ يفرض الأب رغباته على ابنه، ويطالبه في الوقت نفسه بالمودة والقرب، حتى تتحول سلطته إلى شعور داخلي بالذنب، يجعل ميشيل يحمّل نفسه مسؤولية المسافة بينهما.

ويمتد هذا الجرح إلى تاريخ عائلي أقدم، تتصدره حكاية الجدة التي عانت اضطراباً نفسياً حاداً، ومن خلالها يتجاوز المرض حدود التجربة الفردية ليصبح جزءاً عضوياً من الذاكرة العائلية، ومن أنماط الخوف وانعدام الثقة التي تتردد بين الأجيال.

تردد أصداء هذا النمط في علاقته بحبيبته «هند»، حيث يجد كل منهما في الآخر فرصة لمداواة جراح قديمة، وتتيح العلاقة لميشيل تجاوز بعض الحدود التي فرضها عليه «الرهاب»، غير أن الحب لا ينفصل عن خوفه من الهجر والرفض، ولا عن ميله إلى إضفاء طابع رومانسي على المعاناة، حتى «يتحوّل الفشل إلى ذريعة لإذكاء التراجيديا الرومانسية داخله»، وهنا يحضر مفهوم «إجبار التكرار» الفرويدي على لسان السارِد في علاقة يبدو فيها الحب الجديد إعادة تمثيل لجرح قديم، ومحاولة متجددة لتغيير مصيره.

ومن اللافت أن أفكار ميشيل تعود في سياقات مختلفة عبر الرواية، فتتحول العبارة التي بدت يقيناً إلى سؤال، فمقولته «الحياة اختيارات» تعود لاحقاً في صيغة متشككة: «هل قال إن الحياة اختيارات؟»، في مراجعة لمعنى حرية الاختيار أمام تاريخ من القيود النفسية والاجتماعية التي لم يخترها.

تكوين معرفي

يتصل بذلك وعيه بالعمر والزمن، إذ افترض مبكراً أنه سيموت في العشرين، قبل أن يجد نفسه في الثلاثينيات أمام حياة لم يتوقع استمرارها، وهنا يصبح البقاء نفسه مدعاة للأمل، وربما في تصوره أنه «سيكبر خارج حياته السابقة»، تتجلى رغبته في أن يمنحه الزمن خلاصاً من الماضي، قبل أن يكتشف أن التقدم في العمر لا يعني التحرر من قبضته.

يصبح المرض في الرواية أكثر من ثيمة متكررة، إذ يتدخل في تشكيل علاقة البطل بالمكان والآخرين والمستقبل؛ فرهاب (الأغورافوبيا) يحد من حركته بين الغرباء، ويغلق أمامه احتمالات مهنية وعاطفية، وحتى علاقته بهند يعيد قراءتها بوصفها «علاقة بدأت بمرض ووُسمت بمرض وانتهت بمرض»، فيتحول المرض إلى أداة لتفسير التجربة وإعادة ترتيب حكايتها.

ويواكب هذا التكوين راوٍ عليم، شديد القرب من وعي ميشيل بوصفه كاتباً ومثقفاً، فتتخلل السرد إحالات إلى رولان بارت ودوستويفسكي وفالتر بنيامين وفرويد، وتتداخل هذه المرجعيات مع معرفة تراكمية بالمرض النفسي، تشكلت عبر التاريخ العائلي وتجارب ميشيل الشخصية.

يظهر هذا الوعي في كثافة المفاهيم والتصنيفات النفسية التي يستدعيها السرد، من اضطراب الشخصية الحدّية، وثنائي القطب، إلى المازوخية، والرهاب، وإجبار التكرار. وهي مفاهيم تتداخل مع الطريقة التي يفسر بها ميشيل سلوك الآخرين وعلاقاته بهم، حتى يبدو أحياناً كأنه لا يستطيع خوض التجربة دون أن يمنحها اسماً أو تفسيراً نفسياً. وفي إحدى لحظات المفارقة، حين ينصحه طبيب باطنة بالذهاب إلى طبيب نفسي، يستقبل النصيحة بثقة قائلاً: «فهذا مضماري الذي أنا خبير فيه»، في تعبير يكشف عن المسافة بين معرفته الواسعة بالأزمات النفسية وقدرته المحدودة على تجاوز أزمته الخاصة.

غير أن هذا الحضور المعرفي يترك أثره أيضاً في حركة السرد، الذي يميل أحياناً إلى تقديم التفسير قبل الحكاية، ففي أحد المواضع، يطرح السارِد سؤالاً عن كيفية انتهاء الحب، ثم يقدم إجابة بنبرة فلسفية تتعلق بتغير الموقع الرمزي للآخر، قبل أن ينتقل إلى واقعة من حياة ميشيل بعبارة: «لشرح هذه الإجابة، يمكن سرد قصة حدثت لميشيل...»، وهي حركة تكشف عن نزوع إلى تنظيم التجربة داخل إطار تفسيري سابق عليها، بحيث تتحول الحكاية أحياناً إلى شاهد على الفكرة، لتتشكل خصوصية هذا الصوت السردي بين محاكاة وعي شخصية البطل المثقفة، والميل إلى شرح دوافعها وتحليلها، وما يثيره من أسئلة حول المسافة بين الراوي وبطله.

الجيل والمدينةويتسع هذا التاريخ الشخصي ليشمل جراحاً اجتماعية أوسع، تتقاطع مع خبرة الانتماء إلى أقلية دينية، وما يصفه البطل بـ«الشعور القبطي بالذنب الذي يمقته»، وتأثيرات (ثورة يناير «كانون الثاني») على جيل يرى أنه «ورث تناقضات الأجيال السابقة وبلغ بها منتهاها»، ليجد أفراده أنفسهم ذوات هشة في واقع فوضوي.

تمتد أصداء هذا الحزن إلى المدينة، حتى إن السرد يرى أن «لا وعي المدينة نفسه مُحمّل بالحزن»، في انتقال من جراح الفرد إلى ذاكرة المكان، وما تختزنه من خسارات وتحولات اجتماعية وسياسية.

كما يمتد هذا التأمل إلى تحولات العلاقات الإنسانية في زمن «الافتراضية»، وما فرضه إيقاعها من روابط هشة، وإلى ثقافة «الفيديوهات القصيرة» التي يرى أنها ضاعفت الجهل والغرور بوهم المعرفة، وهكذا يتجاوز صوت ميشيل حدود التجربة الفردية إلى مساءلة واقع اجتماعي وثقافي أوسع، وإن ظلت هذه الأحكام مرتبطة بمنظوره الخاص، وما يحمله من خيبات وتناقضات.


الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»
TT

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي». ويمثل الديوان حلقة جديدة في تجربة الصائغ الشعرية التي طالما انشغلت بوجع الإنسان، وبالذاكرة المثقلة بالحروب والمنافى. وتتجاور في القصائد ثيمات الحنين والفقد، الغضب والخوف، الحب والانكسار، الثورة واللاجدوى، في مزيج يختزل التجربة العراقية والعربية خلال عقود من الاضطراب.

في الديوان، يصنع الشاعر «مرآتين» لوجه واحد، ينعكس فيهما صوته الشعري وهمومه ورؤيته للعالم، المرايا هنا ليست مجرّد استعارة، بل أداة تأمل واشتباك مع الذات والتاريخ. في المرآة الأولى، يبتعد الشاعر عن ذاته بمسافة تفرضها الجغرافيا والغربة وزمن المنفى، فينظر إلى المشهد العراقي الفاجع بعين اكتسبت خبرة الألم وهدوء التأمل بعد سنوات من التشرد، تلك المسافة تمنحه القدرة على إعادة تشكيل الصورة، وقراءة الخراب الإنساني والوطني من منظور أكثر نضجاً وعمقاً.

أما المرآة الثانية، فهي عودة إلى اللحظة الأولى للوجع؛ إلى سنوات الحرب العراقية - الإيرانية، حيث كان الألم لا يزال طازجاً والجرح لم يلتئم بعد، يلتقط الصائغ في هذه المرآة صورة للذات الشاعرة وهي في مواجهة الموت اليومي، وفي الوقت نفسه تحمل شرارة الأمل والتحدي والرغبة في غد أكثر عدلاً وحرية.

وبين المرآتين، يتحرك الشاعر بين زمنين ومنفين، ويوثق عبر نصوصه المتوترة واللامعة اللحظة الإنسانية التي يعيشها العالم العربي.

وللشاعر عدد من المجاميع الشعرية، منها: «مرايا لشعرها الطويل»، و«تحت سماء غريبة»، و«نشيد أوروك»، و«نرد النص».

من أجواء الديوان نقرأ:

«أرسم دبابة وأوجهها إلى شرفة الجنرال

أرسم غيمة وأقول: تلك بلادي

أرسم لغماً وأضعه في خزانة اللغة

أرسم عنكبوتاً وأحنطه على باب الأحزان

أرسم أبي وأقول له: لماذا تركتني وحيداً أمام اللئام؟

أرسم مائدة وأدعو إليها طفولتي

أرسم ناياً وأنسل من ثقوبه إلى القرى البعيدة

أرسم شارعاً وأتسكع فيه مع أحلامي

أرسم قلبي..

.. وأسأله: أين أنتِ؟!»