جاك بوفريس يفنّد فكر ميشيل فوكو

«صواعق نيتشه وعمايات التلامذة والأتباع» صدر قبل أسابيع قليلة بعد موته

جاك بوفريس يفنّد فكر ميشيل فوكو
TT

جاك بوفريس يفنّد فكر ميشيل فوكو

جاك بوفريس يفنّد فكر ميشيل فوكو

من سمع باسم جاك بوفريس الذي رحل عن هذا العالم قبل بضعة أشهر فقط؟ الأرجح لا أحد. نقول ذلك على الرغم من أنه فيلسوف مهم بل أهم من تلك الأسماء الكثيرة التي تطنطن بها وسائل الإعلام العربية والفرنسية. ولكنه كان يشتغل في الظل والصمت بعيداً عن الأضواء. كان أستاذاً للفلسفة في «الكوليج دو فرنس» التي هي أعلى من السوربون والتي تضم نخبة علماء فرنسا ومفكريها الكبار. وقد خلّف وراءه مؤلفات كثيرة ولكن عويصة على الفهم اللهمّ ما عدا الكتابين الأخيرين لحسن الحظ: «نيتشه ضد فوكو - مقالات حول الحقيقة، والمعرفة، والسلطة»، 2016. وأما الآخر الذي صدر قبل أسابيع قلائل بعد موته فكان بعنوانٍ أكثر هجوميةً واندفاعاً: «صواعق نيتشه وعمايات التلامذة والأتباع»، 2022. هنا يشن جاك بوفريس هجوماً صاعقاً على الفلاسفة الفرنسيين المشاهير الذين سيطروا على الساحة الفرنسية في ستينات وسبعينات القرن الماضي وبالأخص فوكو وديلوز ودريدا ويتهمهم بالوقوع في فخ النسبوية والعدمية وتشكيل فهم مغلوط عن نيتشه وفلسفته. فلندخل في التفاصيل إذن وليصبر عليَّ القارئ قليلا لكي يفهم هذه الإشكاليات العويصة. فالنتيجة النهائية تستحق كل هذا التعب والعناء. وربما كانت توجد هنا أرفع وأخطر مناقشة فلسفية في عصرنا الراهن. نعم المسألة خطيرة بل أخطر من خطيرة وتستحق الاهتمام البالغ لأنها تخص مسألة الحقيقة، والمعرفة، والسلطة، والعلاقات الكائنة بينها. هل الحقيقة مستقلة عن السلطة أم لا؟ هل للمعرفة الموضوعية وجود حقيقي أم لا؟ هل توجد معرفة موضوعية أم أن كل شيء ذاتيّ، نسبويّ، مزاجيّ، في هذا العالم؟

كان الكثيرون يقيمون التمييز بين فوكو الأميركي وفوكو الفرنسي باعتبار أن الأول الذي سيطر في فترة ما على الجامعات الأميركية كان أكثر عقلانية من الثاني فيما يخص معالجة مسألة العقل، والحقيقة، والجنون. ولكن جاك بوفريس يعتقد أن فوكو الفرنسي هو الأقرب إلى فوكو الحقيقي وليس فوكو الأميركي الذي فبركوه فبركةً لكي يجعلوه مقبولاً ومحترماً. فوكو الحقيقي كان شخصاً نسبوياً، عدمياً، لا عقلانياً، هيجانياً، جنونياً. نقطة على السطر. كان شخصاً يعتقد أنه ينبغي التخلص من مفهوم الحقيقة العامة والمعرفة الموضوعية مرة واحدة وإلى الأبد. باختصار شديد كان فيلسوفاً فوضوياً بل خطيراً جداً. لماذا؟ لأنه أقام التطابق الكامل بين الحقيقة والسلطة، أو بين إرادة الحقيقة وإرادة القوة. فالسلطة هي الحقيقة أو هي التي تفبرك الحقيقة، وبالتالي لا توجد حقيقة موضوعية في هذا العالم ولا من يحزنون. القوة هي التي تخلق الحقيقة ولا يمكن فصل هذه عن تلك. إذا كنت أمتلك القوة فإنني أستطيع أن أفرض عقيدتي عليك وعلى الجميع كأنها حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش. بهذا المعنى فهو يعتقد أن الحقيقة ما هي إلا محصلة لعلاقات السلطة المتغيرة والمتحولة عبر التاريخ. وعلى هذا النحو يتحدث فوكو عن عملية إنتاج الحقيقة أو فبركة الحقيقة. ولكنّ جاك بوفريس يعتقد أن فوكو وقع ضحية الخلط بين الحقيقة الحقيقية و«الحقيقة» السوسيولوجية أو الاجتماعية الجماعية. كما أنه وقع ضحية الخلط بين الحقيقة والاعتقاد الإيماني الدوغمائي. وهما شيئان مختلفان تماماً، وما كان ينبغي أن يخلط بينهما. فمن المعلوم أن المجتمع، أي مجتمع، يولّد أفكاراً ضخمة أو آراء شائعة أو كليشيهات عمومية على أساس أنها حقائق كبرى في حين أنها مجرد اعتقادات اجتماعية وإشاعات تشبع شهوات الرأي العام ليس إلا. هناك أكاذيب كبرى أو أوهام كبرى يعيش عليها المجتمع وهو بحاجة إليها لكي يعيش ويستمر في العيش. وهو يفرض هذه الأوهام السوسيولوجية كأنها حقائق حقيقية. المجتمع لا يعيش على الحقيقة الحقيقية فقط! وإنما هو بحاجة إلى أوهام وخيالات وأكاذيب كبرى مزركشة تتخذ شكل الحقيقة. ولكن الفلاسفة الكبار يكشفون النقاب عن هذه الأوهام لاحقاً ويعرّونها لكي تنبجس الحقيقة من تحت ركام العصور. إذن فهناك فرق أساسي بين المعرفة العلمية الموضوعية من جهة والاعتقادات الضخمة الشائعة ولكن الخاطئة من جهة أخرى. لنفكر هنا ولو للحظة بالأحكام السلبية المسبقة التي تشكلها المخيلة الفرنسية مثلاً عن العرب والمسلمين عموماً. فهي تشكّل حقائق راسخة بالنسبة للشعب الفرنسي ولكنها في الواقع أبعد ما تكون عن الحقيقة الموضوعية. إنها مجرد أوهام وكليشيهات وإشاعات في معظمها. وقل الأمر ذاته عن جهتنا أيضاً. فنحن نعتقد مثلاً أن كل امرأة فرنسية عاهرة أو مومس أو داعرة في حين أن حقيقة الأمر ليست كذلك. فهي لا تعطي نفسها إلا إذا عشقت وأحبت فعلاً. وهذا ما لم يفهمه ذلك الأحمق الجاهل المتهور الذي ما إن رأى أحداهن في المطبخ المشترك للمدينة الجامعية حتى شدها من يدها بقوة لكي تصعد معه إلى الغرفة معتقداً أن الأمر تحصيل حاصل. أليست المرأة الفرنسية سهلة بما يكفي أن تومئ لها بإصبعك الصغيرة لكي تلحقك إلى غرفة النوم؟ فإذا بها تنظر إليه نظرة معينة جمّدت الدماء في عروقه فانسحب بسرعة لا يكاد يرى أمامه، طالباً النجاة والسلامة. كان ذلك في مدينة بيزانسون الفرنسية. ولا يزال هذا الشخص الصغير يشعر بالخجل والعار من فعلته تلك حتى بعد مرور أكثر من أربعين سنة على حصولها!
وقسْ على ذلك معظم الأحكام السلبية المسبقة التي تشكّلها الشعوب بعضها عن بعض. بل حتى داخلنا نحن العرب بالذات: ما الكليشيهات السوداء المرعبة التي يشكّلها الشيعة عن السنة أو العكس؟ أو تلك التي يشكّلها المسلمون عن المسيحيين أو العكس؟ شيء مخيف. أين هي الحقيقة الموضوعية في كل ذلك؟ إذن، فعلى عكس ما يزعم فوكو هناك حقيقة موضوعية وهناك «حقيقة» سوسيولوجية جماعية: أي كذبة أو إشاعة أو كليشيهات تفرض نفسها كحقيقة وهي ليست كذلك.
أتوقف هنا لحظة لكي أقول ما يلي: الخطأ الكبير الذي ارتكبه إدوارد سعيد هو أنه اعتمد على نظرية فوكو لتحطيم الاستشراق. لقد ضلله فوكو لأنه كان آنذاك في أوج شهرته ومجده، كان قد تحول إلى أسطورة في الساحة الباريسية والأميركية والعالمية. وأصبح كلامه كأنه منزّل ومعصوم. فالاستشراق الأكاديمي الرفيع المستوى ليس ناتجاً عن السلطة الكولونيالية كما يعتقد سعيد وإنما ناتج عن الفضول المعرفي الذي يسكن جوانح كل إنسان، فما بالك بالعلماء الأفذاذ من أمثال نولدكه وجوزيف شاخت وغولدزيهر وبلاشير ومونتغمري وعشرات غيرهم من الأعلام الكبار؟ وحده الاستشراق المسيّس السطحي مرتبط مباشرةً بالسلطات الاستعمارية ولا يقدم أي إضاءة علمية جديدة. لقد أنتج الاستشراق الأكاديمي الرصين معرفة ضخمة عن التراث الإسلامي. ولا نستطيع أن نشطب عليها بجرة قلم إلا إذا أراد القوم أن يبقوا على جهالاتهم يعمهون. لقد تهور إدوارد سعيد، إذ نقل نظرية فوكو المتهورة هي الأخرى أيضاً إلى ساحة الاستشراق ككل. وبالتالي فلا ينبغي الربط بشكل أتوماتيكي بين المعرفة والسلطة، أو إرادة المعرفة وإرادة القوة. وذلك لأن المعرفة العلمية الموضوعية مستقلة عن السلطة والقوة وليست ناتجة عنهما مباشرةً كما يزعم فوكو. السلطة ليست الحقيقة والحقيقة ليست السلطة يا ميشيل فوكو! هذا الهذيان ينبغي أن يتوقف لأنه يعني بكل بساطة التضحية بمفهوم الحقيقة والموضوعية العلمية والمعرفة الصحيحة وكل شيء. من هنا خطورة فوكو التي انكشفت للعيان بعد أن تبخرت أسطورته على يد جاك بوفريس وسواه.
بعد أن وصلت في الحديث إلى هذه النقطة لا أملك إلا أن أطرح هذا السؤال: لماذا كان فوكو يريد التضحية بمفهوم الحقيقة؟ لماذا كان يريد تمييع مفهوم الحقيقة واعتباره مجرد إفرازات للسلطة وعلاقات القوة والهيمنة؟ لماذا كان يريد نزع هالة القداسة عن مفهوم الحقيقة؟ لا أتجرأ على كشف السبب خوفاً من إساءة الفهم. بلى سوف أتجرأ وأقول ما يلي: بما أن فوكو كان مثلياً شذوذياً بشكل قاطع فلم تكن له مصلحة في التفريق بين الصح والخطأ، أو بين الحقيقة واللا حقيقة، أو بين الذوق السليم والذوق المنحرف. لم تكن له مصلحة في الاعتراف بوجود شيء اسمه حقيقة في مجال الحب والجنس، ولا وجود معرفة موضوعية في هذا العالم. كان من مصلحته العكس تماماً: أي القول بأن الشذوذ الجنسي مشروع تماماً مثل الجنس الطبيعي بين الرجل والمرأة. وزواج الرجل من الرجل حق مشروع مثل زواج الرجل من المرأة. هذا يتساوى مع ذاك. و«ما حدا أحسن من حدا». لهذا السبب نقول إنه كان نسبوياً، عدمياً، إباحياً. كان من مصلحته تمييع الأمور والقضاء بشكل مبرم على مفهوم الحقيقة الموضوعية في مجال الجنس وغير الجنس. بل ربما كان يعتقد في قرارة نفسه أن الشذوذ هو الحقيقة الموضوعية المطلقة! لذلك أقول إن فوكو خطير وينبغي أن يسقط فكره في بعض جوانبه على الأقل. قائل هذا الكلام كان من أكبر المعجبين بميشيل فوكو في السنوات الباريسية الأولى. ولكن ما كنت قد فهمته على حقيقته بعد. يضاف إلى ذلك أنه كاتب كبير ذو أسلوب نيتشوي، بركاني، متفجر، تصعب مقاومته. كل من يعرف اللغة الفرنسية يفهم ما أقول. ونحن العرب قوم يطربون لسحر البيان.



إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية
TT

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

في خطوة أكاديمية وثقافية مهمة تعكس عمق العلاقات الجزائرية - البريطانية وتعزز حضور الجزائر في إحدى أعرق المؤسسات الجامعية العالمية، أطلقت كل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، كرسياً علمياً باسم مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر الجزائري. ووقع الاتفاق عن الجانب الجزائري، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، وعن الجانب البريطاني، فرحان نظامي، مدير مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية.

وتم التوقيع ضمن مراسم حفل تدشين حضره عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد مأمون القاسمي الحسيني، وسفير الجزائر لدى المملكة المتحدة، نور الدين يزيد، ونظيره البريطاني، جيمس داونر، وشخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، ومنهم المختص في الفكر الإسلامي ومؤلف كتاب الأمير عبد القادر: «رسول الأخوة الإنسانية»، وزير التعليم العالي الأسبق، مصطفى الشريف، إلى جانب عدد من أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين بالمملكة المتحدة ومجموعة من الأكاديميين والباحثين، في تأكيد على الأهمية الدولية لهذه المبادرة التي تستلهم من إرث الأمير عبد القادر وقيمه الإنسانية القائمة على التسامح والحوار والتعايش بين الثقافات،

وأُتبعت مراسم توقيع هذا الاتفاق بتدشين الطرفين لقاعة باسم الجزائر، على مستوى مقر المركز، تكريساً للحضور الجزائري داخل هذه المؤسسة العلمية المرموقة.

وفي كلمته بالمناسبة، أعرب الدكتور فرحان نظامي عن اعتزازه بإطلاق هذا الكرسي العلمي، مؤكداً أنه سيعزز لا محالة البحث الأكاديمي في مجالات القيم الإنسانية والسلام والتفاهم بين الشعوب، وسيبرز مساهمة فكر الأمير عبد القادر في بعث التعاون الدولي والدراسات متعددة التخصصات.

من جهته، صرح وزير التعليم العالي والبحث العلمي أن «بعث هذا الكرسي يرسي للجزائر لبنة تاريخية في تثمين تراثها الفكري والحضاري على الساحة الدولية، ويمثل منعطفاً نوعياً في مسيرة الشراكة العلمية والأكاديمية بين الجزائر والمملكة المتحدة، مشدداً على أن إطلاق كرسي الأمير عبد القادر، إنما هو استئناف لحوار بدأ قبل قرينين بين الأمير والمملكة المتحدة، ويكمل دائرته اليوم».

كما اعتبر أن هذا الحدث يحمل دلالات متعددة؛ إذ يمثل اعترافاً صريحاً بالجزائر بوصفها شريكاً في البناء الفكري والإنساني، وإسهاماً في تجاوز الصورة النمطية الاستشراقية للإسلام والمسلمين، وتعزيز للحوار بين البلدين وتوطيد للشراكة الأكاديمية والثقافية بين شعبيهما.

وفي ختام كلمته، جدد بداري التزام الجزائر بالمساهمة الفعالة في تفعيل هذا الكرسي الأكاديمي، بهدف إحياء فكر الأمير عبد القادر والتعريف بإرثه الحضاري والروحي باعتباره رمزاً عالمياً للتسامح والاعتدال والعدالة والكرامة الإنسانية.

وفي كلمته بمناسبة توقيع هذا الاتفاق، أورد الشيخ محمد مأمون القاسمي، عميد جامع الجزائر، أن الأمير عبد القادر مدرسة قائمة بذاتها، تتجاوز حدود الوطن والأزمنة، وتدخل ضمن الرصيد المشترك للإنسانية.

وقال إن إطلاق هذا الكرسي بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، يضطلع بدور متميز في تقريب دوائر الفهم المتبادل بين العالم الإسلامي والغرب، ومن ثم، فإن حضور الأمير عبد القادر فيه، حضور طبيعي؛ لأنه يجسد شخصية خاطبت عصرها ولا تزال، بلغة القيم الكونية، وفي إطار ما يخوله الاتفاق الموقع والمنشئ للكرسي المذكور، تم الإعلان عن فتح باب الترشح أمام الباحثين الجزائريين للاستفادة من منحة «باحث زائر» بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، وهي خطوة أكاديمية من شأنها تعزيز التبادل العلمي والمعرفي بين الجانبين.


النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش
TT

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث، سواء من خلال سفور الأنا عن وجهها على نحو مباشر، أو من خلال اختبائها خلف أقنعة وأساطير وتوريات مختلفة، من مثل تموز والعنقاء وقلقامش وأدونيس وأيوب ولعازر والمتنبي وغيرهم.

إلا أن أي مقاربة لهذه المسألة ستظل موضع ريبة والتباس، ما لم تتم الإشارة إلى نقطتين مهمتين، تتمثل الأولى بكون النزوع النرجسي ليس بحد ذاته هنة أو نقيصة، وهو لا يكون كذلك إلا حين يتفاقم أمره ليصبح نوعاً من البارانويا الخالصة أو العشق المرضي للذات. أما النقطة الأخرى، فتتمثل في كون النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب، لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي، ولم تحُلْ دون تصدُّر بعضهم للمشهد الشعري العربي المعاصر برمته.

ومع أن الظلال الوارفة للنزعة للنرجسية، تتبدى على نحو ملحوظ في تجارب الشعراء الرواد والأجيال التي تبعتهم، فإننا نجد لدى سعيد عقل وأدونيس ونزار قباني ومحمود درويش، على نحو خاص، الكثير من الشواهد الدالة على تأصل هذه النزعة وتعاظمها، وحضورها الراسخ في تجاربهم وأعمالهم المختلفة.

أدونيس

وإذا كان اسم سعيد عقل هو أول ما يتبادر إلى الذهن لدى حديثنا عن تعاظم الأنا وتفاقمها؛ فلأن شعره ومواقفه يزخران بقدر من الاعتداد بالهويتين الفردية والجمعية، قلّ نظيره عند أي شاعر آخر. لا، بل إن صاحب «قدموس» لا يترك للباحث عن الشواهد الدالة على نرجسيته أن يبذل الكثير من الجهد، ليكتشف أن أعماله برمتها ليست سوى انعكاس لزهوه النرجسي وذاته المتعالية. وسواء دارت قصيدته حول موضوع الوصف أو الغزل أو المديح أو الرثاء، فهي لا تكف عن الدوران حول محور واحد هو الفخر بالنفس، وإعلاء الذات وتعظيمها إلى حدود الغلو المفرط.

حين قام شولوخوف، صاحب «الدون الهادئ»، بزيارة إلى بيروت، وطُلب من سعيد عقل المشاركة في حفل تكريمه، لم يستطع الأخير تجنب الإشادة بنفسه إلى جانب المكرّم، فخاطبه قائلاً:

لئن تحكِ عن نهرٍ فشطر قصيدتي

يطلّ وهزّ السيف يكتملِ الشطرُ

وحتى في مقام الرثاء لا يتوانى عقل عن مقاسمة المرثي مكانته وصفاته، فيقول في رثاء أمين تقي الدين، ممتدحاً نفسه:

أقول الحياة العزم حتى إذا أنا

انتهيتُ تولى القبر عزميَ من بعدي

وحيث لا يتوانى عقل عن الغمز من قناة بعض مرثييه، كأن يسأل أحمد شوقي، في حفل إزاحة الستار عن تمثاله في مدينة زحلة اللبنانية: «أنا النهر، شوقي، أينا اليوم أشعر؟»، فإن الاعتداد النرجسي بالذات، بتقمص أحياناً مع صورة الوطن والجماعة الأهلية، كقوله بلسان اللبنانيين: «نتحدى الدنيا شعوباً وأمصاراً، ونبني أنّى نشأ لبنانا».

أما نزار قباني، فقد حملت تجربته وأعماله وعلاقته بالمرأة أشكالاً من الزهو والانتشاء بالذات، لم يشهد الشعر العربي مثيلاً لها منذ تجربة عمر بن أبي ربيعة. فنزار كعمر، هو المهيمن والمعشوق الوسيم الممسك بخيوط اللعبة، وقائد أوركسترا المتعة والإغواء. وهو إذ يوزع الأدوار والمقادير في لعبة الحب والأسرّة ومسارات العلاقة وأقدارها، لا يتردد في مخاطبة امرأة مفرطة الإلحاح على المتعة بالقول:

لفّي تحارير الهوى وامضي

أنا في السماء وأنت في الأرضِ

ما أنتِ من بعدي سوى طللٍ

أنقاضهُ تبكي على بعضِ

وإذا استثنينا أعمال نزار السياسية التي تضطر فيها ذات الشاعر إلى تنحية نفسها عن المشهد العربي الموغل في قتامته، فإن نتاج قباني المترع بعشرات المغامرات والتجارب العاطفية، ما هو إلا انعكاس لصور الأنا المترامية التي تكرر نفسها في مرايا الفحولتين الشعرية والعشقية. والأرجح أن الجذور العميقة لنرجسية نزار متأتية من نشأته المترفة، ووسامته الظاهرة، وموهبته العالية.

كما لا يتحرج قباني من إظهار براعته في الإيقاع بالنساء، وصولاً إلى تنصيب نفسه زعيماً بلا منافس لجمهورية العشق والعاشقين. لذلك؛ فهو يخاطب إحدى نسائه الساذجات في قصيدة «نرجسية» بالقول: «هل ممكنٌ أيتها الساذجة السطحية الحمقاءْ. هل ممكنٌ أن تجهلي أنّي الذي أسس جمهورية النساءْ».

وإذ يحاول نزار مواراة اعتداده بنفسه خلف أقنعة كثيرة تحفل بها قصائده ومقطوعاته، وبينها شهريار وديك الجن وكازانوفا ودون جوان وراسبوتين وغيرهم، فهو يؤثِر في قصائد أخرى إظهار هذه النرجسية على نحو مكشوف، كما في قصيدته «الرسم بالكلمات» التي توصل جنوحه النرجسي إلى ذراه القصوى.

النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي

وإذا كان أدونيس واحداً من الشعراء الذين تستبطن تجربتهم الكثير من ملامح النزعة النرجسية ومواصفاتها، فإن رغبة الشاعر في التفرد تظهر من خلال اتخاذه من الإله الفينيقي أدونيس، الذي قتله الخنزير البري على ضفاف نهر إبراهيم، اسماً بديلاً عن اسمه الأصلي. ومن يتابع مسيرة أدونيس الشعرية والفكرية، فلا بد أن يلحظ عدم اكتفائه بمجد التسمية الناجز، ومحاولته النهوض بأسطورته الشخصية بمختلف السبل المتاحة.

ولن نعدم في هذا السياق الشواهد الدالة على البعد النرجسي في تجربة أدونيس وأعماله. لا، بل إن الأساطير والرموز التي يستخدمها في شعره، هي نفسها قناعه ووجهه في آن. ولعل في ديوانه «مفرد بصيغة الجمع»، ما يقدم الشواهد الدالة على الأنا المتفاقمة التي تجعل من التاريخ والجغرافيا والبشر والطبيعة، مجالها الحيوي ومنطقة نفوذها المشتهى. وإذ يضع الشاعر لفصل الكتاب الأول اسم «تكوين» وللفصل الثاني اسم «تاريخ»، فلكي يماهي بين سفْر تكوينه الفردي وسفر تكوين الخليقة من جهة، وبين تاريخه وتاريخها من جهة أخرى.

كما تتنازع هويته القلقة أسماء كثيرة لخوارج الأرض ومجانينها ومشعلي ثوراتها، فهو القرمطي والبهلول بقدر ما هو علي أحمد سعيد وعلي أحمد إسبر، وهو أدونيس الذي «أحبته عشتار وتستدعيه الشعوب». واللافت، أن النرجسية التي اتخذت شكلاً موارباً على امتداد الكتاب، ما يلبث الشاعر أن يفصح عنها في نهاياته على نحو صريح، وإن اتخذت شكل سؤال حائر «من أنت أيها السيد؟ من يقول لأدونيس من هو؟ يسأل، لا جواب. فليكسر مرآة نرسيس، مرآة نرسيس ظلٌّ، كيف يكسر الظل؟».

ولا يختلف الأمر في أعمال أدونيس الأخرى، حيث يرتدي الشاعر قناع مهيار، الهادم المؤسس «الذي لا أسلاف له وفي هويته جذوره». وهو الذي يبشر العالم بظهوره في قصيدته «هذا هو اسمي»، ليعلن دون تردد «لغم الحضارة / هذا هو اسمي». وهذه الأنا بالذات هي التي تدفع صاحبها إلى أن يختبئ في ديوانه «الكتاب» خلف قناع المتنبي، الشاعر الأكثر فرادة وتأثيراً في تاريخ العرب، فضلاً عما تحيل إليه التسمية من محاكاة واضحة للمقدس. وهو ما ينسحب على كتاب أدونيس «الأدونيادا»، الذي تحيل تسميته إلى إلياذة هوميروس وإنياذة فيرجيل.

وإذا كان في شخصية محمود درويش وشعره، الكثير من الزهو النرجسي الذي يظهر جلياً في قصائده، فإن صاحب «الهدهد» قد نجح في تصريف جزء من نرجسيته عبر التماهي مع صورة فلسطين، التي نقلها التغييب والظلم إلى خانة القداسة. إلا أن الشاعر في مقاربته لشخصية نرسيس، يعبّر عن اعتقاده بأن البشر الذين يصنعون طاغيتهم بأيديهم، هم أنفسهم الذين يصنعون نرسيسهم؛ لكي يخبئوا انبهارهم بذواتهم خلف صورته.

والأرجح أن درويش حين حاول أن يرسم صورة تقريبية ونقدية لنرسيس، في قصيدته الأخيرة «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، لم يكن يقصد سوى نفسه، حين قال: «كان يمكن أن يربح الشعر أكثر، لو لم يكن هو لا غيره: هدهداً فوق فوّهة الهاوية. ربما قال: لو كنتُ غيري لصرتُ أنا مرةً ثانية. هكذا أتحايل، نرسيس ليس جميلاً كما ظنّ، لكن صنّاعه ورّطوه بمرآتهِ، فأطال تأمله في الهواء المقطّر بالماء، لو كان في وسعه أن يرى غيره، لأحبَّ فتاة تحملق فيه وتنسى الأيائلَ، تركض بين الزنابق والأقحوانْ. ولو كان أذكى قليلاً لحطّم مرآتهُ، ورأى كم هو الآخرونْ».


قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
TT

قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله المنقوشة التي كشفت عنها حملة فرنسية في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. تحوي البادية الفلسطينية قصراً آخر يُنسب كذلك إلى هذا الخليفة، كشفت بعثة بريطانية عن حلله البديعة في تلك الفترة. يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، وهو مؤلف من طابقين، ويرتفع وسط مجمّع يحوي حماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم».

ظهرت أول معالم هذا القصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين شرعت الجمعية الإنجليزية المعروفة باسم «صندوق استكشاف فلسطين» في البحث عن آثار «الأراضي المقدّسة»، وقادها بعض السكان العرب إلى خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»، تقع على الضفة الشمالية لوادي النعيمة، وتبعد بضعة كيلومترات من شمال مدينة أريحا. في عام 1894، أرسلت هذه الجمعية عالم الآثار الأميركي فريديريك جون بليس لإجراء بحث تمهيدي في هذه الخربة، فزار الموقع، وكتب تقريراً أوّلياً صدر في النشرة الخاصة بهذه الجمعية، وضمّ مجموعة من الصور، تمثّل عينة من الزخارف الجصية التي عُثر عليها. هكذا بدأ استكشاف هذا الموقع الأموي في الأراضي الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، وتواصل بعد انهيار هذا الحكم، إثر نهاية الحرب العالمية الأولى.

في زمن الانتداب البريطاني، عمدت دائرة الآثار إلى دراسة موقع «خربة المفجر» ومسحه بشكل موسّع في عام 1934. اكتشفت البعثة البريطانية أن الآباء الفرنسيسكان سبقوها إلى هذا الموقع، واقتلعوا منه العديد من الحجارة والأعمدة لبناء ديرهم في أريحا سنة 1927، كما أنهم نقلوا منه مجموعة من الأعمدة والتيجان وألواح المرمر والنقوش الجصية لتزيين مدخل مقرّهم، فطالبت باستعادة هذه القطع، واستجاب الآباء الفرنسيسكان لطلبها. أجرت دائرة الآثار البريطانية الحفريات الأثرية في الموقع على مدى اثني عشر عاماً، تحت إشراف عالم فلسطيني يُدعى ديمتري برامكي، وكان يومها مفتشاً وباحثاً في هذه الدائرة. رافق هذا الخبير حملات التنقيب المتعاقبة في الموقع، ورصد نتائجها في سلسلة من التقارير، صدرت تباعاً في النشرة العلمية الخاصة بدائرة الآثار. خلال الحفريات التي جرت بين عامي 1936 و1937، عُثر على لوح مكسور من المرمر يذكر اسم «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي هشام بن عبد الملك. إثر هذا الاكتشاف، أُطلق على الموقع اسم «قصر هشام»، وعُرف به منذ تلك الحقبة.

نقلت دائرة الآثار البريطانية ما جمعته من لقى في هذا القصر إلى متحف بدأت بتشييده سنة 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته سنة 1938، وأطلقت عليه يومها اسم «متحف فلسطين للآثار». تمثّلت هذه اللقى في الدرجة الأولى بمجموعة هائلة من النقوش النحتية، إضافة إلى عدد من التماثيل الآدمية، وشكّلت هذه الشواهد مادة استثنائية للتعريف بالفنون الأموية المدنية المرتبطة بهذا الميدان. تزامن هذا الاكتشاف مع اكتشاف مشابه لا يقلّ عنه إثارة، تَمثّل في ظهور مجموعة مشابهة من اللقى، خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. قامت باستكشاف هذا القصر بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938، وصدر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939. تبيّن أن القصر شُيّد في عام 727 بأمر من هشام بن عبد الملك على أنقاض دير يعود إلى زمن الغساسنة، وتحوّل مع مرور الزمن إلى أطلال، خرجت من بين أنقاضها مجموعة هائلة من النقوش النحتية، تُماثل بأسلوبها الفني المتقن تلك التي خرجت من خربة المفجر.

مع نهاية الانتداب على فلسطين ونشوء دولة إسرائيل في 1948، توقّفت أعمال دائرة الآثار البريطانية، وأصبح «متحف فلسطين للآثار» تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية. في ظل هذه الإدارة، أنجز ديمتري برامكي رسالة دكتوراه في 1953 حملت عنوان «الحضارة والعمارة العربية في الفترة الأموية: دراسة مقارنة بالإشارة الخاصة إلى تنقيبات قصر هشام». بعدها، قام عالم الآثار البريطاني جورج هاملتون بدارسة الموقع بشكل شامل وموثّق بالتعاون مع العالم الفرنسي أوليغ غاربار، ونشرت جامعة أوكسفورد هذه الدراسة الشاملة في سنة 1959 تحت عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». أثبتت هذه الدراسة أن الموقع يعود فعلاً إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، واستمرّت حركة البناء فيه بعد وفاة الخليفة، إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في عام 746، والأرجح أن جزءاً من منشآته تعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين 743 و744.

يتألّف هذا القصر من دار رحبة، ومسجد عام، ومسجد خاص، وبركة ماء، وحمام فخم كبير. يقع المدخل الرئيسي في الزاوية الجنوبية الشرقية، ويؤدّي إلى ساحة مكشوفة تحوي اليوم مجموعة من اللقى الأثرية، أشهرها نجمة سداسية الأطراف تضمّ ست دوائر مجدولة، تشكّل إطاراً لدائرة كبيرة تتوسّط تأليفها. في الجهة الشمالية من هذه الساحة، شُيّدت بركة تزيّن أرضيتها سجادة فسيفسائية. وفي الجهة الغربية لهذه البركة، يقع المدخل الداخلي الرئيسي للقصر، ويفضي إلى ساحة رحبة تحدّها مجموعة من الغرف. في وسط رواق الساحة الجنوبي، يقع المسجد الصغير الخاص بالخليفة، وفي شمال الرواق الشرقي، يقع المسجد العام. في الجهة الشمالية للقصر، يقع ممر يربط بين القصر والحمّام الملكي، وتزيّن قاعة هذا الحمّام سجادة فسيفسائية مربّعة، طول ضلعها 30 متراً. في شمال هذا الحمام، قاعة خاصة توصف بقاعة الاستقبال، تزيّنها كذلك سجادة فسيفسائية.

تحوي البادية الأردنية موقعاً أموياً يُعرف باسم قصير عمرة، تزيّنه جداريات تمتدّ على مساحة تقارب 380 متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي. في المقابل، يحوي قصر خربة المفجر فسيفساء توصف بأكبر فسيفساء معروفة في هذا العالم. زُيّن هذا القصر برسوم جدارية ضاعت كلّها للأسف، ولم يبق منها إلا بضع شذرات عُثر عليها وسط طبقات الردم، مبعثرة ومتساقطة. في المقابل، خرجت من هذا الموقع مجموعة عظيمة من القطع النحتية متعدّدة الأنواع، تُعتبر اليوم من أجمل شواهد الفن الأموي، ودراستها تكشف عن ثراء هذا الميراث، وتعدّديته الثقافية المدهشة.