قذاف الدم لـ {الشرق الأوسط}: الغرب يدق طبول الحرب للتدخل العسكري في ليبيا

أكد أن مؤتمر القبائل المزمع عقده في القاهرة الاثنين المقبل فرصة تاريخية لإنقاذ البلاد من التقسيم

أحمد قذاف الدم («الشرق الأوسط»)
أحمد قذاف الدم («الشرق الأوسط»)
TT

قذاف الدم لـ {الشرق الأوسط}: الغرب يدق طبول الحرب للتدخل العسكري في ليبيا

أحمد قذاف الدم («الشرق الأوسط»)
أحمد قذاف الدم («الشرق الأوسط»)

قبل يومين من انطلاق ملتقى القبائل الليبية المزمع عقده في القاهرة الاثنين المقبل، حذَّر أحمد قذاف الدم، ابن عم العقيد الراحل معمر القذافي، من نيات عدد من الدول الغربية التدخل في بلاده. وقال في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الغرب أصبح يدق طبول الحرب للتدخل العسكري في ليبيا، تحت مزاعم مختلفة، من بينها مواجهة الهجرة غير الشرعية عبر البحر المتوسط انطلاقا من السواحل الليبية، وغيرها من الحجج، مشددا على أن ملتقى القبائل أمامه فرصة تاريخية لإنقاذ ليبيا من أن تصبح دولة فاشلة يضطر العالم لوضعها تحت الوصاية من جديد.
ووجَّه قذاف الدم انتقادات شديدة لممثل الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، برناردينو ليون، وقال إنه كان يتعمد، على ما يبدو من دعواته لليبيين للحوار في الفترة الأخيرة، تجاهل القبائل الرئيسية والقوى الحقيقية على الأرض في البلاد.
وتطرق قذاف الدم، الذي كان مبعوثا شخصيا للقذافي وعمل لسنوات كمنسق للعلاقات المصرية - الليبية، إلى صعوبة عقد ملتقى شامل للقبائل في الداخل لأنه لا يوجد مكان آمن في ليبيا، مشيرا إلى أنه كان قد جرى تأجيل عقد الملتقى أكثر من مرة، حرصا على مشاركة الجميع، وأضاف أن لقاء القبائل المزمع بالقاهرة «فرصة لإنقاذ ليبيا ووحدتها من التقسيم».. وإلى أهم ما جاء في الحوار
* ما سبب عقد ملتقى للقبائل الليبية في مصر المقرر له يوم الاثنين المقبل؟
- لقد جرت عدة محاولات ليبية في السابق في هذا الاتجاه، لكن على أي حال يمكن القول إن هناك ثلاثة محاور يتحرك عليها الليبيون منذ التدخل الغربي والحلف الأطلسي في ليبيا في 2011.. أنت تعلم ما تسبب فيه هذا الحلف من فوضى عارمة نشهدها في البلاد طيلة السنين الأخيرة. أما بالنسبة للمحاور الثلاثة فهي المحور السياسي، والمحور العسكري، والمحور الاجتماعي. بالتأكيد هناك اختلاف كبير في المحور السياسي، وأيضا هناك اختلاف كبير أو مواجهات عسكرية تحدث دائما، في المحور العسكري، ومن الصعب الوصول فيه إلى وفاق، لكن المحور الاجتماعي يمكن التعويل عليه لأنه لا بد أن نسعى ونتحرك بكل ما هو ممكن للحفاظ على ليبيا، ولذلك تنادت القبائل في أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة من أجل مثل هذا اللقاء المزمع.
* هل المحور الاجتماعي مهم لدرجة أنه يمكن أن يحل مشكلات ليبيا؟
- أولا، الصراع لم يعد صراعا على سلطة، لكنه صراع على وطن. نحن تركيبتنا في ليبيا ليست سياسية. نحن بنية اجتماعية. حاول إخواننا في (مدينة) ترهونة وفي الغرب وفي الشرق وفي (مدينة) بني وليد، وفي ورشفانة وفي طبرق، عقد مجموعة من اللقاءات القبلية، لكن للأسف كانت كلها ذات طابع جهوي أكثر من أن تكون معبرة عن كل الليبيين. إذا تركنا الوضع هكذا، فهذا يعني أننا نعترف أيضا بانقسام الليبيين اجتماعيا شرقا وغربا وجنوبا، وهذا شيء خطير. لذلك نحن نسعى منذ فترة، وكذلك يسعى كثيرٌ من الخيِّرين الليبيين، لكي نجد مكانا آمنا نجتمع فيه، لأن ليبيا لم تعد آمنة لكي تلتقي فيها كل الأطراف بعيدا عن الضغوط العسكرية والرعب والابتزاز. على كل حال تواصلنا مع كثير من الدول، وأخيرا وافقت الشقيقة مصر على أن ينعقد المؤتمر على أرضها، وتنادت القبائل لكي تلتقي في هذا المؤتمر، على أن تفرز كل قبيلة قياداتها من أجل أن تحضر هذا الملتقى المهم.
* هل هناك أي شروط أو قيود حيال بعض القبائل التي تعتزم المشاركة؟
- ليس هناك أي شروط أو قيود أو فيتو (اعتراض) على أحد لهذا الحضور.
* بما في ذلك قبائل مصراتة؟
- كل الأطراف الليبية.. كل القبائل والمدن الليبية بما فيها مصراتة وزوَّارة وسرت وفزان وغات وطبرق. ليس هناك أي قيد على أي أحد. وأيضا لن يكون هناك أي ضغوط من أي دولة على ما سيجري في هذا المؤتمر. ليس هناك أي أجندة إلا أجندة الوطن.
* ما هي أهم أهدف هذا المؤتمر؟
- المؤتمر يستهدف التأكيد على ثوابت الوطن وحريته ووحدته، وهو أنه وطن لكل الليبيين، ومصيره يقرره الليبيون، وعدم تبعيته لأحد. والتأكيد على رفض التدخل الأجنبي. وهذه الثوابت نتفق عليها نحن وخصومنا وكل الفرقاء في ليبيا.
* لكن بعض القبائل استبقت موعد المؤتمر وتحدثت عن تحفظات بشأنه؟
- بعض الأطراف كان لديها تحفظات على انعقاده خارج ليبيا، وهذا مردود عليه بالتأكيد.. وبالتأكيد، كما قلت، اكتشفنا أنه ليس هناك مكان آمن داخل ليبيا حتى نلتقي فيه ونستطيع أن نتحدث فيه عن الخلافات والصراعات التي تشكلت في كل المناطق للأسف. هناك بعض الأطراف كانت تخشى أن تكون هناك قوائم معدة سلفا، أو أن يكون هناك فيتو على بعض الأطراف. وأنا أعود وأؤكد أنه لن يكون هناك أي قيود.. كل قبيلة تختار من يمثلها. وكل حي في المدن وكل من في القرى يقررون من يمثلهم ليحضر دون أي شروط مسبقة.
* هل هناك قبائل بعينها لديها تحفظات، وهل سيؤثر موقفها على المؤتمر، وما هي التداعيات التي يمكن أن تحدث في حال عدم حضورها؟
- لقد جرى تأجيل المؤتمر أكثر من مرة، لأن الإخوة المشرفين عليه حريصون على التواصل مع الجميع وحريصون على أن يكون الكل مشاركا، ولا أعتقد أن هناك ليبيًا يترك الوطن بينما توجد فرصة لإنقاذه وإنقاذ وحدته من هذا التقسيم القبلي الموجود. قبائل في الشرق وقبائل في الغرب. لا أعتقد أنه يوجد ليبي يتردد ولو للحظة في المشاركة في المؤتمر ويدلي بدلوه بما يشاء وبحرية كاملة ودون أي ضغوطات. هذا جانب.. الجانب الثاني نحن نسرع الخطى لأن طبول الحرب بدأت تدق من دول حلف الأطلسي للتدخل في ليبيا من جديد، وتقوم في الوقت الراهن بإصدار بيانات وتعد خططا للتدخل بحجج مختلفة، تارة لحماية مصالحها، وتارة أخرى لمواجهة الهجرة غير الشرعية، وغيرها من الأعذار الواهية أحيانا. ولذا علينا قبل أن تصدر قرارات أممية مرة أخرى ضد ليبيا، وضد شعبنا الذي عانى الكثير من مثل هذه التدخلات، أن نمتلك زمام أمرنا وأن نلتقي لنتخذ قرارات لنبرهن للعالم بأننا لسنا قاصرين ولسنا غير قادرين على إنقاذ وطننا مما يجري فيه.
* هل لديك أي مؤشرات عما قلت إنه قرع لطبول الغرب للتدخل في ليبيا سواء من حلف الناتو أو من أوروبا؟
- نحن نتابع وبحذر كل التصريحات التي تأتي من الغرب وكل الاجتماعات التي تحدث هنا وهناك. بعضها فيه تطاول بالألفاظ على السيادة الليبية، وهذا شيء مستفز لمشاعرنا كليبيين، ويدل أيضا على أن شركاءنا في الشمال، في البحر المتوسط (أوروبا)، ليسوا جادين في حل المشكلة الليبية، لأن الذي يحدث، مثل الهجرة غير الشرعية، هو نتيجة طبيعية للوضع المأساوي الذي تعيشه ليبيا. إذن حين نريد أن نعالج فلا بد أن نعالج المأساة نفسها، وليس معالجة نتائجها أو ما صدر عن هذه المأساة.. كان ينبغي على الأوروبيين، طالما اختار الليبيون برلمانا واختاروا جيشا، أن يساعدوننا على الحوار وأن يساعدونا على الوقوف معا، وعلى تسليح قواتنا المسلحة.
* تعني أنه لو تحقق هذا ستكون ليبيا قادرة على السيطرة على حدودها؟
- نعم.. هذا ممكن. لدينا عشرات الآلاف من المقاتلين الليبيين لو تسلحوا لكانوا قادرين على السيطرة على كل الشواطئ الليبية وعلى حدودنا وعلى مطاراتنا. والقوات المسلحة ستكون قادرة على إعادة السيادة الليبية كاملة على أرضها بأبنائها، دون أي تدخل خارجي، ودون أن نجد أنفسنا في موجهة مرة أخرى مع هذه الدول التي تتحجج الآن بالهجرة غير الشرعية لمعالجة هذا الوضع بطريقة ليس فيها أي حنكة أو حكمة، بل هي تقع خارج اللياقة السياسية في التعاطي الدولي بهذا الشأن مع ليبيا.
* كيف استشفيت نيات الغرب الخاصة باعتزامه التدخل في ليبيا. هل من خلال حديثك مع بعض الأطراف الدولية أو الغربية؟
- هم يعبرون عن قلقهم من الأوضاع في ليبيا، ونحن نقدر هذا القلق. هم يتحملون مسؤولية تدخلهم في ليبيا ووصول ليبيا إلى هذه المأساة. عليهم أن يتعاونوا معنا. على الأمم المتحدة أو تتواصل بشكل حقيقي مع القوى السياسية الليبية الموجودة على الأرض. لأن هم (الأمم المتحدة) يتفاوضون الآن مع بعض القوى، ويتركون الرقم الصعب في المعادلة، وهي القبائل التي واجهت تدخل حلف الناتو في ليبيا في 2011 ولمدة 8 شهور. هم يصرون على استثناء هذه القبائل من الحوار، رغم أن هؤلاء يشكلون ثلثي الشعب الليبي. هذا خطأ كبير.
* يعني غير راضٍ عن محاولات السيد ليون لجمع الفرقاء حول طاولة الحوار في هذا البلد أو ذلك في الشهور الماضية؟
- القضية تتعلق بمدى وجود جدية من قبل الأمم المتحدة وممثلها الخاص في الحل. إذا كانوا جادين فلن تحل مشكلة ليبيا ما لم تكن هذه القبائل طرفا في المفاوضات وفي الحوارات السياسية التي تجري. إذا كانوا جادين فنحن أيضا جادون، ومستعدون للحوار مع إخواننا الليبيين. نحن لا نريد الاحتكام للسلاح ولا نريد أن نعيد صياغة نظام لا يرتضيه الليبيون. نحن نقبل بما يقبل به الليبيون جميعا. نحن شركاء في هذا الوطن، ونحن الرقم الصعب فيه. واستثناء «ليون» لكل هذه القبائل وتهربه من الالتقاء بها بشكل رسمي، سوف لن يحل المعادلة الليبية.
* إذن كيف ترى حوار ليون المستمر حتى الآن مع بعض الفرقاء الليبيين؟
- ببساطة، أقول إن ما يجري حاليا في هذا الخصوص نوع من ذر الرماد في العيون، ومحاولة لتلفيق أو ترقيع واقع لا يمتلك أصلا أي شرعية إلا شرعية السلاح.. توجد عصابات يحاولون تجميعها من جديد لتحكم الشعب الليبي سنوات أخرى، وكأنهم يتناسون أن الشعب عانى منها أربع سنوات من الدمار والقتل والتهجير والنهب والسلب، وما ترتب على ذلك من الهجرة غير الشرعية للشمال أو تهريب السلاح للدول المجاورة أو تشكيل خطر لكل دول الجوار عموما.
* وهل السيد ليون سيحضر ملتقى القبائل الليبية في مصر؟
- لقد زار ليون القاهرة والتقى باللجنة الليبية المشتركة المكلفة الإعداد للملتقى وطلبوا منه ألا يتدخل في أعمال المؤتمر، وطلبوا منه أيضا ألا يحشر نفسه في هذه القضية وأنه لا علاقة لأي دولة ولا للمجتمع الدولي بهذا، ولكنه دُعي كغيره من السفراء ومن ممثلي الدول، ليكونوا شهودا، في نهاية المؤتمر، على اتفاق الليبيين، وأن يدعموا الموقف الليبي الجماعي من أجل إنقاذ ليبيا.
* إلى أي حد تنخرط مصر في أعمال هذا الملتقى؟
- الشقيقة مصر تستضيف هذا المؤتمر أو الملتقى، ولا تتدخل فيه.. نحن نريد أن نبرهن للعالم أن الليبيين قادرون على أن يلتقوا، وأن يرتفعوا من أجل الوطن وأن ينحنوا أمامه من أجل خروجه من النفق المظلم الذي يسير فيه والخلاص من حالة الاحتراب والاقتتال، وعودته إلى أبنائه، والوصول إلى توافق من أجل الخروج من هذه المأساة المدمرة التي طالت الجميع.
* ماذا تتوقع من المؤتمر؟
- المؤتمر سيستمر يومين أو ثلاثة، ومن الممكن أكثر من ذلك في حال تطلب الأمر، لكن سوف ينبثق عنه بعض اللجان للحوار والمصالحة والتواصل مع الدول، والتوافق على عودة القوات المسلحة ودعمها. ولا أريد أن أستبق الأحدث. ما يقبل به الليبيون في هذا المؤتمر نحن نقبل به. لا أحد يقرر الآن نيابة عن الناس أو عن الليبيين. وعندما يوجدون في المؤتمر يقررون ما يشاءون بحرية كاملة وبمنتهى الشفافية وبتوافق كامل وأنا أثق في أن الخيِّرين الليبيين سوف يستجيبون لهذا النداء وسيحضرون ويوجدون. أما الذين يماطلون أو يترددون في هذه اللحظة الحاسمة في تاريخ الوطن، فهؤلاء يتصرفون من دون مسؤولية أو بمصالح شخصية، وهذا سيؤدي مرة أخرى لضياع آخر لليبيا لأن العالم قد يجد نفسه مضطرا لأن يعامل الليبيين كدولة فاشلة ويضعها تحت الوصاية من جديد، وهذا أمر خطير نحذر منه، ولذلك مهما كانت تنازلاتنا نحن الليبيين بعضنا لبعض، سوف تكون أقل (ضررا) مما قد نواجهه في المستقبل من أحداث وتداعيات.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.