تعرَّف على المخاطر الكامنة في الشحن فائق السرعة للهواتف الجوالة

يخفض عمر البطارية وأداءها... وتتراجع فائدته مع زيادة سرعات الشحن

تقنية الشحن بقدرة 200 واط من «شاومي»
تقنية الشحن بقدرة 200 واط من «شاومي»
TT

تعرَّف على المخاطر الكامنة في الشحن فائق السرعة للهواتف الجوالة

تقنية الشحن بقدرة 200 واط من «شاومي»
تقنية الشحن بقدرة 200 واط من «شاومي»

تتباهى بعض شركات تصنيع الهواتف الجوال بتقديم سرعات شحن فائقة، مثل «شاومي» Xiaomi بقدرة شحن تبلغ 200 واط و«وان بلاس» OnePlus و«ريلمي» Realme بقدرة 150 واط و«آي كو» iQoo بقدرة 120 واط، وغيرها من الشركات المصنّعة الأخرى. ولكن السؤال الجوهري هو: هل تأتي زيادة سرعات الشحن هذه دون أي تداعيات، أم هل تتأثر بطارية هاتفك الجوال أو جهازك اللوحي سلباً جراء سباق الشحن؟
سنستعرض في هذا الموضوع 3 عوامل تؤثر على عمر وأداء البطارية مرتبطة بالشحن فائق السرعة، ومجموعة من النصائح للمحافظة على عمر أطول لبطاريات أجهزتك المحمولة.
- آثار الشحن السريع
تعمل بطاريات الأجهزة المحمولة من خلال قطبين موجب وسالب يوجد بينهما فرق جهد كهربائي من حيث عدد الإلكترونات؛ لتتحرك الإلكترونات من القطب السالب إلى الموجب، مروراً بالدارات الإلكترونية للجهاز. ولدى انتهاء هذا التدفق، تتوقف البطارية عن العمل، وتحتاج إلى معاودة شحنها لتحريك الإلكترونات من القطب الموجب إلى السالب لإيجاد فرق الجهد المطلوب وشحن البطارية.
* انخفاض شحنة البطارية. وتأتي هنا تقنيات الشحن فائق السرعة التي تحرك الإلكترونات بشكل أسرع من خلال وضع فواصل داخلية بين القطبين لضمان عدم انتقال الإلكترونات مباشرة من القطب السالب إلى الموجب عوضاً عن مرورها كلها عبر دارات الهاتف. وكلما ازدادت سرعة الشحن، تزداد سماكة هذه الفواصل، وبالتالي ينخفض الحجم المتوفر للبطارية؛ الأمر الذي يخفض كثافتها أو شحنتها الممكنة بشكل إجمالي.
كما تقوم بعض الشركات بتقسيم البطارية الكبيرة إلى بطاريات أصغر حجماً لتسريع عملية الشحن، وبالتالي تُضيع المزيد من الحجم الذي كان من الممكن أن يتم استخدامه لرفع شحنة البطارية. هذا الأمر يعني أن تقنيات الشحن فائق السرعة ستكون موجودة فقط في الهواتف كبيرة الحجم، ولا يمكن وضعها بالقدرات ذاتها في الهواتف ذات الأحجام الأصغر.

شاحن بقدرة 160 واط من «إنفينيكس»

* العامل الثاني الذي يؤثر على البطارية هو أن تقنيات الشحن فائق السرعة تحرك الإلكترونات من القطب الموجب إلى السالب بسرعات أعلى، وبالتالي سينتج من ذلك المزيد من الحرارة المنبعثة التي تؤثر سلباً على جودة البطارية وعمرها؛ ذلك أن الحرارة العالية تغير التركيبة الداخلية للبطارية بشكل تدريجي لتنخفض قدرتها على المحافظة على الشحنة مع مرور الوقت (تنخفض قدرة البطارية بنحو 20 في المائة في السنة لو حافظ المستخدم على حرارتها بحدود 30 درجة مئوية، وتنخفض بنحو 40 في المائة في السنة لو حافظ المستخدم على حرارتها بحدود 40 درجة مئوية).
ولهذا السبب؛ يُنصح بعدم استخدام الهاتف أثناء شحنه؛ وذلك بهدف خفض الحرارة المنبعثة منه والمحافظة على عمر البطارية إلا لو كان الهاتف يدعم ميزة تجاوز الشحن Bypass Charging لتشغيل دارات الهاتف خلال الاستخدام المكثف دون شحن البطارية (مثل جلسات الألعاب المتطلبة). وبالتالي، فإن الشحن فائق السرعة سيجعل البطارية تدوم أقل مع مرور الوقت، وسيحتاج المستخدم إلى استبدالها في مراكز صيانة الشركات المصنعة؛ ذلك أن الغالبية العظمى من الهواتف أصبحت مغلقة بمواد لاصقة لا تسمح للمستخدم فتحها لاستبدال البطارية إلا باستخدام أدوات خاصة، مع ضرورة استخدام مواد لاصقة جديدة لدى تركيب الهاتف.
- تراجع الفائدة
* العامل الثالث هو تراجع الفائدة جراء زيادة قدرات الشحن فائق السرعة، حيث إن الشركات المصنعة غالباً ما تروج لتقنيات الشحن فائق السرعة بالتحدث عن سرعة شحن أول 50 في المائة من البطارية؛ وذلك لأن قدرة الشحن التي تتحدث عنها الشركة هي القدرة القصوى الممكنة وليس القدرة المستمرة للشحن. وتستطيع تقنيات الشحن فائق السرعة تحقيق هذه القدرة القصوى خلال شحن أول 50 في المائة تقريباً، وليس في جميع الأوقات؛ الأمر الذي يعني أن الهاتف سيبطئ من عملية الشحن بعد ذلك للمحافظة على عمر البطارية.
هذا الأمر يعني أن شحن الهاتف بشاحن قدرته 60 واط لا يعني أنه أسرع مرتين من شاحن قدرته 30 واط، ولا يعادل شحن الهاتف بشاحن قدرته 120 واط ضعف شاحن قدرته 60 واط. هذا الأمر يدل على سبب عدم انخراط كبرى شركات الهواتف الجوالة في سباق سرعة الشحن، حيث تقدم «أبل» سرعة شحن بقدرة تصل إلى 27 واط في أحدث هواتفها «آيفون 13 برو ماكس»، بينما تدعم «سامسونغ» الشحن بقدرة 45 واط في أحدث هواتفها «غالاكسي إس22 ألترا»، على خلاف بعض الشركات الأخرى التي تروج لتقنيات شحن فائق السرعة قد يؤدي استخدامه المفرط إلى استبدال هاتفك بآخر بشكل أسرع، وهو ما ترغب فيه تلك الشركات لتحقيق المزيد من المبيعات والأرباح جراء استخدام ميزة ظاهرها مفيد للمستخدم، ولكنها تقوم في الخفاء بخفض عمر بطارية هاتفك.
وكانت شركة «أوبو» قد كشفت في واقت سابق من العام الحالي، عن أنها طورت تقنية شحن فائقة السرعة بقدرة 240 واط، وفي الوقت نفسه طورت تركيبة جديدة داخل البطاريات ترفع من عمر ومستويات أمان البطارية لدى استخدام تقنية الشحن الجديدة دون القلق حول تأثيرها على جودة البطارية. كما تحافظ هذه التقنية على قدرة البطارية بنحو 80 في المائة بعد شحنها 1.600 مرة (نحو 4 سنوات و4 أشهر إذا تم شحن الهاتف بالكامل يومياً)، وبالتالي مضاعفة عمر البطارية مقارنة بالتقنيات الأخرى.
- نصائح لشحن أجهزتك
يذكر أن استخدام الشحن اللاسلكي للهاتف ينجم عنه حرارة في منصة الشحن ستنتقل إلى هيكل الهاتف وتؤثر سلباً على عمر البطارية. وتروج الشركات المصنعة للشواحن اللاسلكية بأن الشحن اللاسلكي هو الطريقة المثلى للمحافظة على هاتفك بشحنة 100 في المائة، ولكن هذا الأمر غير صحي للبطاريات الحالية، حيث إن تواجد الإلكترونات بشكل كامل في القطب السالب أو الموجب (البطارية ممتلئة أو فارغة) يسبب عدم توازن ويولد ضغطاً في البطارية، ويُفضَّل أن تكون شحنة البطارية بحدود 50 في المائة في جميع الأوقات للمحافظة على عمر أطول لها، وهذا هو السبب الذي يجعل الشركات المصنعة للهواتف الجوالة تشحن هواتفها بحدود النصف قبل توضيبها في علبها وإرسالها إلى المخازن ومتاجر البيع التي ستتواجد فيها الهواتف لفترة طويلة نسبياً، عوضاً عن ترك البطارية فارغة أو مشحونة بالكامل.
ويُنصح بإزالة غطاء حماية هاتفك الجوال خلال عملية الشحن فائق السرعة؛ وذلك بهدف تبديد الحرارة الناجمة عن الشحن بشكل أفضل عوضاً عن وجود غطاء يعرقل هذه العملية التي تؤثر سلباً على عمر البطاريات التي تعمل بتقنية أيونات الليثيوم Lithium - ion.
وتستخدم العديد من الهواتف ميزة اسمها «الشحن المُحسَّن» Optimized Charging للتعرف على أوقات استخدام الهاتف بعد شحنه لفترة مطولة، مثل فترات النوم، حيث يعلم الهاتف أن المستخدم يستيقظ يومياً في حدود الساعة السابعة صباحا، مثلاً، ليقوم بشحن الهاتف لغاية 50 في المائة فقط خلال الليل، ومن ثم التوقف عن شحنه للمحافظة على عمر البطارية، ليكمل شحنه إلى 100 في المائة قبل استيقاظ المستخدم بنحو ساعة.
ولا يُنصح بشحن هاتفك بشكل متكرر قبل انخفاض نسبة شحنه عن 30 في المائة؛ وذلك بهدف المحافظة على جودة توزيع الإلكترونات قبل وصولها إلى نقطة يشتد فيها فرق الضغط الكهربائي بين القطبين. كما يُنصح بالتوقف عن شحن الهاتف لدى وصول نسبة شحنه إلى نحو 80 في المائة، للسبب نفسه.
كما يُنصح باستخدام الشاحن المخصص لهاتفك عوضاً عن أي شاحن من شركة أخرى، حيث إن معظم الشركات تسمح لشواحنها التواصل مع الهاتف ومعرفة حالة شحنة البطارية والتوقف عن الشحن في حال وصول شحنة البطارية إلى 100 في المائة للمحافظة عليها. وقد يتم شحن البطارية بفائض في حال تم استخدام شاحن لا يراعي هذه المسألة أو في حال عدم حماية الهاتف للبطارية من الشحن الزائد.
وإلى حين انتشار البطاريات التي تقاوم الآثار السلبية للشحن فائق السرعة، يُنصح بتوخي الحذر لدى شحن بطاريات أجهزتك بتقنيات الشحن فائق السرعة، حيث إن شحن البطاريات لا يقتصر على الهواتف الجوالة والأجهزة اللوحية، بل يمتد إلى البطاريات المحمولة والسيارات الكهربائية والدراجات الكهربائية التي انفجرت بطاريات بعضها خلال شحنها.


مقالات ذات صلة

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

دراسة جديدة تطور إطاراً يتيح للروبوتات نقل المهارات بأمان بين منصات مختلفة بما قد يقلل تكلفة الأتمتة والتحديث الصناعي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الميزة لا تعني إزالة «شورتس» نهائياً من المنصة بل تقليص ظهوره والتحكم في استهلاكه (أدوبي)

هل تسعى «يوتيوب» إلى تقليص حضور «شورتس»؟

«يوتيوب» يضيف خيار «صفر دقيقة» لتقليص تصفح «شورتس» في خطوة تمنح المستخدم تحكماً أكبر دون إزالة الخدمة نهائياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا حوّل المهام الروتينية التقليدية إلى عمليات ذكية وسريعة لتسريع الإبداع

وحدات «إنفيديا» للرسومات المدمجة في الكومبيوترات المحمولة تطلق عنان الإبداع والذكاء الاصطناعي

تهدف وحدات «إنفيديا» لتوفير تجربة إنتاجية ذكية للأعمال الإبداعية بأداء مضاعف وموثوقية أعلى في تطبيقات التصميم والمونتاج.

خلدون غسان سعيد (جدة)

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.